عرض المشاركة وحيدة
  #7  
قديم 07/12/2003, 02:59 AM
سليمان بن موسى سليمان بن موسى غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ الانضمام: 14/10/2002
الإقامة: غرداية-الجزائر
المشاركات: 651
على أنّ هذه المشورة إنما تتفاوت بتفاوت القضايا التي يُستشار فيها المستشارون، فإنّ القضايا متفاوتة، فقد يكون التشاور بين المسلمين في قضية تعود إلى الخبرات العسكرية وهذا أمر يَجب أن يُرجَع فيه إلى أهل الاختصاص مع عرض آرائهم على الأحكام الشرعية بحيث تُعرَض على الفقهاء في الدين حتى لا تكون هذه الآراء مخالفة لأحكام الشريعة الغراء وإنما يصار في تطبيق المبدإ إلى الخبرات التي يُحصِّلها هؤلاء من خلال تجاربهم ومن خلال ممارستهم، وإذا كان الأمر يتعلق بالاقتصاد فكذلك يستشار فيه المتخصصون في هذا المجال، ولئن كان متعلقا بالعمران فإنه يستشار فيه - أيضا - ذوو الاختصاص بهذا الجانب، وهكذا يُراعى الحال .. كذلك في التجارة وكذلك في الصناعات .. يُستشار في كل مجال من المجالات أهل ذلك الاختصاص مع عرض آرائهم ومشورتهم على الأحكام الشرعية حتى لا يكون هنالك شيء من التصادم بين ما وصلوا إليه من الرأي وبين أحكام الله تعالى، وهذا مما ذَكره بعض الفقهاء المتقدِّمين، فمِمّن ذكر ذلك ابن خُوَيْز مَنْدَاد العالم المالكي المشهور الذي كتب كتاب " أحكام القرآن "، ونقل غالب ما في هذا الكتاب الإمام القرطبي في تفسيره، فقد حكى عنه القرطبي بأنه يُرجَع في المشورة إلى الناس، ففي القضايا التي تتعلق بفهم أحكام الله - تعالى - يُرجَع إلى الفقهاء المتبحرين، وفي القضايا التي تَرجِع إلى تجارب البشر يُرجَع فيها إلى أهل الاختصاص، فيُسأل عن كل شيء من كان مختصا به، وهذا أمر تبِعه عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - فإنه كان يستشير النساء فيما يتعلق بقضايا النساء، وكان عمر - رضي الله تعالى عنه - أيضا ربما استشار من كان جديدَ عهدٍ بالإسلام من أجل خبرة في قضية معيّنة ويَترك بجانب ذلك المهاجرين والأنصار الذين كانوا أسبق إلى الإيمان بكثير، فقد روي عنه أنه استشار الهُرْمُزان الفارسي لمّا وفد عليه مسلما في قضية تتعلق بالمَغازي لأنه كان ذا خبرة بذلك وأخذ برأيه ومشورته؛ وهكذا تُتَّبَع المشورة.
وبالجملة فإنّ المشورة بين المسلمين سِمة من سماتهم البارزة، والحكم في الإسلام يَعتمِد على ذلك، فإنه عندما يكون الحكم بدون تَشاوُر يؤدي بطبيعة الحال إلى الاستبداد، والضررُ الذي يَنتج عن الاستبداد في الحكم أعظم من الضرر الذي ينتج عن الاستبداد بالمال والثروة، مع أنّ الله - تبارك وتعالى - نَبّه على خطورة هذا الضرر، عندما قال: (( ... كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُم ... )) [ سورة الحشر، من الآية: 7 ] وفَرَض الله - تعالى - من أجل ذلك ما فرض من القيود في كسب المال وفي إنفاقه ومن الواجبات والتكاليف التي يَنوء بها أصحاب الثروات من أجل عدم استبداد الناس بثرواتهم، وكذلك في الحكم عندما تكون القاعدة والقمّة على تشاور بينهم يؤدي ذلك إلى سلامة الجميع، وتكون الأمّة أمّة عزيزة .. أمّة ذات خبرة وذات دِراية فيما تأتي وفيما تذَر وفيما تأخذ وفيما تترك.
فنسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يجمع شَتات هذه الأمّة على الخير، وأن يجعل على أيديها إنقاذ الإنسانية من ورطاتها وأن يُوفِّق الله - تبارك وتعالى - هذه الأمّة لكل خير، وأن يأخذ بيدها إلى جادّة الصواب إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

الأسئلة التي أعقبت المحاضرة مع إجابة الشيخ عليها

ــــــــ
يتبع بإذن الله تعالى.