![]() |
دون كيخوته في عُمان
هذا نصٌ لشاعرٍ يمرُ كالرصاصةِ في ساحةٍ لا تخضع للإنظمة الفيزيائية .
كتبهُ الشاعر حمد بن هدّوب الهاشمي ، وحاولت تأويلهُ وما القراءة سوى تأويل ومحاولة تفسير وكشف . أبيات النص تتبعثر في القراءة بالترتيب . ******************************** ها هو دون كيخوته يعود من رحلته ومغامراته الأسطورية ، بجروح لايداويها بلسم السذاجة الإنسانية !، لم يعد هو المجنون الذي يتقمّص شخصية البطل الفارس صاحب المغامرات الخيالية لإنه يعترف هنا بالهزيمة والإنكسار ، ويعلن استسلامه بدون أي تأثير من أحد ، أنه يقتنع بالفشل كنهاية منطقية لرحلته الغير منطقية . ما يميّز هذا النص هي الحركة الصراعية بين الأشياء فيه-الدراماتيكية- والتي تجعل من كل شيء أصله ساكن في صورته الطبيعية ، كالريح في حركتها وفوضويتها ونشاطها. والحوار الخفي بين الشاعر وظله والاشياء المحيطه بهما. ان لغة القصيدة لغة حية متحركة ومفرداتها تنبض بسرعة القلب الخائف من الزمن والموت. (رجع/يجر/تثاقل/أنكسر/تشظى/شاهد/طعن/نفذ/بقى/يصرخ/وهكذا حتى أن اخر كلمة في هذا النص جاءت لتنهي وتوقف كل شيء بفجائةِ وسرعةِ هذه الحركة الإيقافية –كبْحَه-) أن ممارسة الفعل بهذا الزخم والكم الهائل يعطي النص صفة الحياة والديمومة ، ولعل الشاعر كان يعيش النص في اثناء كتابته ، ولم يكن نصا من التراكمات اليومية ،بل انه نص يقراءُ ذاكرتهُ الحية بقلم الشاعر الحي . وهو يبداء بكلمة (رجع) ولو تخيلنا ما قبل هذه الكلمة من كلام كثير لم يقال، لاكنها تختصره بحيث انها ترمز لرحلة السفر والرحيل حينما كان –الأمل- هو المحرض الكبير ، وكان- الرمح- سلاحا لهزيمة أي صدر يقابله، حينها كان الرحيل جميلا ومغريا للوصول الى الحلم ، وجاء كل الكلام الذي بعد ها أي (رجع) يحكي بلسان العودة فقط ، ودلالات اليأس والإحباط والفشل كانت موجودة وحاضرة في كل كلمة تنفسها الشاعر وعاشها لحظة بلحظة . وكأنه يتحدث من على صهوة جواده الأعمى ! ويهذي وهو عائد من هزيمته وخيبته بهذه القصيدة . رجع هالفارس المهزوم يجر الذل بعد العار ...............................على صهوة حصان أعمى تثاقل وانكسر رمحه ولعل ما يدهش القارئ في البيت الأول هو الصورة المأساوية التي رجع بها الحصان ، فلقد فقد بصره اثناء هذه الرحله ، ولابد ان يحدث له ذلك فهذا الحصان لم يصل للهدف الذي أستخدمه فيه فارسه، ولايحتاج الحصان أن يرى أي شئ أثناء العودة ، فالعودة بدون هدف وبدون أتجاه وهي فقط للوصول الى النسيان . وهي بخطى متثاقلة ومرتبكة ، وحتى منظر الرمح –الأمل- يكمل مشهد هذه الحركة التراجيدية . وللحديث أكثر من بقية |
تشظى داخله حلم السنين ورغبة الاصرار
......................وشاهد في طريقه الف فارس يشبهو جرحه ما الإنسان بدون حلم وبدون رغبة لتحقيق هذا الحلم ، ان أنعدام الحلم يعني انعدام الرغبة وانعدام الهدف وانعدام الرؤية تماما ، ليست هناك قدرة على الحياة مع الذات ، فكل هذه الاشياء المعنوية تتشظى، وكم لهذه الكلمة من وقع قاسي ، فالتشظى لا يكون الا بعد السقوط والسقوط من علٍ ، أنها أشياء داخلية مرتبطة بالنفس، لذلك فأن تاثيرها النفسي يكون كبيرا جدا ، وهذا التشظى لابد ان يتسبب في الكثير من الجروح الداخلية . ورغم التقاطع مع الكثير من الحالات الإنسانية المشابهه لحالة الشاعر ، ومشاهدتهم في طريق العودة ،الا ان هذا الفارس لايخفف عنه ذلك أي شيء ، بل انه أخذ بعد هذا التقاطع مع الاخرين الهذيان بألمه أكثر من قبل وبدأ في البوح والكشف عن بعض التفاصيل لرحلة السفر والرحيل . |
طعن كل الجهات وما نفذ رمحه بصدر جدار
.....................بقى يصرخ إلين اثاقلت في حلقه البحه وهذا البيت جاء مكملا للبيت الاول ومفسرا له ، فالرمح –الأمل- والذي أستطاع الفارس به أن يتجاوز كل الصعاب ها هو ينكسر في صدر هذا الجدار – المجتمع- ولعل هذه اللحظه هي أخر نقطة وصلها الفارس في رحلته ، فبعدها بدأ الانحراف أو لنقل العودة وتغيرت الاشياء بأضدادها ،ويوازي عجز هذا البيت عجز البيت الأول في البطء ولكن يختلف عنه في طبيعته، فالأول كان على مستوى الحركة المكانية اما هنا فعلى مستوى الحركة الصوتية ، فالتثاقل في السير حين العودة يوازيه تثاقل حتى في الهذيان ، صورة توحي بالتعب والإنهيار، ورغم ذلك فرحلة العودة مستمرة . |
رائـعة جـداً هـذه القـراءات المتعمقـة ..
لله درك أخي واسيني الأعـرج .. كـم أستمتـع وأنـا أقـرأ كل حـرف تلو الآخـر .. وأستعذب المعنـى العميـق خلف الكلمـات .. جميـل أن يكـون هنـاك من يتعمـق في أدب شعـرائنـا .. وجميـل أن نتتـبع هذا الإبـداع حـرفاً تلو الآخـر . بــوركـت :) |
| جميع الأوقات بتوقيت مسقط. الساعة الآن 10:47 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions Inc.
لا تتحمل إدارة سبلة العرب أي مسئولية حول المواضيع المنشورة لأنها تعبر عن رأي كاتبها.