عرض المشاركة وحيدة
  #3  
قديم 07/12/2003, 12:06 AM
سليمان بن موسى سليمان بن موسى غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ الانضمام: 14/10/2002
الإقامة: غرداية-الجزائر
المشاركات: 651
ونجد في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على أنّ مسؤولية العدل مسؤولية كبيرة، وأنّ من تحمل هذه المسؤولية بأمانة وجدارة كان حريا بأن يُبوِّئه الله - سبحانه وتعالى - المراتب العلى في الدار الآخرة وأن يرفع قدره ويعلي شأنه، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله ) وعندما ذكر هؤلاء السبعة ذكر في من ذكر الإمام العادل، فالإمام العادل هو الذي يضع الأشياء في مواضعها ويعطي كل ذي حق حقه ولا يُؤْثِر قريبا على بعيد ولا وليا على عدو بسبب ما بينه وبينه من قرابة أو وَلاية وإنما يُنزِل الناس منازلهم بحسب ما أمر الله - تعالى - به.
وفي المقابل نجد في الحديث الشريف - أيضا - ما يدل على أنّ من لم يعمل بذلك كان بعيدا كل البعد عن رحمة الله تعالى، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( ما من والٍ يلي رعيّة من المسلمين فيموت وهو لها غاشّ إلا حرّم الله عليه الجنة ) فمن ولي رعيّة - أي طائفة يرعاها من المسلمين - ثم بعد ذلك يموت وهو لها غاشّ بحيث لا يؤدي لها النصح ولا يقوم لها بالواجب لا يكون له جزاء عند الله إلا أن يحرمه الله - سبحانه وتعالى - من جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.
كذلك نجد هناك حديثا آخر جاء غير مقيَّد بكون الرعية من المسلمين، فقد جاء في هذا الحديث: ( ما من عبد يسترعيه الله رعيّة ثم لا يَحوطها بنصحه إلا لم يرح رائحة الجنة ) فمن ولي رعيّة أيّ رعية كانت ولم يَحطها بالنصح الذي فرضه الله - تعالى - عليه فإنّ جزاءه ألاّ يريح رائحة الجنة، ولا يقال بأنّ هذا الإطلاق هنا مقيَّد بذلك القيد الذي جاء في الحديث الآخر - بناء على القاعدة المشهورة عند الأصوليين من أنّ المطلَق يُحمل على المقيَّد - وأنّ غيرَ المسلمين لا يكون لهم حق النصح كما هو مفروض للمسلمين لأنّ هذا التقييد إنما هو - كما تعلمون - من باب الأخذ بالمفهوم والمفهوم يُصار إلى الأخذ به عندما يكون المنطوق غير وارد مورد الأغلب المعتاد، ومن المعلوم أنّ الناس في ذلك الوقت الذي كانت الجزيرة العربية فيه واقعة تحت حكم الإسلام بحيث كانت راية الدولة الإسلامية ترفرف على أجزاء الجزيرة العربية وكان كل وال يبعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - يبعثه إلى المسلمين اللهم إلا أن تكون هنالك طائفة قليلة من أهل الذِّمَّة فلذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا، ومما يدل على أنّ هذا الحكم على إطلاقه ما جاء من آيات الكتاب العزيز دالا على أنّ العدل مبدأ عام لا فرق فيه بين مسلم وغيره فعلى المسلم أن يعدل بين المسلم وغير المسلم، كما هو في قول الله تعالى: (( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ... )) [ سورة النساء، من الآية: 58 ] فإذن الحكم بين جميع الناس إنما يجب أن يكون بالعدل، فالظلم يُرفع عن المسلم وغير المسلم بحسب شريعة الله تبارك وتعالى، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيّته ) فكل راع هو مسؤول عن رعيّته سواء كانت هذه الرعيّة على حق أو كانت على باطل.
ومن أجل القيام بهذه المهمة .. مهمة العدل والاضطلاع لهذه الأمانة .. أمانة الإنصاف بين الناس جميعا كان الحكم في الإسلام مبنيا على قاعدتين أساسيتين لا يستقيم الحكم في الإسلام دونهما: شريعة الله - تعالى - العادلة، وشورى الجماعة المسلمة.
فإنّ شريعة الله العادلة هي التي يُحتكم إليها في كل جزئية من جزئيات أمور الناس .. فيما دقّ أو جلّ .. فيما عظُم أو حقُر، فليس للإنسان أن يَحتكم إلى غير شريعة الله، لأنّ الله - سبحانه وتعالى - نَسب كل حكم يُخالِف حكمه - عز وجل - إلى الجاهلية عندما قال: (( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُون )) [ سورة المائدة، الآية: 50 ]، وقال عز وجل: (( ... وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )) [ سورة المائدة، من الآية: 44 ] وقال: (( ... وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )) [ سورة المائدة، من الآية: 45 ]، وقال: (( ... وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )) [ سورة المائدة، من الآية: 47 ]، وحذّر الله - سبحانه وتعالى - نبيّه - عليه أفضل الصلاة والسلام - عن أن يُميله الناس عن هذا الحكم .. الحكم الذي أنزله الله - تعالى - وهو شريعة الله العادلة، فالحكم - إذن - لا يكون إلا بهذه الشريعة في الإسلام.
والشورى هي تعاون بين الراعي والرعيّة على القيام بأعباء هذه المهمة التي نيطت بهذه الأمّة وهي مهمة العدل بين الناس، فالشورى تجعل الحكم قائما على العدل والإنصاف، لأنّ الشورى تعاون ما بين القاعدة والرأس .. أو - كما يقال: - ما بين الراعي والرعيّة.
والشورى ليست مختصة بالأنظمة السياسية، بل هي طابَع إسلامي عام، كما يدل على ذلك وصف الله - تبارك وتعالى - للجماعة المسلمة بقوله: (( ... وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ... )) [ سورة الشورى، من الآية: 38 ] ومتى كان هذا الوصف ؟ كان هذا الوصف قبل أن تقوم للمسلمين دولة، لأنّ ذلك مما نزل في سورة الشورى وهي إحدى السور المكية .. أنزلها الله - سبحانه وتعالى - على نبيه - صلى الله عليه وسلم - في وصف أتباعه - عليه أفضل الصلاة والسلام - مع أنّ أولئك الأتباع في ذلك الوقت لم تكن لهم دولة تُوحِّدهم، بل لم يكن لهم نظام يجمع شتاتهم وإنما كانوا متناثرين في المجتمع المكي الجاهلي الذي كانت تغمره الكثرة الكاثرة من أهل الجاهلية وكان المسلمون في ذلك الوقت لا يَملكون أن يتوحدوا من أجل إقامة نظام خاص بينهم .. لا نظام سياسي ولا نظام اجتماعي ولا نظام ماليّ ولا أيّ نظام آخر ولكن مع ذلك وصف الله - تبارك وتعالى - تلك الجماعة التي كان أفرادها متناثرين بهذا الوصف: (( ... وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ... )) [ سورة الشورى، من الآية: 38 ] من أجل أنّ ذلك طابَع إسلامي عام، فالمسلم دائما يستشير أهل المشورة والرأي ويُحب أن يعمل حسب ما يقتضيه رأيهم وما تمليه عليه مشورتهم، لأنّ الإسلام دين الفطرة.
ومن شأن الله - تبارك وتعالى - أن جعل حياة الناس حياة تقوم على الاجتماع، ولا تقوم على الاستبداد واستقلال كل أحد بشأنه، فالناس لابد لهم من تعاون فيما بينهم حتى تنتظم أمورهم، فكما ترون جعل الله - تبارك وتعالى - كل أحد من الناس بحاجة إلى بني جنسه بحيث لا يستقل بمصالحه بنفسه سواء في ذلك القوي أو الضعيف والغني أو الفقير والحاكم أو المحكوم والمالك أو المملوك، فكل أحد بحاجة إلى جميع بني جنسه .. كل من انتمى إلى طبقة من طبقات الناس هو بحاجة لا إلى طبقته فحسب بل هو بحاجة إلى جميع تلك الطبقات، وذلك لأنّ الله - سبحانه وتعالى - أراد للعباد أن يكونوا أهل تآلف ووئام وانسجام، فلو أنّ الناس استقل كل أحد منهم بمصالحه لأدى بذلك إلى انحلال الوشائج التي تشد بعضهم إلى بعض وأدى ذلك إلى انحسار الوئام فيما بينهم وكانت القطيعة بدلا من الصلة التي تربطهم، وبجانب هذه الحكمة البالغة ففي ذلك - أيضا - إيقاظ لأحاسيس هؤلاء الناس بأنهم فقراء وأنّ الله - تبارك وتعالى - وحده هو الغني، فلذلك لم يكن أحد من الناس يستقل بمصالحه بنفسه لأجل أن يعرف بذلك فقره وحاجته، والله - تبارك وتعالى - وحده هو الغني عن عباده.

ـــــــ
يتبع بإذن الله تعالى.