![]() |
سؤال أهل الذكر 15 من ذي الحجة 1426 هـ ، 15/1/2006م
سؤال أهل الذكر 15 من ذي الحجة 1426 هـ ، 15/1/2006م الموضوع : عام السؤال (1) الحرية مفهوم تختلف الثقافات في تعريفه وفي ضوابطه ، فتارة يُعبّر عنه بأنه ما ينتهي عند حرية الآخر ، وتارة يطلق أكثر من ذلك ، وتارة يقيد دون ذلك . واتخذ البعض الحرية ومنطلقاتها مطية للإساءة إلى رموز الإسلام أو إلى أناس آخرين . وقريباً ظهر في بعض الصحف إساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلّم ، وعند مناقشة هذه الصحيفة كان ردها أن الحرية مجال واسع ، وحركتها كانت في هذا النطاق . سماحة الشيخ : ما هو مفهوم الحرية في الإسلام ؟ وما رأيكم في هذه المطية التي تمتطيها بعض الصحف للإساءة على الإسلام بين الفينة والأخرى ؟ الجواب : بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد : فإن كلمة الحرية كلمة مطاطة يمكن لكل أحد أن يسخرها لقضاياه التي يخدمها بها ، وبجانب ذلك هي كلمة جذابة ، فهي تأخذ بمجامع الألباب وتغزو النفوس ، وقد تحوّل المفاهيم عند كثير من الضعاف . والله سبحانه وتعالى بفضله خلق الناس أحرارا ، ولكن هذه الحرية لا تعني بحال من الأحوال أن يخرج الإنسان من قيود الأخلاق ومن قيود الدين ، وأن ينطلق في حياته كما تشتهي نفسه ، وكما يريد شيطانه ، وكما تدعوه إليه شهواته فإن ذلك مما يؤدي إلى الدمار ، ويؤدي إلى عدوان الناس بعضهم على بعض . لا ريب أن الإسلام هو الذي كفل الحريات وقد جاء بالحرية ، وقد قال عمر رضي الله تعالى عنه في مشهد من الناس كلمته المشهورة ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أماتهم أحرار ) ، وهي كلمة ذات مغزى بعيد ، فإنها تدل على أن الإسلام جاء ليحرر الرقاب ، وجاء ليخلص هذه النفوس من أسر بعضها لبعض ، وجاء الإسلام ليرفع من شأن هذا الإنسان وليبوئه مبوأ الكرامة كما يقول سبحانه وتعالى ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) (الإسراء:70) ويبين سبحانه أن منافع الكون مخلوقة لهذا الإنسان ، فهو تعالى يقول ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً )(البقرة: من الآية29) ، ويقول ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ )(الجاثـية: من الآية13) ، فيد الإنسان يد حرة في الانتفاع بهذه المنافع التي لا تكون على حساب الآخر ، ولا تكون على حساب الفضيلة ، ولا تكون على حساب العقيدة والأخلاق . نعم إن الإسلام جاء ليرفع من قدر هذا الإنسان ، ولكن لا تعني حرية الإنسان أن يعيش عيشة البهائم العجماء أو أن يعيش عيشة السبع الفتاك الذي لا يبالي بالآخرين ، فعندما تطلق الحرية بدون ضوابط تؤدي هذه الحرية إلى عدوان الناس بعضهم على بعض ، وانتهاك بعضهم لحرم بعض ، وهذا الذي وقع فعلاً بسبب خروج الإنسان من قيود الشريعة الربانية التي تبوء كل شيء مبوأه ، وتنزل كل شيء منزله . فنحن فنرى كيف هذه الحروب التي تشن باسم الحرية ومن خلالها توأد الحرية وتصادر ، ومن خلالها يضطهد الناس ، تقتّل الأنفس ويشردون ، ويُقضى على كرامتهم ويعود الناس لا قيمة لهم في موازيين هذه الأمم المتغلبة . فعندما تكون الحرية حرية مطلقة هكذا تكون الفوضى في حياة الناس ، ولكن الحرية لا بد لها من ضوابط ، لا بد لها من ضوابط فكرية ، ولا بد لها من ضوابط شرعية ، ولا بد لها من ضوابط أخلاقية . الله سبحانه وتعالى تعبد البشر ، فالإنسان مهما كان ولو أوتي ما أوتي وكرم كيفما كما كرم هو عبد من عباد الله ( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً ) (مريم:93-95) هذا الإنسان لا يمكن أبداً أن يسعد في حياته هذه فضلاً عن الحياة الأخرى التي ينقلب إليها إلا عندما يكون موصولاً بربه متقيداً بما شرع ، ملتزماً بدينه الحنيف . الإنسان عندما يتحرر من قيد الدين لا يكون له نظام ، ولا تكون له سعادة فالدين ضروري للنظام والسعادة كما ذكر ذلك بعض فلاسفة الإسلام ، لا بد من الدين إذ الناس يرون كيف حياتهم في أوضاعهم السياسية والاجتماعية لا بد لها من قيود ، فالحاكم الذي يحكم بلداً ما لا بد من أن يضع نظاماً لأهل بلده ولا يترك الناس فوضى هكذا بدون نظام ، ولئن كان ذلك بالنظر إلى حكم الحاكم فكيف بحكم الله سبحانه وتعالى الذي هو رب العالمين الذي خلق فسوى وقدر فهدى ، وكل ما في هذا الكون إنما هو ملكه ( لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ )(البقرة: من الآية284) ، فكل ما في السموات وما في الأرض إنما هو ملك لله سبحانه وتعالى ، والأرض التي هي مستقر الإنسان هي جزء من مملكته سبحانه وتعالى الواسعة ، هذا الجزء لا يمكن أن يسعد ولا يمكن أن يستقر إلا عندما يكون الإنسان المستخلف فيه موصولاً بالله سبحانه لتنتظم حركة هذا الجزء مع حركة سائر الكائنات الأخرى . ونحن إن كنا نرى أن الأرض في دورانها المستمر ترتبط ببقية الأجرام ارتباطاً وثيقاً فإنها أيضاً من حيث الخضوع خضوع من فيها لأمر الله سبحانه وتعالى وانقياده لحكمه لا بد من أن ترتبط بجميع الكائنات الأخرى التي يخبرنا سبحانه وتعالى أنها جميعاً تسبح بحمد الله ، يقول سبحانه ( تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ) (الإسراء:44) . ويبين سبحانه وتعالى أن الكون بأسره يسجد لجلاله إلا من شذ من جنس الإنسان وهو الكافر الذي يأبى أن يسجد لله يقول سبحانه ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ )(الحج: من الآية18) ، فالكون كله يسبّح بحمد الله ويسجد خاضعاً لجلال الله وإن لم ندرك نحن بسبب قصر عقولنا وضيق مداركنا هذا السجود وهذا التسبيح ، ولئن كان الكون كذلك فهذا الإنسان عندما يكون متقيداً بقيود الحكم الرباني ساجداً لله خاضعاً له منقاداً لحكمه مذعناً لطاعته يكون منتظماً مع حركة هذا الكون ، فتتجاوب حركته مع حركة هذا الكون ، وعندما يكون بخلاف ذلك يكون الأمر بعكس ذلك ، ولذلك يشعر بالنفرة بينه وبين الكون ، ويشعر بعداوة الكون له ، ولذلك يعبّر هؤلاء الذين شذوا عن هذا النظام الرباني الذي يوحد هذه الكائنات يعبرون دائماًً تعبيرات تدل دائماً على عداوتهم للكون وعلى عداوة الكون لهم فيقولون قهر الطبيعة ، فلان استطاع أن يقهر الطبيعة ، ويعبرون بغزو الفضاء وغير ذلك مما يدل على العداوة ويدل على المغالبة ، وهذا شأن الذين عميت بصائرهم عن الحقيقة . والمؤمنون بخلاف ذلك فإنهم يشعرون بانسجامهم مع نظام الكون ، بل الإنسان يصبح عندما يتحلل من هذه القيود الربانية يصبح يشعر بنشاز بينه وبين نفسه لأنه يشعر بأن حركته الاختيارية الكسبية لا تنسجم مع حركته الفطرية الاضطرارية وهذا مما يؤدي إلى التناقض في فكر الإنسان وتصوراته وفي سلوكه وأخلاقه ، وهذا الذي وقع فيه هذا العالم . فإذن حرية الإنسان لا بد من أن تكون مقيدة ومضبوطة بضوابط ، فلو كانت للإنسان الحرية المطلقة فإن شهوة الإنسان تقوده إلى فضائع الأمور ، شهوته الجنسية تقوده إلى الزنا والعياذ بالله ، وتقوده إلى الشذوذ الجنسي أحياناًً والعياذ بالله ، وبهذا يصبح هذا الإنسان شراًً من البهيمة العجماء لأن تصرفه هذا إنما يكون على حساب الأخلاق وعلى حساب الصلات الحسنة بينه وبين مجتمعه ، وشهوته المالية تقوده إلى العدوان على الآخرين فيؤدي به الأمر إلى أن يحرص كل الحرص على ابتزاز أموال الآخرين ، فلو أعطي الحرية في ذلك لكان كل واحد يريد أن يبتز مال الآخر ولو بالعدوان على حياته ، شهوته الانتقامية تؤدي به أيضاً إلى حب الانتقام من أي أحد كرهه ولو لم يكن هنالك سبب لكرهه إياه وهذا مما يؤدي إلى التطاحن بين الناس ، فالحريات لو أطلقت لعادت حياة الناس حياة فوضى لا يحكمها شيء . والله سبحانه وتعالى هو العليم بمصالح البشر ، وهو الخبير بما تنطوي عليه فطرهم وكيف تنسجم حياتهم مع نظام هذا الكون فلذلك شرع من الأحكام ما يكفل هذا الانسجام بين الإنسان نفسه ، بين حركته الاختيارية وحركته الاضطرارية ، وما يؤدي أيضاًً إلى الانسجام بين جوانب هذه النفس البشرية ، إذ الإنسان ليس جسماً فحسب ولا روحاًً فحسب ولا قلباً فحسب ولا عقلاً فحسب ، بل الإنسان مخلوق عجيب يجمع في خلقه بين الروح والجسم والعقل والقلب والضمير والغرائز ، ولكل واحد من هذه الأشياء مطالب ، وعندما يرخى العنان ولا يكون هنالك تنسيق ما بين الجوانب المختلفة هذه فإنه ذلك مما يؤدي إلى النشاز والاضطراب ، بل يؤدي إلى التجاذب والتدافع ، فلا بد من أن يكون هنالك نظام يوحد بين مطالب هذه الأشياء جميعاًً حتى لا يكون هنالك أي اضطراب في حياة هذا الإنسان نفسه . ثم كذلك هذا التشريع يؤدي إلى انسجام الإنسان مع نظام هذا الوجود ، والله سبحانه وتعالى العليم بمصالح الإنسان هو الذي كفل للإنسان سلامته من خلال ما شرع من أحكام ، ومن خلال ما سن من الأخلاق ، ومن خلال ما بين أصول الاعتقاد الحق . ثم بجانب هذا أيضاً نرى أن البشر بطبيعة الحال إن لم يدركوا حق الله سبحانه وتعالى فهم أحرى أن لا يدركوا حق أحد من الناس ، كيف تكون حياة هذا الإنسان الذي نسي خالقه الذي خلقه من عدم وأسبغ عليه صنوف النعم ، وبوأه مبوأ الكرم ، رفع من قدره ، وأعلى من شأنه ، وسخر له منافع الوجود بأسرها ( قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) (عبس:17-23) هذا الإنسان الذي خلق من نطفة وهي خلية لا تكاد تبصر حتى بأشعة المجهر من حقارتها ودقتها وطوّره الله سبحانه وتعالى طوراً بعد طور حتى تكونت الملايين الملايين من الخلايا المختلفة ، وتكون الإنسان بطبيعته فصار سميعاً بصيرا حياً مريداًً متكلماً عارفاً بما حوله يستطيع أن يعبر عن مشاعره ويستطيع أن يعبر عن حاجته ويستطيع أن يعبر عن دخائل نفسه ، ويستطيع أن يفهم تعبير غيره أيضاً ، ويستطيع أن يتأمل هذه الكائنات . هذا الإنسان الذي خلق هذا الخلق العجيب أليس جديراً به أن يعرف حق خالقه تبارك وتعالى ، وأن لا ينسى هذا الحق . ثم مع ذلك هيأ الله سبحانه وتعالى هذا الخير العظيم ، هيأ له أسباب رزقه ، وربط هذه الأسباب بعضها ببعض حتى كانت كلها حلقات متسلسلة في سلسة واحدة كل منها آخذ بحجزة الآخر ، فجدير بهذا الإنسان أن يعرف هذا الحق للمنعم العظيم ، ومن نسي هذا الحق وجحده فكفره فإنه جدير أن يكفر نعمة الناس أيضا ، وأن لا يبالي بمن أحسن إليه ، وهل تكون هنالك إنسانية عندما يكون هذا الإنسان وحشاً ضارياً ، فالإنسان بطبيعته هو بحاجة إلى الدين وبحاجة إلى الأخلاق وبحاجة إلى العقيدة ، الإنسان لا يمكن أن يعيش هكذا لأن عيشته تكون شراً من عيشة الوحوش ، فالوحوش لها طبائع تقيدها وتسير بها على منهج معين ، بينما الإنسان طبيعته في الأصل هي الفطرة التي فطره التي الله تعالى عليها ، والفطرة هي التي تتجاوب مع دين الله سبحانه وتعالى ، أما عندما يكون الإنسان بخلاف ذلك يكون فإنه يكون شاذاً عن فطرته التي فطرته الله تعالى عليها ، فكيف مع هذا يمكن لهذا الإنسان أن يعيش مع بني جنسه ، على أن الإنسان هو كائن اجتماعي لا يمكن أن يستقل أي فرد من أفراد جنسه بمصالحه بنفسه ، بل هو بحاجة إلى مصالح الآخرين كيفما أوتي في هذه الدنيا ، ولو كان ملكـاً حاكماً ، ولو حكم الأرض كلها ، هو أحوج ما يكون إلى الآخرين ، هو بحاجة إلى جميع طبقات الناس ، هو بحاجة إلى الخدم ، هو بحاجة إلى الطباخين ، هو بحاجة إلى النساجين ، هو بحاجة إلى الخياطين هو بحاجة إلى السباكين ، هو بحاجة إلى البنائين ، هو بحاجة إلى الجند ، هو بحاجة إلى العسكر ، هو بحاجة إلى الوزراء ، هو بحاجة إلى جميع طبقات الناس ، فلئن كان الملك الذي يحكم أكبر مجتمع بشري هو بحاجة إلى هذه الأجناس جميعاً فكيف بسائر الناس ، كيف يستقل الإنسان عن بني جنسه ، لا يمكن للإنسان أن يستقل عن بني جنسه بأي حال من الأحوال ، ومع ما جُبل عليه الإنسان من حبه للمال وحبه للاستئثار وحبه للظهور والبروز وحبه للغلبة والقهر ، مع هذا يكون هنالك تدافع وتجاذب وبين الناس فيؤدي ذلك بالبشر إلى الفتن الطاحنة التي لا تبقي ولا تذر ، أما إذا كان الإنسان معتصماًً بحبل ربه مستمسكاً بدينه سائراً في نهجه الصحيح فذلك هو الذي يؤدي به إلى السلامة في الدنيا والسعادة في العقبى . ثم مع هذا أيضا نحن نرى أن البشر بطبيعة الحال يدركون أن خير الناس للناس من قدم الخير لهم ، وهل هناك من أحد قدم خيراً للإنسانية أكثر من النبي صلى الله عليه وسلّم الذي نطقت ألسن الناس جميعاًً معبرة عن عظمه وشأنه ، حتى أعداؤه عليه أفضل الصلاة والسلام كانوا يتحدثون عن محاسنه ، كان في المجتمع القرشي مع عداوة قريش للنبي صلى الله عليه وسلّم يُعرف النبي عليه أفضل الصلاة والسلام بالأمين عندهم ، فقد كانوا لا يطمئنون على ودائعهم بتركها عند أي أحد غيره حتى مع عداوتهم له صلى الله عليه وسلّم ، وكان عليه الصلاة والسلام في هذا المستوى الذي كانوا ينزلونه إياه وهو فوق هذا المستوى صلى الله عليه وسلّم ، كان حريصاً على أداء هذه الأمانات حتى مع ما كان بينه وبينهم من العداوات كان حريصاًً على أن يؤدي هذه الأمانات إلى أصحابها ، ولذلك عندما تآمروا على قتله وهاجر عليه أفضل الصلاة والسلام ترك ورائه علياً كرم الله وجهه ليرد الأمانات إلى الناس ، فأي أمانة هذه ، إنها أمانة نادرة لا تكاد توجد في البشر . وكانوا يعترفون بصدقه ، وكانوا يعترفون بعظمته ، وكانوا يعترفون بمحاسنه مع ما جبلوا عليه من عداوته إلا أنهم عندما يُمتحنون يتحدثون عن ذلك ، والدليل على هذا ما كان أبي سفيان صخر بن حرب عندما لقي هرقل ، وسأله هرقل عن صفات النبي صلى الله عليه وسلّم بعدما وصل إليه كتاب النبي صلى الله عليه وسلّم فإنه كان يجيبه عن النبي صلى الله عليه وسلّم بصدق وأمانة ويصف له محاسن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام ، فمن جملة ما سأله إياه قال : هل كنتم تتهمونه بكذب قط ؟ قال : لا . قال له : وهل كان يغدر ؟ قال : لا . قال له من أي طبقات الناس هو ؟ فبين أنه من أكرمهم أرومة . وهذا مما يدل على أنهم كانوا معجبين بشخصه عليه أفضل الصلاة والسلام . ونجد الآخرين أيضاً كانوا يتحدثون عن عظم شأن الرسول صلى الله عليه وسلّم بإعجاب حتى الملاحدة ، كان من ضمن الملاحدة الذين نشروا الإلحاد في البلاد العربية ( شبلي شميل ) ، وكان قبل إلحاده نصرانياًً كاثوليكياً ثم تحول بعد ذلك إلى الإلحاد والكفر بكل ما لم تبصر عيناه ولم تسمع أذناه ، ومع ذلك كيف وصف النبي صلى الله عليه وسلّم عندما كتب كتاباً إلى السيد ( رشيد رضا ) صاحب جريدة المنار يقول في رسالته إليه : إلى غزالي عصره السيد محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار : أنت تنظر إلى محمد كنبي وتجعله عظيما ، وأنا أنظر إليه كرجل وأجعله أعظم . ونحن وإن كان في الاعتقاد الديني أو المبدأ الديني على طرفي نقيض فإننا يجمع بيننا العقل الواسع والإخلاص في القول وذلك أوثق لعرى المودة بيننا . ثم قال ( الحق أولى أن يقال ) ، وكتب تحت هذا العنوان هذه الأبيات : دع من محمد في سدى قرآنه *** ما قد نحاه للحمة الغايات إني وإن أك قد كفرت بدينه *** هل أكفرن بمحكم الآيات أو ما حوت في ناصع الألفاظ من *** حكم روادع للهوى وعظات وشرائع لو أنهم عقلوا بها **** ما قيّدوا العمران بالعادات نعم المدبر والحكيم وإنه *** رب الفصاحة مصطفى الكلمات رجل الحجا رجل السياسة والدها *** بطل حليف النصر في الغارات ببلاغة القرآن قد غلب النهى *** وبسيفه أنحى على الهامات من دونه الأبطال في كل الورى *** من سابق أو حاضر أو آتي هكذا يصف هذا الملحد الرسول صلى الله عليه وسلّم . وقبل ما يقرب من ثلاثين عاماً كتب الشاعر القروي وهو شاعر نصراني وصية بعدما بلغ تسعين عاماً ، وتضمنت هذه الوصية تعبيره عن صدق النبي صلى الله عليه وصدق رسالته التي هي الإسلام وصدق معجزته التي هي القرآن فقد كتب قال ( ... لقد أثبتت المصادر التاريخية أن يسوع المسيح عليه السلام كان يعبد الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، وظل على ذلك أتباعه إلى القرن الثالث الميلادي عندما تنصر قسطنطين عاهل الروم فأدخل في النصرانية بدعة التثليث ، ومالئه على ذلك بعض الأسقافة وعلى رأسهم مكاريوس الذي لقب نفسه ( أرثوذكس ) أي مستقيم الرأي ، وعارضه آخرون وعلى رأسهم آريوس ، وعقدت بين الطائفتين مجامع للحوار فاز فيها آريوس بالحجة القاطعة والحق اليقين ، ولكن السلطة التي هي مصدر البلاء وضعت ثقلها في الميزان فأسكتت صوت الحق ، وظل الحق يتململ في قيده منتظراً آريوساً جديداً .... ثم يقول : وكم أتمنى وأنا الأرثوذكسي المولد أن يكون هذا الآريوس بطريركاً بطلاً ينفي عن ديننا وسمة ألحقها به غرباء غربيون ، وكثيراً ما كان الغرب مصدر بلائنا الديني والسياسي معا . ثم قال : وإيماناً مني بصدق نبوة نبينا العربي ، وإعجاباً مني بمعجزته القرآن أردت أن أكون قدوة لإخواني أدباء النصرانية فأدخل في دين الله ، ولكنني رأيت إصلاح ديننا الأول خيراً من الانتقال عنه إلى دين جديد ، وكخطوة أولى في هذا السبيل أعلن عن عزوفي عن أرثوذكسيتي المكاريوسية إلى أرثوذكسيتي الآريوسية .... )) إلى آخر ما قاله ، فتجد هؤلاء يعترفون بعظم النبي صلى الله عليه وسلّم وعظم شأنه . ويأتي سفيه متطرف في فساده وإلحاده وكفره ويتجرأ على هذا المقام العظيم ، ثم يُقال يطلق العنان ، يطلق له الحبل على الغارب بدعوى الحرية !! أي حرية هذه التي تؤدي بالناس إلى ذلك !!! وإنما هذا كله إنما هو معاكسة للحرية ، والله تعالى المستعان . |
السؤال (2)
العول متى يلزم ، ولمن ، وعلى من ؟ الجواب : الله تعالى اقتضت حكمته أن يكون للقرابة أثر كبير في حياة الناس ، ولذلك نحن نرى التركيز على ذوي القربى في آيات كثيرة في كتاب الله ( وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ )(البقرة: من الآية177) ، قدّم ذوي القربى على الآخرين ، قدم ذوي حتى على اليتامى وحتى على المساكين . وكذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى في حسن المعاملة وفي أداء الحقوق بيّن ما لذوي القربى من ذلك عندما فرض حق الأرحام وحذّر من قطيعة الرحم . فالعول ، الأصل في الإنسان يقوم بنفسه بعول نفسه إلا إذا كان هنالك سبب ، فمن الأسباب أن يتزوج الرجل امرأة فإن عولها يكون واجباً عليه في هذه الحالة لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالإنفاق على النساء ( لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا )(الطلاق: من الآية7) ، وإن كانت الآية هي في المطلقات ، ولكن مهما لئن كان هذا حق المطلقة وهي في العدة فإن حقها قبل الطلاق عندما تكون زوجة هو أكبر من هذا . فالمرأة لها حق كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم بان المرأة تقول : إما أن تطعمني ، وإما أن تطلقني . هذا من حقها أن تطالب بالطلاق إذا لم يطعهما ، ومن حقها أن تشكو بالرجل . ثم كذلك الأولاد في حال صغرهم يجب على أبيهم أن يعولهم . والوالدان عندما يكونان عاجزين فإن عولها واجب . ولا خلاف في هذا في عول هؤلاء ، عول الأولاد قبل البلوغ ، وعول الزوجة مطلقاً في جميع الأحوال ما دامت هي في عصمة الرجل ، وعول الوالدين عندما يكونان عاجزين عن نفقتهما بنفسها ، لا خلاف في وجوب ذلك . وإنما الخلاف في الباقين هل يجب على الإنسان أن يعول غير هؤلاء عندما يكونون عاجزين ، والراجح نعم ، كل من كان موروثاً لأحد ما فإن عوله يكون واجباً عليه عندما يكون عاجزاً عن أن يعول نفسه فالإنسان مطالب أن يعول أخاه ، وأن يعول ابن عمه بحسب الدرجات ، كل من كان أقرب فهو أولى لأنه لو كان له فماله يؤول إليه إن مات ، ولما كان ماله يؤول إليه بموته فعليه أن يعوله في حياته إذ المغنم بالمغرم ، يتوازى المغنم مع المغرم ، أو يتقابل المغنم مع المغرم ، فالذي له المغنم عليه المغرم ، والدليل على هذا قول الله سبحانه وتعالى ( وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ )(البقرة: من الآية233) ، يعني أن من كان وارثاً لغيره فعلى هذا الوارث أن يعول موروثه إن كان عاجزاً عن عول نفسه . ومع هذا أيضاً إن لم يكن كل ذلك فإن المجتمع المسلم يجب عليه أن يعول أبنائه العاجزين ، المجتمع المسلم عليه أن يعول أفراده عندما يكونون عاجزين عن عول أنفسهم ، ومما يدل على ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلّم ( ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره جائع ) ، فمن بات شبعان وجاره جائع لم يكن من الإيمان في شيء ، هذا يتنافى مع الإيمان ، وهكذا على المسلمين أن يقوموا بمصالحهم وأن يتعاونوا فيما بينهم . |
السؤال (3)
رجل لم يستطع تأدية الطواف إلا بأن يُحمل وأخذ الناس يتناوبون على حمله وفي نفس الوقت هم يطوفون عن أنفسهم ، فهل في ذلك من حرج ؟ الجواب : لا حرج في ذلك إذ لا يلزم أن يكون الحامل واحداًً بل يمكن أن يحمله أكثر من شخص . وبعض العلماء قال بأن من كان حاملاً لغيره فإنه يطوف لنفسه طوافاً غير ذلك الطواف الذي يطوفه بالمحمول ، ولكن هذا فيه عسر وفيه شدة لا سيما في وقتنا مع كثرة الازدحام ، ومثل هذا الرأي يؤدي إلى الحرج بالناس ، وينبغي أن يرفع الحرج عنهم . السؤال (4) امرأة طافت في سطح المسجد ؟ الجواب : حقيقة الأمر ماذا عسى أن نقول . الأصل أن يكون الطواف بالبيت ومن ارتفع فوق مستوى سطح البيت فالأقرب أنه لم يطف بالبيت ، الظاهر هكذا . هي لو طافت في الدور الذي يقابل البيت الحرام كان في ذلك ما يغنيها عن الصعود إلى أعلى السطح . ما كان ينبغي لها أن تصعد إلى أعلى السطح ، ونسأل الله تعالى السلامة . |
السؤال (5)
من لم يشر للحجر الأسود عند الطواف نظراً لكثرة الازدحام إلا بعد تعديه ؟ الجواب : إن كان نوى الطواف من قبل ذلك فليس عليه حرج إن شاء الله . السؤال (6) من اشترى ماء زمزم بعد طواف الوداع هل يجب عليه شيء ؟ الجواب : يرخص للإنسان أن يشتري لزاده ، فإن كان هذا الماء لأجل أن يتزوده وأن يشربه في طريقه فلا حرج عليه . |
السؤال (7)
أناس اشتروا هديهم ليلة العاشر من ذي الحجة فأمروا أن يتحللوا على أن يذبح في اليوم العاشر فتحللوا ، فهل يلزمهم شيء ؟ الجواب : هذا كلام غريب لأن الله تعالى قال ( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ )(البقرة: من الآية196) ، الهدي له ميقاتان ميقات زماني وميقات مكاني ، فالميقات الزماني هو يوم النحر ، والميقات المكاني هو الحرم ، فكل فجاج مكة ومنى محل للهدي ، أما أن يهدي الإنسان خارج الحرم فلا ، وكذلك أن يهدي قبل يوم النحر فلا . فالتحلل قبل الذبح لا يصح . تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه |
اشكرك اخي على جهدك
جعلها الله في ميزان حسناتك |
بارك الله فيك أستاذي أبو زياد على ما تقدمه لنا من خدمة في كل حلقة.
وأود أن أذكر بأنه كانت هناك حلقة بتاريخ 8-1-2006م، وكان المفتي فيها الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، وكان المقدِّم فيها الأستاذ أسعد بن حمود المقيمي، وكان موضوعها عن أيام العشر ( الأولى من ذي الحجة ) المباركة وما يتعلق بها من أحكام الحج والعيد والأضاحي. وشكرا جزيلا. |
اقتباس:
كما فاتتني عدة حلقات في شهر رمضان المبارك |
| جميع الأوقات بتوقيت مسقط. الساعة الآن 03:08 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions Inc.
لا تتحمل إدارة سبلة العرب أي مسئولية حول المواضيع المنشورة لأنها تعبر عن رأي كاتبها.