| أبو عثمان |
01/02/2006 09:28 PM |
قصة حزينة وعبرة أليمة
قد كنت قبل 6 سنوات من محبي السهر والإستمتاع بوقتي مع أصحابي طول الليالي والأيام , وفي إحدى المرات جلست مع أحد أصحابي في سهرة حتى الصباح وذلك بعد إنقطاع طويل بيني وبينه بسبب بعض الأعمال . فأمسينا نطرح مختلف المواضيع ونتبادل أطراف الأحاديث , ومما شد إنتباهي أنه كان مسروراً جداً حتى أن الفرحة لم تكن لتسعه في ذلك اليوم, ثم ما لبثتُ أن عرفت السر فها هو يصارحني بما كان يسره ويسعده فصار هذا الفرح مشتركا بيني وبينه لما كان يربطنا من أواصر المحبة والأخوة وصار هذا الموضوع هو المحور الأساسي لسهرتنا تلك, وهذا الأمر هو أن صاحبي هذا سيصل إليه بعد عدة أيام من ذلك اليوم مبلغ كبير من المال فيكون ملكاً له , وكان محتاراً جداً بما سيفعله بذلك المبلغ وبالتالي ادخلني معه في حيرته تلك وقد كانت الأفكار المطروحة كثيرة ومنها: الزواج وشراء بيت وشراء سيارة أو السفر إلى إحدى الدول الأوروبية والعيش فيها مع إمكانية الدراسة فيها أو إقامة بعض المشاريع التجارية أو ... أو ... , .
كم كانت كثيرة هي تلك الأفكار , وقد كان صاحبي هذا كثيراً ما يؤيد أمر معين بما سيفعله بذلك المبلغ ويتحمس له بشكل كبير ويناقشه معي من جميع جوانبه ثم إذ به وبنفس سهولة التطرق إلى تلك المواضيع يخرج منها إلى غيرها وقد احترت كثيراً معه , ثم قلت له صراحة: " بما إني أراك متردداً ولا تعرف ماذا ستفعل بهذا المبلغ الكبير فإني أخاف أن يضيع منك ويذهب سدى دون فائدة كبيرة , فاقترحت عليه ألا يستعجل في قراراته وأن يشاور أهله وأصحابه جميعا ومن يراهم من أولي الرأي , ثم تركته قبل أن يبزغ نور الصباح وذهبت إلى منزلي , حتى أنام .
وقد تركت صاحبي هذا والبسمة تعلو وجهه بل كان طول الجلسة بشوشاً مرحاً ولم تغادره الفرحة تلك الليلة مطلقاً من أول الجلسة وحتى منتهاها.
وبعد أن أسلمت عيوني للنوم لم يلبث أخي إلا وهو يحاول جاهداً أن ينهضني من نومي , وانا أسمعه يقول كلاما قد قض من مضجعي وطير عقلي من رأسي. وهو يعيد تلك العبارة تكراراً ومراراً , وأنا لم أكد أصدق ما أسمعه وكأني كنت في حلم , وأنا ما زلت أرددت عليه كلمة واحدة فقط كيف؟ وهو يقول لي: موه بعد كيف ؟ ترى الرجال ........ وخلاص .
فقمت على عجل وأنا مصدوم وأنا لم أكد أعي ما قد حصل وذهبت معه إلى حيث كان المفروض أن نتواجد , وفي الطريق شعرت بأحاسيس غريبة ملؤها الحيرة والخوف ممزوجة بالتريث والترقب, وانعكست تلك المشاعر على أفكاري حيث كنت أتمنى ألا نصل بسرعة لفضاعة الأمر وشدته , وبذات الوقت أتمنى سرعة الوصول حتى تكذب عيني الخبر.
قد صعقت لذلك الخبر وكم كنت أتمنى أن يكون أخي مخطئاً في ما قاله ولكنه لم يزل يؤكد لي إتصال عدة أشخاص لإبلاغه بذلك الخبر , ثم تمنيت أن تكون مزحة من أحد أصحابنا ولو أنها ستكون مزحة بايخة وما حالها معنى , فما زلت في قلقي وحيرتي حتى وصلنا إلى ذلك المكان. فقد وصلنا إلى أحد المساجد لنحضر العزى , ولكنه لم يكن عزى لأي إنسان قد مات وخلاص ولكنه كان عزى صاحبي الذي كنت سهراناً معه إلى الصباح .
نعم , فبعد أن ذهبت عنه أستقل سيارته وخرج في مشاور قريب , ولكنه لم يرجع إلا محملا على الأكتاف . ففي منطقة قريبه من منزله وعند إحدى التقاطعات تدهورت إحدى السيارات الكبيرة في ذلك الطريق فما وجدت لها طريقاً سوى صدم سيارة صاحبي . وقد كان هذا الأمر شديداً علي حتى أنني قد ظننت أني قد تأسفت وتألمت لفراقه أكثر من أهله جميعاً . والحقيقة أني لم أكن حزيناً كل ذلك الحزن عليه ولكنني كنت خائفاً من إنخداعنا نحن البشر في هذه الحياة الوهمية التي لا نلبث عما قريب أن نرحل جميعاً عنها , شئنا في ذلك أم أبينا . وخاصة أن صاحبي هذا ومن خلال معرفتي به لم يكن ممن يقيمون الصلاة وقد كان كحال أكثر الشباب محاطاً بكثير من الذنوب والمعاصي, فقد كنت أكثر ما كنت خائفاً عليه هو خروجه من تلك الحياة بتلك السرعة وبتلك السهولة والبساطة ومما آل إليه مصيره.
إن صاحبي هذا لم يكن يشغله قبل ممات سوى ماذا سيفعل بذلك المبلغ من المال في حال وصوله إليه ولم يكن يعلم المسكين أنه هو لن يبقى حتى وصول ذلك المال إليه , فقد جاءه الأمر من حيث لم يحتسب , فهو كان خائفاً أن يحدث أمرٌ طارئ ولن يصل المال إليه مع أن الأمر كان موثقاً تمام التوثيق ولا أظنه أبداً قد تبادر إلى ذهنه أن المال سيصل ولكن لن يستلمه هو بل سيستلمه غيره , ففي ذلك اليوم المشهود سيكون قد خرج من عالم الشهود.
إن الخبر كان صادقاً للأسف حتى أنني استوثقت ممن حضر تغسيله ودفنه , إنه فعلا قد مات وانتقل إلى رحاب الله.
وفي شأن هذه الحياة الخداعة المخدوعة , يقول الله تعالى: (( إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهارا فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الأيات لقوم يتفكرون )) سورة يونس 24 . ويقول أيضاً جل في شأنه: (( ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين )) سورة يونس 45 .
أسال الله أن يتغمد صاحبي هذا بواسع رحمته وأن يغفر له ذنوبه فلعله في فترة إنقطاعي عنه تاب من تلك الذنوب التي كان يعملها ولعله كان ضامراُ في ذلك الخروج الأخير أن يعرج على المسجد لأداء فريضة الفجر قبل ذلك الحادث المؤسف. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
اللهم اغفر لنا ذنوبنا واسرافنا في أمرنا وقنا عذاب النار يا عزيز يا غفار .
اللهم ارحمنا فوق الأرض , وارحمنا تحت الأرض , وارحمنا يوم العرض يوم لا ينفع مال ولا بنون , برحمتك يا أرحم الراحمين يا رب العالمين .
|