|
التجديد والاجتهاد
قبل البدء في الكلام عن ارتباط الكلمتين لابد من معرفة التجديد حتى تكون صورته شاخصة للعيان.
فحقيقته تكمن كما يقول العلامة المودودي: (... أن التجديد في حقيقته عبارة عن تطهير الإسلام من أدناس الجاهلية، وجلاء ديباجته حتى يشرق كالشمس ليس دونها غمام)(37) والأمر أعم من ذلك لأنه يشمل بالاضافة إلى ما ذكره إعادة الطرح الاسلامي بصيغة مناسبة لمقتضى العصر، ويتناول تسليط الضوء على الجديد من القضايا التي لم تطرح سابقاً مع الحكم عليها وفق معطيات الدليل الشرعي.
والتجديد تنزيل المطلق ـ الوحي ـ على الواقع ومحاكمته به، وهو كلمة تحمل الحيوية المتجددة، التي تبعث النفس للسعي الدؤوب لاعادة معالم الدين بعد أن كادت تنطمس في مختلف المجالات، وهو متوقف على الاجتهاد لأنه المحرك الأساسي لهذه العملية، وهو تلبية لحاجتي الدين والدنيا وبدونه لابد أن يضحي الإنسان بأحدهما، فمن لم يهتم به حرم خير المستجدات وفي الوقت ذاته لم يتمكن من دفع شرها لأنها ستصل إلى عقر داره لا محاله ، والتجديد ليس بمتابعة كل ناعق يدعو للجديد والحداثة فليس المراد منه الاتباع، بل المراد محاكمة الجديد بالقواعد الثابتة، فالجديد منه خير محض فيجب قبوله، ومنه شر محض فيجب رده ومنه مزيج بينهما فيجب انتقاء الخير ودفع الشر ان أمكن، أو يرجح الغالب منهما عند عدم الإمكان.
ولا يليق بأمة الدعوة والرسالة الخالدة أن تبقى مكتوفة الأيدي وهي تبصر بأم عينها، وتسمع بأصمخ أذنها تسابق الأمم في مضمار التقدم فمنها المجلي ومنها المصلي، فأنى لها الثبات وهي تقاتل بسيف في زمان تقصف فيه بصواريخ تعبر القارات؟!، فلابد ان تسعى قدماً لتنال المكانة اللائقة بها اذ مكانها القيادة لجميع الأمم ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (38).
ويتأكد وجوب السعي لتحقيق ذلك تباين الانسان عن غيره من المخلوقات فلا يبقى على حاله، فسنة الارتقاء أمر فطري فيه والبقاء على القديم ينافي فطرته وينزل به إلى حضيض الحيوانات.
وبما أن مثالية الدين واقعية وليست وهمية، وقد قامت البراهين النصية والواقعية على ذلك، ومقاصده التي يرنو لتحقيقها تتباين طرق تطبيقها بين فينة وأخرى، وذلك يؤكد ضرورة التجديد، وفي ذلك يقول الدكتور محمد القادري: (ولا شك ان امتداد الزمان يجاريه تبدل في الدوافع والمحركات التي يجري عليها التيار الحياتي، وليس لأحد أن ينكر تلك الدوافع والمحركات لجميع وجهات الحياة، من وجهات جغرافية أو ثقافية أو حضارية... ومع هذا التغيير الدائم تأتي ضرورة تغيير الوجهات التطبيقية حسب مقتضى الحال، لأن القواعد الموضوعة من قبل العلماء في الزمن الفائت، والتي كانت مناسبة للفترة التي عاشوا فيها؛ تصبح غير عملية وغير ملائمة للوضع الحياتي الحالي فتقل قيمتها التطبيقية...)(39).
لكن حال دون تحقيق الأماني تصور بعض الناس أن كمال الدين يتنافى مع التجديد مع أن كماله يفتح المجال للتجديد في بعض المجالات للتغير الواقع في الظروف فيها، وقطع آخرون أماني الابداع وذلك لأنهم ظنوها داخلة في حديث: (... وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) (40)، مع أن البعد بين المنهي عنه فيه ومجال التجديد بعد المشرقين، فالحديث في الثوابت دون غيرها، والتجديد للمتغيرات ولا يتعرض للثوابت الا من حيث الأسلوب وهو من المتغيرات.
والشريعة حثت على التجديد باجمالها في بعض الجوانب لتترك المجال للعقل وللواقع، يقول الدكتور محمد عمارة: (لقد وقفت الشريعة الإسلامية عند التفصيل للأحكام مما هو ثابت وللتجديد لما هو متغير)(41).
والتجديد بطمس معالم الباطل واجب مقدس، وهو فرض أيضاً في معالجة المتغيرات عندما تدعو الحاجة لتطبيقها، وبالنسبة للأساليب فإنها تختلف بتباين المقامات، فقد ترقى إلى الوجوب وقد تقتصر على ما دونه.
وركيزته الأساسية تكمن في العلم فبدونه يرتكس إلى الحضيض؛ فلذا أنعم الله على أنبيائه بسعة العلم والفهم لأن مجابهة تيار الجاهلية يقتضي التسلح بسلاح العلم فبه تتضاءل الشبه وتتبدد الظلمات فالله تعالى يقول على لسان نبي من أعظم المجددين مخاطباً أباه ( يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً) (42) ويقول تعالى على لسان صفوة الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلّم معرباً عن مهمته ومهمة من سار على دربه من المجددين ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي )(43) فالبصيرة شرط أساسي لا تنفك الدعوة عنها.
وكل صور التجديد العلم شريانها الحي الذي ينبض مع تنوع في مراتبه فبه يجلو الصدأ عن مرآة الإسلام، وعن طريقه يمكن تطهير الدين من البدع، وان كانت محاربة المحدثات لا يشترط فيها الاجتهاد وربما ملكها الإنسان بقوة الصولجان (يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) إلا أن تصرفه لابد أن يكون مسبوقاً بتصور مستقى من ينابيع الدين الصافية بالعلم، على أنه في أحيان كثيرة ان لم تكن له قدم راسخة في المعارف زلت به القدم وأحكمت تصرفاته العواطف الرعناء فيتنكب عن مقصده بل يحيد عن الصراط السوي.
ولكثرة الشبه التي تثار في وجه الحق يلتبس بالباطل في تصورات العوام، وهنا لا يمكن التجديد الحقيقي إلا عن طريق المجتهد لتعذر ادحاضها على من لم يرضع لبان الاصول، وان وقع حيناً فلا يخلو من نقص يشينه.
ومحاكمة القضايا الجديدة بالمنظار الشرعي وفق دليله لا يمكن ان يتصورها الانسان الا بالاجتهاد فهو الطريق الوحيد اليها، ومن سلك غير طريقه فلا يمكنه الوصول إلى الغاية المنشودة:
سارت مشرقة وسرت مغرباً شتان بين مشرق ومغرب
إلا أن اعادة الطرح لا يشترط فيه الاجتهاد ان تعلق بالإسلوب وحده، وبه يكون جثة هامدة لا تنبض فيها حركة الحيوية المنشودة في التجديد وهو تجديد قشور لا تجديد لب، ولا يمكن بها مقارعة بقية الافكار التي تضخ معطيات فكرها بقوة.
والواقع التاريخي يرينا الارتباط وثيقاً بين الاجتهاد والتجديد فلا تكاد تجد متصفاً باحدى الصفتين الا وله قدر لا يستهان به من الأخرى على تباين في المراتب (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (44) ( وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (45).
فالإمام الشاطبي يعد من كبار المجددين في المقاصد، وهو مجتهد في مجاله، وذلك ملموس من موسوعته "الموافقات"، وقد بين الاستاذ الريسوني ملامح التجديد التي نالها، والإمام الفرسطائي أخذ نصيبه كاملاً غير منقوص في مجاليه السياسي التربوي والعمراني، أبرز الأول بإنشائه لنظام العزابة وتأطيره له في اطار عقلاني يستطيع مواكبة العصور مع تبدل الظروف فيها، وهو يؤدي رسالته المرجوة، واستطاع هذا النظام الثبات لما يزيد على الف سنة إلى الآن. والثاني ظهر من خلال كتابه القيم "القسمة وأصول الأراضين" إذ ربط الصور بأحكامها وبذلك يستفيد الدارس لفني العمران والفقه.
والتجديد كما يستلهم معطياته من النصوص فهو ايضاً يمتزج بالواقع؛ فلذا كان لزاماً على المجدد أن يستنير بسنن الله تعالى في الكون فالله تعالى يقول ( وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) (46) ويقول جل شأنه ( وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً) (47) وهذه السنن تشمل القواعد الكونية في مختلف المجالات التي يحتاج اليها الانسان فتعم علوم الاجتماع والنفس والعلوم الفلكية، فلذا أبرز الله تعالى بعضها في كتابه أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلّم وأوكل بعضها إلى عقول الناس حتى يستجلوها من واقعهم (ولكل مجتهد نصيب). فالله تعالى يقول ( قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) (48) ويقول أيضاً جلَ شأنه ( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْض) (49) هذا لأجل عالمية الدين وشموله لمختلف مجالات الحياة. وفي هذه الآونة التي تمر فيها الأمة بظروف حرجة بعد ان نشبت الجاهلية فيها اظفارها؛ لابد أن نستفيد من السنن الكونية سنة الله في ( إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (50) وهذه السنة الالهية الثابتة بهذا النص الواضح عليها في الكتاب المبين يمكن لمقلب صفحات التاريخ ان يستجلي بعض مشاهدها الرائعة، بل يمكن أن يرى بعضها بأم عينيه في وقائع عصرنا، وما انهيار الاتحاد السوفيتي "حسب ما كان" منا ببعيد.
وهذه السنن تؤخذ من النصوص القاطعة ومن البرهان التجريبي القاطع، فاذا تضمنته القواطع فعلى المسلمين ان يسعوا لاكتشاف اسرارها حتى يبرهنوا على صحة ما فيها لينجلي للناس ما في وحي الله من إعجاز يشد المتأملين اليه، فيجتذبهم إلى اتباع الحق المبين، والعناية بهذه الجوانب تعد من ضروب التجديد.
أما إن استظهرت من الأدلة الظنية في دلالاتها أو في ثبوتها فانها تخضع للتجربة حتى يظهر لهم صحة تفسيرهم وفهمهم للظني في دلالته من عدمها، إذ قد يتبين لهم على خلاف تصورهم، وعند عدم المطابقة قد يكون برهاناً على الوضع أو الوهم في نسبته للمعصوم صلى الله عليه وسلّم للشذوذ الحاصل إذ مخالفة الواقع تعد منه.
وعدم تصور الواقع يجعل المرء لا يتمكن من تحقيق المناط لأنه لا يعرف الجزئيات التي ينزل عليها الحكم الكلي، ولا يمكنه أن يقيس لعدم تمكنه من معرفة تحقق العلة في الفرع وبذلك ينهار بنيان التجديد والاجتهاد معاً.
وتحقيق المناط يتطلب اعادة النظر في الواقع وفي علل الشريعة ومراميها، إذ لم تبن أحكامها على الأسماء وانما نظرت إلى الحقائق وآثارها، وقد تبقى الاسماء مع تبدل مضامينها والعكس، فلذا لابد في زماننا من إدراك أدق للواقع لأن الحكم متوقف على تصوره، ومن العجيب ان بعض الباحثين حاولوا استنطاق كلام المتقدمين لتنزيله على أرض الواقع، مع انهم ـ المتقدمين ـ لم يتصوروا شيئاً منه، وإن أمكن ان يعمه لفظاً، لان تلك الصورة لم يفطنوا لها، والصورة الشاذة لا تدخل في العموم على قول بعض الأصوليين في النصوص الشرعية، فكيف بكلام من لا يتصور الواقع اصلاً مع ان الحكم فرع عنه؟!.
والحقائق قد تخفى على غير العارف وتخدعه الظواهر خصوصاً عند حصول قضايا جديدة لم يتصورها، وادراك حقائقها يشكل نصف طريق معرفة حكمها وهو من اساسيات التجديد والاجتهاد فبدونه لا يمكن الحكم على الواقع.
ولا يقتصر اثر معرفة الواقع على تصوره ومحاكمته بمقتضى دلائل النصوص، بل له قدرة ـ كما قلنا في الكلام على بيان الأهمية ـ على توجيه الأدلة ـ الظنية ـ فتؤولها أو تؤكدها وهكذا، وعليه فالاجتهاد والتجديد لابد لهما من نظرة ثاقبة لما يدور حول الإنسان، وبذلك يتسنى للمجتهد المعاصر ان يضيف لبنة قوية في بناء التجديد.
كما أن الواقع ذاته يحدد المسائل المطروحة فهي تعكس ظروف المذاهب التي ناقشتها للتمازج الواضح بينها.
فالإباضية ناقشوا القضايا السياسية كمسالك الدين وغيرها وربما كان تعرضهم لها أكثر من غيرهم، وفي الوقت ذاته أطروا المباحث المتعلقة بالأفلاج في إطارها الشرعي وبينوا حريمها لأنها واقع لا يمكنهم إغفاله.
والحنفية أكثر المذاهب ـ من حيث العموم ـ مناقشة لبيوع الذرائع لأنها نشأت بين أظهرهم.
بل أحياناً تختلف المسائل المطروحة بين زمن وآخر فلذا نجد الشيعة الإمامية المتأخرين يناقشون ولاية الفقيه بينما لا نجد لها ذكراً عند متقدميهم.
والذي يؤسف حقاً أن الوقت الذي كان الغرب فيه يسعى جاهداً لاكتشاف أسرار الطبيعة بالغوص في أعماق البحار أو الصعود في طبقات الفضاء، باذلين كل ما في وسعهم، نجد حال ذوي الهمة من المسلمين ـ فما بالك بغيرهم ـ كما يصفهم شيخنا العلامة أبو إسحاق أطفيش رحمه الله بقوله: (ترى الشخص منهم يجهد نفسه ليلاً ونهاراً في درس مسائل الفتوى واللعان والظهار والسلم والشفعة والاجارات وما أشبه ذلك من مسائل الفروع التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شيء منها)(51) مع أن البحث عن ما لا يقع ليس مطلوباً شرعاً ولا عقلاً فلا ينبغي السؤال عنه ولا البحث فيه.
والنظر لا يقتصر على العلوم المعاصرة بل يتعداها إلى كل علم فتاريخ الأمم والشعوب له دوره البارز في تحديد دلالات الاجتماع البشري، ويرينا العبر شاخصة للأبصار فلذا أكثر الله من ذكره في كتابه وقال ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (52).
والمضامين التاريخية إن ثبتت تفسر لنا بعض النصوص المتعلقة بها كالسبب فتقوي دلالاتها على بعض الأفراد كالذي ورد لأجله العموم، ويقوي مفهوم المخالفة حيناً ويمنع من الاستدلال حيناً آخر مع بيانه للمجملات في بعض الآونة.
وذلك يعين على إدراك علل الأحكام ويبين مبررات سد الذرائع، مع أن بعض الدلالات التاريخية تشكك في بعض الأحاديث الظنية لمناقضتها للواقع، وكل ذلك من ركائز التجديد.
والاجتهاد أيضاً يعتبر شرطاً أساسياً لتنقيح المناط وتخريجه وهما من عجلاته الكبرى، فلا يسير بدونهما.
وفي تحقيقه قولان ـ اشتراط الاجتهاد فيه ـ والخلاف أقرب إلى اللفظ منه إلى المعنى، الا انه يشترط فيه تصور حكم المسألة تصوراً كاملاً بل يتطلب أحياناً إدراكاً دقيقاً يخفى على كثير من الناس لعدم انضباط القاعدة الكلية، فالمشقة التي تجلب التيسير غير محددة فلربما سوغت ترك القيام في الصلاة، واذا وجدت ذاتها في الجهاد فلا يمكن ان تعتبر من مسقطات وجوبه.
والإكراه قد يكون رافعاً للتكليف احياناً وهو ذاته مبهم يحتاج إلى بيان فقد يكون رافعاً لشخص دون آخر ولظرف دون غيره وهو وجه وجيه مال إليه بعض من الشافعية(53).
ولاختلاف تحقيق المناط تبدلت أجوبة النبي صلى الله عليه وسلّم كثيراً مع اتحاد السؤال.
وهذا أمر يتباين تبايناً شاسعاً بين زمن وآخر فلا يمكن ضبطه فلذا تركه الله لاجتهاد المطبقين للشريعة إن اعتبرناه منه.
والتجديد يكون أيضاً بإعادة المصطلحات التي غيبها الناس إلى مجاريها، وان كان في حقيقته رجوع إلى القديم، الا انه أجدى وانفع، وسبب تضييع المسلمين لمصطلحاتهم الجهل من ناحية والغزو الفكري من ناحية أخرى، فبعد أن اصبحت الألفاظ الجديدة دارجة على الألسن من غير نكير لابد من اعادة الناس إلى المصطلح الشرعي، لأن تغيير الاسم يهضم الحقيقة شيئاً من حقها، وله بالغ الأثر في تصوير الشيء بغير صورته الواقعة، ومما ساد الآن تسمية الربا بالفوائد واطلاق المشروبات الروحية على الخمر وما شاكله والتعبير عن الزنا بالحب وتبديل اسم المجون بالفن، إلى غيرها من الالفاظ الكاذبة التي تتطلب يقظة وفهماً وعلماً لبيان زيفها بعدما عششت في اذهان بعض المسلمين.
والتجديد لا يمكن قصره على صاحبه إذ غايته إنقاذ الناس من الانزلاق إلى هوة الجاهلية، والله تعالى بين لنا غاية الرسوخ في العلم ـ وبه يحقق التجديد ـ عندما قال: ( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (54).
وعليه فترميم صياغة المناهج المطبقة يعتبر من آكد الواجبات بل وإضافة لبنات أخرى في القضايا التي لم يسبق طرحها، فالكتب التي تقرأ واساليب التعليم التي يخرج بها النشء وطرق الدعوة والاذاعة والتلفاز والشبكة العالمية للمعلومات وغيرها كل ذلك يحتاج فيه الداعية إلى الجمع بين الأصالة والمعاصرة، ولئن كان كثير من اهل العلم في السابق جمعوا بينهما في عصرهم الا ان صياغتهم لا تتعدى ظروفها الزمانية والمكانية للتبدل الكبير في ظروف العيش.
|