![]() |
و أخيراً .. حقيقة البرنامج النووي العراقي
و أخيراً .. حقيقة البرنامج النووي العراقي
بقلم : أزهـر نبيل ـــــــــــــــــــــــــ كانت وسائل الاعلام قد انبـرت منذ سـنوات تنسج القصص و الاساطير حول برامج التسلح العراقي في مجال اسلحة الدمار الشامل ، و منها السـلاح النووي ، و منها الادعاءات بخطر وجود العراق كدولة تمتلك هكذا اسلحة كونه يهدد شعـوب العالـم بها !! . و مع كل هـذه الزوابع الاعلامية المفبركة كنا بانتظار ان يتكلم اصحاب الشأن ليكـشفوا زيف الادعاءات الامريكية و اليهودية حول هذا الموضوع . ثم أخيراً ، خرجت الى النـور الحقائق البينـّة ، على لسان اثنين من عباقرة العلماء العراقيين في البحوث النووية ، هما د.جعفر ضيـاء جعفر و د. نعمــان النعيمي ، ليسردا تفاصيل البرنامج النووي العراقي في دراسات مطولة و موثقة طبعت ككتاب نشره مركز دراسات الوحدة العربية بعنوان ( الاعتراف الأخير ) . يروي العالمان قصة المشروع النووي العــراقي ، و من خلال روايتهما نتعرف الى حقائق بالغة الاهمية توضح لنا حجم المؤامرة على العراق ، و من ثم على الامة العربية و الاسلامية كلها . كانت القصة قد بدأت منذ تمكن العـــراق من تأميــم نفطه عام 1972 ، مما ادى الى ازدياد كبير في وارداته ، و في حين كانت ايران الشاه قد تبنت برنــــامجاً ضخماً لبناء قوة نووية تشكل تهديدا جدياً على العراق . أما على الجبهة الاخرى ، و فيما يتعلـق بالتسلح النووي لاسرائيل فحدث و لا حرج عن المساعدات الامريكية لاسرائيل في هذا المجال ، و تهديدات حكومة اليهود بين الحين و الآخر بهذا السلاح المخيف . كل هذا الوضع دفع القيادة العراقية الطمــوحة الى ولوج هذا الميدان المحفوف بالمخاطر ، فكان أن توجه الرئيس صدام حسين الى لجنة الطاقة الــذرية في عام 1974 ، ليقدم لها الدعم اللازم لرفع مستوى نشاطها في المجال النووي . كان العــراق قد وقع اتفاقية شراكـة تجارية و عسكرية مع فرنسا ، فتعاقد مع شركة فرنسية لبناء مفاعل نــــووي اطلق عليه في حينه ( مفاعل تمــوز ) ، بينما دأبت وسائل الاعلام الغربية على تسمية مفاعل ( أوزيراك ) ، و اختلاف التسميات هنا ذو مغزى يكشـف لنا الحقيقة الاولى ، ذلك ان وسائل الاعلام الغربية ما انفكت تطلق التسميات الاجنبية على كل انجاز تكنـولوجي و عسكري كان يقوم به العراق ، و ذلك للدلالة على ان العرب و المسلمين لا يجيدون سوى شـراء التكنولوجيا الاجنبية دون ان تكون لهم القدرة على فهمها و التمكن من صناعتها .. و كمثال آخر على هذه الحقيقة ، ان العراق تمكن بالفعل من التعرف على تقنية نوع من الصواريخ الروسية ، ليستفيد منها في تطوير صناعة عراقية و بجهود وطنيـة خالصة لانتاج صواريـخ الحسين و العباس ، و من ثم صواريخ الحجارة ، التي اطلقت على اسرائيل فــي حرب 1991 ، ففاقت في مداها و قدرتها الصواريخ الروسية الاصلــية ، لكن وسائل الاعلام الغربية استمــرت بتسميتها بصواريخ سكود . كان البرنامج يمضي قدماً نحو النجــــاح و بخطوات فعالة تنموية ، و من متابعة خطوات هذا المشروع تتبين لنا الحقيقة الثانية ، ذلك ان هذا النوع من المشاريع ضروري ليس فقط ليكون سلاح الردع الاستراتيجي ضد الدول المعادية مثل اسرائيل ، بل ان الخــوض في هذا المــيدان يوفر تدريباً متميزاً للعاملين فيه ، و يعطيهم تكنولوجيا ضرورية يمكن استغلالها على نطاق واسع في باقي الصناعات المدنية و المختبرية .. و الغرب يدرك هذه الحقيقة ، لذلك أسس الوكالة الدولية للطاقة الذريــة ، لتقوم بحجب هذه التكنولوجيا عن دولنا العربية المسلمة ، مبقية على تخلفها و بالتالي تبعيتها الى الغرب في كل شيء .. كان هذا المنطق هو ما دفع اليهود ليشنوا هجوماً بالطائرات في 7 حـزيران 1981 لقصف مفاعل تموز و تدميره بالكامل . من هنا كانت الانطلاقة المفعمة بالتحدي و المثابرة رغم هذا العدوان ، فأمــر الرئيس صدام حسين لجنة الطاقة الذرية الشروع ببناء برنامج نووي عراقي بجهود وطنية دون الاستعانة بــاي طرف أجنبي ، و ان يحاط بالتكتم الشديد . و هنا كانت الحقيقة الثالثة ، ذلك ان العقول العربية و الاسلامـــية لها من الابداع و الاقتدار اللازمين لتخطي كل العقبات و الوصول الى التكنولوجيا و العلوم المتقدمة إذا ما استـجلبت لها اولاً المصادر العلمية المطلوبة ، ثم يتوفر لها الاشخاص الملتزمين و المؤمنين بقضيتهم و مشروعهم ليســيروا في الشوط حتى نهايته . انطلق البرنامج الجديد بثقة عالية بالنفس و بخطوات مدروسـة ، و توالت التجارب على ايدي الالاف من المخلصين من ابناء البلد ، من علماء و مهندسين و تقنيين .. فكـــانت العوائق تزال الواحد تلو الآخر ، و النجاحات تتحقق بامتياز لتبرهن قدرات ذلك الجيل و سمو همتهم و ارادتهــم في تحدي تصريحات اليهود عندمل قالوا بعد عدوانهم بكل عجرفة:(( ان العراقيين بمفردهم غير قادرين على صنع ابرة خياطة )) . كان الخطأ الاستراتيجي المهلك للقيادة العراقية حين أسلمت هذا البرنامج الطمــوح الى حسين كامل في عام 1988 ، فقام هذا الاخير بتصرفات اتسمت بالرعونــة و الاستعجال حين فتح الباب لبعض المهندسين الالمان لتزويد البرنامج العراقي بتصاميم أجهزة متقدمة لتخـصيب اليورانيوم ، و بهذا الاجراء خرق حاجز السرية و الكتمان ، و تفتحت عند ذاك عيون المخابرات الامريكية و الاسرائيلية على التقدم العلمي الحاصل في العراق . توترت الاجواء السياسية بسرعة و تلبدت بالغيوم ، فمع تواصـل التحرشات الدولية بالعراق و التشهير به في وسائل الاعلام ، اعلن الرئيس صدام حسين في 1990 عن تمكن العراق من بلوغ صناعة ( الكيمياوي المزدوج ) ، و انتاجه بما يكفي لضرب اسرائيل اذا ما تجرأت على مهاجمة العراق . اعتبر المراقبون هذه التصريحات خطأ جسيماً من قبل العراق ، لانها صعدت بالتوتر وقتها الى ذروته ، لكن القيادة العراقية في وقتها كان لها ما يبرر تصريحاتها ، اذ وصل الى علم المخابرات العراقية قبل ذلك ان اسرائيل تستعد لتقوم بضربة مماثلة لهجوم 1981 تستهدف فيها منصـات الصواريخ العراقية ، و هذه المعلومة أكدتها فيما بعد محاضر اجتماعات الكونغرس التي ناقشت تفاصيـل هذا الهجوم المرتقب ، فكان الاعلان العراقي آنذاك بمثابة الردع الفاعل ضد هذا العدوان المحتمل . لم يكن للغرب الكافر ان يكتفي بهذا القدر من مجابهة العراق و معاداته ، فكانت التدابير و المؤامرات فيما بعد التي حشرت العراق في فخ دخول الكويت ، و أحكم عليه الحصار . حتى كان عدوان التحالف الاطلسي عام 1991 ، و كانت اولى المهام العسكرية للجيوش الغازية تدمير البنية التحتية للعراق ، بما في ذلك ضرب مواقع البرنامج النووي . و رد العراق بدوره باطلاق 44 صاروخاً على اســـرائيل ، تمكنت صواريخ باتريوت المضادة من اصطياد خمسة منها ، بينما افترست الـ 39 الباقية منها تل أبيب و حيفا و موقع مفاعل ديمونا . توقف اطلاق النيران ، و رضخ العراق مرغماً لقرار الامم المتحدة الجائر 687 لعام 1991 و الذي أمر بتشكيل لجنة ( UNSCOM ) لنزع اسلحة العراق غير التقليدية ( حسب زعمهم ) ، و تكونت هذه اللجنة من حفنة من الجواسيس المتدربين لدى اجهزة الاستخبارات الامريكية و الاسرائيلية . و كانت التسعينات بالنسبة للعراق حافلة بالمرارة و الاذى ، و بذل الاعداء كل مجـهوداتهم لخنقه و سلبه ارادته الوطنية ، و تنوعت اساليب المفتشين الدوليين في ممارسة التسلط و الاستهتار اثنـــاء جولاتهم و استجواباتهم مع المختصين العراقيين .. و لم تكن مهمة هؤلاء بالاضافة الى التجسس سوى المماطلة و تمديد الحصار على العراق . و بعد طول المعاناة و نفاذ الصبر ، اصطنع المفتـشون المشاكل مع الجانب العراقي ، و قام كل من رتشارد بتلر المسؤول التنفيذي للجنة الاونيسكوم ، و محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية بسحب مفتشيهم من العراق ، وفق أوامر و ترتيبات مسبقة من قبل الاميركان ، و باشرت قواتهم الجوية بعدوان 1998 تحت اسم ( ثعلب الصحراء ) ، الذي اجهز على قدر لا يستهان به من الممتلكات و الارواح . في عام 2001 استولى الـ ( نيو محافظين ) على مقاليد الحكم في الولايات المتحدة برئاسـة جورج بوش الابن ، فوجهت الادارة الجديدة جهودها صوب الضغط المستميت على العراق ، و بعد الضغـوطات الدولية و العربية ، اذعن العراق تارة أخرى لقرار مجلس الامن 1441 للسماح بعودة المفتشين الدوليين للتحقق من نزع اسلحة الدمار الشامل . و أخذ مجلس الامن ينصت لكل من هب و دب ممن يكيل الاتهمات الباطلة الى العراق بدعوى اعادة تسلحه النووي ، و من جملة هذه الاتهامات الاخبار الملفقة التي كان محمد البرادعي قد تبناها بالكامل و ضمّـنها في تقاريره المقدمة الى مجلس الامن. كانت طبول الحرب تقرع في تسارع مخيف ، ثم بدأت الحلقة الاخيرة من المؤامرة ببدء العدوان الشامل ضد العراق في 20/3/2003 الذي انتهى باحتلال بغداد يوم 9/4/2003 . و في نفس اليوم اعلن البرادعي وقت اسدال الستار ان العراق لم يكن يمتلك أي نشاط نووي ..( يالصحوة الضمير !! ) الكلمة الاخيرة التي يقولها الكاتبان بعد طول السرد المرير للقصة : أيها الوطن العراقي العظيم ، تكور على جراحك و لا تنحني لأي كان . كن شامخاً مثل نخيلك ، أول من يستقبل الشمس و المطر |
| جميع الأوقات بتوقيت مسقط. الساعة الآن 08:33 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions Inc.
لا تتحمل إدارة سبلة العرب أي مسئولية حول المواضيع المنشورة لأنها تعبر عن رأي كاتبها.