عرض المشاركة وحيدة
  #51  
قديم 10/02/2004, 06:09 PM
علي بن محمد الحجري علي بن محمد الحجري غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ الانضمام: 18/01/2004
الإقامة: سلطنة عمان- ولاية بدية
المشاركات: 46
من بين كتب شروح الحديث سأتكلم عن المنهج والتطبيق عند الإمام النووي ومن اراد قراءة المزيد فليرجع الى الكتاب:

المنهج والتطبيق عند الإمام النووي

الإمام النووي في شرحه لصحيح الإمام مسلم كرر ادعاءات مثبتي رؤية الله سبحانه وتعالى من غير التفات إلى تضعيف علماء الجرح لرجال أسانيدها، فقد قال: " اعلم، أن مذهب أهل السنة بأجمعهم أن رؤية الله تعالى ممكنة غير مستحيلة عقلاً، وأجمعوا أيضا على وقوعها في الآخرة، وأن المؤمنين يرون الله تعالى دون الكافرين ... وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة فمن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين، ورواها نحو من عشرين صحابيا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " (1).

فالإجماع حول قضية ثبوت رؤية الله سبحانه وتعالى قد نفاه ابن عبد البر بقوله: " إنا لم ندع الإجماع في هذه المسألة، ولو كانت إجماعاً ما احتجنا فيها إلى قول" (2). وأما ادعاء تظاهر أدلة رؤية الله سبحانه وتعالى فقد أسقطته قواعد علماء الجرح والتعديل كما سيتبين في هذا البحث إن شاء الله تعالى.

وانسياب هذه الادعاءات على لسان الإمام النووي لم تقف عند عصره بل كررتها ألسنة من أتى بعده من الشراح، فادعاء كون عشرين صحابياً قد رووا أدلة رؤية الله سبحانه وتعالى قد قاله ابن القيم ، وبدر الدين العيني (3) ، وعلي القاري (4).

والانسياق خلف أقوال السابقين جعل الإمام النووي ينقل الضعيف من الأقوال في سياق إثباته للرؤية، حيث قال: "... وأما صاحب التحرير فانه اختار إثبات الرؤية، قال: والحجج في هذه المسألة، وإن كانت كثيرة، ولكنا لا نتمسك إلا بالأقوى منها، وهو حديث ابن عباس، رضى الله عنهما: (أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم) وعن عكرمة، سئل ابن عباس، رضى الله عنهما: هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه؟ قال: نعم. وقد روي بإسناد لا بأس به، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، رضى الله عنه، قال: (رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه)، وكان الحسن يحلف: لقد رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه " (5).

فهذه الأقوال المنسوبة إلى ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والحسن البصري ضعيفة لا يصح منها شيء بشهادة علماء الأمة (6) ، فكيف يسوغ للإمام النووي إيراد هذه الادعاءات من غير تبيان لضعفها أو مبررات صحتها؟
ونقلُ الإمام النووي للرواية المنسوبة إلى أنس بن مالك رضي الله عنه والتي جاءت من طريق عنعنة قتادة لهو الدليل البين على عدم تطبيقه لمنهجه الذي سلكه في شرح صحيح الإمام مسلم. فقد ضعف في مواضع عديدة من شرحه عنعنعة قتادة، حيث قال: " فإن قتادة رضي الله عنه كان من المدلسين ... وقد تقرر أن المدلس إذا قال: عن لا يحتج به، وإذا قال: سمعت احتج به على المذهب الصحيح المختار" (7).

وقال أيضاً: " ... قتادة رحمه الله تعالى مدلس. وقد قال في الرواية الأولى عن، والمدلس لا يحتج بعنعنته إلا أن يثبت سماعه " (8).

وقال أيضاً: " وقد تقدم أن قتادة مدلس وأن المدلس لا يحتج بعنعنته حتى يثبت سماعه ذلك الحديث " (9).

وهذا مثال واحد يشهد بأن معتقدي رؤية الله سبحانه وتعالى قد خالفوا قواعدهم وأسس بحوثهم عند احتجاجهم بما قرءوه من روايات وأخبار ضعيفة في كتب من سبقهم من العلماء.

ولم يقف الإمام النووي عند تمرير الضعيف من الأقوال بل وصل به الحال إلى إضافة أفكار لم يأت بها دليل ولا برهان. فعند شرحه لما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر في جنة عدن)، قال الإمام النووي شارحاً لهذه الكلمات: " فعبر صلى الله عليه وسلم عن زوال المانع ورفعه عن الأبصار بإزالة الرداء " (10).

فمن أين أتى الإمام النووي " بإزالة الرداء "، والحديث صريح بأن رداء الكبرياء هو المانع من رؤية العباد لله سبحانه وتعالى؟!

__________
الهوامش:
(1) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، م2، ج 3 /ص 18

(2) التمهيد، ج3/ص291

(3) قال ابن القيم : " وقد روى أحاديث الرؤية عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه منهم جرير بن عبد الله وأبو رزين العقيلي، وأبو هريرة وأبو سعيد، وصهيب وجابر، وأبو موسى، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وأنس بن مالك، وعدي بن حاتم، وعمار بن ياسر، وعمرو بن ثابت الأنصاري، وابن عمر رضي الله عنهم ". ( حاشية ابن القيم على سنن أبي داود، ج13/ص53-54 )
وقال أيضاً: " فهذا النظر إلى الله والأحاديث التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إنكم ترون ربكم) صحيحة، وأسانيدها غير مدفوعة، والقرآن شاهد أن الله يرى في الآخرة ". (المرجع السابق، ج13/ص 55)

(3) قال بدر الدين العيني: " ذكر ما يستفاد منه: وهو على وجوه. الأول: استدل بهذه الأحاديث وبالقرآن وإجماع الصحابة ومن بعدهم على إثبات رؤية الله في الآخرة للمؤمنين، وقد روى أحاديث الرؤية أكثر من عشرين صحابيا ". (عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ج5/ص62)

(4) قال علي القاري: " وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة فمن بعدهم من سلف الأمة، على إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين، ورواها نحو من عشرين صحابياً رضي الله تعالى عنهم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم". (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ج10/ص320 )

(5) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، م2، ج3 /ص 8-9

(6) انظر قول علماء الجرح والتعديل في أسانيد الروايات المنسوبة إلى ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والحسن في ص 5 وما بعدها من هذا البحث.

(7) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، م2، ج 4 /ص 294

(8) المرجع السابق، م2، ج 4 /ص 331
(9) المرجع السابق، م3، ج 6/ص 431
(10) المرجع السابق، م2، ج 3/ص19

يتبع بإذن الله تعالى