المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : الوضع الثقافي في عصر الشيخ عمروس


مهنا بن راشد السعدي
26/08/2003, 02:42 PM
أنظــر :


(1) مقدمة بحث الشيخ العلامة أبي حفص عمروس بن فتح النفوسي (( اضغط هنا )) (http://om.s-oman.net/showthread.php?s=&threadid=71737)

(2) الأوضاع السياسية في عصر الشيخ عمروس (( اضغط هنا )) (http://om.s-oman.net/showthread.php?s=&threadid=72907)

(3) اللأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في عصر الشيخ عمروس (( اضغط هنا )) (http://om.s-oman.net/showthread.php?s=&threadid=85918)




المبحث الثالث : الوضع الثقافي في عصر الشيخ عمروس :


1- تمهيد :

لقد عاش الشيخ عمروس في الفترة ما بين سنة 190هـ و 283هـ ، أي في أواخر القرن الثاني الهجري وأغلب القرن الثالث الهجري .
والقرنان الثاني والثالث الهجريان يمثلان فترة ازدهار ونهوض في الحركة العلمية عند المسلمين في مختلف ميادين العلم سواء في المشرق أو المغرب .

وقد برز في تلك الفترة الكثير من العلماء في شتى ميادين العلم سواء العلوم النقلية من تفسير وحديث وفقه ولغة ... إلخ ، أو العلوم العقلية من طب وهندسة وفلسفة ورياضيات ... إلخ (1) .

وقد انتشر التأليف في شتى ميادين العلم ، وانتشرت المدارس العلمية والمكتبات وحلق العلم حول العلماء ، وزادت حركة نسخ الكتب ونقلها من المشرق إلى المغرب ومن المغرب إلى المشرق ، فاطلع علماء المغرب على آخر مؤلفات علماء المشرق ، وأصبح يصلهم كل ما يطرح من مؤلفات جديدة بكل سهولة ويسر عن طريق القوافل التجارية ورحلات الحج والعمرة ، وكذلك بالنسبة لعلماء المشرق فقد أصبح يصلهم كل جديد من مؤلفات علماء المغرب بكل سهولة ويسر .

ومن ذلك أن الإمام عبد الوهاب - رحمه الله - أرسل ألف دينار إلى إخوانه بالبصرة ليشتروا له بها كتبا ، فاقتضى نظرهم أن يشتروها ورقا ، وتطوعوا بالمداد وأجرة النساخ والمفسرين ، فنسخوا له كتبا كثيرة يقال أنها كانت وقر أربعين جملا ، فبعثوا بها إليه ، فقرأها كلها فقال : " الحمد لله إذ ليس فيه مسألة عزبت عني
إلا مسألتان ، ولو سُئلت عنهما لأجبت قياسا على نظائرهما ووافقت الصواب " إهـ (2) .

وما قام به الشيخ عمروس من نسخ مدونة أبي غانم بمساعدة أخته (3) ، وكذلك ما قام به نفاث من نسخ ديوان الإمام جابر عندما ذهب إلى المشرق ، فكان الديوان سبعة أحمال من الإبل ، فعاد به إلى المغرب ، وعندما وجد أصحابه الذين ضلوا بضلالته قد قلوا وضعفوا ، فخشي أن يصل الديوان إلى الإمام أفلح ومن معه من الإباضية ، قام بدفنه في مكان لا يعرفه أحد ، ففقد ولم يعثر عليه إلى اليوم (4) .

فضلا عن ذلك فإن الشيخ عمروس عاش في رحاب الدولة الرستمية التي أولت اهتماما بالغا بالعلم والعلماء ودعم حركة التأليف ونشر الكتب .
فقامت بإنشاء الجوامع والمساجد التي كان العلماء يلقون دروسهم فيها في مختلف فنون العلم ، وقامت بإنشاء الكتاتيب لتدريس الطلاب ، وأنشأت مختلف المكتبات العلمية الضخمة الحاوية لشتى صنوف المؤلفات في مختلف العلوم سواء الكتب الدينية أو الدنيوية ، كمكتبة المعصومة (5) .



.............................

الهامش :

(1) ـ أحمد أمين ، ضحى الإسلام ، ج2 ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، ط5 : 1956م ، ص8 ، 11 وما بعدها نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص261 .

(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص99- 100 - الدرجيني ، الطبقات ، 2/56- 57 ـ الشماخي ، السير ، 1/142 .

(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/323 ـ الشماخي ، السير ، 1/194- 195 .

(4) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص143- 145- الدرجيني ، الطبقات ، 2/82 .

(5) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص170- الدرجيني ، الطبقات ، 1/94 ـ الباروني ( باشا ) ، الأزهار ، 2/293 ـ دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/397 ـ أبو الربيع الباروني ، مختصر تاريخ الإباضية ، ص49 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص289 .


................... يتبع :)

مهنا بن راشد السعدي
26/08/2003, 07:31 PM
ولم يقتصر اهتمامها بنشر العلم والثقافة على العاصمة تيهرت ، بل تعداه إلى مختلف ولايات الدولة الرستمية ومن ضمنها جبل نفوسة الذي ترعرع في ربوعه الشيخ عمروس ، فظهر في جبل نفوسة عدد كبير من فطاحل العلماء ، نهل الشيخ عمروس من معينهم العلم الوفير ، قبل أن يهاجر إلى تيهرت للاستزادة من فنون العلم على يد أئمة الدولة الرستمية وعلماء تيهرت كما سنرى لاحقا .

وقد ظهر في الفترة التي عاش فيها الشيخ عمروس الكثير من العلماء في المغرب ، الذين ألفوا في مختلف فنون العلم كما سنرى .
وكذلك فإن المرأة في تلك الفترة - كما سيأتي - شاركت في النهضة العلمية ، وظهرت الكثير من العالمات اللائي بلغن مرتبة الإفتاء ، وأخت الشيخ عمروس أقرب مثال ، فقد كانت عالمة قديرة ، سجلت لنا الآثار بعض فتاويها وأقوالها ، وساعدت الشيخ عمروس في نسخ مدونة أبي غانم الخرساني (1) .

وكانت نساء البيت الرستمي لهن باع كبير في العلم ، حتى قال أحد أفراد البيت الرستمي : " معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعلم منزلة يبيت فيها القمر " (2) .

كذلك فقد كانت للدولة الرستمية وجبل نفوسة علاقات ثقافية قوية مع بلدان المغرب العربي كالأندلس ، وبلدان المشرق ، وبلاد السودان كما سنرى في محله ، وهذه العلاقات الثقافية ساهمت في نضوج الصحوة العلمية في تلك الفترة ، وذلك بالتلاقح الثقافي بين المغرب والمشرق .


.............................

الهامش :

(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص157- الدرجيني ، الطبقات ، 2/323 - الشماخي ، السير ، 1/195- 196 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام لإباضية ، 2/321 ، رقم الترجمة : 689 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص380 .

(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص99- الدرجيني ، الطبقات ، 1/56 ـ الشماخي ، السير ، 1/142 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص377 .



........................ يتبع

الضوء الساطع
26/08/2003, 07:38 PM
نسأل الله الاجر لمن يعملون بصمت ويبثون هذا التراث الاسلامي الراقي للعالم

فلك التحية العطرة على هذا التواصل والجهد المشرّف.

مهنا بن راشد السعدي
26/08/2003, 10:16 PM
أمين أستاذي الضوء الساطع ، وأشكرك بحرارة على المداخلة .

مهنا بن راشد السعدي
27/08/2003, 03:07 PM
2- المطلب الأول : أئمة الدولة الرستمية واهتمامهم بالنهضة العلمية :


لقد أولت الدولة الرستمية وأئمتها اهتماما بالغا بالحركة العلمية والنهوض بها لتنافس الدول الأخرى الموجودة في ذلك العصر ، والتي كانت تعد عواصم العلم والثقافة كالعراق في المشرق ، والقيروان وبلاد الأندلس في المغرب .

فاستطاع أئمة الدولة الرستمية أن يرقوا ببلادهم في شتى الميادين الحضارية من ثقافة وعمران واقتصاد ، حتى أطلق على تيهرت " عراق المغرب ، وبلخ المغرب إلحاقا بهما - أي بالعراق وبلخ - في المعارف والعمران والحضارة " (1) .

وقال ألفرد بل واصفا تيهرت وما وصلت إليه من رقي حضاري في مختلف الميادين ومن بينها ميدان العلم والثقافة : " واستمرت المملكة الإباضية في المغرب الأوسط قرابة مائة وخمسين عاما ( من سنة 761م إلى سنة 909م ) ، وكانت عاصمتها تاهرت * مركزا مهما للدراسات الإسلامية وفقا لمذهب الخوارج الإباضية ** " إهـ (2) .



...........................

الهامش :


(1) - الميلي ، تاريخ الجزائر ، 2/76 ـ الجيلالي ، تاريخ الجزائر العام ، 1/231 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص262.

* - تضاربت المصادر في اسم " تيهرت " بعضها يذكرها بالألف " تاهرت " وبعضها بالياء " تيهرت " ، فممن ذكرها " تاهرت " بالألف : البرادي في الجواهر ، والبغطوري في سير أهل نفوسة ، والدرجيني في طبقاته ، وأبو زكرياء في سير الأئمة ، وابن الصغير في أخبار الأئمة الرستميين ، وياقوت الحموي في معجم البلدان ، والقزويني في آثار البلاد وأخبار العباد ، وابن حوقل في صورة الأرض ، واليعقوبي في كتاب البلدان ، وابن الفقيه الهمداني في مختصر كتاب البلدان ، والمقدسي في أحسن التقاسيم ، وأبو القاسم بن خرداذبة في المسالك والممالك .
ومن الباحثين المعاصرين من ذكرها " تاهرت " بالألف : الجعبيري في البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ، وعمرو النامي في دراسات عن الإباضية ، و د/ محمد صالح ناصر في منهج الدعوة عند الإباضية – بالرغم من أنه وإبراهيم بحاز رجحا تيهرت عن تاهرت في تحقيقهما على أخبار الأئمة الرستميين لابن الصغير كما سنرى بعد قليل - ود/ عوض خليفات في نشأة الحركة الإباضية كذلك ذكرها " تاهرت " بالألف ولم يذكرها " تيهرت " بالياء ، وكذلك تاديوس ليفيتسكي صاحب كتاب المؤرخون الإباضيون في أفريقيا الشمالية .

ونجد عبد الله بن قتيبة في كتابه يذكرها بالألف " تاهرت " كما نقل عنه أبو زكرياء صاحب سير الأئمة في ص48 ، حيث قال ـ أي ابن قتيبة ـ : " والله أعلم بمن كان به التمام ونرجو أن هؤلاء الذين وصلوا أرض المغرب بتاهرت من أئمتنا ، وقد بلغوا فيها درجة عظيمة ، وولوها نيفا ومائة وخمسين سنة ، فيما ذكره بعض الرواة " إهـ . ( أنظر : البرادي ، الجواهر ( مخ ) ، ص173 ، 174 ـ البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص64 ، 74 ـ أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص81 ، 83 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/40 ،41 ، 42 ، 43 ـ ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص28 ـ ياقوت الحموي ، معجم البلدان ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، ط1 : 1417هـ/ 1997م ، 2/426 ـ 427 ـ القزويني ، آثار البلاد وأخبار العباد ، دار بيروت للطباعة والتشر ، بيروت لبنان ، 1404هـ / 1984م ، ص169 ـ ابن حوقل ، صورة الأرض ، ص93 ـ اليعقوبي ، كتاب البلدان ، ص109ـ 114 ـ ابن الفقيه ، مختصر كتاب البلدان ، ص77 ـ المقدسي ، أحسن التقاسيم ، ص83 ، 183، 184، 189، 194 ـ أبو القاسم ، المسالك والممالك ، ص81 ـ 83 ـ فرحات الجعبيري ، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ، مطبعة الألوان الحديثة ، سلطنة عمان ، 1408هـ / 1987م ، ص57 ، 105 ، 144 ـ د/ النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص117 ، 122 ، 202 ـ محمد ناصر ، منهج الدعوة عند الإباضية ، ص153ـ 156 ـ د/ عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص9 ، 14 ، 38 ـ تاديوس ليفيتسكي ، المؤرخون الإباضيون في أفريقيا الشمالية ، ترجمة : ماهر جرار و ريما جرار ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت لبنان ، ط1 : 2000م ، ص37 ـ أنظر كلام عبد الله بن قتيبة في : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص48 ) .

وفي المقابل نجد بعض المصادر تذكرها " تيهرت " بالياء بدلا من " تاهرت " بالألف فمن المصادر القديمة : الشماخي في سيره ، وابن عذارى في البيان المغرب ، وكذلك الرقيق القيرواني ، وابن سعيد المغربي قال أبو الفداء : " وفي خط ابن سعيد عوض الألف ياء مثناه من تحت وهو الأصح عندي لأن ابن سعيد مغربي فاضل " .


..................... يتبع بقية الهامـــــــش :)

مهنا بن راشد السعدي
28/08/2003, 02:31 PM
تابع بقية الهامش أعلاه :

ومن الباحثين المعاصرين من ذكر تيهرت بدلا من تاهرت : الشيخ سليمان باشا الباروني في الأزهار الرياضية ، والشيخ أبو الربيع سليمان الباروني في مختصر تاريخ الإباضية ، والشيخ بكلي عبد الرحمن محقق قواعد الإسلام ، والباحث حاج أحمد كروم محقق الدينونة الصافية ، والباحث إبراهيم بحاز في كتابه الدولة الرستمية معللا أن الكلمة حرفت بمرور الزمن ، والباحث محمد دبوز في تاريخ المغرب الكبير ـ والغريب أنه نقل عن ياقوت الحموي بعض ما قاله عن تيهرت في كتابه معجم البلدان 2/354 مطبعة دار السعادة بالقاهرة وهو قوله : " تيهرت الحديثة ، وهي على خمسة أميال من تيهرت القديمة وهي حصن ابن ماجه " إهـ ، فنجد أنه ـ الباحث محمد دبوز ـ نسب إلى الحموي أنه ذكر " تيهرت " بالياء وليس " تاهرت " بالألف بالرغم من أننا إذا رجعنا إلى كتاب معجم البلدان نجد ياقوت الحموي يذكر " تيهرت " بالألف " تاهرت " وليس " تيهرت " بالياء كما ذكر الباحث دبوز ، ولا أدري هل السبب يعود إلى اختلاف طبعات كتاب معجم البلدان ، حيث أني رجعت إلى طبعة دار إحياء التراث العربي ببيروت ، الطبعة الأولى ، ولم أتمكن من الحصول على الطبعة التي اعتمد عليها الباحث محمد دبوز ، أم أن السبب يعود إلى عدم تركيز من الباحث محمد دبوز على هذه النقطة في الخلاف في اسم تيهرت مع أهميتها ، الله أعلم في ذلك ونجد نفس الشيء يتكرر معه فيما نسبه إلى أبي القاسم بن خرداذبة صاحب المسالك والممالك من ذكره لتيهرت بالياء وليس بالألف ، حيث قال ـ ابن خرداذبة ـ : " تيهرت مدينتان كبيرتان ... وفيها جامع " ناقلا ذلك من كتاب المسالك والممالك طبعة ليدن 1872 ، وإذا عدنا إلى ما قاله ابن حوقل في كتابه المسالك والممالك نجده يذكرها " تاهرت " بالألف وليس " تيهرت " بالياء ، ولا أدري هل السبب يعود إلى اختلاف الطبعات فوقع نسخ أو تحريف حيث أني عدت إلى كتاب المسالك والممالك ووجدته ذكر تيهرت بالألف " تاهرت " وليس بالياء " تيهرت " كما ذكر الباحث محمد دبوز ، والغريبة كذلك أنه نسب كتاب المسالك لابن حوقل ! ، ومن المعلوم أن كتاب المسالك والممالك لأبي القاسم بن خرداذبة ، فلا أدري هل يوجد كتاب آخر لابن حوقل يحمل نفس اسم كتاب المسالك والممالك لابن خرداذبة ، فالمشهور عن ابن حوقل هو كتاب صورة الأرض ، أم أن ذلك خطأ مطبعي أو سهو من الباحث محمد دبوز ؟ الله أعلم .

ونجد إسماعيل العربي محقق كتاب سير الأئمة وأخبارهم يذكرها " تيهرت " بالياء في مقدمة تحقيقه ولم يبين أيهما الأرجح ، والظاهر أنه يرجح " تيهرت " على " تاهرت " لأنه استعملها بالياء ، بالرغم أن أبا زكرياء صاحب كتاب سير الأئمة إستعمل " تاهرت " بالألف ، فلم يعلق المحقق إسماعيل العربي على ذلك ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/124 ـ ابن عذارى ، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب ، دار الثقافة ، بيروت لبنان ، ط3 : 1983م ، 1/196ـ 200 ـ الرقيق القيرواني ، تاريخ إفريقية والمغرب ، تحقيق : المنجي الكعبي ، مطبعة الوسط ، تونس ، 1387هـ/ 1967م نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص86 الهامش ـ أبو الفداء ، تقويم البلدان ، تصحيح رينود وآخرين ، طبع دار الطباعة السلطانية ، باريس 1840م ، ص138 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص86 الهامش ـ الباروني ، الأزهار ، 2/6 ، 45 ، 305 ـ الباروني ، مختصر تاريخ الإباضية ، ص36 ـ الجيطالي ، قواعد الإسلام ، 1/13 الهامش ـ الشيخ عمروس ، الدينونة الصافية ، ص24 ، 28 ، 30 مقدمة المحقق ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص86 الهامش ـ محمد دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/21 ، 262 ، 442 ـ أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص20 مقدمة المحقق ) .

ورجح الباحثان محمد صالح ناصر وإبراهيم بحاز في تحقيقهما على كتاب أخبار الأئمة الرستميين لابن الصغير " تيهرت " بالياء عن " تاهرت " بالألف ، وقالا أن الأضبط " تيهرت " بالياء ، مع أن د/ محمد صالح ناصر في كتابه منهج الدعوة عند الإباضية استعمل" تاهرت " بالألف بدلا من " تيهرت " كما مر ، بالرغم أن تحقيقه مع بحاز لكتاب ابن الصغير كان متقدما على تأليفه لكتابه منهج الدعوة عند الإباضية ، حيث أنهما حققا كتاب ابن الصغير في سنة 1405هـ/ 1985م ، وكتابه منهج الدعوة عند الإباضية صدر في سنة 1418هـ/ 1997م ، فهل تراجع عن ترجيح " تيهرت " بالياء إلى القول أنها " تاهرت " بالألف ؟ أم أن ذلك سهو منه ؟ الله أعلم ( أنظر : ابن الصغير ، تاريخ الأئمة الرستميين ، ص28 الهامش ) .

ونجد الشيخ عبد الله الباروني يذكرها في قصيدة له " تيهرت " بالياء كما نقل عنه ابنه الشيخ سليمان باشا الباروني في الأزهار 2/300 حيث قال :

وأيـن الأئـمة الكــرام جميعــهـــــم :: بنو رستم كأس المنايا تجرعوا
لقد أسسوا تيهرت بالغرب وارتقوا :: مدارج عز الملك فيه وأبدعـوا
وداموا بها خمسين عاما ومائــــــة :: يحـفهم مـن بالغضب يقطــــع
فبددهــم ريب المنــون وأصبحـــت :: منازلهم قفرا بها الريح زعزع


............... يتبع بقية الهامش

الولد المغامر
28/08/2003, 03:08 PM
الله أكبر .... سيدي التيهرتي ...... 50 قارئ خلال يومين .... وتقول لا يوجد قراء............. ؟!!!!!!!!!!!1

مهنا بن راشد السعدي
28/08/2003, 05:33 PM
أخي الفاضل الولد المغامر :

ألا أخي بارك الله فيك أنا أخوك فلا تعطن أكبر من حجمي وتقلدني ألقاب لا أقوى على حملها والنفس أماره بالسوء :)

ثانيا أخي أنا أشكر وبحرارة كبيرة كل الأخوة والأخوات القراء الكرام الذين يزورون مواضيع هذا العبد الفقير ، سائلا المولى القدير أن يجدوا كل فائدة في المواضيع التي أطرحها .

ولكن أخي أظنك تشاطرني الرأي في أننا نطمح من إخواننا القراء أن يبدوا وجهات نظرهم المختلفة حول ما يقرؤون ، وأنا متأكد كل التأكيد أن أي قارئ يقرأ موضوعا ما لا بد وأن تتولد لديه ملاحظات حول ما قرأ ، وأنا أرغب من الأخوة القراء الكرام أن يشاركوني في ملاحظاتهم حول المواضيع التي أطرحها وذلك لمزيد من إثراء الساحة ...

وأشكرك بحرارة على الزيارة راجيا أن أرى تعليقاتك وملاحظاتك البناءة والهادفة في مختلف مواضيع السبلة :)

مهنا بن راشد السعدي
28/08/2003, 11:59 PM
ما زلنا مع الهامش السابق :


وقد ذهب الإمام القطب ـ رحمه الله ـ كما نقل عنه بحاز إلى ترجيح " تيهرت " بالياء بدلا من " تاهرت " بالألف حيث قال : " وتيهرت بكسر التاء وإسكان الياء بعدها إسكانا ميتا ، وبفتحها وإسكان الياء بعدها حيا والفتح أولى ، وبفتح الهاء وبعدها راء مهملة ساكنة والتاء مجرورة في السطر لا على صورة هاء لأنها تاء تأنيث في لغة البربر ... ويقال : تاهرت بالألف وهو ضعيف " إهـ ( محمد اطفيش ، الرد على العقبي ، ص70 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص86 الهامش ) .

والغريب أننا نجد هذا الخلاف في اسم تيهرت عند شعراء تيهرت أنفسهم ، فنجد الشاعر أبو عبد الرحمن بكر بن حماد وهو من شعراء تيهرت يذكرها بالألف في قصيدة له واصفا شدة البرد في تيهرت فيقول :

ما أخشن البرد وريعانــه :: وأطــراف الشمـس بتاهـرت
تبدو من الغيم إذا ما بدت :: كـأنـها تـنـتشـر مــن تــحــت
فنحن في بحر بلا لجـــة :: تجري بنا الريح على السمت
نفرح بالشمس إذا ما بدت :: كفرحـــة الذمــــي بـالسـبـت

( أنظر : الحموي ، معجم البلدان ، 2/427 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/43 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/70 ، ذكر الشيخ الباروني البيت الأول وهو : ما أخشن البرد وريعانــه :: وأطــراف الشمـس بتاهـرت ) .

ونجد شاعرا آخر من شعراء تيهرت يذكرها بالياء فيقول :

سقى الله تيهرت المنا وسويقة :: بساكنها غيثا يطيب بـه المحــل
كأن لم يكن والدار جامعة لنا :: ولم يجتمع وصل لنا لا ولا أهل
ونجد الشاعر أحمد بن فتح المعروف بابن الخزاز التيهرتي يذكرها كذلك بالياء ، فيقول :

تيهرت أنت خلية وبرقة :: عوضت عنك ببصرة فاعتاض

وأيضا الشاعر سعد بن أشكل التيهرتي يذكرها بالياء ، فيقول :

وأصبحت عن تيهرت في دار غربة :: وأسلمني مر القضاء من القدر
( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/77 ، 78 ، 301 )

فنلاحظ أن ثلاثة شعراء من تيهرت ذكروها بالياء " تيهرت " مقابل شاعر واحد ذكرها " تاهرت " بالألف ، فلعلنا نستنتج من ذلك أن " تيهرت " بالياء أصح من " تاهرت " بالألف .

وكذلك نجد الخلاف وقع في نسبة بعض علماء تيهرت ، فبعضهم ذكر بالياء " التيهرتي " وبعضهم ذكر بالألف " التاهرتي ، ومنهم :

العلامة زكرياء بن بكر بن أحمد الغسالي التاهرتي ، والعلامة عبد الله بن محمد بن عيسى بن حسين التميمي التاهرتي ، والعلامة الحسن بن علي بن طريف أبو علي النحوي المعروف بالتاهرتي ، وغيرهم ، وفي المقابل نجد بعضهم ذكر بالتيهرتي في نسبته منهم : ابن الخزاز أحمد بن فتح التيهرتي ، وسعد بن أشكل التيهرتي ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/75 ، 76 ، 77 ، 78 ) .

ولعل" تيهرت " بالياء أصح من " تاهرت " بالألف بناء على ترجيح الإمام القطب ود/ محمد صالح وإبراهيم بحاز وأبي الفداء ، ولأن أغلب الباحثين المغاربة المتقدمين يذكرونها بالياء " تيهرت " كالشماخي في سيره ، والرقيق القيرواني ، وابن عذارى ، وابن سعيد المغربي كما مر ، والله أعلم .

وينبغي التنبيه أن هناك تيهرت القديمة وتيهرت الحديثة ، فتيهرت الحديثة هي التي بناها الإمام عبد الرحمن بن رستم بين سنة 155هـ و 160هـ ، واتخذها عاصمة للدولة الرستمية ، وهي تبعد عن تيهرت القديمة بمقدار خمسة أميال أو مراحل ، وهناك من قال بمقدار مرحلة واحدة وأما تيهرت القديمة فكانت مدينة بربرية لملوك البربر ، ثم سيطر عليها الرومان وجعلوها أسقفية نصرانية ، وقد غزاها عقبة بن نافع واحتلها ، فأصبحت عاصمة لنواحيها فظهر فيها بعض الأمراء كعبد الخالق ، وابن بخاته ، ولما وصل إليها الإمام عبد الرحمن بن رستم كان يسيطر عليها قوم من البربر يدعون " برفجانة " ، فبنى الإمام عبد الرحمن بقربهم تيهرت الحديثة .

وتقع " تيهرت " العاصمة الرستمية على بعد 9 كيلومترات من تيهرت اليوم ، وتبعد عن مدينة الجزائر العاصمة في الشمال الشرقي بحوالي 430 كلم ، وتفصلها مسافة 240 كلم عن مدينة وهران في الشمال الغربي ، وتعرف تيهرت اليوم باسم " تيارت " وهو اسم فرنسي محرف عن تيهرت .

وتيهرت كلمة بربرية ، يرى مستشرقان فرنسيان مختصان في اللسان البربري أن " تيهرت " كلمة تعني عند أحدهما " محطة " وعند الآخر " إقامة " ، وقد ذكر الباحث بحاز معلقا على ما ذهب إليه هذان الباحثان : " ويبدو جليا أن لا فرق كبير بين المعنيين ، إذ المحطة للإقامة أو الإقامة بالمحطة فكلاهما جائز . ولا شك أن تيهرت لعبت هذين الدورين منذ العهد الروماني ، فالرستمي ، إلى يومنا هذا ، وهما يشيران بوضوح إلى دور تيهرت التجاري بين الشمال والجنوب ، والشرق والغرب " إهـ

( أنظر : ياقوت الحموي ، معجم البلدان ، 2/427 ـ القزويني ، آثار البلاد وأخبار العباد ، ص179 ـ ابن عذارى المراكشي ، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب ، 1/196 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/41 ـ ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص28- 29 الهامش ـ الباروني ، الأزهار ، 2/6 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص84 ، ص87 الهامش ، ص90 ـ دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/261ـ 264 ) .


............... يتبع بقية الهامــــــش

مهنا بن راشد السعدي
29/08/2003, 03:27 PM
ونتابع الهامش أعلاه :

** - لقد دأب كثير من كتاب المقالات إلى إلصاق مصطلح الخوارج بالإباضية ، إما لأهواء في أنفسهم خدمة لبعض السياسات كالسياسة الأموية ، أو لتعصبات مذهبية .

ومصطلح " الخوارج " مبهم عائم يحتاج إلى توضيح المقصود به ، فكل أحد يفسره وفق مبادئه أو مصالحه ، قال الشيخ السابعي : " ومن خلال ما تقدم يتراءى أن هذا المصطلح كان لكل فريق من مستخدميه وجهة هو موليها ، فعلى حين يبدو من الربط بين الخوارج والمارقة من قبل الأمويين قصد الذم واللمز ، يتضح من عبارات الأزارقة وأشعارهم إرادة الثناء والتمدح ، كما تصرح عبارة عبد الله بن إباض بالثناء على الخوارج في قوله : " ... فهذا خبر الخوارج نشهد الله والملائكة أنا لمن عاداهم أعداء ولمن والاهم أولياء بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا ... " مع سحبه هذا اللقب عن الأزارقة في قوله : " ... غير أننا نبرأ إلى الله من ابن الأزرق وأتباعه من الناس ... " " إهـ .

فمصطلح الخوارج يأتي على عدة تفسيرات تتراوح بين المدح والذم ، فالخروج يأتي بمعنى الخروج في سبيل الله قال تعالى : ) وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ( ( التوبة : 46 ) ، وقال تعالى : ) وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ( ( النساء : 100 ) ، إذا فهو مدح بهذا التفسير وهو الخروج في سبيل الله وليس ذما .

وكذلك يأتي بمعنى الخروج السياسي على الحاكم ، سواء خروجا على أئمة الحق كما فعل معاوية بخروجه على علي بن أبي طالب ، فمعاوية باغ بخروجه على الإمام علي الذي ارتضت الأمة إمامته ، وقد يكون الخروج على أئمة الجور المعطلين لحدود الله ، بهدف إقامة الحق وتطبيق شرع الله في أرضه ، وبهذا التفسير يفسر الإباضية خروجهم ، وخروج الرعيل الأول لهم وهم أهل النهروان الذين خرجوا على الإمام علي لما انحرف عن المنهج الصحيح ورضي بالتحكيم في شيء حكم الله تعالى فيه بنص كتابه .

فالإباضية في جميع ثوراتهم يفسرون خروجهم خروجا سياسيا على الظلم ، والأمثله على ذلك كثيره كخروجهم على حكام بني أمية وبني العباس الجوره المعطلين لحدود الله ، وإقامتهم الدول الإباضية في المغرب والمشرق المطبقة لشرع الله ، وخروجهم في عمان على بعض الحكام الجائرين بهدف إقامة الدول الإسلامية المطبقة لشرع الله .
والخروج على أئمة الجور ـ كبني أمية وبني العباس ـ لم يتفرد به الإباضية وحدهم بل وافقهم على ذلك جمهور الأمة ، قال ابن حزم : " وذهبت طوائف من أهل السنة وجميع المعتزلة وجميع الخوارج والزيدية إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب ، إذا لم يكن دفع المنكر إلا بذلك ، قالوا : فإذا كان أهل الحق في عصابة يمكنهم الدفع ولا ييأسون من الظفر ففرض عليهم ذلك ، وإن كانوا في عدد لا يرجون لقلتهم وضعفهم بظفر كانوا في سعة من ترك التغيير باليد ، وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكل من معه من الصحابة ، وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير وكل من كان معهم من الصحابة ... وهو قول عبد الله بن الزبير ومحمد والحسين بن علي وبقية الصحابة والمهاجرين والأنصار القائمين يوم الحرة رضي الله عن جميعهم أجمعين .

وقول كل من قام على الفاسق الحجاج ومن والاه من الصحابة رضي الله عن جميعهم كأنس بن مالك وكل ممن ذكرنا من أفاضل التابعين كعبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جبير وابن البحتري الطائي وعطاء السلمي الأزدي والحسن البصري ومالك بن دينار ... ـ وذكر أسماء كثير من التابعين وأتباعهم ـ ثم قال : وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء كأبي حنيفة والحسن بن حي وشريك ومالك والشافعي وداود وأصحابهم ، فإن كل من ذكرنا من قديم وحديث إما ناطق بذلك في فتواه وإما فاعل لذلك بسل سيفه في إنكار ما رأوه منكرا " إهـ .

إذا فخروج الإباضية السياسي على الحكام الجائرين ، ليس ذما لهم بل هو مدح وشرف يستحقون الثناء عليه ، كذلك لم ينفردوا وحدهم بهذا القول فقد وافقهم عليه جمهور الأمة كما رأينا من كلام ابن حزم ، فلماذا نعت الإباضية بلقب الخوارج دون غيرهم ، أو ليس هذا دليلا على التعصب الأعمى من قبل من نعتهم بهذا النعت دون غيرهم ؟!
ويأتي كذاك مصطلح " الخوارج " بمعنى الخروج من الملة الإسلامية والمروق من الدين ، وقد حاولت بعض الفرق الإسلامية إلصاق هذه التهمة بالخارجين على الإمام علي من أهل النهراوان ، وبالطبع ينسحب الحكم على الإباضية لأن أهل النهروان هم الرعيل الأول للإباضية ، وقد يحاول بعض الكتاب تلطيف الجو بالقول أن الإباضية أكثر فرق الخوارج اعتدالا وأقربهم إلى أهل السنة والجماعة ، وكأن أهل السنة والجماعة أصبحت هي المقياس الذي يقاس به المسلمون .

ولكن ما الجرم الذي ارتكبه أهل النهروان حتى يتم إخراجهم من الملة الإسلامية وينعتوا بالمروق والخروج ، ألأنهم خرجوا على الإمام علي ؟ وهل هم وحدهم الذين خرجوا على الإمام علي ؟ ، ألم يخرج عليه الزبير وطلحة وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهم يوم الجمل ، وألم يخرج عليه معاوية وأهل الشام يوم صفين ؟ فلماذا لا ينعتون بما نعت به أهل النهروان ؟ لماذا خص أهل النهروان بالمروق والخروج دون غيرهم ؟
وأما الروايات التي تنسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في الخوارج وأنها تنطبق على أهل النهروان فقد تكفل بدراستها الشيخ السابعي في كتابه الخوارج والحقيقة الغائبة وبين ما فيها من أوجه الضعف واللبس ، فمن أرادها يجدها في كتاب الخوارج والحقيقة الغائبة للشيخ السابعي حفظه الله .


................... يتبع

مهنا بن راشد السعدي
02/09/2003, 02:46 PM
ونتابع الهامش أعلاه :

والملاحظ أن الرعيل الأول للإباضية لم يستنكف من لقب الخوارج بل كان يعترف به ويفسره أئمتهم الأوائل بالخروج السياسي على أئمة الجور كما مر وليس بالخروج من الدين أو باستباحة دماء المسلمين وسبي ذراريهم وغنم أموالهم كما يرى بعض أصحاب الأهواء ، ولكن لما تطور الأمر وزعم الأزارقة والنجدات استباحة دماء المسلمين وسبي ذراريهم وغنم أموالهم ، تبرأ الإباضية منهم وردوا عليهم ، وبينوا موقفهم من هذه الفتنة بكل صراحة ووضوح ، وهو أنهم لا يجيزون قتل المسلمين بغير حق ولا سبي ذراريهم ولا غنم أموالهم ، قال سالم بن ذكوان الهلالي في سيرته : " ثم تتابعت على ذلك خوارج المسلمين ـ يقصد الخروج السياسي على أئمة الجور ـ يحكمون الله وحده ويرضون سبيل من مضى قبلهم من المسلمين ، لا يقتلون ذرية قومهم ، ولا يستحلون فروج نسائهم ، ولا يستعرضونهم ، ولا يخمسون أموالهم ، ولا يقطعون الميراث منهم ، ويؤدون الأمانة إليهم وإلى غيرهم ... ثم خرج من بعدهم ابن الأزرق وأصحابه ، فمكثوا ما شاء الله بسيرة من كان قبلهم من الخوارج ـ يقصد الخروج السياسي على أئمة الجور ـ ثم إنهم جرمهم شنئان قوم أن أنزلوهم بمنازل عبدة الأوثان ، فقطعوا الميراث منهم ، وحرموا مناكحتهم وقد ناكحهم من يتولون ووارثهم ، فإن يكن ذلك هدى عمل به من يتولون ، فقد خالفوهم فيه ودانوا اليوم بالبراءة ممن عمل به ، وإن يكن ذلك ضلالة ضلوا بتوليتهم من عمل به واستحلوا سبا قومهم واستنكاح نسائهم وخمس أموالهم وقتل ذراريهم واستعراضهم ... ثم كان من بعدهم أهل اليمامة نجدة وأصحابه ، فشهدوا على قومهم أنهم بمنزلة عبدة الأوثان ، ثم استحلوا من نكاح نسائهم وأكل ذبائحهم ما حرم الله من نساء المشركين وذبائحهم ... " إهـ وقد رد على شبههم في سيرته فانظرها في محلها .

قال عبد الله بن إباض في كتابه إلى عبد الملك بن مروان موضحا موقف الإباضية من الأزارقه : " ... هذا خبر الخوارج ـ يقصد الخروج السياسي على أئمة الجور ـ شهد الله والملائكة أنا لمن عاداهم أعداؤنا ولمن والاهم أولياؤنا بألسنتنا وأيدينا وقلوبنا ، نعيش على ذلك ما عشنا ونموت عليه إذا متنا ونبعث عليه عند ربنا . إنا براء إلى الله من ابن الأزرق وصنيعه وأتباعه ، لقد كان حين خرج ، على الإسلام فيما ظهر لنا ، ولكنه أحدث وارتد وكفر بعد إسلامه ، فنبرأ إلى الله منهم ... " إهـ .
وقال أبو حمزة الشاري في خطبته المشهورة مبينا فكر الإباضية وعقيدتهم التي جهلها الكثير ممن افترى عليهم : " ... الناس منا ونحن منهم إلا مشركا عابد وثن ، أو كافرا من أهل الكتاب ، أو إماما جائرا ... " إهـ .

هذا بالنسبة لأئمة الإباضية الأوائل فكل من الإمام عبد الله بن إباض وسالم بن ذكوان وأبي حمزة الشاري عاشوا في القرن الأول الهجري أي في فترة الفتنة ، وكذلك نجد نفس الموقف عند أئمة الإباضية المتأخرين من عدم جواز استباحة دماء المسلمين وسبي ذراريهم وغنم أموالهم ، فنجد الإمام السالمي رحمه الله ـ ولد سنة 1286هـ ، وتوفي سنة 1332هـ ـ يقول : " واعلم أن اسم الخوارج كان في الزمان الأول مدحا ، لأنه جمع خارجة ، وهي الطائفة التي تخرج للغزو في سبيل الله تعالى ، قال عز وجل : ) وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ( ( التوبة : 46 ) ، ثم صار ذما لكثرة تأويل المخالفين أحاديث الذم فيمن اتصف بذلك آخر الزمان ، ثم زاد استقباحه حين استبد به الأزارقة والصفرية ، فهو من الأسماء التي اختفى سببها وقبحت لغيرها ، فمن ثم ترى أصحابنا ـ يقصد الإباضية ـ لا يتسمون بذلك وإنما يتسمون بأهل الاستقامة لاستقامتهم في الديانة " إهـ .

وقال - أي الإمام السالمي رحمه الله - في جوهر النظام :

ومال أهل البغي لا يحل :: وإن يكن قوم له استحلوا
خوارج غلت وصارت مارقة :: من دينها صفرية أزارقة
فحكموا بحكم المشركينا :: جهلا على بغاة المسلمينا
فعرضوا للناس بالسيف كما :: قد استحلوا المال منهم مغنما
وأمة المختار فارقتهم :: وضللتهم وفسقتهم
ووردت فيهم عن المختار :: جملة أخبار مع الآثار
وفيهم المروق يعرفنا :: ومنهم لا شك نبرأنا

وقال الشيخ القنوبي حفظه الله ـ من علماء الإباضية المعاصرين ـ : " ... والحق أن الإباضية لا علاقة لهم بالخوارج ، ومن تصفح كتبهم ـ أعني الإباضية ـ تبين له ذلك من أول نظرة ... " إهـ .

( أنظر : ابن حزم ، الفصل ، 4/171- 172 نقلا عن : سعيد بن مبروك القنوبي ، السيف الحاد ، مطابع النهضة ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط3 : 1418هـ ، ص43 ـ القنوبي ، السيف الحاد ، ص42 ـ ناصر بن سليمان السابعي ، الخوارج والحقيقة الغائبة ، مطابع النهضة ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط1 : 1420هـ/ 1999م ، ص148- 149 ـ سيرة سالم بن ذكوان أنظر : محمد ناصر ، منهج الدعوة ، ص365 ، 368 ـ كتاب عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان أنظر : محمد ناصر ، منهج الدعوة ، ص334- 335 ـ خطبة أبي حمزة الشاري في أهل المدينة أنظر : محمد ناصر ، منهج الدعوة ، ص108ـ340 ـ ا السالمي ، شرح الجامع الصحيح ، 1/59 ـ عبد الله بن حميد السالمي ، جوهر النظام ، ج3 ، مطبعة الألوان الحديثة ، سلطنة عمان ، ص231 ـ ولمزيد معلومات عن مدى العلاقة بين الإباضية والخوارج أنظر : النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص43- 72 ، 120 ـ بكير بن سعيد أعوشت ، دراسات إسلامية في الأصول الإباضية ، المطابع العالمية ، روي ، سلطنة عمان ، ط4 :1409هـ ، ص29- 42 ـ مهني التيواجني وآخرون ، هذه مبادئنا ، ص49- 66 ـ محمد ناصر ، منهج الدعوة ، ص42 ـ 58 ) .

(2) - ألفرد بل ، الفرق الإسلامية في الشمال الأفريقي من الفتح العربي حتى اليوم ، ترجمه عن الفرنسية : عبد الرحمن بدوي ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط 3 : 1987م ، ص149 .


وبهذا ينتهي الهامش أعلاه ، وسنعود لمواصلة المتن ...

مهنا بن راشد السعدي
03/09/2003, 10:41 AM
ونستأنف عرض المتن :


فغدت الدولة الرستمية في ذلك الوقت كما يقول الأستاذ ابن تاويت الطانجي : " مشعلا عظيما للحضارة والعلم في الشمال الأفريقي فكانت تلي القيروان في ذلك " (1) .

ولقد كان شغف الأئمة الرستميين بالعلم كبيرا ، فاهتموا بتعلمه حتى برعوا في شتى فنون العلم ، ومن ثم بدأوا بالعطاء والتعليم ، وإنشاء المؤسسات العلمية على أحدث الأساليب المتبعة في ذلك الوقت ، فغدت تيهرت وبقية ولايات الدولة الرستمية وبالأخص جبل نفوسة مقصد طلاب العلم ومريديه ، حيث أن الدولة
الرستمية أصبحت تزخر بالعدد الكبير من العلماء في شتى فنون العلم ، وليس هذا فحسب بل ومن مختلف المذاهب الإسلامية كما سنرى .

ودليل شغف أئمة الدولة الرستمية بالعلم وحبهم له ولنشره ، إهتمامهم بتعلمه وإتقانه منذ السنوات الأولى من حياتهم ، فالإمام عبد الرحمن بن رستم - المؤسس للدولة الرستمية - هاجر في سنوات عمره الأولى وقبل أن ينشئ الدولة الرستمية إلى البصرة ميمما شطر البحر - في ذلك الوقت - الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة * ، فظل خمس سنوات ينهل من علمه في سردابه الذي أعده خصيصا لذلك ، حتى تخرج منه عالما نحريرا وقد أجاز له أبو عبيدة أن يفتي بما سمع منه وما لم يسمع بقوله : " أفت بما سمعت مني وما لم تسمع " ، وقال فيه أحد معاصريه : " لا أعلم من يخرج مسائل دماء أهـل القبلـة في زماننـا هذا غير عبد الرحمـن بن رستـم بالمغرب " (1) .


..........................

الهامش :

(1) - ابن تاويت الطانجي ، دولة الرستميين أصحاب تاهرت ، صحيفة معهد الدراسات ، مدريد ، م5 ، ع1- 2 ، ص126 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص261 .

* - هو الإمام الكبير المحدث الحافظ الثقة الثبت الزاهد المجاهد أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي ـ بالولاء ـ كان مولى لعروة بن أدية التميمي رحمه الله تعالى ، وقيل إن اسم أبيه كورين ، وكني بابنته عبيدة ، وقد اختلف في أصله كما ذكر الشيخ القنوبي نقلا عن سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله تعالى ، فقيل : حبشي ، وقيل : فارسي ، وقيل : كردي ، ولد بالبصرة سنة 45هـ أو بعدها بقليل كما رجح الشيخ القنوبي ، نشأ في البصرة ، وأخذ في طلب العلم لا سيما الحديث والفقه ، قال الشيخ القنوبي : " ... ودأب في طلب العلم ، لا سيما الحديث والفقه فقد تفنن فيهما وبرع وفاق فيهما أهل عصره أو أغلبهم " ، وقد عاش في مبدأ أمره في كنف شيخه ومولاه عروة بن أدية ، فورث عنه شجاعته وزهده وتقواه ، ثم انتقل إلى الإمام جابر بن زيد رضي الله عنه ، فأخذ عنه الحديث والفقه والسياسة ، ثم خلفه بعد وفاته في رئاسة المذهب الإباضي ، فدرس الطلبة وأرسلهم إلى البلدان الشاسعة لتعليم أهلها ولإقامة العدل فيها متى أمكن ذلك ، وناظر المخالفين فأقام عليهم الحجة ، وأوضح لهم المحجة ، كما ذكر الشيخ القنوبي .

ذكر أنه مكث في طلب العلم أربعين سنة ، ثم مكث بعد ذلك في التعليم أستاذا أربعين سنة ، وقد تعرض للسجن من قبل الحجاج بن يوسف الثقفي ، بسبب نشاطه الدعوي ، فلم يخرج من السجن حتى هلك الحجاج سنة 95هـ ، وقد أنشأ مدرسة في سرداب قرب البصرة بعيدا عن عيون بني أمية ، وإمعانا في التمويه ادعى صنع القفاف وتعليمها حتى سمي بالقفاف ، واستطاع أن يقيم ثلاث دول للإباضية وهي دولة الإمام طالب الحق في اليمن والحجاز ، ودولة الإمام الجلندى بن مسعود في عمان ، ودولة الإمام أبي الخطاب المعافري في إفريقية .
وذكر الإمام السالمي رحمه الله تعالى أن أبا عبيدة أدرك من أدركه الإمام جابر بن زيد ، فروايته عن الإمام جابر رواية تابعي عن تابعي ، وقد روى عن جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وأبي هريرة وابن عباس وأبي سعيد الخدري وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهم ، وروايته عنهم بعضها موجود في مسند الإمام الربيع بن حبيب .

أخذ العلم عن جماعة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن جماعة من التابعين كجابر بن زيد والحسن البصري وابن سيرين ومجاهد وضمام بن السائب وأبي نوح الدهان وجعفر بن السماك وعن صحار العبدي ، أخذ العلم عنه خلق كثير أمثال : الإمام الربيع بن حبيب ، وسلمه بن سعد ، والإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي ، والإمام الجلندى بن مسعود ، والإمام أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري ، والإمام عبد الرحمن بن رستم ، وأبو أيوب وائل الحضرمي ، وأبو حمزة المختار بن عوف وغيرهم ، وقد أثنى عليه عدد كبير من العلماء سواء من المتأخرين أو من المتقدمين ، قال الشيخ القنوبي : " لقد كان أبو عبيدة ـ رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه ـ ثقة حافظا ضابطا ورعا زاهدا تقيا نقيا ... " إهـ ، وقال فيه الدرجيني : " كبير تلامذة جابر ، وممن حسنت أخباره والمخابر ، تعلم العلوم وعلمها ، ورتب الأحاديث وأحكمها ، وحافظ في خفية على الدين حتى ظهر على يد الخمسة الميامين ، حسب ما تقدم من ذكر دراستهم ، وحملهم العلوم ، وما شفي الله به وبهم من الكلوم ، وكان عالما مع الزهد في الدنيا ، والتواضع مع نيل الدرجات العليا ، والاعتراف بضيق الباع على ما عليه من الاتساع " إهـ ، وقال فيه الشماخي : " تعلم العلوم وعلمها ، ورتب روايات الحديث وأحكمها ، وهو الذي يشار إليه بالأصابع بين أقرانه ويزدحم لاستماع ما يقرع الأسماع من زواجر وعظه ، وقد اعترف له بحوز قصب السبق في العلوم ، واعترف مع ذلك بضيق الباع مع ما هو عليه من الاتساع ... " إهـ ، وقال فيه الإمام القطب : " كان رجلا ذا علم ووعظ نافذ وفقه وحديث " ، وقد سأل أحمد بن حنبل يحيى بن معين ـ إمام الجرح والتعديل ـ عن أبي عبيدة رحمه الله تعالى ، حيث قال له : " شيخ حدث عنه معتمر يقال له أبو عبيدة عن ضمام عن جابر بن زيد : كره أن يأكل متكئا ، من أبو عبيدة هذا ؟ قال : رجل روى عنه معتمر ليس به بأس ، قلت : من حدث عنه غير المعتمر ؟ قال : البصريون يحدثون عنه . وسأل أحمد بن حنبل عن عمارة بن حيان ، فقال يحيى بن معين : رجل روى عنه أبو عبيدة ، هذا من أصحاب جابر بن زيد وقد حدث أبو عبيدة عن صالح الدهان " إهـ . وقد ترك آثارا علمية منها : 1- مجموعة أحاديث كان يرويها عن الإمام جابر بن زيد وجعفر بن السماك ، وصحار العبدي ، 2- كتاب " مسائل أبي عبيدة " وهو مجموعة من الفتاوى وبعض المحاورات ، 3- كتاب الزكاة ، 4- رسائل تعرف بـ " رسائل أبي عبيدة " ، 5- فتاوى في الأصول والفروع وهي متناثرة في الكتب ، 6- ناظر المعتزلة وأفحم زعيمهم واصل بن عطاء ، 7- اعتبره الجاحظ من الخطباء البلغاء .

وقد توفي الإمام أبو عبيدة في عهد أبي جعفر المنصور ( 136هـ- 158هـ ) ، حتى أن أبا جعفر المنصور حين بلغه نبأ وفاته قال : " أوقد مات ؟! إنا لله وإنا إليه راجعون ، ذهبت الإباضية " ، وقد رجح الشيخ القنوبي أن وفاته كانت في سنة 150هـ أو بعدها بقليل .

( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/238 ـ الشماخي ، السير ، 1/78 ـ القطب ، شرح عقيدة التوحيد ، ص78 نقلا عن : القنوبي ، الربيع بن حبيب ، ص30 ـ السالمي ، شرح الجامع الصحيح ، 1/6 ـ أحمد بن محمد بن حنبل ، كتاب العلل ومعرفة الرجال ، ج3 ، ت : وصي الله عباس ، المكتب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1408هـ/ 1988م ، ص11- 12 ـ البخاري ، كتاب التاريخ الكبير ،
ج4 القسم الأول ، ص271- القنوبي ، الربيع بن حبيب ، ص26- 36 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/418- 419 رقم الترجمة : 891 ) .

(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص54- 57 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/19- 22 ـ الشماخي ، السير ، 1/113 ، 124- 126 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/246- 247 رقم الترجمة : 544 .



................. يتبع

مهنا بن راشد السعدي
04/09/2003, 12:13 AM
وكذلك فإن الإمام عبد الرحمن لم يكتف بتأسيس الدولة الرستمية ، بل اهتم بالتأليف فترك كتابين ، أحدهما في تفسير كتاب الله العزيز ، ولكنه لم يصلنا ، والثاني يذكره أبو يعقوب يوسف الوارجلاني ، وقد اطلع عليه ، جمعت فيه خطبه* ، حسب ما ذكر أصحاب معجم الأعلام عن أبي يعقوب (2) .

وقد اهتم الإمام عبد الرحمن بعمارة الدولة الرستمية وتهيئتها حتى تكون قادرة على العطاء العلمي وتخريج العلماء ، وكما هو معلوم فإن المسجد في ذلك الوقت يعتبر هو الجامعة التي تخرج العلماء وحملة العلم ، فلم يغفل الإمام عبد الرحمن أهمية المسجد ودوره الفعال في النهضة العلمية ، فكان المسجد هو أول ما بناه في دولته الناشئة ليكون منارة للإشعاع العلمي والحضاري (3) ، وكان يقيم فيه حلقة للعلم يتولى التدريس فيها بنفسه (4) .

كذلك فإن الإمام عبد الرحمن طبق مبدأ الحرية الفكرية والدينية في الدولة الرستمية ، فلم يقمع المخالفين لمذهب الدولة ، بل سمح لهم بالعيش في كنفها ، فكانت لهم بيوتهم ومساجدهم الخاصة التي يعرفون بها ، وكانت تدور فيها مختلف المناظرات العلمية بين مختلف علماء المذاهب بكل حرية -كما سنرى - ، قال ابن الصغير : " ... وأتتهم الوفود والرفاق من كل الأمصار وأقاصي الأقطار ، فقال : ليس أحد ينزل بهم من الغرباء إلا استوطن معهم وابتنى بين أظهرهم لما يرى من رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته وأمانه على نفسه وماله ، حتى لا ترى دارا إلا قيل هذه لفلان الكوفي ، وهذه لفلان البصري ، وهذه لفلان القروي ، وهذا مسجد القرويين ورحبتهم ، وهذا مسجد البصريين ، وهذا مسجد الكوفيين ... " إهـ (5) .

والإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن - الإمام الثاني للدولة الرستمية - كذلك كان من كبار العلماء المتضلعين في زمانه ، وكان شغوفا بالعلم من صغره حيث أنه تلقى العلم بالقيروان ثم بتيهرت على يد أبيه الإمام عبد الرحمن وغيره من حملة العلم (6) .

وتكفينا فيه شهادة الإمام الربيع بن حبيب حيث قال : " عبد الوهاب إمامنا وتقينا وإمام المسلمين أجمعين " (7) .


.......................

الهامش :

* - ذكر ابن الصغير أن الإمام عبد الرحمن لم يكن له كتاب معروف من تأليفه ، وكلام ابن الصغير هذا غير صحيح ، حيث أثبتت المصادر الإباضية وجود مؤلفين له ، أحدهما في التفسير والآخر يحوي خطبه ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص45 ) .

(2) - الشماخي ، السير ، 1/167 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/248 رقم الترجمة : 544 .

(3) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص82- الدرجيني ، الطبقات ، 1/41 ـ الشماخي ، السير ، 1/125.

(4) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/372 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص267 .

(5) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص36 .

(6) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/283 رقم الترجمة : 609 ـ دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/373- 374 .

(7) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص97 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/55- الشماخي ، السير ، 1/134 .


................. يتبع

أبو شيخة
04/09/2003, 12:49 PM
جزاك الله خيرا :)

مهنا بن راشد السعدي
04/09/2003, 11:15 PM
آمين أخي أبا شيخة ...

مهنا بن راشد السعدي
04/09/2003, 11:19 PM
وكان محبا للقراءة والإطلاع فكان من عادته أنه إذا فرغ من صلاة العشاء أخذ كتابا يقرأ فيه حينا من الليل (8) ، ومر علينا سابقا أنه أرسل إلى إخوانه بالبصرة لينسخوا له كتبا ، فقرأها في ليلة **، قال الشماخي معلقا على ذلك : "وهـذا من كثرة علمـه ، وقـوة فهمـه ، ونقـاء قريحتـه ، وتهيئ نفسه لاكتساب العلوم ... " (1) .

وقيل أنه سمر ذات ليلة هو وأخوه يتعلمان مسائل الفرائض ، فلم يصبح عليهما الصبح إلا وهما يورثان أهل المشرق وأهل المغرب ، وكانـا في سمرهمـا يقـدان مصباحا يجعل له عبد الوهاب الفتائل من عمامته حتى أتى عليها* (2) .

كذلك فإن الإمام عبد الوهاب اشتغل بالتدريس والتأليف مع تحمله أعباء الدولة والحكم ، فكانت له حلق علم في تيهرت وفي جبل نفوسـة ، ففي تيهرت تخرج على يديه الكثير من طلاب العلـم ومن ضمنهم ابنـه أفلح (3) ، وقـد اشتهـرت أخت لأفلـح بالعلـم فلا يستبعد أن تكون ممن تتلمذ على يد أبيـها الإمـام عبد الوهاب (4) .

وعندما زار جبل نفوسة قضى فيه سبعة أعوام يلقي دروسا في فقه الصلاة ، فتخرج على يديه الكثير من علماء جبل نفوسة في هذه المدة (5) .

وكان كذلك شغوفا بعلم الكلام والمناظرة ومتمكنا منه ، فمما يروى عنه أنه قال : " ذاكرت أبا مرداس في الوجوه التي تحل بها الدماء أو بأحدها فذكرت أحدها فتنكر وتكره فأمسكت عن باقيها " ، ثم ذكر الإمام أربعين وجها وقيل سبعين وجها يحل بها دم من فعل شيئا (6) ، ومن المناظرات المشهورة للإمام عبد الوهاب مناظرته مع الواصلية ( المعتزلة ) (7) .


............................

الهامش :

(8) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص94- الدرجيني ، الطبقات ، 1/53 ـ الشماخي ، السير ، 1/133.

** - أنظر الفصل الأول : المبحث الثالث : تمهيد : ص56 .

(1) - الشماخي ، السير ، 1/142 .

* - لقد وقع الخلاف في هذه الرواية بين أبي زكرياء صاحب سير الأئمة وبين الشماخي صاحب كتاب السير ، فالشماخي ذكر أن الإمام عبد الوهاب سمر الليل كله مع أخت له ، وليس مع أخ له كما ذكر أبو زكرياء .

والحقيقة أن الباحث إبراهيم بحاز ذكر هذه القصة معتمدا على ما جاء عند أبي زكرياء ، ولم يشر إلى ما جاء عند الشماخي وأنه يوجد اختلاف في الروايتين ، ولعل رواية أبي زكرياء هي الأصح بناء على اعتماد الباحث بحاز عليها وتركه لرواية الشماخي ، فلعله وقع سهو من الشماخي أو نسخ وذلك أنه توجد قصة للإمام أفلح قريبة من قصة الإمام عبد الوهاب ، وهي أن الإمام أفلح وأخته قعدا ذات ليلة ، فقال لها هلمي نحسب ماذا يذبح في السوق غدا أولا إن شاء الله ، فحسب فقال لها أفلح : إن أول ما يذبح بقرة صفراء في بطنها عجل ذو غرة في جبهته ، فقالت له : صدقت هي البقرة الصفراء وفي بطنها عجل ، غير أن الذي رأيته هو طرف ذنبه أبيض تعممه على جبهته ، فخلته أبيض الجبهة ذا غرة ، وإنما ذلك طرف ذنبه ، فكان الأمر كما قالا .

وكذلك فإن كتاب سير الأئمة لأبي زكرياء يعتبر هو العمدة الذي اعتمد عليه كل من كتب في سيرة الإباضية بالمغرب ومنهم الدرجيني والشماخي ، فقد كـان أبـو زكريـاء متقـدما على الشماخـي حيث أنــه عـاش في القـرن الخامس الهجـري ( 450- 500 هـ ) كمـا صنفـه
الدرجيني في طبقاته ، وبالتحديد سنة 471هـ أو بعد 474هـ كما ذهب أصحاب معجم أعلام الإباضية ، وأما الشماخي فكان من علماء القرن العاشر الهجري ( 928هـ ) كما ذكر الشيخ أحمد السيابي في ترجمته للشماخي في مقدمة كتاب السير، وكما ذهب أصحاب معجم أعلام الإباضية .

وفي المقابل لا يستبعد صحة رواية الشماخي ، وذلك لما اشتهرت به نساء البيت الرستمي من العلم والتضلع فيه ، فلعل خطأ وقع من قبل النساخ عند نسخهم لمخطوطة أبي زكرياء ، فكتبوا أخ بدلا من أخت والله أعلم .

( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص23 ، 136- 137 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 2/448 ـ الشماخي ، السير ، 1/142 ، 167 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص268 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،2/44 رقم الترجمة : 80 ، 2/451 رقم الترجمة : 984 ) .

(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص99 .

(3) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص267- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،2/283رقم الترجمة : 609 .

(4) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص136- 137 ـ الشماخي ، السير ، 1/167 .

(5) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص116- الدرجيني ، الطبقات ، 1/66 ـ الشماخي ، السير ، 1/140 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،2/283رقم الترجمة : 609 .

(6) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/292 ـ الشماخي ، السير ، 1/143 .

(7) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص106- الدرجيني ، الطبقات ، 1/57 ـ الشماخي ، السير ، 1/137 .


............... يتبع

مهنا بن راشد السعدي
05/09/2003, 10:05 PM
وقد ترك لنا الإمام عبد الوهاب كتابا وصفه البرادي بأنه ضخم ، وهو سفر تام ، ألفه جوابا لأهل نفوسة في مسائل ونوازل استفتوه فيها ، قال عنه ابن الصغير : " وكان لعبد الوهاب كتاب معروف بمسائل نفوسة
الجبل * ، لأن نفوسة كتبت إليه في مسائل أشكلت عليها فأجابها عن كل مسألة مما ، سألت عنه ، وكان هذا الكتاب في أيدي الإباضية مشهورا عندهم معلوما يتداولونه قرنا عن قرن ، إلى أن لحق الفصل فأخذته عن بعض الرستميين فدرسته ووقفت عليه " إهـ (1) .

والإمام الثالث من أئمة الدولة الرستمية وهو الإمام أفلح بن عبد الوهاب كذلك كان مهتما بالعلم وطلبه ونشره والتأليف فيه ، فقد أخذ العلم عن أبيه الإمام عبد الوهاب وعن جده الإمام عبد الرحمن ، وعن غيرهما من علماء تيهرت ، وكذلك أخذ العلم عن الإمام أبي غانم الخرساني (2) ، حتى نبغ في العلم وأصبحت له قدم السبق في ذلك ، قال فيه الدرجيني : " وبلغنا أنه كان في العلوم متفقها وعلى أنواعه مطلعا " (3) ، وقال فيه الشماخي : "الإمام التقي العدل السمي العالم الأنجح أمير المؤمنين أفلح بن عبد الوهاب الذي تمسك بالحجة البيضاء والصراط الأفيح " (4) .

ووصل من تمكنه في العلم وتبحره فيه أن قعد بين يديه أربع حلق ** في العلم قبل بلوغه ، يتعلمون منه فنون العلم ، ذكر الوسياني أنها كانت في علم الفقه والكلام واللغة (5) .

ومن العلماء الذين درسوا على يديه ابناه الإمام أبو بكر والإمام أبو اليقظان ، ونفاث بن نصر النفوسي ، وسعيد بن وسيم الويغوي النفوسي (6) .

وقد انفرد الإمام أفلح بأقوال في علم الكلام ، واعتبر من أجلها إماما (7) ، وقد ترك العديد من الرسائل (8) ، وله جوابات ونوازل (9) .




.....................

الهامش :


* - يذكر الباحث محمد دبوز هذا الكتاب باسم : " نوازل نفوسة " ، وذكر أن هذا الكتاب لا يزال موجودا في مدن وادي ميزاب بجنوب الجزائر ، وفي جبل نفوسة ، وفي جربة ، وذكر الباحثان بحاز و د/ محمد ناصر أنهما رأيا كتابا بهذا العنوان في مكتبة الشيخ بلحاج بالقرارة ، وقد قاما بتصفحه ووجدا أنه يحتاج إلى تحقيق نسبته إلى الإمام عبد الوهاب ، وذكرا أن قطب الأئمة الشيخ اطفيش امحمد قام بترتيبه ، ويذكر أصحاب معجم أعلام الإباضية أنه لعل الكتاب المعروف اليوم بـ " مسائل نفوسة " جزء من هذا السفر ، وهو مطبوع ، والظاهر أن كتاب " نوازل نفوسة " كان جامعا لفتاوى الإمام عبد الوهاب والإمام أفلح والإمام محمد بن أفلح ، ولم يكن مختصا فقط بفتاوى الإمام عبد الوهاب بناء على ما ذكره البرادي حيث قال : " ... وجوابات الأئمة عبد الوهاب وابنه أفلح وابنه محمد بن أفلح بن عبد الوهاب سفر تام ... " إهـ ، فلعل شخصا ما قام بدمج فتاوى الأئمة الثلاثة في كتاب واحد ، وهذا ما مال إليه الباحث إبراهيم بحاز بناء على ما ذكره البرادي ( أنظر : البرادي ، الجواهر( مخ ) ، ص219- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص45- 46 الهامش - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/372- 373 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص267- 268) .

(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص45- 46 .

(2) - الربيع بن حبيب الأزدي ، الجامع الصحيح ، مكتبة مسقط ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط1 : 1415هـ/ 1994م ، ص3 مقدمة المصحح الإمام نور الدين السالمي - بحاز وآخرون ،معجم أعلام الإباضية ،2/60 رقم الترجمة : 116 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص269 ـ ألبوسعيدي ، رواية الحديث عند الإباضية ، ص40 ، 97 .

(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/77 .

(4) - الشماخي ، السير ، 1/166 .

** - ذكر الباحث بحاز أن عدد الحلق التي كانت تدرس على يد الإمام أفلح ثلاث حلق ، والظاهر أنه اعتمد في ذلك على ما جاء عند الوسياني ، إلا أن أبا زكرياء صاحب سير الأئمة والدرجيني في الطبقات والشماخي في السير يذكرون أن عدد الحلق كان أربع حلق ، والله أعلم ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص136 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/77 ـ الشماخي ، السير ، 1/166 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص269 ) .

(5) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص136 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/77 ـ الشماخي ، السير ، 1/166 ـ الوسياني ، سير ( مخ ) ، ورقة 39 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص269 .

(6) - بحاز وآخرون ،معجم أعلام الإباضية ،2/61 رقم الترجمة : 116 .

(7) - علي يحيى معمر ، الإباضية بالجزائر ، ص70 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص269 .

(8) - ذكرها الباروني في كتابه الأزهار ، 2/187- 188 ، 200- 205 ، 214- 219 .

(9) - البرادي : ملحق بكتاب الموجز لأبي عمار ، 2/289 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص269 .


................ يتبع

مهنا بن راشد السعدي
07/09/2003, 05:45 PM
وكذلك كان للإمام أفلح اهتمام بعلم الحديث وروايته ، إذ ضم الوارجلاني* إلى مسند الإمام الربيع بن حبيب روايات الإمام أفلح بن عبد الوهاب** (1) .

وبلغ الإمام أفلح في حساب الغبار وعلم الفلك والنجوم مبلغا عظيما ، وقد مرت قصته هو وأخته عندما حسبا أول ما يذبح في السوق *** .



.......................

الهامش :

- هو أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن مناد السدراتي الوارجلاني ، علم من أشهر علماء الإباضية ، ولد بسدراته من قرى وارجلان ، ولد سنة 500هـ ، أخذ مبادئ العلوم على علماء وارجلان ، ومن شيوخه بها : أبو سليمان أيوب بن إسماعيل ، وأبو زكرياء يحيى بن أبي زكرياء ، هاجر إلى الأندلس لطلب العلم ، وأقام بقرطبة سنين عديدة حتى بلغ الذروة في العلم ، فلقبه الأندلسيون " الجاحظ " لسعة علمه واطلاعه ، ثم هاجر إلى السودان ودخل مجاهل إفريقيا حتى وصل إلى قريب من خط الاستواء ، كما يحكي ذلك بنفسه ، فكان من السباقين إلى اكتشاف هذه المناطق المجهولة ، ثم رحل إلى الحجاز لأداء فريضة الحج ، ولشدة حرصه على العلم ، مكث بداره سبع سنين عاكفا على الكتابة والتأليف والنسخ ، ترك آثارا علمية في مختلف العلوم ، منها : 1- تفسير القرآن الكريم في سبعين جزءا وهو مفقود ، 2- الدليل والبرهان لأهل العقول : في الأصول وعلم الكلام وغيرها من العلوم ، 3- العدل والإنصاف في أصول الفقه ، 4- مرج البحرين : في المنطق ، 5- ترتيب مسند الإمام الربيع بن حبيب ، 6- ديوان شعر وهو مفقود ، وله قصيدة إسمها الحجازية من 360 بيت تدل على تمكنه من الشعر والأدب ، وغيرها من المؤلفات ، من أشهر تلامذته : ابنه أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف ، وأبو سليمان أيوب بن نوح ، كانت وفاته في سنة 570هـ ، ودفن بمسقط رأسه سدراته ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/ي ، 2/460 ـ 461 ، 489 ـ 495 ، 501 ـ الشماخي ، السير ، 105- 106 ـ السالمي ، شرح الجامع الصحيح ، 1/3 ـ معجم أعلام الإباضية ،2/481- 483 رقم الترجمة : 1049 ـ ليفيتسكي ، المؤرخون الإباضيون في إفريقيا الشمالية ، ص129- 131) .

** - ذكر د/النامي أن القسم الرابع من الجامع الصحيح فيه روايات أبي سفيان محبوب بن الرحيل عن الربيع ، وروايات عبد الوهاب بن عبد الرحمن عن أبي غانم الخرساني ، والصحيح أن الراوي عن أبي غانم هو الإمام أفلح وليس الإمام عبد الوهاب كما ذكر د/ النامي ، فلعله وقع خطأ مطبعي أو سهو منه ، والله أعلم ( أنظر : النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص129 ) .

(1) - الربيع بن حبيب ، الجامع الصحيح ، ص3 مقدمة المصحح ، 4/250 ـ ألبوسعيدي ، رواية الحديث عند الإباضية ، ص40 ، 97 ـ الوارجلاني ، العدل والإنصاف ( مخ ) ج2 بدون ترقيم للصفحات نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص269 الهامش ـ دجال صالح بكير ، معتمد الإباضية في الحديث مسند الربيع بن حبيب ، محاضرة الملتقى السادس عشر للفكر الإسلامي بتلمسان الجزائر 1402هـ/ 1982م ، ص12- 13 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص270 الهامش – بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،2/61 رقم الترجمة : 116 .

*** - أنظر الفصل الأول : المبحث الثالث : تمهيد : ص64 الهامش .

.............. يتبع

مهنا بن راشد السعدي
08/09/2003, 08:34 PM
وبالإضافة إلى سعة علم الإمام أفلح وتبحره في شتى فنون العلم ، فقد كان أديبا شاعرا ، له قصيدة رائية ، يحث فيهـا على طلب العلـم واكتسابـه ، وقـد قـام الشاعـر العمـاني الشيـخ علي بن أحمد **** بتشطيرها ، يقول في مطلعها (2) :


العلم أبقى لأهـل العلم آثـارا :: وليلهم بشموس العلم قد نـارا
يحيي به ذكرهم طول الزمان وقد :: يريك أشخاصهم روحا وأبكارا
حي وإن مات ذو علم وذو ورع :: إن كان في منهج الأبرار مامارا

وقد كان الإمام أفلح يشجع ويحث على دراسة الكتب فيقول : " عليكم بدراسة كتب المسلمين لا سيما كتاب أبي سفيان محبوب بن الرحيل* " (1) ، وهو في تاريخ وآثار الحركة الإباضية ورجالها بالمشرق .
وكذلك كان للإمام أفلح أخ يكنى بأبي العباس ، كان أيضا من المشهود لهم بالعلم ، قال الشماخي : " ... وكان أخوه أبو العباس غير ناقص في العلم والتقى ... " (2) .


.............................

الهامش :

**** - هو الرحالة الشهير الأديب العلامة الشيخ علي بن أحمد العماني ، من علماء إباضية المشرق ، كان معروفا بالترحال ومن رحلاته رحلته بالقارة الإفريقية في أواسط القرن الثالث عشر الهجري ، وزار في تلك الرحلة جبل نفوسة ، ثم توجه إلى السودان وفي طريقه ذلك سرق منه ديوانه الجامع لأشعاره وقصائده ، وما حرره في رحلته ، فاغتم لذلك غما كبيرا ، وهنالك توفي ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/189 ) .

(2) - أنظر القصيدة مشطرة بتشطير الشيخ علي بن أحمد العماني في : الباروني ، الأزهار ، 2/190- 194 ـ وانظرها بدون تشطير في : ابن النظر ، كتاب الدعائم ، ص133- 136 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص270 الهامش ، ويذكر الكعاك أن القصيدة هي من ديوان لأفلح مفقود لم تسلم منه إلا تلك الأبيات : الكعاك ، موجز التاريخ العام ، ص215 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص270 الهامش .

ولقد اعترض الباحث محمد دبوز على قيام الشيخ علي العماني بتشطير قصيدة الإمام أفلح ، وقال كلاما في الحقيقة لا ينبغي أن يأتي من أمثال الأستاذ محمد دبوز ، ولكن لعل له وجهة نظره الخاصة في ذلك ، حيث أنه شد كثيرا على الشيخ علي العماني بسبب تشطيره قصيدة الإمام أفلح ، فقال : " لقد شطر هذه القصيدة الشيخ علي بن أحمد العماني فأطالها ، وصعب على الناس حفظها ، وأورث السأم بها ، ثم إن أغلب أشطره تكرار لما في الصدر أو العجز ، إن تشطير قصائد الشعراء سيما هذه الآثار التاريخية لا يجوز ، إنه كوصل الشعر بالشعر المستعار لا يحل في الدين ، وإذا كان الشعر الواصل شعر المعزاء لا شعر الحسناء فقد تضاعف سبب النهي ، إن هذا الشيخ الذي زاد في قصيدة الإمام أفلح كمن يعمد إلى وجه الحسناء فيزيد فيه أنفا ثانيا فهل يحسنه يا ناس ؟! " إهـ .

والحقيقة أن هذا كلام غريب من الباحث دبوز ، فالشيخ علي العماني قدم خدمة جليلة للأجيال حيث أنه ساهم في حفظ قصيدة الإمام أفلح عندما شطرها ، حيث أن أبيات الإمام أفلح معروفه والذي زاده الشيخ علي العماني معروف ، فالتشطير لا يؤثر على أصل القصيدة ، بل على العكس من ذلك يحفظها ويزيدها روعة وبهاء ، وهذا ظاهر من خلال تشطير الشيخ علي العماني ، وقوته في الشعر وتمكنه منه ظاهره من خلال ما زاده على الأصل ، مع الحفاظ على الأصل ، وقد أثنى الشيخ الباروني على الشيخ علي العماني وتشطيره لقصيدة الإمام أفلح فقال : " ... وقد عني بتشطيرها ذلك الرحالة الشهير الأديب الكامل العلامة المفلق الشيخ علي العماني ... وإليك نص المنظومة الرائقة مع تشطيرها البديع رضي الله عن صاحب الأصل ورحم من حاذاه بالمثل ... " إهـ ثم ذكر القصيدة مع تشطيرها ، وهذه شهادة من الشيخ المجاهد الأديب الباروني للشيخ علي العماني ، والشيخ الباروني أشهر من أن يعرف تبحره في الشعر والأدب وله من غرائر القصائد ما بخلب الألباب ، فانتقاد الباحث دبوز لا وجه له ، بعد شهادة الشيخ الباروني ، ولكن هي وجهة نظر خاصة به علينا احترامها ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/189 - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/378 ) .

* - هو أبو سفيان محبوب بن الرحيل بن هبيرة المخزومي القرشي ، من علماء الإباضية ، ذكر الشيخ بكلي أنه تابعي ، ويرى د/ مبارك الراشدي أنه ليس تابعي بل هو من تابعي التابعين ، وهو محدث فقيه ، وله أخ فقيه اسمه محمد من تلاميذ الإمام أبي عبيدة الأصاغر ، وقد تتلمذ الشيخ محبوب على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، والإمام الربيع بن حبيب ، وكان ربيبا له ، تزوج الإمام الربيع امه ، له روايات عن الإمام الربيع ، ضمها الشيخ أبو يعقوب إلى مسند الإمام الربيع ، وذكر د/ النامي أن للشيخ محبوب كتابا ، لم يذكر اسمه ، ولكن اكتفى بذكر " كتاب أبي سفيان محبوب بن الرحيل " وأشار أنه يحتوي على آراء الإباضية في الخوارج ، وذكر النامي نقلا عن الوسياني أن ديوان الإمام جابر- هو مجموعة من كتب الإمام جابر- كان بعهدة الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، ثم انتقل إلى عهدة الإمام الربيع بن حبيب ، ثم إلى الشيخ أبي سفيان محبوب بن الرحيل ، ثم إلى ابنه محمد بن محبوب ، وعنه نسخ في مكة ، وذكر د/ مبارك الراشدي أن محبوب بن الرحيل قدم إلى عمان في آخر عمره وسكن صحار ، وبقي بعد الإمام الربيع مدة طويلة ، والظاهر أنه جاء إلى عمان في نفس فترة عهد الإمام المهنا - كما بينت عند ترجمتي للشيخ محمد بن محبوب في ص64- 65 من هذا المبحث - وقد توفي الشيخ محبوب في آخر عهد الإمام المهنا بن جيفر ( حكم عمان : 226- 237هـ ) ، بعد أن عمر طويلا ، ولكن تاريخ وفاته بالتحديد غير معروف كما يذكر د/ الراشدي ، وقد عاصر الشيخ محبوب ستة أئمة من أئمة عمان وهم على الترتيب : الإمام الجلندى بن مسعود أول إمام بويع بعمان ( حكم : 132- 134 ) ( أنظر : الجيطالي ، قواعد الإسلام ، ص55- 56 الهامش - النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص50 ، 79 ، 126- 127 – القنوبي ، الربيع بن حبيب ، ص29- ألبوسعيدي ، رواية الحديث عند الإباضية ، ص37 الهامش ، ص55 - مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي ، الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وفقه ، مطابع الوفاء ، المنصورة ، مصر ، ط1: 1413هـ / 1993م ، ص242- 244- السالمي ، تحفة الأعيان ، 1/95 ، 148 ، 160- السيابي ، عمان عبر التاريخ ، 1/229 ، 254 ، 2/81 ، 101- محمد ناصر ، منهج الدعوة عند الإباضية ، ص144- 145) .

(1) - الوسياني ، سير ( مخ ) ، ورقة 108 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص270 الهامش - الدرجيني ، الطبقات ، 2/478 .

(2) - الشماخي ، السير ، 1/167 .


................. يتبع

مهنا بن راشد السعدي
12/09/2003, 12:12 AM
ولم يكن الإمام أفلح وحده من أئمة الدولة الرستمية من كان له اهتمام بالشعر ، فقد كان الأمام أبو بكر بن أفلح الإمام الرابع للدولة الرستمية محبا للشعر والأدب والتاريخ ، قال ابن الصغير : " ... ويحب - أي الإمام أبو بكر - الآداب والأشعار وأخبار الماضين ... " إهـ (3) .

وحبه للأدب والشعر يتبادر منه إلى الذهن أن بلاطه كان مقصد الشعراء والأدباء ، ولاشك أنه كان يشجعهم ويدعم إنتاجهم ، فلا شك أن الشعر والأدب لاقى ازدهارا ورواجا في عصره كما يرى الباحث إبراهيم بحاز (4) .

والحقيقة أن المصادر لا تذكر لنا أسماء الشعراء والأدباء الذين كانوا يتسامرون مع الإمام أبي بكر أو الذين ظهروا في عصره ، ولكن بزغ في سماء تيهرت عدد من الشعراء حفظت لنا المصادر بعض نتاجهم الشعري ، الذي يدل على تمكنهم من الشعر وطول باعهم فيه ، فلا يستبعد أن يكون بعضهم ظهر في عهد الإمام أبي بكر .

ومن هؤلاء الشعراء الشاعر أبو عبد الرحمن بكر بن حماد** (5) ، والشاعر أحمد بن فتح المعروف بابن الخزاز التيهرتي*** ، والشاعر سعيد بن أشكـل التيهرتي**** وغيرهم (6) .


............................

الهامش :


(3) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص71 .

(4) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص271 .

** - هو أبو عبد الرحمن بكر بن حماد بن سهل بن أبي إسماعيل الزناتي ، ذكر الباروني أنه إما أن يكون إباضيا أو صفريا على الغالب ، ولد ونشأ في تيهرت الظاهر في عهد الإمام أفلح ، وقد أدرك الإمام أبا حاتم ويظهر ذلك من القصيدة التي قالها يستعطف فيها الإمام أبا حاتم ليرضى عنه ، وكان عالما بالحديث وتمييز الرجال ، وشاعرا مفلقا ، رحل إلى المشرق في سنة 217هـ ، فسمع بالمشرق من العلماء والفقهاء ، ومدح المعتصم الخليفة العباسي بقصيدة ، فوصله المعتصم بصلات جزيلة ، واجتمع بكبار شعراء العراق كحبيب وصريع ودعبل وعلي بن الجهم وغيرهم ، مدح أبا يعيش عيسى بن إدريس العلوي حاكم مدينة جراوة المجاورة لتيهرت ، وله مراثي في إبنه عبد الرحمن الذي قتله اللصوص ، وله قصائد في الزهد والمواعظ وذكر الموت وأهواله ، وقد عاد إلى تيهرت في عهد الإمام أبي حاتم وتوفي فيها في سنة 296هـ عن عمر يناهز ست وتسعين سنة ، من أبياته في الموت :

قف بالقبور فناد الهامدين بها :: من أعظم بليت منها وأجساد
قوم تقطعت الأسباب بينهم :: من الوصال وصاروا تحت أطواد
راحوا جميعا على الأقدام وابتكروا :: فلن يروحوا ولن يعدو لهم عاد
والله والله لو ردوا ولو نطقوا :: إذا لقالوا التقى من أفضل الزاد

وقد ذكر الشيخ الباروني العديد من قصائده في الأزهار الرياضية ، فمن أرادها يجدها هناك ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/70- 75 ) .

(5) - الحموي ، معجم البلدان ، 2/427 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/43 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/70 .

*** - هو الشاعر أحمد بن فتح المعروف بابن الخزاز التيهرتي ، شاعر من شعراء الدولة الرستمية ، عاش في تيهرت ، وذكرالشيخ الباروني أنه من غير الإباضية ، ولم يذكر مذهبه ، وذكر له بعض الأبيات ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/77 ) .

**** - هو الشاعر سعيد بن أشكل التيهرتي ، شاعر من شعراء الدولة الرستمية ، عاش بتيهرت ، وذكرالشيخ الباروني أنه من غير الإباضية ، ولم يذكر مذهبه ، مات في مدينة تنس ، وله قصيدة في ذلك ذكرها الشيخ الباروني ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/47- 78 ) .

(6) - الباروني ، الأزهار ، 2/77 ، 78 ، 301 .


................. يتبع

مهنا بن راشد السعدي
13/09/2003, 11:35 PM
وقد تلقى الإمام أبو بكر العلم بتيهرت على يد علمائها ، وعلى يد والده الإمام أفلح وجده الإمام عبد الوهاب ، وقد كان مع حبه للأدب والشعر والتاريخ ، محبا لمظاهر الزخرفة والحضارة (1) .

وأما خامس الأئمة الرستميين وهو الإمام أبو اليقظان محمد بن أفلح ، هو الآخر لا يقل عمن سبقه من أئمة الدولة الرستمية شغفا وحبا واهتمام بالعلم وطلبه ونشره ، بل إن أهل نفوسه شبهوا أيامه بأيام جده الإمام عبد الرحمن بن رستم (2) .

وقد تلقى العلم عن أبيه الإمام أفلح وعن جده الإمام عبد الوهاب ، وكانت له حلقات علم بتيهرت ، فتخرج على يديه الكثير من المشائخ الأعلام (3) .

ومن حبه للعلم ودعمه له جعل مجلسه كالمسجد ، طائفة يصلون ، وطائفة يقرءون القرآن ، وطائفة يتذاكرون في فنون العلم (4) .

وقد كان الإمام أبو اليقظان من المكثرين في التأليف ، له " رسالة في خلق القرآن " وكتب في الرد على المخالفين ، وألف في الاستطاعة وحدها أربعين كتابا* ، وله رسائل عديدة ، وجوابات مختلفة ، منها ما وصلنا وأغلبها عبثت به يد الأيام (5) .


............................

الهوامش :

(1) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،2/182 رقم الترجمة : 87 .

(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص147 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/83 ـ الشماخي ، السير ، 1/189.

(3) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،2/359 رقم الترجمة : 784.

(4) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص147 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/83 ـ الشماخي ، السير ، 1/189 ـ ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص98.

* - ربما يقصد به المؤرخون جزءا أو رسالة .

(5) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص 148 - الشماخي ، السير ، 1/189 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/84 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،2/359 ، رقم الترجمة : 784 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص272 .


.............. يتبع

مهنا بن راشد السعدي
15/09/2003, 11:35 PM
وقد كان الإمام أبو اليقظان من المحبين للعلماء فكان يقربهم منه ، قال ابن الصغير : " ... وكان - أي الإمام أبو اليقظان - إذا جلس في المسجد الجامع جلس على وسادة من أدم مستقبلا الباب البحري ، وله سارية تعرف به يجلس إليها ، ولم يكن غيره يجلس إليها ، وكان يقابله نصب عينيه رجل من نفوسة يعرف بعيسى بن فرناس** ، وكان عندهم من الورع بمكان ، ويلي عيسى رجل من هوارة*** يقال له ابن الصغير**** ، شأنه في الفقه ، ولم يكن في ورع عيسى ، وكان عن يمينه وعن يساره وبين يديه وجوه الناس ، وكان أخص الناس به رجل من العرب يعرف بمحمود بن بكر* ... وكان مدارهم الذي يذب عن بيضتهم ويدافع عن دينهم ويرد على الفرق في مقالاتهم ويؤلف الكتب في الرد على مخالفيهم ... " إهـ (1) .

وقد كان الإمام أبو اليقظان يشجع على طلب العلم ويحث عليه ، فمن ذلك ما ذكره في إحدى رسائله حيث قال : "اعلموا رحمكم الله أن أهل العلم بالله القائمين بهذه الدعوة قد انقرضوا وقلت الخلوف ** منهم ، فرحم الله امرءا مسلما احتسب نفسه وأرصد لله في طلب العلم " إهـ (2) .

هذه بعض الأمثلة على شغف أئمة الدولة الرستمية بالعلم واهتمامهم بطلبه ودعمه حفظتها لنا كتب التاريخ ، حتى غدوا من كبار العلماء وفحولهم ، وأصبحوا مقصد الوراد من طلاب العلم ومريديه ، وأصبحوا مضرب المثل في العلم وطول الباع فيه .

وأما بقية أئمة الدولة الرستمية فلا تذكر المصادر عنهم في ما يتعلق بطلبهم للعلم ودعمهم له الكثير ، ولكن لا يستبعد أنهم كانوا كسابقيهم في حب العلم وطلبه ونشره ، وكما قال الباحث بحاز : " ... ولكننا لا نشك في أن حلقات الدرس ، كانت متواصلة لم تنقطع ، وأن اهتمامهم بالتعليم استمر إلى نهاية الدولة ، لأن البيت الرستمي كان بيت علم في مختلف الفنون (( من الأصول والفقه والتفاسير وفنون الدين والرد على المخالفين وعلم اللغة والنجوم والإعراب والفصاحة )) (3) ... " إهـ (4) .



.......................

الهوامش :


** - هو عيسى بن فرناس النفوسي ، عاش في القرن الثالث الهجري ، من علماء تيهرت الرستمية ، كان معاصرا للإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح ( حكم : 261هـ ـ 281هـ ) ، وقد كان فقيها خطيبا في مسجد تيهرت الجامع ، وله شأن في الفقه ، وكان من خاصة الإمام أبي اليقظان ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص92- 93 ـ الشماخي ، السير ، 1/190 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/332 ، رقم الترجمة : 717 ) .

*** - هوارة : هي قبيلة من قبائل البرانس البربر ، وقد سكنت بطونها عدة مواطن في إفريقية والمغرب ، فقد جاورت هوارة قبيلة نفوسة بالجبل الذي ينسب إليها ، جنوب طرابلس الغرب ، وسكنت بطون منها بلاد الجريد جنوب الحدود الجزائرية التونسية الآن ، وكانت قاعدتها توزر ، وسكنت بطون منها جبل أوراس ونواحيه ( أنظر : عبد الرحمن بن خلدون ، تاريخ ابن خلدون المسى كتاب العبر وديوان المبتدا والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر ، ج6 ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان ، ط1 1413هـ / 1992م ، ص282- 291 ، أخبار البرانس البربر ـ البكري ، المغرب ، ص50 ، 72 ، 144 ـ هود بن محكم الهواري ، تفسير كتاب الله العزيز ، تحقيق : بالحاج بن سعيد شريفي ، ج1 ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت لبنان ، ط1 : 1990م ، ص8 مقدمة المحقق ) .

**** - هو ابن الصغير الهواري الإباضي ، لم تذكر المصادر اسمه ، من فقهاء تيهرت الرستمية ، أخذ علمه عن علمائها ، كان من خاصة الإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح ( حكم : 261هـ - 281هـ ) ، كان خطيبا وله شأن في الفقه ، وليس ابن الصغير هذا هو ابن الصغير المؤرخ الرستمي المعروف صاحب كتاب أخبار الأئمة الرستميين ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص93 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص313 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،2/236- 237 ، رقم الترجمة : 522 ) .

* - هو محمود بن بكر ، عاش في القرن الثالث الهجري ، من علماء تيهرت الرستمية ، عاصر الإمام أبا اليقظان محمد بن أفلح ( حكم : 261هـ - 281هـ ) ، تلقى العلم عن أئمة تيهرت ومشايخها ، وكان من أخص الناس بالإمام أبي اليقظان ، يذكر ابن الصغير أنه عربي الأصل ، وكان مدار الإباضية الذي يذب عن بيضتهم ، ويدافع عن دينهم ، ويرد على الفرق في مقالاتهم ، وألف الكتب في الرد على المخالفين ، إلا أن ابن الصغير لا يورد أي عنوان من هذه الكتب التي ألفها محمود بن بكر ، ولعلها ذهبت ضحية حرق مكتبة الرستميين " المعصومة " من قبل أبي عبد الله الشيعي داعية العبيديين لما دخل تيهرت غازيا سنة 296هـ ، كما ذهب محققا أخبار الأئمة الرستميين د/ محمد ناصر والباحث بحاز ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/190 ـ ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص93 ، هامش ص93 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص334 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/409 ، رقم الترجمة : 869 ) .

(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص92- 93 .

** - الخلوف : جمع خَلَفَ ، ويأتي على عدة معاني ، والمراد هنا من جاء بعدهم ، جاء في المعجم الوسيط : الخَلْفُ : القرن يأتي بعد القرن ، والخَلْفُ : الولد الصالح ، جاء في التنزيل : ) فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ( ( مريم : 59 ) ، والخَلَفُ : العوض والبدل ، والخَلَفُ : الولد الصالح ( أنظر : إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 1/250- 251 ) .

(2) - البرادي ، الجواهر ( مخ ) ، ص182 .

(3) - الشماخي ، السير ، 1/142 .

(4) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص273 .


............... يتبع

مهنا بن راشد السعدي
20/09/2003, 12:03 AM
وقد حفظت لنا المصادر بعض الشذرات عن شغف البيت الرستمي بالعلم ودعمه له ونشره ، فالإمام أبو حاتم يوسف بن محمد سادس الأئمة الرستميين ، لم يكن أقل ممن سبقه من الأئمة في العلم ودعمه ، والظاهر أنه تلقى العلم على يد أئمة الدولة الرستمية كأبيه الإمام أبي اليقظان ، وعلى يد علمائها ، حتى نبغ في العلم ، وصفه الشماخي بقوله : " ومنهم الإمام الماهر والبحر الزاخر العالم الذاكر أبي حاتم يوسف بن أبي اليقظان محمد رضي الله عنهما ... " (1) ، وقد وصل من الأهلية أن أصبح موضع ثقة أبيه الإمام أبي اليقظان فأصبح يكلفه ببعض المهام (2) .

وقد كان عهد الإمام أبي حاتم عهد انفتاح وحرية ، على الرغم من الحروب التي وقعت في عهده ، فنجد أن علماء المذاهب الإسلامية بمختلفها يتناظرون في المساجد بكل حرية واحترام للرأي المخالف ، فلم يمنعهم الإمام أبو حاتم من ذلك ، فليس قمع الرأي الآخر من ديدن أئمة وأتباع المذهب الإباضي، فنجد ابن الصغير وهو معاصر للإمام أبي حاتم يحدثنا عن ذلك فيقول : " ... وكانت مساجدهم عامرة ، وجامعهم يجتمعون فيه وخطيبهم لا ينكرون عليه شيئا ، إلا أن الفقهاء تناجت المسائل فيما بينهم وتناظرت ، واشتهت كل فرقة أن تعلم ما خلفتها فيه عاقبتها * ، ومن أتى إلى حلق الإباضية من غيرهم قربوه وناظروه ألطف مناظرة ، وكذلك من أتى من الإباضية إلى حلق غيرهم كان سبيله كذلك ... " إهـ (3) ، ثم ذكر إحدى مناظراته مع بعض علماء الإباضية في تيهرت (4) .

وكذلك كان عهد الإمام أبي حاتم عهد خطابة كبقية عهود الأئمة الرستميين ، وقد ذكر ابن الصغير بعض الخطباء الذين ظهروا في عصر هذا الإمام ، وذكر أنه حضر بعض خطبهم ، وختم كتابه ببعض الخطب الرستمية التي كان الخطباء يلقونها في صلاة الجمعة في عهد الإمام أبي حاتم (5) .

والإمام أبو حاتم نفسه كان خطيبا مسقعا كبقية الأئمة الرستميين ، حيث ذكر عنهم أنهم كانوا يخطبون بأنفسهم و بعضهم كان لا يعيد خطبة قط ، كالإمام أفلح (6) .


............................

الهوامش :

(1) - الشماخي ، السير ، 1/223 .

(2) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص104 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/256 .

* - هكذا في الأصل وهو غير واضح ، إلا أن الشيخ الباروني ذكر هذا النص لابن الصغير في الأزهار بقوله : " ... واشتهت كل فرقة أن تعلم ما خالفتها فيه صاحبتها ... " ، ولعل ذلك هو المقصود من كلام ابن الصغير ، إلا أنه وقع نسخ عند ابن الصغير ، والله أعلم ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص117- الباروني ، الأزهار ، 2/287 ) .

(3) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص117 .

(4) - أنظر : المصدر السابق ، ص117- 120 .

(5) - المصدر السابق ، ص120 ـ 127 .

(6) - الشماخي ، السير ، 1/190- الباروني ، الأزهار ، 2/286 .


.................. يتبع

مهنا بن راشد السعدي
22/09/2003, 05:23 PM
وكذلك من أئمة الدولة الرستمية الذين اشتهروا بالعلم والاهتمام به الإمام يعقوب بن أفلح آخر الأئمة الرستميين ، فقد اشتهر بذاكرته القوية ، وغزارة علمه ، قال عنه الباروني : " ... وكان عالما جليلا وأميرا خطيرا ، واسع الثروة ، كثير البر " (7) .

وقد سئل مرة : أتحفظ القرآن ؟ فقال : " أستعيذ بالله أن ينزل على موسى وعيسى - عليهما السلام - ما لم أحفظ وأعرف معناه ، فكيف بالكتاب المنزل على سيدنا محمد r " (8) .

والظاهر أنه تلقى العلم عن علماء تيهرت في ذلك الوقت ، وقد بلغ الغاية في العلـم والعبـادة ، والزهد والورع ، ويعد في عائلة الرستميين من أئمة العلم والدين ، وله إسهام في الحكم والسياسة (9) .

وصفه الدرجيني بقوله : " وكان يعقوب يحمل أنواعا من العلم ... " (1) ، ووصفه الشماخي بقوله : " كان عالما مجتهدا " (2) .

وكان الإمام يعقوب متمكنا من علم النجوم كبقية أئمة الدولة الرستمية ، فيروى عنه أنه حينما خرج بمن بقي من البيت الرستمي هاربين من أبي عبد الله الشيعي حين دخل تيهرت ، نظر نظرة في النجوم فقال لأصحابه : " إنكم لا يجتمع منكم ثلاثة* نفر إلا كان عليهم الطلب ، افترقوا فقد انقطعت أيامكم وزال ملككم " (3) .

وقد كان الإمام يعقوب من النساك العباد ، فكان مجتهدا بالليل كما وصفه أبو زكرياء ، حيث أنه كان يقوم كثيرا من الليل (4) .

وحين خرج من تيهرت ، هاربا من أبي عبد الله الشيعي ، مكث في وارجلان بقية حياته ينشر العلم والدين ، فترك بها آثارا حميدة (5) .


.......................

الهوامش :

(7) - الباروني ، مختصر تاريخ الإباضية ، ص48 .

(8) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص190 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/105 ـ الشماخي ، السير ، 2/47 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/294 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،2/473 ، رقم الترجمة : 1032 .

(9) - بحاز وآخرون ،معجم أعلام الإباضية ،2/473 ، رقم الترجمة : 1032 .

(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/105 .

(2) - الشماخي ، السير ، 2/47 .

* - الرواية التي أوردها أبو زكرياء ذكرت " إثنان " وليس " ثلاثة " كما ذكر الدرجيني والشماخي ، ونص الرواية في سير أبي زكرياء هي : " وبلغنا أنه نظر إلى الطالع في طريقه ذلك ، فالتفت إلى أصحابه وقال لهم : »إنه لا يجتمع منكم اثنان إلا كان عليهم الطلب ، افترقوا ، فقد انقضت أيامكم وزال ملككم ولا يعود إليكم إلى يوم القيامة « " ، والنص الذي اعتمدته هو للدرجيني صاحب الطبقات ، والظاهر أنه وقع خطأ مطبعي أو نسخ في سير الأئمة لأبي زكرياء ، حيث أن الشيخ الباروني ذكر القصة في الأزهار معتمدا على سير الأئمة لأبي زكرياء وصرح بذلك ، فذكر ثلاثة كالدرجيني والشماخي ، ولم يذكر اثنين ، وكذلك فإن أغلب ما في كتاب الطبقات و سير الشماخي هو مستقى من سير الأئمة لأبي زكرياء ، إذا الظاهر أن الخطأ أو النسخ وقع في سير الأئمة لأبي زكرياء والله أعلم ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص189 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/105 ـ الشماخي ، السير ، 2/47 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/293- 294 ) .

(3) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص189 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/105 ـ الشماخي ، السير ، 2/47 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/294 .

(4) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص190 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/106ـ الشماخي ، السير ، 2/47 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/294.

(5) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،2/473 رقم الترجمة : 1032 .


................ يتبع

مهنا بن راشد السعدي
23/09/2003, 10:29 PM
هذه بعض الملامح عن أئمة الدولة الرستمية واهتمامهم بالعلم وطلبه ونشره ودعمه ، وقد تميز جميع أفراد البيت الرستمي بحب العلم والنبوغ فيه حتى الإماء والخدم الذين يعملون معهم ، قال بعض الرستميين : " معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعلم أين بات القمر " (6) .

إذا فليس بغريب أن يظهر في عهود هؤلاء الأئمة فطاحل العلماء أمثال الشيخ عمروس بن فتح الذي عاصر بعض هؤلاء الأئمة ، وأخذ العلم عن بعضهم أو عمن أخذ العلم عنهم ، فطلاب العلـم وجـدوا الجـو مهيأ والسبل ميسرة لطلب العلم والتفرغ له بفضل الله تعالى ، ومن ثم بدعم هـؤلاء الأئمـة العـدول للعلـم ، وتشجيعهم لطلابه بتوفير كل ما يحتاجون إليه من وسائل تعينهم على طلب العلم كما سنرى .
.........................

الهامش :

(6) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص99- الدرجيني ، الطبقات ، 1/56 ـ الشماخي ، السير ، 1/142 .

........ يتبع

مهنا بن راشد السعدي
23/09/2003, 10:33 PM
3- المطلب الثاني : جبل نفوسة والحركة العلمية فيه :


جبل نفوسة ذلك الجبل الشامخ في طرابلس الغرب بليبيا* شهد في عصر الشيخ عمروس حركة علمية راقية ، فخرج من على سفوحه العدد الكبير من علماء هذه الأمة ، الذين ساهموا في خدمة أمتهم ودينهم الحنيف خدمة جلى ، لازالت تذكر لهم إلى اليوم حتى أن الشماخي وصف جبل نفوسه بقوله : " إن جبل نفوسة احتوى على الكرامات وعلى كثرة الصالحين والعلماء ، وكان فيه من العلماء ما لا يوجد بغيره ... " إلى أن قال إنه في بعض الأزمنة " ... لا تحتاج فيه قرية إلى قرية للفتيا ، إلا " إجناون " ** و " ويغو " *** و " تندميرة "
**** لا تحتاج دار فيها إلى دار للفتيا " إهـ (1) .

وقد تركوا لنا العدد الكبير من المؤلفات العلمية والشرعية التي لا زلنا ننهل من معينها إلى يومنا هذا ، ولا زال جبل نفوسة يخرج لنا من أهل العلم من يذكروننا بأولئك الفطاحل من العلماء ، الذي تخرجوا من مدارسه كالشيخ عمروس بن فتح .

وقد وصف الباحث محمد دبوز كثرة العلماء الذين تخرجوا من جبل نفوسة بقوله : " وإذا جئت غرب طرابلس ، وصعدت إلى جبال نفوسة الشماء ، وجدت معادن العلم والعبقرية ، ومشرق العرفان والثقافة الإسلامية ، ووجدت المدن قد تجللت بعمائم العلماء الذين لا يحصون كما تتجلل الياسمينة الزاهرة بزهورها في صباح الربيع " إهـ (2) .

فما هي المميزات التي تميز بهاجبل نفوسة حتى أصبح قادرا على صناعة العلماء ، فغدا مضرب المثل بتخريج فطاحل العلماء ؟
تميز جبل نفوسة وأهله بعدة مواصفات أهلته ليصبح جامعة علمية تخرج منها العدد الكبير من العلماء ، فمن هذه المواصفات جو الجبل الصحي ، واستقراره وهدوءه من أسباب الإقبال على العلم ، وهمة أهله وطموحهم ، وغناهم كون فيهم نبوغا عقليا وذكاء علميا (3) .

....................

الهوامش :

* - ليبيا : تقع في القسم الشمالي من إفريقيا يحدها من الشمال البحر المتوسط ، ومن الشرق مصر ، ومن الجنوب الصحراء الكبرى ، ومن الغرب تونس والجزائر ، وتبلغ مساحتها ( 1759540 ) كلم مربع ، وعاصمتها مدينة طرابلس ، ويتألف سطحها من الصحاري الصخرية والرملية والهضاب القليلة الارتفاع ، ومن المناطق الجبلية ، ومناخها صحراوي قليل الأمطار معتدل في الساحل والجبل الاخضر ، من أهم محاصيلها الزيتون والزيت والقمح والشعير والنخيل والفستق ، وتربى المواشي ، وتعتمد على البترول والغاز وبعض الصناعات كالاسمنت ( أنظر : أطلس العالم الصحيح ، ص126 ) .

** - إجناون أو إجنًّاون بتشدي النون : بلدة تقع بالقرب من جادو في جبل نفوسة بليبيا ، كانت تشتهر بزراعة أشجار الزيتون ، حتى قيل إنه كان بها عين ماء تدور على إثنى عشر ألف زيتونة ، خرجت عددا من العلماء ، منهم أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني ( ت بعد: 211هـ ) والي الإمام عبد الوهاب على جبل نفوسة ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/163- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/299 ، 2/244 ، رقم الترجمة : 538 ) .

*** - ويغو : مدينة تقع بجبل نفوسة بليبيا ، خرجت عددا من العلماء منهم أبو ذر أبان بن وسيم الويغوي النفوسي ، والي الإمام عبد الوهاب على جبل نفوسة بعد وفاة الوالي الذي سبقه أفلح بن العباس ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/315، 2/7 رقم الترجمة : 3 ) .

**** - تندميرة : قرية من قرى جبل نفوسة بليبيا ، من علمائها أبو عثمان عمر وقيل : عمرو بن عيسى التندميرتي النفوسي ( ت : 8 جمادي الأولى 1321هـ / 1903م ) ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/302، 2/309 ، رقم الترجمة : 666 ) .

(1) - الشماخي ، السير ، 545 نقلا عن : دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/380 ، بحثت عن هذا النص الذي جاء به الباحث محمد دبوز من كتاب السير طويلا في نسخة كتاب السير للشماخي التي توجد لدي ، وهي طبعة وزارة التراث ، وتختلف عن النسخة التي اعتمد عليها الباحث محمد دبوز ، ولكني لم أوفق في العثور عليه .

(2) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/385 .

(3) - المصدر السابق ، 3/385 .


............. يتبع

مهنا بن راشد السعدي
25/09/2003, 12:36 AM
وكان قرب الجبل من المشرق ، واستقراره وهدوءه من أسباب إقبال أهله على العلم ، وذلك أن الأمويين والعباسيين كان اعتداؤهم على أهل المغرب يقع أول ما يقع على أهل جبل نفوسة لقربه منهم ، فعلم أهل الجبل أن العلم هو القوة القوية ، والسلاح الماضي ، والرادع لاعتداءات الأمويين والعباسيين (1) .

كذلك فإن قربه من المشرق مكنه من الاتصال بعلماء وأئمة المشرق ، فهاجر من جبل نفوسة عدد من طلاب العلم للتتلمذ على يد علماء المشرق كابن مغطير النفوسي الجناوني* ، الذي كان أول من هاجر إلى البصرة للدراسة على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (2) .

ومن أسباب الحركة العلمية في جبل نفوسة أيضا ، قربه من القيروان ، فدفع ذلك أبناءه إلى الاهتمام بالعلم ونشره لينافس جبل نفوسه القيروان في حركتها العلمية (3) .

وتأثرهم بحملة العلم الخمسة الذين تتلمذوا على يد الإمام أبي عبيدة كان من ضمن أسباب الحركة العلمية في الجبل كذلك ، حتى أن أحد طلبة العلم الخمسة إلى المغرب وهو عاصم السدراتي** استوطن جبل نفوسة ، وأقام مصلى له في قبلة مدينة نالوت*** بالجبل (4) .

كذلك من أسباب النهضة العلمية بجبل نفوسة كثرة العلماء فيه ، الذين أوقفوا حياتهم لنشر العلم والصلاح ، حيث أنهم كانوا يقيمون دروسهم في المساجد والكتاتيب ، يعلمون طلاب العلم مختلف العلوم (5) .

وقد كان الإمام عبد الوهاب يلقي دروسا في أحكام الصلاة لمدة سبع سنوات في أحد المساجد لما زار جبل نفوسة (6) .


...........................

الهامش :

(1) - المصدر السابق ، 3/386 .

* - هو محمد بن عبد الحميد بن مغطير وقيل أنه عبد الحميد النفوسي الجناوني ، شيخ فاضل ، وعالم فقيه ، من قرية إجناون بجبل نفوسة ، يعد من أول من رحل إلى المشرق لطلب العلم ، فدرس على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة ، وذلك على رأس القرن الأول الهجري ، ثم عاد إلى موطنه جبل نفوسة ، وصار علما ومرجعا للفتوى ، إلى أن عاد حملة العلم الخمسة من مدرسة أبي عبيدة ، فكف عن الإفتاء لوجود من يقوم بالمهمة ، ويكفيه تبعاتها ، وهناك من عده من تابعي التابعين ، عمر ابن مغطير طويلا ، فأدرك نشأة دولة الإمام أبي الخطاب المعافري سنة ( 140هـ ) ، ودولة أبي حاتم الملزوزي سنة ( 154هـ ) ، والدولة الرستمية سنة ( 160هـ ) ، واتخذه الإمام عبد الرحمن بن رستم مرجعا للفتوى في جبل نفوسة ، وكان يحضر مجالس علمه ، سنة وفاته غير معروفة ( أنظر : البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص104 ـ الشماخي ، السير ، 1/128ـ معجم أعلام الإباضية ، 2/385- 386 رقم الترجمة : 835 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص315- 316 ) .

(2) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص104 دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/386 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/385 رقم الترجمة : 835 .

(3) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/386- 387 .

** - عاصم السدراتي ، من أئمة المغرب ومشاهير علمائها ، أختلف في أصله قيل من قبيلة سدراته في جبال الأوراس بشمال الجزائر ، وقيل : بل من قرب وارجلان جنوب الجزائر ، وهو أحد حملة العلم الخمسة الذين سافروا من المغرب للتعلم على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة ، ومكثوا عنده خمس سنين من 135هـ إلى 140هـ ، بعد عودته من البصرة حمل لواء الدعوة والتعليم وتبصير الناس بأمور دينهم ، اتخذ عدة مصليات كان يعقد فيها حلق علمه ، تتلمذ على يديه عدد من طلاب العلم الذين أصبحوا من كبار العلماء بعد ذلك ، منهم الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن ، وأيوب بن العباس ، ومحمد بن يانس وغيرهم ، كان زاهدا ورعا مستجاب الدعاء ، واشتهر بالشجاعة والفروسية ، ساهم في إقامة دولة الإمام أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري سنة 140هـ ، وشارك معه في حصار قبيلة ورفجومة التي عاتت فسادا في القيروان ، واصابه مرض أثناء الحصار ، وكان يشتهي القثاء ، فدس له أعداؤه قثاء مسموما ، فمات بسببها سنة 141هـ رحمه الله تعالى رحمة واسعة ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص62- الدرجيني ، الطبقات ، 1/19 ، 28 ، 29- الشماخي ، السير ، 1/126- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/239 رقم الترجمة : 528 ) .

*** - نالوت : هي مدينة تقع في جبل نفوسة الغربي بليبيا ، خرجت عددا من العلماء منهم الشيخ علي يحيى معمر ( 1337هـ/1919م- 1400هـ/1980م ) ، والشيخ عمرو خليفة النامي ، ولد في سنة 1358هـ/1939م ، وزج به في السجن في سنة 1981م وظل فيه حتى سنة 1986م ، فانقطعت أخباره بعد ذلك ، ولا يعرف مصيره إلى اليوم ؟ ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،1/314 ، 2/136 رقم الترجمة : 298 ، 2/296 رقم الترجمة : 640 ، 2/319 رقم الترجمة : 688 ) .

(4) - الشماخي ، السير ، 1/126- دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/387 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/239 رقم الترجمة :528 .

(5) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص278 ،280 .

(6) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص115- 116 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/66-67 ـ الشماخي ، السير ، 1/140 .


........... يتبع

القفاف
27/09/2003, 08:01 PM
جزاك الله خيرا على هذه الدرر التي تجود بها علينا وننتظر منك المزيد :)

مهنا بن راشد السعدي
29/09/2003, 07:04 PM
والعلامة عاصم السدراتي كان من الذين أوقفوا حياتهم لمهمة نشر العلم ، فكان يعقد حلقه بين مدن وقرى جبل نفوسة ، ولم يكتف بهذا فحسب بل وسع دائرة نشاطه إلى المناطق المجاورة لجبل نفوسة كغدامس* وجبال الأوراس** والأحياء الصحراوية (1) .

وقد كان أهل نفوسة يجتمعون في أماكن مختلفة لطلب العلم كالمساجد أو المنازل أو غير ذلك ، وكانت مجالس العلم منتشرة بكثرة في عصر الشيخ عمروس ، فمن ذلك ما ذكره البغطوري عن جماعة من أهل نفوسة يجتمعون بموضع يسمى " تنين أندرشل "*** لطلب العلم ، وفيهم أبو نصر**** من أهل تمصمص***** وكان هو المفتي لهم ... إلخ ، وقد كان الشيخ عمروس يتردد عليهم للإستفاده والإفادة (2) .

ومن ذلك أيضا مجلس العلم الذي كان يقيمه أبو محمد عبد الله بن الخير ****** في مكان يسمى تين ورزيرف******* ، والمجلس الذي يقيمه أبو مسور******** في أدوناط********* ، وغيرهـا مـن مجالـس العلم كثير (3) .

...........................

الهامش :

* - غدامس : مدينة تقع في تونس ، تفصلها عن جبل نفوسة مسافة سبعة أيام في الصحراء ، كانت تابعة للدولة الرستمية ، وهي مدينة لطيفة كثيرة النخل والمياه ، كانت تعتبر محطة للقوافل التجارية بين جبل نفوسة وبلاد السودان ( أنظر : البكري ، ص182- ابن خلدون ، العبر ، 7/122- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،1/309 ، 2/112 ، رقم الترجمة : 233 ) .

** - جبال الأوراس : هي سلسلة من جبال الأطلس الصحراوي بالجزائر ، وهذه السلسلة تمثل شكلا رباعيا طوله من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب 65ميلا ، وفي نهاية هذه السلسلة إلى الجنوب تمتد التلال القليلة الارتفاع التي تتصل بالصحراء الكبرى ، وسكان أوراس يتكونون من عناصر مختلفة أهمها البربر ، وانضمت إليهم بعض القبائل العربية ، وقد خرجت جبال الأوراس عددا كبيرا من العلماء منهم : محكم الهواري قاضي الإمام أفلح على تيهرت ، وابنه هود بن محكم الهواري ، صاحب التفسير المشهور بـ " تفسير كتاب الله العزيز " ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص178 الهامش - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/355 رقم الترجمة : 772 ، 2/443 ، رقم الترجمة : 961 ) .

(1) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص283 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/239 رقم الترجمة :528 .

*** - تنين أزدرشل : هو موضع يقع في جبل نفوسة ، كان يجتمع فيه أهل نفوسة للمدارسة والتعليم ، ولا أدري هل هو قرية أم موضع في قرية ؟ حيث أن المصادر التي بين يدي لا تذكر شيئا عنه بهذا الخصوص ، إنما تكتفي بذكر أنه موضع يجتمع فيه جماعة من أهل نفوسة لطلب العلم ، ولكن الأظهر أنه قرية ، حيث ذكر الشماخي وجود مسجد في هذا المكان يعرف باسم مسجد تنين أزدرشل ، ولعلهم كانوا يجتمعون في هذا المسجد لمدارسة العلم ، وعلى فرض أنه موضع في قرية معينة اتخذ كمجلس للعلم ، فلعله يقع في قرية تمصمص ، حيث أن المفتي في ذلك المجلس كان أبو نصر التمصمصي ، وهو من أهل تمصمص ، والحقيقة أن المصادر تضاربت في اسمه ، فالبغطوري ذكره " تنين أندرشل " والشماخي ذكره تارة " تنين أندركل " وتارة " تنين أزدرشل " ، والذي اختاره الباحث أحمد كروم هو " تنين أزدرشل " معتمدا على ما ذكره الوسياني ، ولعله هو الأصح والله أعلم ( أنظر : الوسياني ، سير المشايخ ( مخ ) ، 1/23 نقلا عن : عمروس ، الدينونة الصافية ، ص14- 15 مقدمة المحقق- البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص76 ـ 77 ـ الشماخي ، السير ، 1/149 ، 2/19 ـ 20، 235 ) .

**** - هو أبو نصر التمصمصي ، لم تذكر المصادر اسمه ، عاش في القرن الثاني الهجري ، ينسب إلى بلدة " تمصمص " بجبل نفوسة ، بينما الوسياني يقول إنه من " تين ضج " ، يعتبر من الطبقة الأولى لعلماء جبل نفوسة ، تلقى العلم عن عاصم السدراتي ، أحد حملة العلم عن الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، يصنف الشيخ أبا نصر من طبقة الإمام أفلح بن عبد الوهاب ، كان مضرب المثل في العلم والزهد ، وكان مستجاب الدعاء ، كان يحذر الناس من فتنة نفاث الذي انشق عن الإمام أفلح ، وكان يفند آراء نفاث ويبين خطأ أفكاره الشاذة ، وقيل إنه كان – من قبل – يحذر من فتنة خلف بن السمح الذي انشق عن الإمام عبد الوهاب ( أنظر : البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص76 ـ 77 ـ الشماخي ، السير ، 1/149 ، 2/19 ـ 20- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/439 رقم الترجمة : 949 ) .

***** - تمصمص : بلدة تقع في جبل نفوسة ، خرجت عددا من كبار العلماء منهم أبو نصر التمصمصي ( ق 2هـ ) ، وأبو محمد خصيب بن إبراهيم التمصمصي ( النصف الثاني ق 4هـ ) وغيرهما ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/133 رقم الترجمة : 290، 2/439 رقم الترجمة : 949 ) .

(2) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص76 ـ 77 ـ الشماخي ، السير ، 1/149 ، 2/19 ـ 20 .

****** - هو أبو محمد عبد الله بن الخير الونزريفي ، من تيونزيرف بجبل نفوسة ، أخذ العلم عن أبي ذر أبان بن وسيم الويغوي النفوسي ، وبرع حتى كان من شيوخ وقراء نفوسة ، كان حاكما وقاضيا ، وله حلقة علم ومجلس ذكر في قريته ، وهو مضرب المثل في العلم ، فيقال : " من ضيع كتابا كمن ضيع خمسة عشر عالما مثل عبد الله بن الخير " ، عمر ما يقارب من 120 سنة ، ولم يبق بعد وقعة مانو 283هـ - التي أبيد فيها جمع من علماء وقادة الإباضية بجبل نفوسة - على قيد الحياة سوى أبي القاسم البغطوري وعبد الله بن الخير ( أنظر : البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص72 ، 95- الدرجيني ، الطبقات ، 1/89 ، 2/316- 317- الشماخي ، السير ، 1/187، 201- 203- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص147- 150- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/265- 266 رقم الترجمة :580 ) .

******* - تين ورزيرف : قرية تقع في جبل نفوسة ، تضاربت المصادر في اسمها ، فورد تونزيرف ، وتنورزيرف ، وتنورزيرن ، ورجح أصحاب معجم أعلام الإباضية : ونزيرف ، أو تيونزيرف ، وهي بالبربرية ، منهم أبو محمد عبد الله بن الخير ، ومنهم أبو زكرياء يحيى بن يونس السدراتي ( يصنف في ط5 : 200- 250هـ ) ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/303 ، 2/265- 266 رقم الترجمة :580 ، 2/465 رقم الترجمة : 1016) .

******** - هو أبو مسور يصلتين الأدوناطي النفوسي ، من أهل نفوسة ، عاش في القرن التالث الهجري ، عاصر الإمام عبد الوهاب ، وعمر طويلا حتى ادرك ضعف الدولة الرستمية وانهيارها ، قال عن نفسه : " عشت حتى لم أجد في الإمام ما أريد ، ولا في نفسي ، ولا في الأولاد ، ولا في الإخوان ، ولا في القبيل " ، له مجلس علم في قريته أدوناط ، وله أقوال مأثورة ، خلف ابنة وصفت بأنها رفيعة الشأن ، لم تذكر المصادر اسمها ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/315- 316- الشماخي ، السير ، 1/196- 198- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/470 رقم الترجمة : 1025 ) .

********* - أدوناط : قرية من قرى جبل نفوسة ، من علمائها أبي مسور يصلتين الأدوناطي النفوسي ( ق 3هـ ) ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/198- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/470 رقم الترجمة : 1025 ) .

(3) - الشماخي ، السير ، 1/187، 198 .


............ يتبع

أبو شيخة
03/10/2003, 02:53 PM
متى يبدأ الكلام عن الشيخ عمروس :confused:
يا ليت تفتح موضوع آخر جنبا الى جنب مع هذا الموضوع ;)

مهنا بن راشد السعدي
03/10/2003, 05:27 PM
بارك الله فيك أخي أبا الشيخة

الظاهر أنك متعطش للوصول إلى الشيخ عمروس ، وأنا أعترف أن الرحلة إلى الشيخ عمروس قد طالت ، ولكن الشيخ عمروس لا يريد في مجلسه إلا الصفوة من طلاب العلم الذين صبروا على الرحلة الطويلة والشاقة للوصول إلى الشيخ عمروس ...

الشيخ عمروس إمام من أئمة الدين وركن من أركان الأمة وقطب من أقطابها ، وهو أعلم أهل زمانه بلا منازع ، فهل تظن أخي أبا الشيخة أن الوصول إلى من هو في هذه المنزلة السامقة والقمة الشامخة بهذه السهول واليسر !!

كلا كلا ...

وإنما الذين سيصلون إلى مجلس الشيخ عمروس هم صفوة من طلاب العلم تميزوا بصفات قل لها مثيل لكي يستحقوا النهل من بحر علم الشيخ عمروس الخضم المتلاطم الأمواج ...

دعيت لأمر ليس بالسهل فاجتهد :: وسدد وقارب والطريق منير

ولكني أبشرك وأخفف عنك عناء السفر الشاق والرحلة الطويلة بأنا قد اقتربنا كثيرا من مملكة الشيخ عمروس ، ولكن بالرغم من ذلك أظن أنه سيتساقط البعض في الطريق مع من تساقط ، وستبقى الصفوة ، وكذا أظن أنه سيتساقط آخرون في الأمام عندما سنصل إلى الشيخ عمروس ، حينها سيقوم الشيخ عمروس بغربلتهم لتبقى صفوة الصفوة ... :D

وتقبل تحياتي ...

مهنا بن راشد السعدي
05/10/2003, 11:57 AM
وكان بعض العلماء يفتحون منازلهم لطلاب العلم لتكون مدارس للعلم ، ومن هؤلاء العلماء أبو هارون موسى الجلالمي* ، الذي أسس في منزله مدرسة تخرج منها الكثير من العلماء ، وقـد كـان ينفـق عليها ثلث ماله (1) .

والصالحات من نساء نفوسة كن يفتحن منازلهن لتقام فيها مجالس العلم ، ومن ذلك ما يروى عن أبي ذر أبان بن وسيم الويغوي** أنه كان له مجلس علم عند امرأة صالحة فقيهة (2) .

وقد كان بعض العلماء يأخذون طلابهم معهم في تحركاتهم الدعوية بين المناطق المختلفة في جبل نفوسة ، فكان لأبي ميمون الجيطالي*** أحد مشايخ الجبل حلقة من الطلاب تتحرك معـه أينما ذهب ، يأخذون عنه العلم (3) .

وكانوا يشجعون أبناءهم على طلب العلم ويحثونهم عليه ، فمن ذلك ما روي أن أبا خليل الدركلي**** كان يقول للتلاميذ سيروا إلى الحلقة واقصدوها حيثما كانت يا كسالى ، فإن رجلا قد سار من الجبل إلى فزان***** وإلى غدامس وإلى الساحل* رغبة في الحلقة وفيما يستفيده ... إلخ (1) ، ويقـال أنـه كـان بذلك يقصـد نفسه (2) .


.............................

الهوامش :

* - هو أبو هارون موسى بن يونس الجلالمي النفوسي ، شيخ عالم من جميلة بجبل نفوسة ، داوم على طلب العلم لمدة ثلاثين عاما عن أبي القاسم البغطوري ، كان من قادة الدين ، وأسس في منزله مدرسة تخرج منها كبار العلماء ، أمثال : أبي يحيى زكرياء بن أبي القاسم ويونس الفرسطائي وغيرهما ، كان ينفق على المدرسة ثلث ماله ، وبلغت مبلغا عظيما حتى قال عنها أحد علماء عصره : " لو علم الناس ما ينفعهم ، لازدحموا عند باب داره كما يزدحمون عند باب دار أبي عبيدة بالبصرة " ، وقد عاش إلى ما بعد سنة 283هـ ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/235- 236- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/432- 433 رقم الترجمة : 932 ) .

(1) - الشماخي ، السير ، 1/235- 236 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/432- 433 رقم الترجمة :932 .

** - هو أبو ذر أبان بن وسيم أبي يونس بن نصر الويغوي النفوسي ، من قرية ويغو بجبل نفوسة ، يصنف من علماء الطبقة الخامسة : 200- 250هـ ، من علماء الإمامة الرستمية ، تلقى العلم في كبره على علامة زمانه الشيخ أبي خليل صال الدركلي ، ولاه الإمام أفلح بن عبد الوهاب على جبل نفوسة ، بعد وفاة واليه أفلح بن العباس ، أجازه شيخه بالفتوى قائلا له : " لكل زمان نذير وأنت نذير زمانك يا أبان ، أفت للناس بالرخص كي يكون ذلك لهم عذرا عند مولاهم " ، وكان فقيها مفتيا ثقة ، فتح منزله للنساء مدرسة يقصدنها للتفقه في الدين ، من تلاميذه : أبو القاسم سدرات بن الحسن البغطوري ، وأبو محمد عبد الله بن الخير وغيرهما ، ومن تلميذاته : العالمة زورغ الأرجانية التي قيل عنها : " معها ثلث علم أهل الجبل " ، والعالمة النفوسية تكسيلت أم يحيى ، وفي مدينة ويغو مسجد يعرف باسمه ، ويعتبر من مشاهد جبل نفوسة ( أنظر : البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص28- الدرجيني ، الطبقات ، 2/301- 305- الشماخي ، السير ، 1/185- 187- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص113- 116- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/7 رقم الترجمة : 3 ) .

(2) - الشماخي ، السير ، 1/186 .

*** - هو أبو ميمون بن أحمد الجيطالي ، لم تذكر المصادر اسمه ، من أهل إيجطال ( جيطال ) من نفوسة ، تفرست فيه أمه سيما العلم منذ صغره ، فقد كان إذا شهد مجالس الذكر والعلم سكن واطمأن قلبه لذلك ، وإذا انصرفت عن مجلس العلم أكثر البكاء والقلق وهو لا يزال في المهد صبيا ، فصدقت فيه فراسة أمه ، فكانت له حلقة علم لا تعرف الانقطاع والفتور ، في الحل والترحال ، وكان إذا سئل أجاد ، وإذا نطق أفاد ، وله فتاوى ، وقد استشهد في وقعة مانو سنة 283هـ ( أنظر : البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص29- الدرجيني ، الطبقات ، 2/295 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/434 رقم الترجمة : 936 ) .

(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/295 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/434 رقم الترجمة : 936 .

**** - هو أبو خليل صال الدركلي وورد اليدركلي نسبة إلى دركل ، وورد الدرشلي نسبة إلى درشل ، عاش في القرن الثالث الهجري ، علم من أعلام " إيدركل " بجبل نفوسة ، يعد حلقة في سلسلة نسب الدين الطرابلسية ، أخذ العلم عن حملة العلم الخمسة من البصرة إلى المغرب ، وقيل هو أول من تتلمذ عليهم ، من أبرز تلامذته : أبو ذر أبان بن وسيم الويغوي ، وأبو معروف ويدران بن جواد ، وابن مؤنسة ، وغيرهم ، له كرامات وفتاوى وآراء فقهية ، عمر طويلا إذ توفي عن سن يناهز المائة والعشرين عاما ، وقيل : عاش مائة عام ، وضمن مشاهد جبل نفوسة مصلى وغار ينسبان إليه ( أنظر : البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص65- 67- الدرجيني ، الطبقات ، 2/299- 301- الشماخي ، السير ، 1/181- 183- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق2 ، ص73- 75- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/224رقم الترجمة :491) .

***** - فَزَّانُ : ولاية واسعة تقع في المغرب الأدنى ، بين الفيوم وطرابلس الغرب ، تحديدا في جنوب ليبيا ، وهو عبارة عن شريط صحراوي يمتد جنوب ليبيا من حدود مصر إلى حدود الجزائر ، وقد كان هذا الشريط ممرا هاما للجيوش الإسلامية الفاتحة ، ثم أصبح تابعا للدولة الرستمية ، وهو معقل من معاقل الإباضية ، وكان به عدد من علماء الإباضية ، منهم إدريس الفزاني ( ق 3هـ ) ، وعبد الحميد الفزاني ( ق 3هـ ) ، وعبد الخالق الفزاني ( أوائل ق 3هـ ) ، ذكر ياقوت الحموي أنه سمي بفزان نسبة إلى فَزَّان بن نوح u ، وذكر الحموي كذلك أن به نخلا كثيرا وتمرا ومدينته " زويلة " السودان والغالب على أهلها السواد ، وقد ذكره جرير في شعر له فقال : قفرا تشابه آجال النعام به :: عيدا تلاقت به فَزَّان والنوبُ ( أنظر : جناو بن فتى وعبد القاهر بن خلف ، أجوبة علماء فزان ، تحقيق : د/ عمرو خليفة النامي ، و أبراهيم محمد طلاي ، مطابع دار البعث ، قسطنطينة ، ص23- 25 ، 27 مقدمة المحقق - الشماخي ، السير ، 1/163- 165- الحموي ، معجم البلدان ، 6/433- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق2 ، ص51- النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص114، بحاز ، الدولة الرستمية ، ص318- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،1/309 ، 2/54 رقم الترجمة : 100 ، 2/244 رقم الترجمة : 537 ، 2/245 رقم الترجمة : 539 ) .

* - الساحل : هو منطقة مطلة على البحر تمتد بين " صَفَاقُس إلى " سُوسَة " أو " نَابِل " في وسط تونس ( لقاء مع الشيخ أحمد مصلح – مدرس بمعهد العلوم الشرعية بسلطنة عمان – الأحد 22من ذي الحجة 1423هـ / 23 من فبراير 2003م ، وأنظر : معجم أعلام الإباضية ،1/307 ،2/6 رقم الترجمة : 2 ، 2/122 رقم الترجمة : 262 ، 2/151 رقم الترجمة : 327 ) .

(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/301 ـ الشماخي ، السير ، 1/181- 183.

(2) - النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص104 .


............... يتبع

مهنا بن راشد السعدي
07/10/2003, 03:10 PM
وقد كان علماء نفوسه مع تعليمهم لطلاب العلم ، وتخصيص منازلهم كمدارس لهم ، ينفقون على طلاب العلم ويعتبرون ذلك من القربات العظيمة ، وقد مر أن أبا هارون موسى الجلالمي كان ينفق ثلث ماله على طلاب العلم ** .

وكانوا كذلك يهيئون مساكن خاصة لطلاب العلم سواء بقرب المساجد أو بقرب منازلهم (3) .

كذلك مما ساهم في نشاط الحركة العلمية بجبل نفوسة انتشار المكتبـات فيـه ، سـواء كانت عـامة أو خاصة (4) ، والتي كانت تمتلئ بآلاف الكتب والمؤلفات في شتى فنون العلم ، وقد ضاع معظمها بسبب الفتن ، قال الباحث دبوز واصفا انتشار المكتبات بجبل نفوسه وما تعرضت له : " وكانت مدن الجبل وقراه تشتمل على مئات الخزائن المملوءة بالكتب النفيسة ، وقد حرق معظمها في الفتن المتصلة التي ابتلي بها الجبل بعد القرن العاشر الهجري ، وانتهب الكثير الذي أبقت عليه الفتن الإيطاليون الغزاة ... " (5) .

ومن مكتبات جبل نفوسة خزانة نفوسة بمدينة شروس ، التي كانت جامعة لآلاف الكتب (6) .

إن وجود هذا الجو العلمي النشيط ، وكثرة العلماء ، وانتشار المكتبات ، ساهم بشكل كبير في حركة التأليف من قبل علماء جبل نفوسة ، فتركوا لنا عددا كبيرا من المؤلفات يصعب حصرها ، بعضها موجود ، وقد تمكن الباحثون من الوصول إليه ونشره وتحقيقه ، وبعضها لا يزال في ظلام الرفوف وتحت الغبار ، يحتاج إلى من يزيل عنه التراب ، وينفض عنه غبار الزمن ، وإهمال السنين ، والكثير منها ضاع حرقا وسرقة في الفتن التي تعرض لها الجبل .

.......................

الهامش :

** - أنظر ص75 .

(3) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص287 .

(4) - بحاز ، المصدر السابق ، ص290 .

(5) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/388 .

(6) - الباروني ، الأزهار ، 2/209 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص289 .


......... يتبع

مهنا بن راشد السعدي
09/10/2003, 07:38 PM
وقد تميزت مؤلفات علماء نفوسة بالتنوع والشمول ، فلم تقتصر على جانب واحـد ، بل طرقت أغلب أبواب العلم ، سواء كان الشرعي بمختلف فروعه ، أو اللغة ، أوالتاريخ ، أو غيره من فنون العلم ، وليس هذا فحسب بل كان علماء جبل نفوسة أول من ألف الموسوعات العلمية في الإسلام كما يذكر الباحث محمد دبوز (1) .

فمن الموسوعات التي تركها لنا علماء جبل نفوسة " ديوان العزابة " في خمسة وعشرين جزءا ، ألفه ثمانية علماء ، ويوجد هذا الكتاب مخطوطا في خزائن وادي ميزاب* بجنوب الجزائر ؛ وقد تميز علماء الإباضية بمثل هذه الموسوعات ، فإباضية جربة تركوا لنا كذلك موسوعة ضخمة في اثني عشر جزءا ، وهي " ديوان الأشياخ " ، ألفه سبعة علماء من علماء من جربة ، وتوجد نسخ منه مخطوطة في وادي ميزاب ** (2) .

هذا بالنسبة للتأليف الجماعي والموسوعات الضخمة ، وأما فيما يخص التأليـف الفـردي فإن المؤلفات التي خرجت من على سفوح جبل نفوسة لا تعد ولا تحصى ، فمنها ما وصل إلينا في هذه العصور المتأخرة ، والكثير منها ضاع بسبب الفتن والصراعات .


..........................

الهامش :

(1) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/388 .

* - وادي ميزاب أو مزاب : يقع في جنوب شرق الجزائر ، ويشغل الجزء الأكبر من بلاد الشبكة ، وبلاد الشبكة تطلق على هضبة كلسية تقع شمالي صحراء الجزائر ، وتمتاز بطبيعتها القاسية ، فهي صحراء ضمن صحراء ، ومساحة بلاد الشبكة حوالي 38 ألف كيلومتر مربع ، ومركز بلاد الشبكة الحالي مدينة " غرداية " أكبر مدن وادي ميزاب ، التي تبعد عن العاصمة الجزائر العاصمة بـ 490 كيلو متر جنوبا ، هواء هذه المنطقة جاف جدا ، وتبلغ الدرجة القصوى للحرارة ببلاد الشبكة خمسين درجة ، بينما أدنى درجة لا تنزل تحت درجة واحدة تحت الصفر ، ومعدل الأمطار بها ستة وستون ميليمترا ، وأهل ميزاب يسمون بلادهم بلغتهم البربرية " أَغْلاَنْ " ويطلقون على وادي ميزاب " إِغْزَرْ أَوَّ غْلاَنْ " و" إِغْزَرْ " هي كلمة ميزابية معناها " وادي " ، وعدد سكان وادي ميزاب بقراه السبع بلغ ( 116638 ) نسمة حسب إحصائات عام 1960م ، تكثر في وادي ميزاب الواحات وأشجار النخيل ، ويمارس أهل ميزاب بعض الصناعات كصناعة مواد البناء من جير وجبس ، وصناعة النسيج وغيرها ، ويشتهرون بممارسة التجارة ، ووادي ميزاب يعد معقلا للمذهب الإباضي في هذا الوقت ، ويتكون من سبع مدن تتفاوت من حيث الكبر ، وهي : 1- مدينة العطف : أسسها مؤسس نظام العزابة الشيخ أبو عبد الله البكري ، في النصف الأول من القرن الخامس الهجري ، وهي تعتبر أولى مدن وادي ميزاب تأسيسا ، 2- غرداية : وهي أكبرها الآن ، 3- بني يسجن : التي ولد فيها الإمام القطب ، 4- مليكة ، 5- بونورة ، 6- بريان ، 7- القرارة ، وقد خرج وادي ميزاب الكثير من العلماء على مر القرون ، ولا زال يخرج ، وتراجمهم ومؤلفاتهم وأقوالهم منتشرة ومبثوثة في الكتب ( أنظر : فرحات الجعبيري ، نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة ، المعهد القومي للفنون والآثار ، المكتبة التاريخية ، المطبعة العصرية ، تونس ، 1975 ، ص13- يوسف بن بكير الحاج سعيد ، تاريخ بني مزاب ونضالهم من أجل الحق في التباين ، المطبعة العربية ، غرداية ، وادي ميزاب ، الجزائر ، ص9 ، 37- 48 ، 207- 210 ) .

** - اختلفت المصادر في عدد أجزاء " ديوان الأشياخ " ، وفي عدد أجزاء " ديوان العزابة " ، فالدرجيني والشماخي ذكروا أن " ديوان العزابة " في خمسة وعشرين جزءا ، واختاره أصحاب معجم أعلام الإباضية ، وذكر الدرجيني والشماخي أن عدد مؤلفي " ديوان العزابة " ثمانية شيوخ عزابة ، ونجد الباحث محمد دبوز يذكر أن عدد أجزاء " ديوان العزابة " عشرة أجزاء ، وأما " ديوان الأشياخ " فقد ذكر الدرجيني والشماخي أن عدد أجزاءه اثني عشر جزءا ، وهذا ما ذهب إليه أصحاب معجم أعلام الإباضية ، إلا أنهم أطلقوا على ديوان الأشياخ اسم " ديوان العزابة " ، والظاهر أنهم يقصدون " ديوان الأشياخ " والدليل على ذلك أنهم ذكروا من مؤلفيه أبي عمران موسى بن زكرياء ، وهو أحد مؤلفي " ديوان الأشياخ " الذين ذكرهم كل من الدرجيني والشماخي ، كذلك ذكر أصحاب معجم أعلام الإباضية أن " ديوان العزابة " تم تأليفه في غار أمجماج بجربة ، وهو نفس الغار الذي ذكر الدرجيني والشماخي أن ديوان الأشياخ تم تأليفه فيه ، مع بعض الفرق في حروف اسم الغار ، فالدرجيني ذكر أنه غار أمجاج ، والشماخي ذكر أنه غار الجماج ، ولعله تصحيف أو خطأ مطبعي لا غير ، إذا فمن ذلك يظهر أن " ديوان العزابة " الذي ذكره أصحاب معجم أعلام الإباضية هو نفس " ديوان الأشياخ " الذي ذكره كل من الدرجيني والشماخي ، وهو في اثني عشر جزءا ، وهو غير " ديوان العزابة " الذي يقع في خمسة وعشرين جزءا والله أعلم .

أما الباحث محمد دبوز فقد ذكر أن " ديوان الأشياخ " في خمسة وعشرين جزءا ، و" ديوان العزابة " في عشرة أجزاء وعدد مؤلفيه عشرة علماء ، ولعله خلط بين " ديوان العزابة " الذي يقع في خمسة وعشرين جزءا ، وبين " ديوان الأشياخ " الذي يقع في اثنى عشر جزءا ، وقد نقص من ديوان الأشياخ جزئين والله أعلم ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/409 ، 455- 456 ـ الشماخي ، السير ، 2/74 ، 96 ـ دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/388- 389 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/58 رقم الترجمة : 111 ، 2/429 رقم الترجمة : 923 ) .

(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/409 ، 455- 456 ـ الشماخي ، السير ، 2/74 ، 96 ـ دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/388- 389 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/58 رقم الترجمة : 111 ، 2/429 رقم الترجمة 923.


........ز يتبع

مهنا بن راشد السعدي
11/10/2003, 10:46 AM
فمن مؤلفات علماء نفوسة الفردية في العقيدة كتاب الدينونة الصافية*** ، وكتاب الرد على النكاث**** وأحمد بن الحسين***** ( مخ ) ، وكلاهما للشيخ عمروس بن فتح (2) .

ومن علماء نفوسة الذي أكثروا في التأليف الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد الفرسطائي النفوسي* ، فمن مؤلفاته كتاب " القسمة وأصول الأرضين "** في ثمانية أجزاء ، وكتاب في التوحيد عنوانه " مما لا يسع الناس جهله "* ، وكتاب " السيرة في الدماء والجراحات "** ، وغيرها من المؤلفات ذكرها أصحاب معجم أعلام الإباضية (1) .


.......................

الهوامش :

*** - خصص الشيخ عمروس القسم الأول من كتابه الدينونة للعقيدة ، وأما القسم الثاني منه فهو في الفقه ، كما سنرى في محله .

**** - النكَّاث أو النكَّاثة أو الناكثة ، من كلمة " نكث " أي " أنكر " هم جماعة خرجت على الإمام عبد الوهاب ، وأنكروا إمامته ونكثوا اليمين التي قطعوها له ، فلذلك سموا بالنكاث وبالنكار ، ويعرفون كذلك بالنجوية من كلمة نجوى أي الخديعة السرية التي عرفت عنهم عند مناقشة مسألة إمامة الإمام عبد الوهاب التي أنكروها ، ويعرفون كذلك بالملحدة لأنهم ألحدوا بالنسبة لأسماء الله تعالى ، وباليزيدية نسبة إلى فقيههم عبد الله بن يزيد الفزاري ، أو نسبة إلى زعيمهم السياسي يزيد بن فندين الذي خرج على الإمام عبد الوهاب وأنكر إمامته ، ويعرفون بالشغبية بسبب الشغب الذي أحدثوه ، وبالمَسْتاوه نسبة إلى اسم قبيلة من قبائل البربر الرئيسة المؤيدة لهم ، والنكار أو النكاث كانوا في البداية على المذهب الإباضي إلا انهم انشقوا عنه ، وابتدعوا أقوالا خاصة بهم في الفقه والعقيدة لا تمت إلى المذهب الإباضي بصلة فتبرأ منهم أئمة المذهب الإباضي ، وتعود جذور النكار إلى عهد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، حيث أظهر بعض تلامذته أقولا في العقيدة والفقه لا تمت بصلة إلى المذهب ، فتبرأ منهم الإمام أبو عبيدة وطردهم من مجلسه ، وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن عبد العزيز ، وأبو المعروف شعيب ، وعبد الله بن يزيد الفزاري ، وهؤلاء يعدهم النكار من أئمتهم ، وقد وقعت معارك بين النكار بقيادة أبو قدامة يزيد بن فندين ، وبين الإباضية بقيادة الإمام عبد الوهاب كان النصر فيها من نصيب الإمام عبد الوهاب ، وقتل يزيد بن فندين ، إلا ان حركة النكار استمرت في شمالي إفريقيا ، وكونوا هيئات ومجالس للعزابة خاصة بهم ، ومع بداية القرن الرابع الهجري حاول النكار إقامة إمامة بقيادة أبي يزيد مخلد بن كيداد المشهور بصاحب الحمار ، واستطاع بين 316هـ - 336هـ أن يسيطر على القسم الأكبر من وسط شمالي إفريقيا ، وكان ذلك العصر الذهبي للحركة النكارية ، واستطاعوا أن يصلوا إلى بعض مناطق الأندلس ، إلا أن مخلد بن كيداد هزم وصرع على يد الحاكم الفاطمي المنصور بن القاسم سنة 336هـ ، وكانت تلك نهاية الحركة النكارية ، فلم تظهر لهم ظاهرة بعد ذلك ، وقد كان لهم وجود حتى القرن الثاني عشر الهجري ، حيث أنهم كانوا في القرن 10هـ ، و 11هـ ، و12هـ ، يعمرون الجانب الشرقي لجزيرة جربة ، كما يذكر الشيخ الجعبيري ، إلا أن حركتهم انتهت فلا وجود لهم اليوم كما يذكر الشيخ علي يحيى معمر . والإباضية يعدون النكار كفار نعمة ، والعلاقة بين الفريقين كانت ذات طابع عدائي ، وأهم معتقدات النكار التي خالفوا بها الإباضية : 1- أسماء الله مخلوقة ، 2- حجة الله ليست ملزمة ، 3- ولاية الله للمسلمين متقبلة ، 4- لايلزم العلم بالفرائض عدا التوحيد ، ولكن يلزم العمل بتلك الفرائض ، 5- المسلمون الذين يؤمنون بالتشبيه في حق الله هم مشركون ، 6- صلاة الجمعة في عهد الحاكم الجائر غير جائزة ، 7- الحرام المجهول مباح الإمامة ليست واجبة ، 8- لا تجوز إمامة رجل إذا كان في المسلمين من هو أعلم منه ، هذه بعض أقوالهم وهناك أقوال أخرى لهم ذكرتها المصادر والمراجع التي تحدثت عن هذه الحركة ، والإباضية يتبرأون من النكار ومن حركتهم ومعتقداتهم ( أنظر : علي يحيى معمر ، الإباضية بين الفرق الإسلامية ، 2/14- 20- علي يحيى معمر ، الإباضية مذهب اسلامي معتدل ، ص44- النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص201- 208- الجعبيري ، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ، ص213 الهامش ) .

***** - هو أحمد بن الحسين بن أبي زياد الاطرابلسي ، مؤسس الحركة الحسينية أو العميرية أو العمدية ، قيل أنه من طرابلس الشام ، إلا أن د/ عمرو النامي يرى أنه من طرابلس ليبيا لأن أتباعه كانوا هناك ، ولأن سوريا لم يكن فيها أي مجموعات إباضية في أي وقت ، عاش في القرن الثالث الهجري ، يأخذ بقول عيسى بن عمير في الكلام ، وبقول ابن علية في الفقه ، ذكرت له مؤلفات منها " كتاب المقالات " في الكلام ، و" كتاب المختصر" في الفقه ، وهما مفقودان كما ذكر د/ النامي ، وحركة الحسينية هي استمرارية لحركة العميرية أو العمدية أتباع عيسى بن عمير ، الذي ظهر في عهد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وخالفه في مسائل عديدة ، والعميرية حركة مستقلة منذ بدايتها ولا علاقة لها بالمذهب الإباضي ، وهم يسندون مذهبهم إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، والحسينية والعميرية يمكن اعتبارها حركة واحدة ، فأحمد بن الحسين تبنى آراء العميرية ، وزاد من عنده بعض الآراء ، ومن آراء هذه الحركة : 1- من أنكر ما سوى الله فليس بمشرك ، 2- يسع جهل معرفة الرسول محمد r ، 3- المتأولون المخطئون مشركون ، 4- إن سكان الجنة يعيشون في خوف أبدي ، ورجاء أبدي ، 5- خوف الرسول r من الله هو خوف إجلال لا خوف عقاب ، وغيرها من الآراء الغريبة ، وذكر د/ علي يحيى معمر أن بعض هذه الآراء تخرجهم من الإسلام ، وقد كانت مجموعة الحسينية موجودة في القسم الشرقي من جبل نفوسة ، ثم استمالهم أبو يحيى زكرياء بن إبراهيم الباروني إلى المذهب الإباضي ، والبعض ينسب الحسينية إلى الإباضية ويعتبرها فرقة من فرق الإباضية ، وهذا كلام غير صحيح ، فلا علاقة بين الإباضية وبين الحسينية أو العميرية ، بل إن الإباضية يتبرأون من أتباع هذه الحركة ويردون عليهم ، بالمناظرات وبالمؤلفات ، وقد كان الشيخ عمروس ممن ناظرهم ورد على ضلالاتهم ، وألف كتابا في ذلك وهو " الرد على النكاث وأحمد بن الحسين " يرد فيه على حركة النكاث وعلى حركة الحسينية ، حتى قال أحد أقدم علماء الإباضية : " لولا عمروس بن فتح وأفلح بن عبد الوهاب اللذان رفضا آراء نفاث بن نصر وأحمد بن الحسين ، لتبعتهم المذاهب " ، وقال الشيخ أبو زكرياء الوارجلاني رادا على من زعم أن الحسينية أو العميرية أو العمدية هم من أتباع المذهب الإباضي : " إن طائفة تنتحل اسم الإباضية يقال لهم العمدية ، لم تجمعنا وإياهم جامعة من قبل ، وهم يزعمون أنهم أباضية يسندون مذهبهم إلى عبد الله بن مسعود رحمه الله ، وهم أتباع عيسى بن عمير " إهـ ( أنظر : علي يحيى معمر ، الإباضية بين الفرق الإسلامية ، 2/31- 33- علي يحيى معمر ، الإباضية مذهب اسلامي معتدل ، ص44- النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص213- 217 ) .
(2) - دليل المؤلفين العرب الليبيين ، ص300 نقلا عن : عمروس ، الدينونة الصافية ، ص21 مقدمة المحقق- النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص221 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/322 رقم الترجمة : 690.

* - هو أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر بن أبي بكربن يوسف الفرسطائي النفوسي ، عالم من علماء وارجلان ، أصله من فرسطاء بنفوسة ، وهو ابن الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر النفوسي مؤسس نظام حلقة العزابة ، كان يقيم في قرية تملوسيت ، أخذ العلم عن أبيه ، وعن أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي ( ت : 471هـ ) ، و أبي محمد ويسلان بن أبي صالح وغيرهم ، وجد في مكتبات جبل نفوسة ثلاثة وثلاثين ألف جزء من كتب المشارقة ، فاختار أحسنها وعكف على قرائتها ، من تلامذته : أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي ، وصالح بن أفلح ، وأبو عبد الله محمد النفوسي وغيرهم ، وهوحلقة في سلسلة نسب الدين ، وقد عده المستشرق بيار كوبرلي إمام دفاع ، لأنه كان يتصدى لغارات بعض المعتدين ، صنف في آخر عمره خمسة وعشرين كتابا ، وكتابا آخر تركه في الألواح ، وتعد تآليفه من الأمهات في الشريعة الإسلامية عند المذهب الإباضي ، من مؤلفاته : 1- كتاب القسمة وأصول الأرضين في ثمانية أجزاء ، طبع في سلطنة عمان ، وكذلك طبع في بالجزائر بجمعية التراث ، بتحقيق د/ محمد ناصر والشيخ بلحاج بكير باشعادل ، 2- السيرة في الدماء والجراحات ( مخ ) ، 3- كتاب الديات ( مخ ) ، 4- تبيين أفعال العباد في ثلاثة أجزاء ( مخ ) ، وغيرها من المؤلفات ، وقد اشترك في تأليف كتاب " ديوان العزابة " وأسند إليه كتاب الحيض وغيره ( مخ ) ، توفي بتصوانت بأريغ ، وذلك يوم الخميس في ضحوة عرفة من شهر ذي الحجة من عام 504 هـ ( أنظر : البرادي ، الجواهر ( مخ ) ، ص220 - الدرجيني ، الطبقات ، 2/442- 446 ـ الشماخي ، السير ، 2/89- 91 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/48- 50 رقم الترجمة : 89 ) .

** - طبع بسلطنة عمان بتحقيق د/ محمد ناصر والشيخ بلحاج بكير باشعادل ، ثم أعيد طبعه في الجزائر ، نشر جمعية التراث ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/49 رقم الترجمة :89 ) .
* - مخطوط ، يوجد منه نسختان بجربة ( أنظر : المصدر السابق ، 2/49 رقم الترجمة :89 ) .

** - لا يزال مخطوطا ( أنظر : المصدر السابق ، 2/49 رقم الترجمة :89 ) .

(1) - المصدر السابق ، 2/49 رقم الترجمة :89 .



............... يتبع :)

شمس الحقيقة
17/10/2003, 01:25 PM
:rolleyes:

مهنا بن راشد السعدي
17/10/2003, 09:09 PM
ومن علماء نفوسة أصحاب المؤلفات الشيخ أبو زكرياء يحيى الجناوني*** ، فمن مؤلفاته " عقيـدة نفوسـة " ( مط ) ، وكتاب الصوم ( مط ) ، وكتاب الأحكام**** ، وكتاب النكاح***** ، وكتاب الوضع***** (2) .

هذه بعض النماذج على مؤلفات علماء نفوسة ، وقد يكون بعضهم متأخرا قليلا بقرنين أو ثلاثة عن الشيخ عمروس ، ولكن ذكرتهم للتمثيل على مدى اهتمام علماء نفوسة بالتأليف ، وكذلك لأنهم قريبين من عصر الشيخ عمروس ، فهم عبارة عن امتداد للحركة العلمية التي عايشها الشيخ عمروس ، وكذلك لأن المصادر لا تذكر الكثير عن عصر الشيخ عمروس ، والمؤلفات التي ظهرت في تلك الفترة ، ولا يعود السبب في ذلك إلى قلة التأليف ولكن بسبب ضياع المؤلفات في الفتن والصراعات التي اجتاحت فترة ظهور الشيخ عمروس ، وكان الشيخ عمروس نفسه أحد ضحاياها ، حيث إنه استشهد في وقعة مانو ( 283 هـ ) .

إذا فهكذا كانت الحركة العلمية في جبل نفوسة في عصر الشيخ عمروس ، مفعمة بالحركة والنشاط ، فواكب ذلك ظهور عدد كبير من العلماء الذي تركوا الكثير من المؤلفات القيمة .

................................

الهامش :

*** - هو أبو زكرياء يحيى بن الخير الجناوني ، من قرية إجنَّاون بجبل نفوسة بليبيا ، عاش في القرن الخامس الهجري ، يعد من العلماء الأعلام ، هو حلقة في سلسلة نسب الدين ، أخذ العلم عن أبي الربيع سليمان بن أبي هارون ، وغيره من العلماء ، مكث في طلب العلم اثنتين وثلاثين سنة ، أخذ عنه بشر كثير منهم : أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي ، وأبو زكرياء يحيى بن أبي بكر صاحب كتاب سير الأئمة وأخبارهم ، وأبو سليمان داود بن هارون ، ترك عدة مؤلفات ، ذكرتها في النص أعلاه ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/470 ، 489- 490 ـ الشماخي ، السير ، 2/100 ، 178- 179- يحيى بن الخير بن أبي الخير الجناوني (أبو زكريا ) ، كتاب النكاح ، تعليق : علي يحيى معمر ، المطابع العالمية ، روي ، سلطنة عمان ، ص7- 8 ترجمة المؤلف - علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق2 ، ص 93- 95- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/456 رقم الترجمة : 993 ) .

**** - مخطوط بمكتبة الشيخ سالم بن يعقوب ، وللشيخ أبي يعقوب يوسف المصعبي حاشية عليه ، حققه الباحثان عمر بارزين وأحمد كروم ، وهو تحت الطبع ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/456 رقم الترجمة : 993 ) .

***** - طبع بمصر ، قدم له وعلق عليه الشيخ علي يحيى معمر ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/456 رقم الترجمة : 993 ) .

***** - مختصر في الأصول والفقه ، حققه الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش ، وطبع عدة مرات ، وللمحشي أبي ستة محمد بن عمر حاشية عليه ( مخ ) ، وله عنوان آخر " اللمع " ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/456 رقم الترجمة : 993 ) .

(2) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/456 رقم الترجمة : 993 .


............. يتبع

مهنا بن راشد السعدي
19/10/2003, 10:48 PM
4- المطلب الثالث : المؤسسات التعليمية في عصر الشيخ عمروس :

لقد شهد عصر الشيخ عمروس حركة علمية وثقافية كبيرة ، كما مر علينا سابقا ، ومثل هذه الصحوة العلمية لابد لها من مؤسسات تخدم ذلك النشاط العلمي في تلك الفترة ، وكانت أهم المؤسسات العلمية التي ساهمت في دعم الحركة العلمية في عصر الشيخ عمروس تتمثل في ثلاثة مؤسسات ، وهي : المساجد ، والكتاتيب أو الكتاب ، وأخيرا المكتبات ، مع وجود بعض الدعم من مؤسسات أخرى كمنازل العلماء ، الذين حولوها مدارس لتعليم الطلاب ، وإن كانت حلق العلم أكثر ما تعقد في المساجد ، وأما الكتاتيب فكانت تخصص لصغار السن من التلاميذ الذين لم يبلغوا سن الرشد بعد كما سيأتي .

فكيف ساهمت هذه المؤسسات الثلاث في الحركة العلمية في عصر الشيخ عمروس ؟ وماهو الدور الذي لعبته في هذا المقام ؟ هذا ما سأحاول مناقشته من خلال هذا المطلب .

أولا : المساجد :

إن المساجد لعبت دورا كبيرا في النهضة العلمية عند المسلمين - مع دورها الأساسي المتمثل بأداء العبادات بها - خاصة في العصور المتقدمة ، فقد كانت تعد كالجامعات في زماننا هذا ، حيث أنه تقام بها حلق العلم التي تتناول مختلف العلوم ، سواء الشرعية من تفسير وحديث وفقه ...إلخ ، أو الدنيوية من طب وهندسة ورياضيات ... إلخ .
وقد اهتمت الدولة الرستمية ببناء المساجد في مختلف ولاياتها سواء العاصمة تيهرت أو بقية الولايات ، وذلك لعلمها بأهمية المساجد ودورها الفاعل في دعم الحركة العلمية في الدولة ، قال الباحث محمد دبوز واصفا دور المساجد العلمي في الدولة الرستمية : " ... وكانت المساجد في كل أنحاء الدولة الرستمية عامرة بدروس الوعظ والإرشاد ، وبكل ما يثقف العقول ، ويهذب النفوس ، ويثبت الدين ، وكانت المدينة أو القرية التي تسرع إلى صلاة الجماعة في المسجد تحرص على حضور دروس الوعظ والعلم بين أوقات الصلوات فيه ، وكانت هذه الدروس في مواضيع كثيرة : في التفسير ، والحديث ، والفقه ، وتاريخ الرسول r والخلفاء الراشدين ، وفي الأخلاق ، وفي كل المواضيع المهمة التي تشغل بال الرعية ، وتنفعها في أعمالها ، ويستقيم بها اتجاهها في كل نواحي الحياة " إهـ (1) .

إذا ومن هذا المنطلق فإن الإمام عبد الرحمن بن رستم عندما قام ببناء تيهرت ، كان المسجد من أول المنشآت الحضارية لدولته ، لعلمه بأهميته كمكان للعبادة ، وكذلك بأهميته كجامعة لتخريج فطاحل العلماء ، ولم يكتف ببنائه فقط ، بل شرع في إقامة حلق العلم فيه ، فكان يتولى التدريس فيه بنفسه (2) .

..............................

الهوامش :

(1) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/405 .

(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص82- الدرجيني ، الطبقات ، 1/41 ـ الشماخي ، السير ، 1/125- دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/372 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص267 .

............. يتبع

مهنا بن راشد السعدي
29/10/2003, 03:43 PM
كل عام وأنتم بخير ، تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام وصالحات الأعمال

جعله الله وسائر شهور السنة شهور عز ونصر وتمكين للأمة الإسلامية ، وذل وخزي وهزيمة لكل كافر ومعتد أثيم .

لا تنسونا من صالح الدعاء في هذا الشهر الكريم ...

مهنا بن راشد السعدي
29/10/2003, 03:52 PM
وقد انتشرت المساجد في العاصمة الرستمية تيهرت انتشارا كبيرا ، حتى أصبح كل مذهب له مساجده الخاصة التي يعرف بها ، قال ابن الصغير واصفا الحرية الدينية والفكرية في العاصمة تيهرت في عهد الإمام عبد الرحمن بن رستم : " ... وأتتهم الوفود والرفاق من كل الأمصار وأقاصي الأقطار ، فقال : ليس أحد ينزل بهم من الغرباء إلا استوطن معهم وابتنى بين أظهرهم ، لما يرى من رخاء البلد ، وحسن سيرة إمامه ، وعدله في رعيته ، وأمانه على نفسه وماله ، حتى لا ترى دارا إلا قيل هذه لفلان الكوفي ، وهذه لفلان البصري ، وهذه لفلان القروي ، وهـذا مسجـد القرويـين ورحبتهم ، وهذا مسجـد البصريـين ، وهـذا مسجـد الكوفيين ... " إهـ (1) .

ويتولى اتباع كل مذهب إقامة الدروس العلمية في مساجدهم ، وكذلك كانت تحدث في المساجد بعض المناظرات بين مختلف المذاهب الإسلامية بكل حرية ورحابة صدر ، قال ابن الصغير : " ... وكانت مساجدهم عامرة ، وجامعهم يجتمعون فيه وخطيبهم لا ينكرون عليه شيئا ، إلا أن الفقهاء تناجت المسائل فيما بينهم وتناظرت ، واشتهت كل فرقة أن تعلم ما خلفتها فيه عاقبتها ، ومن أتى إلى حلق الإباضية من غيرهم قربوه وناظروه ألطف مناظرة ، وكذلك من أتى من الإباضية إلى حلق غيرهم كان سبيله كذلك ... " (2) إهـ .

وقد كان أئمة الدولة الرستمية يجتمعون بالعلماء في المساجد للتشاور ولإقامة حلق العلم ، فيروى أن الإمام أبا اليقظان كان يجل العلماء ويلتقي بهم في المسجد الجامع ، قال ابن الصغير : " ... وكان - أي الإمام أبو اليقظان - إذا جلس في المسجد الجامع جلس على وسادة من أدم مستقبلا الباب البحري ، وله سارية تعرف به يجلس إليها ، ولم يكن غيره يجلس إليها ، وكان يقابله نصب عينيه رجل من نفوسة يعرف بعيسى بن فرناس ، وكان عندهم من الورع بمكان ، ويلي عيسى رجل من هوارة يقال له ابن الصغير ، شأنه في الفقه ولم يكن في ورع عيسى ، وكان عن يمينه وعن يساره وبين يديه وجوه الناس ، وكان أخص الناس به رجل من العرب يعرف بمحمود بن بكر ... وكان مدارهم الذي يذب عن بيضتهم ويدافع عن دينهم ويرد على الفرق في مقالاتهم ويؤلف الكتب في الرد على مخالفيهم ... " إهـ (3) .

هذه بعض الملامح عن المساجد في العاصمة الرستمية تيهرت ، ودورها الرائد في دعم الحركة العلمية في ذلك الوقت .

...............................

الهامش :

(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص36 .

(2) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص117

(3) - المصدر السابق ، ص92- 93 .



.............. يتبع ، ، وكل عام وانتم بخير

البدر المنير
06/11/2003, 03:58 PM
طال الغياب فهل من عودة :)

مهنا بن راشد السعدي
07/11/2003, 12:09 AM
جزاك الله خيرا أخي البدر المنير على السؤال ...

في الحقيقة أنا مشغول جدا ببعض الأمور في هذه الفترة ، وتأخذ الكثير من وقتي ، ولكني إن لم أكن مشاركا فأنا متابع ، فلا غنى لي عن السبلة والأحباب فيها ...

ورمضان كريم :)

مهنا بن راشد السعدي
07/11/2003, 12:21 AM
ولم يكن دور المساجد كمؤسسات فاعلة في الحركة العلمية مقتصرا على تيهرت ، بل الملاحظ أن المساجد في بقية ولايات الدولة الرستمية كانت تساهم بشكل كبير في دعم الحركة العلمية وتنشيطها ، لا تقل عن الدور الذي تقدمه مساجد العاصمة تيهرت .

فمن ولايات الدولة الرستمية المهمة جبل نفوسة - الذي ترعرع بين جنباته الشيخ عمروس - الذي كانت مساجده تقوم بدور كبير في دعم وتنشيط الحركة العلمية ، التي شهدها جبل نفوسة في ذلك الوقت .
وقد حاز جبل نفوسة قدم السبق في الاهتمام ببناء المساجد ، وإقامة مختلف حلق العلم بها في القرون الإسلامية الأولى ، فنجد أن الكثير من العلماء والصالحين - سواء كانوا من أهل جبل نفوسة أو من غير أهله - قاموا ببناء عدة مساجد ومصليات في مختلف مدن وقرى جبل نفوسة .

فالإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن عندما زار جبل نفوسة مر في طريقه على جبل دمر ، وبنى مسجدا في موضع يسمى " تلاليت "* في جبل دمر (4) .

وعندما وصل إلى جبل نفوسة ظل فيه سبع سنوات يدرس أحكام الصلاة ، وأقام في قرية " ميري "* وبنى فيها مسجده المشهور الآن بمسجد سيدي عبد الوهاب** ، وكان يلقي فيه دروسه ومواعظه (1) .
وقد مر علينا أن عاصم السدراتي أوقف حياته لنشر العلم ، متنقلا بين مدن وقرى جبل نفوسة وغدامس وجبال الأوراس والأحياء الصحراوية ، فاتخذ لذلك مصليات صغيرة يلقي فيها دروسه على الناس وطلاب العلم (2) .

والملاحظ أن الكثير من العلماء والصالحين من أهل نفوسة ، أنشأوا مساجد ومصليات عرفت بهم ؛ فالشيخ عمروس بنى مسجدا في قرية " قطرس " ، وهو معروف باسم مسجد الشيخ عمروس (3) ، وكان بعضهـم له عدة مساجد ومصليات ، فالشيخ أبو المنيـب محمـد بن يانس كانت له سبعة مساجد بعضها في الجبـل وبعضها في السهل ، وكانت لا تفوته الصلاة في كل مسجـد منها كل ليلة وهو شيـخ كبير كمـا ذكـر الدرجيني (4) .

وكان الشيخ أبو مهاصر موسى بن جعفر له مصلى يصلي فيه في طريق ذهابه إلى الحج ، وعند عودته من الحج (5) ، وكذلك كانت له ثلاثة مساجد (6) .

وأبو الحسن الأبدلاني كان له مصلى كذلك (7) ، وأبو عبيدة عبد الحميد الجناوني كانت له سبعة مساجد يتعبد فيها (8) .

هذه بعض الأمثلة على المساجد والمصليات التي قام بإنشائها علماء نفوسة بهدف التعبد فيها وكذلك بهدف نشر العلم عن طريقها ، وهناك الكثير من المساجد والمصليات لم أذكرها خوف الإطالة ، وقد جمعها الشماخي في نهاية كتابه السير (9) .

................................

الهوامش :

* - تلالت : قرية تقع بجبل دمر الذي يقع في طرابلس ، في جنوب تونس حاليا ويسمى بجبل الحواية ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص114- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/302 ، 2/44 رقم الترجمة : 80 ) .

(4) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص114 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/137- 138 .

* - ميري أو تيري : قرية من قرى جبل نفوسة ، تقع في وسطه ، من علمائها المشهورين أبو القاسم سدرات بن الحسن البغطوري ، يعتبر ثاني اثنين مع عبد الله بن الخير بقيا من العلماء بعد موقعة مانو ضد الأغالبة سنة ( 283هـ ) ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/141- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/313 ، 2/169 رقم الترجمة : 369 ) .

** - ذكر الباحث علي يحيى معمر أن مسجد الإمام عبد الوهاب لا يزال شامخا إلى يومنا هذا رغم اندثار مدينة ميرى التي لم يبق منها إلا بعض الأطلال ( أنظر : علي يحيى معمر ، الإباضية ، الحلقة الثانية ، القسم الثاني ، ص211- 212 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص281 الهامش ) .

(1) - الباروني ، الأزهار ، 2/141 .

(2) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص283 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/239 رقم الترجمة :528 .

(3) - عبد الله الباروني ، رسالة سلم العامة والمبتدئين ، ص54 ، هامش المحقق .

(4) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/298 ـ الشماخي ، السير ، 1/148ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/396 رقم الترجمة : 855 .

(5) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/307 ـ الشماخي ، السير ، 1/172 .
(6) - الشماخي ، السير ، 2/235 .

(7) - الشماخي ، السير ، 2/235 .

(8) - الشماخي ، السير ، 1/156 ، 2/235 .

(9) - أنظر : الشماخي ، السير ، 2/235- 236 .


.............. يتبع

مهنا بن راشد السعدي
14/11/2003, 11:14 PM
هذه المساجد والمصليات التي كانت منتشرة بكثرة في مختلف أرجاء قرى ومدن جبل نفوسة كانت تلعب دورا كبيرا في النهضة العلمية في عصر الشيخ عمروس ، حيث أن العلماء يستغلونها لإقامة حلق العلم وإلقاء الدروس والمواعظ ، فقد مر علينا أن الإمام عبد الوهاب أقام سبع سنوات في جبل نفوسة يلقي دروسا في أحكام الصلاة بمسجده في قرية " ميري " (10) .

وعاصم السدراتي كذلك استغل المصليات التي أقامها لنشر العلم ، وإقامة حلق العلم المختلفة (11) .

وكان الشيخ عمروس يذهب إلى مكان يسمى " تنين أندرشل " لطلب العلم ، حيث يجتمع في ذلك المكان مجموعة من العلماء (1) ، ولعلهم كانوا يجتمعون لطلب العلم في مسجد تنين أندرشل ، حيث ذكر الشماخي أنه كان يوجد مسجد في " تنين أندرشل " يعرف باسمه (2) .

وكذلك بالنسبة لبقية ولايات الدولة الرستمية ، فقد لعبت فيها المساجد دورا كبيرا في دعم النهضة العلمية ، وأولى علماء تلك الولايات اهتماما كبيرا بالمساجد وتعميرها حسيا بالبناء ، ومعنويا بحلق العلم المختلفة .

فعلى سبيل المثال جزيرة جربة شهدت في تلك الفترة نهضة علمية مثلها مثل بقية ولايات الدولة الرستمية ، وقد اهتم علماؤها بعمران المساجد ، فمن علمائها الذين شيدوا المساجد بها ونشروا العلم عن طريقها ، الشيخ أبو الخطاب وسيم الزواغي* الذي قام ببناء مسجد يعرف باسم " مسجد وسيم " في موضع يسمى " تاصروت "** بقرية من قرى جزيرة جربة (3) .

والشيخ أبو مسور اليراسني*** من علماء جربة كذلك ، قام ببناء مسجد كبير فيها يعرف بمسجد بني يراسن**** ، وكان سبب بنائه لذلك المسجد كثرة عدد طلابه ، حيث لم يتسع لهم المكان الذي كان يدرسهم فيه ، فأراد بناء مسجد كبير يتسع لهم ، إلا أن منيته عاجلته قبل إتمامه ، فأكمل بنائه ابنه فصيل***** ، فصار المسجد جامعا يخرج العلمـاء لعدة قرون (4) .

...............................

الهوامش :

(10) - الباروني ، الأزهار ، 2/141- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص281 .

(11) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص283 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/239 رقم الترجمة : 528 .

(1) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص76 ـ 77 ـ الشماخي ، السير ، 1/149 ، 2/19 ـ 20 .

(2) - الشماخي ، السير ، 2/235 .

* - هو أبو الخطاب وسيم وقيل وسيل بن سينتين الزواغي ، يعد من الطبقة السابعة ( 300 هـ - 350 هـ ) ، من أعلام قبيلة زواغة بجبل نفوسة ، نشأ بها ثم انتقل إلى زويلة بليبيا ، أخذ العلم عن أبي نوح سعيد بن زنغيل ، وعبد الله بن زوزتين ، وأبي الربيع سليمان بن زرقون ، تولى القضاء بمدينة " ويضو " أو " بريمو " ، بعد وفاته قالت امرأة معافرية من ذرية أبي الخطاب عبد الأعلى المعافري ( ت : 144 هـ ) : " لما مات أبو الخطاب ، مات الحق ، فبقيتم يا زواغة هائمة ، ببطون كالأخرجة ، وعمائم كالأبرجة ، ونعال مبلجة ، وأحكام متعرجة " ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/8 ، 109 ، 112- 115 ـ الشماخي ، السير ، 1/238- 240- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/445- 446 رقم الترجمة : 966 ) .

** - تاصروت : هو موضع بقرية بجزيرة جربة في تونس ، وقد اختلفت المصادر في اسمه ، فورد تاصروت ، وناصروت ، وتيمزرت ، ويمزروت ، وتبازريوت ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص199ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/114ـ الشماخي ، السير ، 1/239- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/445- 446 رقم الترجمة : 966 ) .
(3) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص199ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/114ـ الشماخي ، السير ، 1/239- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/445 رقم الترجمة : 966 .

*** - هو أبو مسور يسجا - وورد يشجا - بن يوجين اليراسني - وورد اليهراسني- ، و" يسجا " اسم بربري يعني استقام ، عاش في أواخر القرن الثالث الهجري ، من عظماء جزيرة جربة بتونس ، ينتمي إلى قبيلة يراسن ، وهي قبيلة بربرية استوطنت الأراضي الممتدة من " تطاوين " إلى جبل نفوسة ، نشأ في رعاية والده يوجين ، وحفظ القرآن وأخذ مبادئ العلوم بكتاتيب قريته ، ألحقه والده بعد ذلك بحلقة الشيخ أبي زكرياء يحيى بن يونس السدراتي بشروس بجبل نفوسة ، ومن مشائخه كذلك أبي معروف ويدرن بن جواد ، وأبي صالح بكر بن قاسم ، وغيرهم ، عاد إلى جربة فأقام فيها حاكما ومعلما ومرجعا للفتوى طيلة خمسين سنة ، تخرج على يديه عدد كبير من العلماء منهم : أبو محمد ويسلان بن أبي صالح ، وأبو محمد عبد الله بن مانوج اللمائي ، وأبو موسى عيسى الزواغي وغيرهم ، أعاد من كان بجزيرة جربة من الخلفية إلى المذهب الوهبي الإباضي ، وهو حلقة ذهبية في سلسلة الدين ، وقد توفي في حومة قلالة بجربة ، وبها دفن ، ولا يزال قبره معروفا ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/8 ، 116 ، 117 ، 157- 159- الشماخي ، السير ، 2/32- 33 ، 256 ، 345 ، 346- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/468- 469 رقم الترجمة : 1024 ) .

**** - بنو يراسن نسبة إلى قبيلة يراسن البربية ، استوطنت الأراضي الممتدة من " تطاوين " إلى جبل نفوسة ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/468 رقم الترجمة : 1024) .

***** - هو أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور يسجا بن يوجين اليهراسني ، من أفذاذ العلماء بجزيرة جربة في تونس ، ولد بجبل نفوسة ، تلقى العلم عن أبيه أبي مسور بجربة ، وعن الشيخ أبي خزر يغلى بن زلتاف بإفريقية ، فصار علما فقيها ، تولى التدريس بمسجد أبيه بجزيرة جربة ، بعد أن أكمل بنائه ، من تلامذته : أبو الخطاب عبد السلام بن وزجون ، وأبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي ، والعلامة أبو عبد الله محمد بن بكر مؤسس نظام العزابة وغيرهم ، وقد كان فصيل هو صاحب الفكرة الأساسية لنظام العزابة ، ولذلك سمي نظام العزابة بـ : " السيرة المسورية البكرية " نسبة إلى فصيل بن أبي مسور ، ومحمد بن بكر ، كان صاحب أخلاق حميدة ، وكريم اليد ينفق على الطلبة بسخاء وبسرية ، توفي بين سنة 420 هـ و 440 هـ ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/8 ، 139 ، 157- 159 ، 189 ، 192 ، 2/218 ، 242 ، 254 ، 361- 364 ، 393- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/339 رقم الترجمة : 734 ) .

(4) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/159- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/469 رقم الترجمة : 1024 .


............... يتبع

مهنا بن راشد السعدي
20/11/2003, 11:30 PM
وقد قام أئمة الدولة الرستمية ببناء مسجد في جزيرة جربة يعرف بـ " جامع تاجديت " ، ليكون منارة للإشعاع العلمي ، يقول عنه أبو راس الجربي : " هي لفظة أصلها الجامع الجديد ، بني في أول المائة الثالثة ، أمر ببنائه أمير مدينة تيهرت على يد عامله بجربة " (1) .

وكذلك بالنسبة لوارجلان ، فقد اهتم علماؤها ببناء المساجد ونشر العلم عن طريقها ، ومنهم الشيخ أبو صالح جنون الوارجلاني* قام ببناء محراب ومسجد بوارجلان ، قدام مدينة " إنجان "** ، وقد أحرقه العبيديون في غاراتهم على المنطقة (2) .

وقد كان أهل وارجلان يجتمعون عنده طلبا للعلم ، قال الدرجيني : " وكانت جماعة أهل وارجلان تجتمع عند مسجد الشيخ جنـون ، فمنهم المستفيد منه علمـا ، ومنـهم المتبرك بمشاهدته ، والمشارك فيما يعرض من أمور دنياه ودينه ، والمقتني خلقا يتحلى به ، والمستزيد من معرفة سبب السير ، فكلهم منقلب بخير وفضل " إهـ (3) .

إذا فقد لعبت المساجد دورا كبيرا في النهضة العلمية التي عايشها الشيخ عمروس ، كمؤسسات علمية نشطة توازي الدور الذي تؤديه الجامعات في عصرنا هذا ، وقد كانت الحلق التي تقام في المساجد والمصليات تخصص غالبا لطلاب العلم الذين تجاوزوا مرحلة سن البلوغ ، أما مراحل التعليم الأولى في سن الطفولة فتكون خارج المسجد في مكان يعرف بالكتاب ، وذلك لأن الطفل لا يراعي جانب الطهارة في المسجد والاحتراز من النجاسات (4) .

.............................

الهامش :

(1) - أبو راس محمد الجربي ، مؤنس الأحبة في أخبار جربة ، ص97 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص278 .

* - هو الشيخ أبو صالح جنون - وورد أكنون - بن يمريان اليهرساني - وورد اليراسني - الوارجلاني ، عاش في أوائل القرن الرابع الهجري ، من سدراته إيزورام ، كان شيخ الإباضية بوارجلان ، وكان عالما ذكيا غزير المادة ، وكان ينفق بسخاء على العلم وأهله ، تتلمذ على أبي يوسف يعقوب الطرفي الذي أخذ العلم عن بعض الأئمة الرستميين بتيهرت ، له تآليف مشهورة قضت عليها الفتن ، بقي منها قصيدة مشهورة له في الوعظ ، وكذلك نقلت عنه وصايا وروايات في العقيدة والفقه ، وله فتاوى ، قبره بسدراته في المقبرة المنسوبة إليه ، ومعبده غار أسفل جبل كريمة ، لا يزال إلى الآن على حاله ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/143- 144 ، 2/341- 345 - الشماخي ، السير ، 2/45- 47 ، 143 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/115- 116 رقم الترجمة : 245 ) .

** - إنجان : مدينة توجد في وارجلان بالجزائر ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/300 ، 2/115 رقم الترجمة : 245 ) .

(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/144- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/115 رقم الترجمة : 245 .

(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/144 .

(4) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص276- 277 ، 282 .



.............. يتبع

مهنا بن راشد السعدي
20/11/2003, 11:35 PM
ثانيا : الكتاتيب :

إن الكتاتيب كانت تمثل اللبنة الأولى للتعليم في بلاد المغرب في العصور المتقدمة كما ذكرت د/ نجاح القابسي (5) ، وقد كانت تعد من أشهر أنواع التعليم الابتدائي ، ففيها كان الصبيان يلقنون مبادئ اللغة العربية ، وحفظ القرآن الكريم ، والأحاديث النبوية ، بطريقة التكرار والترداد وراء الشيخ (6) .

وقد اعتبر الباحث إبراهيم بحاز الكتاتيب من أهم المؤسسات التي بثت المعرفة في أوساط البربر (7) .

وقد اهتمت الدولة الرستمية ببناء ملحقات مع المساجد لتكون كتاتيب لتعليم الأطفال في جميع ولاياتها ، والحقيقة أن المصادر لا تتحدث كثيرا عن هذا الجانب المهم من تاريخ الدولة الرستمية ، ولكن بعض الباحثين لم يستبعد وجود مثل هذه الكتاتيب في ولايات الدولة الرستمية المختلفة بما فيها العاصمة الرستمية تيهرت (1) .

وذكر الشيخ سليمان داود أن الرستميين لم تقتصر عنايتهم بالتعليم في ناحية دون أخرى ، بل كانت لهم مدارس في جميع مملكتهم ، وبالأخص في المدن الشهيرة مثل وارجلان وبلد أريغ* وسوف** والحامة*** وقنطرار ، وقسطيلية ، وجبل دمر ، وغدامس ، وزويلة ، وجربة ، فضلا عن جبل نفوسة ، وتيهرت (2) .

وقد كان نظام الكتاتيب التعليمي له وجود في جبل نفوسة ، وقد كان أهل نفوسة يدخلون أولادهم الكتاتيب لتلقي العلم وحفظ القرآن في مراحل عمرهم الأولى ، والذي يدل على ذلك وجود إشارة لأبي زكرياء صاحب سير الأئمة إلى نظام الكتاتيب عندما تحدث عن أحد الإباضية المنشقين عن المذهب ويعرف باسم السكاك واسمه عبد الله**** ، وقال أن أباه أدخله في الكتاتيب فقرأوحفظ (3) .

وذكر الدرجيني نفس هذه القصة عن السكاك ، إلا انه بدلا من أن يستخدم مصطلح " الكتاتيب " استعمل مصطلح " المؤدب " ، فقال : " ... ولما احتمل العلم دفعه أبوه إلى المؤدب ، فقرأ وحفظ القرآن ... " (4) .

والظاهر أن الكتاتيب كانت تقام بالقرب من المساجد ومنفصلة عنها لسببين ، أولهما أن الكتاتيب كان لتعليم الصبيان الذين ما زالوا لم يبلغوا سن الرشد بحيث يحترزوا من النجاسة إذا دخلوا المسجد الذي يشترط فيه الطهارة ، وأما السبب الثاني لإقامة الكتاتيب بالقرب من المساجد هو لارتباطها بالمساجد ، حيث أن العلوم التي تعلم في الكتاتيب كانت دينية بحتة أو مرتبطة به ارتباطا وثيقا كاللغة العربية (5) .

.............................

الهامش :

(5) - د/ نجاح القابسي ، المعاهد والمؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي ، مجلة المؤرخ العربي ، العدد 19 ، السنة 1981م ، بغداد ، ص177 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص276 .

(6) - عويس عبد الحليم ، دولة بني حماد ، ط1 : 1400هـ / 1980م ، دار الشروق ، بيروت ، لبنان ، ص253 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص276 .

(7) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص276 .

(1) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص278 .

* - أريغ : منطقة أو وادي ، تقع جنوب الجزائر ، من علمائها إبراهيم بن مطكوداسن المزاتي الغرماني ، كان شيخا فاضلا من رواة السير ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/299 ، 2/32 رقم الترجمة : 49 ) .

** - سوف : منطقة أو وادي ، تقع جنوب شرق الجزائر ، من علمائها المشهورين أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي المارغني من علماء القرن السادس الهجري ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/314 ، 2/287 رقم الترجمة : 620 ) .

*** - الحامة : منطقة تقع ببلاد الجريد في تونس ، من علمائها أبو القاسم يزيد بن مخلد الوسياني الحامي ( ت : 358هـ ) ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/305 ، 2/467 رقم الترجمة : 1022 ) .

(2) - سليمان داود بن يوسف ، مجهودات الدولة الرستمية في نشر الحضارة الإسلامية وتركيزها ، مجلة الأصالة عدد 49 ، ص95 ، السنة السادسة رمضان شوال 1397هـ/ سبتمبر أكتوبر 1977م نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص278 .

**** - هو أبد الله أو عبد الله السكاك - وورد الشكاس ، ولعل السكاك أصح - اللواتي ، ينتمي إلى قبيلة لواته البربرية ، من سكان قنطرار بجبل نفوسة ، عاش في القرن الخامس الهجري ، كان يعمل صائغا ، فلعله سمي بالسكاك لعمله في الصياغة ، وهو مؤسس حركة السكاكية ، كان أبوه رجلا صالحا على المذهب الإباضي ، إلا أن السكاك عندما شب أظهر مخالفة المذهب في بعض المسائل التي بسببها تبرأ الإباضية منه ومن حركته وأتباعه ، وذهب بعض علماء الإباضية إلى تشريكهم ، وذهب بعضهم إلى الحكم بنفاقهم ، فكان الإباضية إذا مات بينهم أحد أتباع الحركة السكاكية يجرونه من رجليه جرا ، ويلقونه في حفرة ما ، بسبب تشريكهم لأتباع هذه الحركة الضالة ، ومن معتقدات الحركة السكاكية : 1- إبطال السنة ورأي المسلمين ، 2- الصلاة في جماعة بدعة ، 3- الأذان بدعة ، فإذا سمع السكاكية الأذان قالوا : نهيق الحمار ! ، 4- لاتجوز الصلاة بشيء من القرآن إلا ما عرف تفسيره ومعناه ، 5- لا تجوز الصلاة بثوب فيه قمل ، 6- الحبوب إذا بالت فيها الدواب التي تدرس نجسه ، والقمح لا يطهر إلا بالغسل ، والخضار من بساتين يستعمل لها الروث نجسة ، والحركة السكاكية لم تتجاوز قنطرار ، وذكر أبو زكرياء والدرجيني أن هذه الحركة لم تتجاوز قنطرار ، وقد انقرض أتباعها ، ولم يبق منهم أحد ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص203- 204 – الدرجيني ، الطبقات ، 1/118- 119 – علي يحيى معمر ، الإباضية بين الفرق الإسلامية ، 2/34- 35 – علي يحيى معمر ، الإباضية مذهب اسلامي معتدل ، ص44- 45- النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص217 ) .

(3) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص203 .

(4) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/118 .

(5) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص276- 277 .


............... يتبع :)

مهنا بن راشد السعدي
23/11/2003, 12:05 AM
ويبدوا أن التلاميذ في الكتاب كانوا يستعملون الألواح الخشبية في التعليم* ، ربما لندرة الورق في ذلك الوقت (1) ، فيروى أن أول من تعلم القرآن في جبل نفوسة هو عمر بن يمكتن** ، وقد استخدم الألواح لحفظ القرآن ، فكان يقف في طريق مغمداس*** يتلقى فيها القادمين من المشرق فيكتب عنهم لوحة من القرآن وينصرف ، فإذا حفظه رجع إلى نفس المكان مكررا نفس الفعل حتى حفظ القرآن كاملا (2) .

ثم بعد أن تعلم القرآن وأتقنه ، بدأ بتعليمه فكان أول من علم القرآن بجبل نفوسة في مكان يسمى " إفاطمان "**** (3) .

وقد ذهب الباحث بحاز إلى أنه لا يستبعد أن يكون الشيخ عمر بن يمكتن اتبع مع طلابه نفس طريقته في التعلم ، وهي استخدام الألواح ومحوها كلما حفظ الصبي (4) .

إذا فقد كان للكتاتيب دور كبير في النهضة العلمية التي شهدها عصر الشيخ عمروس ، حيث أنها تمثل اللبنة الأولى للعلماء الذين سيحملون شعلة العلم في المستقبل .

ولا يستبعد أن يكون الشيخ عمروس قد تلقى أولى مراحل تعليمه في هذه الكتاتيب ، وذلك أنها كانت منتشرة في المغرب في تلك الفترة .


.............................

الهامش :

* - لا تزال هذه الوسيلة مستعملة إلى يومنا هذا في بعض مدارس وادي ميزاب بالجزائر ، واقتصرت فقط على كتابة القرآن الكريم وربما بعض الكلمات والحروف ( أنظر : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص277 الهامش ) .

(1) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص277 .

** - هو عمر بن يمكتن ، من أعلام جبل نفوسة بليبيا ، تعلم القرآن وحفظه في طريق مغمداس كما ذكر أعلاه ، اجتهد وجالس العلماء حتى بلغ منزلة كبيرة في العلم ، كان أول من علم القرآن بجبل نفوسة في إفاطمان ، كما ذكر أعلاه ، عينه الإمام أبو الخطاب عبد الأعلى واليا على " سرت " ، وشارك مع الإمام أبي الخطاب في معاركه ، منها : معركة مغمداس 142هـ ، ومعركة تاورغا سنة 144هـ ، التي استشهد فيها مع الإمام أبي الخطاب رحمهما الله تعالى ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/127 - علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص39- 44- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/314 رقم الترجمة : 677 ).

*** - مغمداس : موضع يقع على مسيرة ثمانية أيام من مدينة طرابلس في أرض سرت على شاطئ البحر ، وقد وقعت فيه معركة مغمداس المشهورة سنة 142هـ ، بين الإمام أبي الخطاب عبد الأعلى المعافري وبين جيش العباسيين بقيادة أبي الأحوص العباسي ، وقد انتصر في المعركة الإمام أبو الخطاب على جيش العباسيين ، وقد ذكر أبو زكرياء وتابعه على ذلك الدرجيني أن معركة مغمداس وقعت بين الإمام أبي حاتم يعقوب بن لبيد الملزوزي والعباسيين ، إلا أن الشماخي علق على ما ذهب إليه أبو زكرياء فقال : " ...وقد تقدم أن أبا الخطاب قاتل الجند بمغمداس وهزمهم وقتل منهم بشر كثير ، إما أن يكون قتال أبي حاتم لهم به ثانية ، وإما سهو من أبي زكرياء لأن قتال أبي الخطاب لهم به مشهور ذكره ابن سلام والرقيق " إهـ ، وقد رجحه أصحاب معجم أعلام الإباضية ما ذهب إليه الشماخي ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص77- الدرجيني ، الطبقات ، 1/38 ـ الشماخي ، السير ، 1/118 ، 123 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/242 رقم الترجمة : 534 ) .

(2) - الشماخي ، السير ، 1/127- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/314 رقم الترجمة : 677 .

**** - إفاطمان : قرية توجد بجبل نفوسة بليبيا ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/314 رقم الترجمة : 677 ) .

(3) - الشماخي ، السير ، 1/127- بحاز وآخرون ، معجم اعلام الإباضية ، 2/314 رقم الترجمة : 677 .

(4) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص277 .


............... يتبع

مهنا بن راشد السعدي
11/12/2003, 09:22 PM
لماذا أنت قاسية هكذا يا أيتها الأيام ، فما أسرع أن فرقت بيننا وبين الأحبة ... :(

البدر المنير
11/12/2003, 10:19 PM
Originally posted by التيهرتي
لماذا أنت قاسية هكذا يا أيتها الأيام ، فما أسرع أن فرقت بيننا وبين الأحبة ... :(

كفّاره يا عم :D

بدوي أصيل
11/12/2003, 10:56 PM
Originally posted by التيهرتي
لماذا أنت قاسية هكذا يا أيتها الأيام ، فما أسرع أن فرقت بيننا وبين الأحبة ... :(

سلامات التيهرتي :D

مهنا بن راشد السعدي
12/12/2003, 01:29 PM
كفّاره يا عم

:confused:

سلامات التيهرتي

مجرد ظروف خارجه عن الإرادة وتنتهي بعد أيام معدوده إن شاء الله تعالى فلا تقلق أخي بدوي أصيل ;)

البدر المنير
12/12/2003, 02:05 PM
Originally posted by التيهرتي
:confused:



حسبتك تعرف معنى الكفاره عند المصريين (زرت حد منهم مؤخرا) ;)

مهنا بن راشد السعدي
25/12/2003, 01:20 AM
عدنا بعد طول غياب :نطوط: :نطوط:

:D

مهنا بن راشد السعدي
25/12/2003, 01:27 AM
ثالثا : المكتبات :

إن أي نهضة علمية لا بد وأن تقترن بالكتاب ، وقد انتشرت الكتب في عصر الشيخ عمروس بشكل كبير ، مما نتج عنه تكوين مكتبات ضخمة عامة وخاصة في مختلف ولايات وقرى الدولة الرستمية التي عاصرها الشيخ عمروس ، ففي العاصمة الرستمية تيهرت اهتم أئمة الدولة الرستمية بتأليف الكتب واقتنائها كما مر علينا في المطلب الأول من هذا المبحث ، مما أدى إلى تكوين مكتبات عديدة وضخمة في تيهرت ، ومن أشهر مكتبات تيهرت مكتبة " المعصومة " التي تذكر المصادر أنها صومعة مملوءة بالكتب ، في مختلف الفنون والمعارف (1) ، وقد قام العبيديون بقيادة أبي عبد الله الشيعي بإحراقها بما حوته من كتب ، بعد أن أخذوا ما فيها من كتب الصناعة والرياضيات والفنون الدنيوية (2) .

وقد كانت مكتبة المعصومة تحوي آلافا من المجلدات ، يذكر الباحث محمد دبوز بأنها ثلاثمائة ألف مجلد (3) ، وكان من بين هذه المجلدات ديوان يعرف بديوان تيهرت ، ذكره الدرجيني (4) ، وقال عنه الباحث إبراهيم بحاز : " لا نعرف عنه شيئا " (5) ، وذلك أنه كان من ضمن الكتب التي أحرقها العبيديون ، فضاع مع ما ضاع من كتب ومؤلفات مهمة ، تحكي تاريخ أمة .


....................

الهامش :

(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص170- الدرجيني ، الطبقات ، 1/94- الباروني ، الأزهار ، 2/293- دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/397- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص289 .

(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص170- الدرجيني ، الطبقات ، 1/94- الباروني ، الأزهار ، 2/293- دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/397 .

(3) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/396 .

(4) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/94- 95 .

(5) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص289 .


........... يتبع

مهنا بن راشد السعدي
29/12/2003, 11:31 PM
وكذلك يلاحظ أن بقية ولايات الدولة الرستمية اهتمت بإنشاء المكتبات ، وتعميرها بمختلف الكتب والمؤلفات ، فجبل نفوسة - وهو من الولايات المهمة بالدولة الرستمية - اهتم بإنشاء المكتبات ، كنتيجة طبيعية للنهضة العلمية التي شهدها الجبل في عصر الشيخ عمروس ، فانتشرت مئات المكتبات العلمية العامة والخاصة في مدن وقرى جبل نفوسة ، حاوية الآلاف من الكتب والمؤلفات سواء كانت لأهل المغرب أو المشرق (6) ؛ ومن مكتبات جبل نفوسة المشهورة خزانة نفوسة ، وهي مكتبة عامة كانت تحوي الآلاف من الكتب ، وتوجد بمدينة شروس (7) ؛ وكذلك كان بحوزة العلماء العديد من المكتبات الخاصة ، إلا أن المصادر لا تذكر شيئا كثيرا عن هذه المكتبات الخاصة (8) ، ولكن يمكن استنتاج ذلك من خلال كثرة عدد العلماء في جبل نفوسة ، ونشاط الحركة العلمية ، وكثرة النسخ ، هذا كله يستلزم وجود مكتبات تدعم هذه الحركة العلمية النشطة .

ولكن توجد بعض الإشارات إلى كثرة المكتبات في جبل نفوسة فمن ذلك ما ذكره الدرجيني عن أبي العباس أحمد بن محمد الفرسطائي النفوسي عندما كان يطلب العلم بجبل نفوسة ، وجد بمكتبات أمسنان* فقط ثلاثة وثلاثين ألف جزء من كتب المشارقة ، فعكف عليها واختار أحسنها فائدة وقرأها (1) .

إن انتشار المكتبات في مختلف مدن وقرى جبل نفوسة ساهم كثيرا في دعم الحركة العلمية التي شهدها الجبل في عصر الشيخ عمروس ، ولا يستبعد أن يكون الشيخ عمروس قد استفاد من وجود هذه المكتبات ، واستغل ما فيها من كتب ؛ ومما يندى له الجبين ويحزن القلب أن هذه الثروة العظيمة من المكتبات ذهبت ضحية للفتن والنزاعات ، فأحرقت وانتهبت بما حوته من مؤلفات ونفائس (2) .


..................

الهامش :

(6) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/388 .

(7) - الباروني ، الأزهار ، 2/209 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص289 .

(8) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص290 .

* - أمسنان : قرية توجد بجبل نفوسة ، من علمائها أبو سعيد يخلفتن بن أيوب الزنزفي المسناني ( عاش في الفترة 450هـ - 500هـ ) ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/300 ، 2/49 رقـم الترجمة : 89 ، 2/466 رقم الترجمة 1021 ) .

(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/445- الشماخي ، السير ، 2/90- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/49 رقم الترجمة : 89 .

(2) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/388- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص293 .


............. يتبع

مهنا بن راشد السعدي
08/01/2004, 04:34 PM
ومن المكتبات التي حفظت لنا المصادر شيئا عنها ، مكتبة توجد في قرية تمولست** بجبل دمر في جنوب قابس ، حيث ذكرت المصادر أن مجموعة من الطلبة من جربة قالوا : " أردنا الطلوع إلى جبل دمر لدراسة الكتب بتمولست ... فشيعنا أبو زكرياء يحيى*** ونحن خارجون من جربة إلى جبل دمر ، فحثنا على العلم ، وقوى عزائمنا على الذهاب إلى تمولست ، وأشعرنا بواجبنا ، فقال : " إن رجعتم إلى أهليكم على هذه الحال ، فأنتم كمن ترك الإسلام عمدا " (3) ، قال الدرجيني : " وهذا منه تحريض وترغيب في طلب العلم " إهـ (4) ؛ وقد استنتج الباحث دبوز إمكانية أن تكون تمولست مكتبة تحوي على عدد من الكتب رغب الطلاب في قراءتها (5) .

هذه نبذة عن بعض المكتبات التي كانت موجودة في عصر الشيخ عمروس ، والتي كانت مرجعا لطلاب العلم ينهلون من معينها الصافي ، فساهمت المكتبات المنتشرة في المغرب في عصر الشيخ عمروس في الصحوة والنهضة العلمية التي شهدها ذلك العصر ، هذا بالإضافة إلى المؤسسات العلمية الثلاث التي تناولها هذا المبحث وهي المساجد والكتاتيب والمكتبات ، فإن منازل العلماء كذلك كانت تقوم بدور كبير في النهضة العلمية التي شهدها عصر الشيخ عمروس .

فكان العلماء يفتحون منازلهم كمدارس يقصدها طلاب العلم ، ومن ذلك منزل أبي ذر أبان بن وسيم الذي كانت تقصده النساء للتعليم (1) ، ومنهم كذلك أبو هارون موسى بن يونس الجلالمي النفوسي ، الذي قال عنه أحد أقرانه في العلم : " لو علم الناس ما ينفعهم لازدحموا عند باب داره كما يزدحمون عند باب دار أبي عبيدة بالبصرة " (2) ، وقد كان ابن الصغير كذلك يتردد على أبي عبيدة الأعرج* أحد علماء تيهرت ، ليدرس عنده كتابا في الحديث** (3) ، وقد ذهب الباحث إبراهيم بحاز إلى أنه لا يستبعد أن يكون المكان الذي يلتقيان فيه هو منزل أبي عبيدة الأعرج (4) .

...............

الهامش :

**- تمولست : مدينة في جبل دمر بجنوبي تونس ( أنظر : دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/403- بحاز وآخرون ، معجم اعلام الإباضية ، 1/302 ) .

***- أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهرساني الوارجلاني ، ولد في وارجلان بالجزائر ، هو صاحب كتاب " السيرة وأخبار الأئمة " ، الذي اعتمد عليه كل أصحاب السير والطبقات الإباضية ، كالوسياني ، والبغطوري ، والشماخي ، ومن جاء بعدهم إلى يومنا هذا ، تلقى العلم بوادي أريغ عند الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي ، له أجوبة وفتاوى في علم الكلام ، ورسائل في الفقه ، يبدو أنها فقدت ، ألا أن بعض العلماء يستشهدون بأقواله وآرائه الكلامية ، توفي في سنة 471هـ ، أو بعد سنة 474هـ ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص23- 25 المقدمة - الدرجيني ، الطبقات ، 1/ي ، م ، 2/352 ، 427 ، 448- 451- الشماخي ، السير ، 2/92- 93 - بحاز وآخرون ، معجـم أعـلام الإبـاضيـة ، 2/451- 452 رقـم الترجمة : 984 ) .

(3)- الدرجيني ، الطبقات ، 2/427- الشماخي ، السير ، 2/82 .

(4)- الدرجيني ، الطبقات ، 2/427 .

(5)- دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/403 .

(1)- الشماخي ، السير ، 1/186 .

(2)- الشماخي ، السير ، 1/236- بحاز وآخرون ، معجم اعلام الإباضية ، 2/432 رقم الترجمة : 932 .

*- هو أبو عبيدة الأعرج ، لم تذكر المصادر اسمه ، عاش في القرن الثالث الهجري ، في زمن الدولة الرستمية ، وبالتحديد في عهد الإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح ( حكم : 261هـ - 281هـ ) ، وكان من سكان العاصمة الرستمية تيهرت ، كان شيخا عالما بالفقه والكلام واللغة والنحو والوثائق ، وكان ورعا زاهدا ، درَّس في منزله الحديث ، ومن تلامذته ابن الصغير ، مؤرخ الدولة الرستمية ، صاحب كتاب " أخبار الأئمة الرستميين " ، كان يعد مرجعا في العلم ، فإذا اختلفوا في أمر الفقه صدروا عن رأيه ، حتى إن إباضية سجلماسة يبعثون إليه زكاتهم ليصرفها حيث يشاء ، يقول عنه ابن الصغير : " رأيت أنا هذا الرجل ، وجلست إليه ، فما رأيت في سود الرؤوس رجلا أخشع منه ، وكان قليل الدخول على أبي اليقظان " إهـ ، وكان الإمام أبو اليقظان يقف له ، ويجلسه بجانبه في المجالس ، تقديرا وإكراما له ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص95- 97 - الشماخي ، السير ، 1/190- 191 - الباروني ، الأزهار ، 2/243- 245 - بحاز وآخرون ، معجم اعلام الإباضية ، 2/285- 286 رقم الترجمة : 612 ) .

**- هو كتاب " إصلاح غلط أبي عبيدة في غريب الحديث " لابن قتيبة أبي محمد عبد الله بن مسلم الكوفي ، توفي سنة 270هـ ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص96 الهامش ) .

(3)- ابن الصغير ، المصدر السابق ، ص96 .

(4)- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص286 .


.......... يتبع

مهنا بن راشد السعدي
09/01/2004, 07:16 PM
5- المطلب الرابع : العلوم المتداولة في عصر الشيخ عمروس وأبرز العلماء في عصره :

لقد انتشرت في عصر الشيخ عمروس العديد من العلوم ، سواء كانت علوما دينية أو علوما دنيوية ، ولكن كان الغالب في ذلك الوقت التركيز على العلوم الدينية من حفظ لكتاب الله وتفسير وحديث وفقه وغيره ، وكما يقول الباحث إبراهيم بحاز : " حتى ليخيل إلينا أن أغلب الناس كانوا فقهاء أو لهم حظ لا بأس به من الفقه " إهـ (1) ؛ ولعله كان من أسباب اهتمام الدولة الرستمية بالعلوم الدينية أكثر من بقية العلوم راجع إلى كونها دولة ملتزمة بالدين ، قامت تجسيدا لمبادئ هذا الدين الحنيف ، وكذلك لوجود تعددية مذهبية في داخل الدولة الرستمية ، وكذلك خارجها ، مما دفعها إلى التركيز على علم الكلام والذي يقوم على العلوم الدينية واللغة العربية ، وكانت هذه العلوم الدينية مع اللغة العربية والتاريخ - وبالأخص سير الأئمة - هي الأكثر بروزا وتداولا في ذلك العصر ، وهذه النتيجة نفسها توصل إليها الباحث إبراهيم بحاز (2) .

والحقيقة أن التركيز على العلوم الدينية لم يكن مقتصرا على الدولة الرستمية ، بل كان ذلك سائدا على جميع أجزاء المغرب ، ولعل السبب في ذلك يعود إلى القرب من عصر النبوة ، وبسبب المنافسة المذهبية (3) ؛ فمن العلوم الدينية التي لاقت اهتماما في عصر الشيخ عمروس علم التفسير ، وقد نبغ الكثير من العلماء المغاربة في التفسير في ذلك الوقت ، فمنهم الإمام عبد الرحمن بن رستم ، وقد ألف كتاب في تفسير القرآن الكريم (4) ؛ والإمام يعقوب بن أفلح ، الذي يظهر أنه كان عالما بتفسير القرآن الكريم ، ويستشف ذلك من كلامه عندما سئل : أتحفظ القرآن ؟ فقال : " أستعيذ بالله أن ينزل على موسى وعيسى عليهما السلام ما لم أحفظ وأعرف معناه ، فكيـف بالكتـاب المنزل على سيدنا محمد r " (5) ؛ والشيخ محمد بن يانس كان كذلك من العلماء النابغين في علم التفسير ، فكان ضمن الوفد الذي طلبه الإمام عبد الوهاب لمناظرة المعتزلة ، فطلب مائة مفسر ، فأرسلت إليه محمد بن يانس الذي كان يغني عن المائة مفسر ، وكان يقول : " أخذت تفسير القرآن كله من الثقات ، وعلمته عنهم إلا حرفا واحدا ، أو حرفين ، فان اضطررت أجد مخرجا " (1) ؛ ويظهر من كلام ابن يانس أن جبل نفوسة كان يعج بالعلماء المتضلعين في التفسير ، وذلك ظاهر من قوله : " أخذت تفسير القرآن كله من الثقات ... " .


........................

الهوامش :

(1)- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص293 .

(2)- بحاز ، المصدر السابق ، ص294- 296 .

(3)- بحاز ، المصدر السابق ، ص295- 296 .

(4)- الشماخي ، السير ، 1/167- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،2/248 رقم الترجمة : 544 .

(5)- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص190 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/105 ـ الشماخي ، السير ، 2/47 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/294 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،2/473 رقم الترجمة : 1032 .

(1)- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص103 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/58 ـ الشماخي ، السير ، 1/145 .


............... يتبع

مهنا بن راشد السعدي
12/01/2004, 06:41 PM
ومن المفسرين الذي ظهروا في ذلك الوقت الشيخ لواب بن سلام* ، الذي فسر جزءا من سورة الشورى ، وغيرها من الآيات من سور متفرقة في كتابه " شرائع الدين " (2) ، وقد كان كثيرا يشير في تفسيره إلى الحسن البصري** ، وابن عباس*** ، مما يدل على شيوع تفسير هذين العالمين في المغرب العربي ، كما يذكر الباحث إبراهيم بحاز (3) .

وكذلك كانت تحدث مناظرات في التفسير بين العلماء في ذلك الوقت ، ومن ذلك ما حدث بين ابن الصغير و أبي الربيع سليمان الإباضي* عندما تناظرا في تفسير قوله تعالى : } وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ { (1) ، ثم تدخل عالم إباضي آخر وناظر ابن الصغير في تفسير قوله تعالى : } لَمْ يَحِضْنَ { (2) .

ومن المفسرين الذين ظهروا في ذلك العصر كذلك ، الشيخ هود بن محكم الهواري** ، وله كتاب في تفسير القرآن عنوانه " تفسير كتاب الله العزيز "*** (3) .


........................

الهوامش :

*- هو لواب بن سلام التوزري المزاتي ، من علماء قبيلة مزاته العريقة ، أصله من " أغريمان " بجبل نفوسة ، أوتي الحكمة منذ صغر سنه ، نشأ في عائلة علم وحكم ، أخذ العلم عن أبي كبه من أهل تنكنيص ، وتلقى بعض الأخبار عن أبي صالح النفوسي ، كان شيخا وإماما عالما بالأصول والفروع ، رحل إلى الحج والتقى مع جمع من الحجاج وعلماء عمان ، ترك مؤلفات منها : " كتاب فيه بدء الإسلام وشرائع الدين " ، وقد حققه كل من الشيخ سالم بن يعقوب ، والمستشرق الألماني شفارتز ، وطبع طبعة غير مرخصة بعنوان محرف وهو : " الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية " ، واعتبر المستشرق البولوني تاديوس لفتسكي هذا الكتاب أقدم كتب السير في شمال إفريقيا ، وقد توفي بعد سنة 273هـ ( أنظر : لواب بن سلام ، شرائع الدين ، ص39- 43 - الشماخي ، السير ، 1/49 ، 2/160- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/350 رقم الترجمة : 760 ) .

(2)- لواب بن سلام ، شرائع الدين ، ص68- 77 - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص299 .

**- هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار – ويسار من سبي ميسان أعتقته الربيع بنت النضر ، وهو مولى زيد بن ثابت ، وقيل مولى جميل بن قطبة ، وقيل : مولى اليسر كعب بن عمرو السلمي – البصري ، مولى الأنصار ، وأمه خيرة مولاة أم سلمة ، قال ابن سعد : " ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر ، ونشأ بوادي القرى ، وكان فصيحا ، رأى علي وطلحة وعائشة ... " إهـ ، روى عن : أبي بن كعب ، وسعد بن عبادة ، وعمر بن الخطاب ولم يدركهم ، وعن ثوبان ، وعمار بن ياسر ، وأبي هريرة ، وعثمان بن أبي العاص ، ومعقل بن سنان ولم يسمع منهم ، وعن عثمان ، وعلي ، وأبي موسى ، وأبي بكرة ، وابن عباس ، وابن عمرو بن العاص ، ومعاوية وجابر وغيرهم من الصحابة والتابعين ، وروى عنه : حميد الطويل ، ويزيد بن أبي مريم ، وأيوب ، وقتادة وغيرهم ، قال عنه أنس بن مالك : " سلوا الحسن فإنه حفظ ونسينا " إهـ ، وقال سليمان التيمي : " الحسن شيخ أهل البصرة " إهـ ، وقال أبو عوانة عن قتادة : " ما جالست فقيها قط إلا رأيت فضل الحسن عليه " إهـ ، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم عن صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه : " سمع الحسن من ابن عمر وأنس وعبد الله بن مغفل ، وعمرو بن تغلب ، قال عبد الرحمن فذكرته لأبي ، فقال : قد سمع من هؤلاء الأربعة ويصح له السماع من أبي برزة ومن غيرهم ، ولا يصح له السماع من جندب ، ولا من معقل بن يسار ، ولا من عمران بن حصين ، ولا من أبي هريرة " إهـ ، وقال ابن المديني : " مرسلات الحسن إذا رواها عنه الثقات صحاح ما أقل ما يسقط منها " إهـ ، وقال ابن حبان في الثقات : " احتلم سنة 37 ، وأدرك بعض صفين ، ورأى مائة وعشرين صحابيا ، وكان يدلس ، وكان من أفصح أهل البصرة وأجملهم ، وأعبدهم وأفقههم " إهـ ، وقد حج الحسن مرتين ، وكان شجاعا في الحروب ، فكان المهلب يقدمه في الحروب ،وقد توفي عشية يوم الخميس من شهر رجب من سنة 110هـ ، وكان عمره حين مات 88 سنة ( أنظر : ابن حجر ، تهذيب التهذيب ، 1/481- 448- محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج4 ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، لبنان ، ط7 : 1410هـ/ 1990م ، ص563- 588 ) .

***- هو الصحابي الجليل حبر الأمة ترجمان القرآن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي t ، ابن عم رسول الله r ، كان يقال له الحبر ، والبحر لكثرة علمه ، روى عن : النبيr ، وعن أبيه ، وأمه أم الفضل ، وأخيه الفضل ، وخالته ميمونة ، وأبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وعائشة ، وغيرهم من الصحابة ، روى عنه : ، من الصحابة عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وثعلبة بن الحكم ، والليثي، وغيرهم ، وسعيد بن المسيب ، وعبد الله بن الحارث بن نوفل ، ومحمد بن سيرين ، وعامر الشعبي وغيرهم كثير ، وروى سعيد بن جبير عنه قال : " قبض النبيr وأنا ابن ثلاث عشرة سنة " ، وعنه قال : " وأنا ختين " ، وعنه قال : " ابن عشر سنين " ، وعنه قال : " وأنا ابن خمس عشرة " وصوبه ابن حنبل ، دعا له النبيr بالحكمة مرتين ، أثنى عليه الكثير من الصحابة والعلماء ، قال ابن مسعود : " نعم ترجمان القرآن ابن عباس " إهـ ، وقال فيه ابن عمر : " ابن عباس أعلم أمة محمد بما أنزل على محمد " إهـ ، وقال ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه : " ما رأيت مثل ابن عباس قط " إهـ ، وقالت عائشة : " هو أعلم الناس بالحج " إهـ ، وقع خلاف في سنة وفاته فقيل : مات سنة 68هـ ، وصلى عليه محمد بن الحنفية ، وقال : " اليوم مات رباني هذه الأمة " إهـ ، وقيل : مات سنة 69هـ ، وقيل : سنة 70هـ ( أنظر : ابن حجر ، تهذيب التهذيب ، 3/180- 182- علي بن محمد الجزري ابن الأثير ، أسد الغابة في معرفة الصحابة ، ج3 ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1417هـ/ 1996م ، ص295- 299 ) .

(3)- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص300 .

*- هو أبو الربيع سليمان الهواري ، من قبيلة هوارة ، وصفه ابن الصغير أنه من وجوه الإباضية ، وقد ذكر د/ محمد ناصر والباحث إبراهيم بحاز أن " المصادر الإباضية تذكر العديد من الأشخاص بهذا الاسم والكنية ، ولكنهم نفوسيون على أكبر تقدير ، وأقربهم إلى فترة ابن الصغير سليمان بن زرقون ، وسليمان بن ماطوس أبو الربيع ، وكلاهما من الطبقة السابعة ( 300- 350 هـ ) " ، وإن لم يكن أحد هاذين العالمين ، فلعله من أهل تيهرت ، وتعلم فيها على يد الأئمة ربما ، فأصبح من العلماء القادرين على المناظرة ، والدليل على علمه مناظرته ومحاججته لابن الصغير والله أعلم ( أنظر : ابن الصغير ، ص117- 118 الهامش - ترجمة الشيخ سليمان بن زرقون أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/109 ، 119 ، 2/349- 350 - الشماخي ، السير ، 1/237- 238 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/202 رقم الترجمة : 447 - ترجمة الشيخ سليمان بن ماطوس أنظر : ( الدرجيني ، الطبقات ، 2/327 ، 349 ، 350 ، 351 ، 358 - الشماخي ، السير ، 1/235 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/211 رقم الترجمة : 462 ) .

(1)- سورة الطلاق ، آية : 4 .

(2)- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص117- 120 .

**- هو هود بن محكم الهواري ، عاش في القرن الثالث الهجري ، عالم متقن ، أخذ العلم عن أبيه محكم الهواري - قاضي الإمام أفلح - وعن غيره من العلماء ، أختلف في مكان تعلمه ، فقيل : في الأندلس ، وقيل : في تيهرت ، وقيل : في القيروان وهو ما رجحه الشيخ بلحاج شريفي ، اشتهر بمؤلفه " تفسير كتاب الله العزيز " ، خلط البعض بينه وبين أبيه ، فظن أن هود كان قاضيا ، والصحيح أن أباه كان قاضيا للإمام أفلح ، وليس هودا ( أنظر : البرادي ، الجواهر ( مخ ) ، ص219 - الهواري ، تفسير كتاب الله العزيز ، ج1 مقدمة المحقق - الدرجيني ، الطبقات ، 2/345 ، 398- 399 - الشماخي ، السير ، 2/59 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/443 رقم الترجمة : 961 ) .

***- لقد تم طباعة هذا التفسير الثمين في أربعة أجزاء من قبل دار الغرب الإسلامي كأول طبعة له في سنة 1990م ، وقد تولى تحقيقه الباحث بالحاج بن سعيد شريفي .

(3)- الهواري ، تفسير كتاب الله العزيز ، ج1 مقدمة المحقق - الدرجيني ، الطبقات ، 2/345 ، 398- 399 - الشماخي ، السير ، 2/59 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/443 رقم الترجمة : 961 .




............. يتبع :eek:

مهنا بن راشد السعدي
20/01/2004, 02:50 PM
وأما فيما يتعلق بعلم الحديث فللأسف الشديد لم يلاق ذلك الاعتناء المطلوب من قبل إباضية المغرب في ذلك الوقت ، فلم تذكر لنا المصادر وجود مؤلف مغربي إباضي في علم الحديث (4) ، ولكن من أهم ما يمكن ذكره في هذا الباب حادثة نسخ نفاث لديوان الإمام جابر ، عندما ذهب إلى المشرق ، ولكنه عندما عاد إلى المغرب قام بدفنه ، فضاع ولم يستفد منه أحد من أهل المغرب للأسف الشديد (1) ؛ والإمام جابر كما هو معلوم من كبار التابعين الذين رووا الحديث عن الصحابـة ، وكان يعـد من الثقات (2) ؛ وكذلك ما قام به الشيخ عمروس من نسخ مدونة أبي غانم ، والتي تعد من كتب الحديث المهمة عند الإباضية (3) .

والظاهر أن الشيخ عمروس كان من المهتمين بعلم الحديث ، وله باع في ذلك ، فقد هم أن يضع تأليفا لم يسبق في طريقته ، يفرق العلم على ثلاثة أوجه ، التنزيل والسنة والرأي ، وما يتعلق بكل واحد منها من المسائل ، فيرتب كل باب من أبوابه ويبنيه على القواعد الثلاث ، إلا أن المنية عاجلته قبل أن يحقق مراده (4) .

وكان الإمام أفلح ممن اهتم بطلب علم الحديث ، حيث أنه تتلمذ على يد الإمام أبي غانم الخرساني صاحب المدونة عندما زار تيهرت (5) ؛ وقد اهتم بعض علماء الإباضية في ذلك الوقت بتدريس علم الحديث ، ولكنهم للأسف الشديد اعتمدوا على مؤلفات غير الإباضية ، بسبب قلة المؤلفات الإباضية في علم الحديث في ذلك الوقت وبالأخص عند إباضية المغرب ؛ ومن ذلك ما يذكره ابن الصغير من أنه كان يأتي أبا عبيدة الأعرج التيهرتي ليسمع منه كتاب " إصلاح الغلط في غريب الحديث " لابن قتيبة أبي محمد عبد الله بن مسلم الكوفي (6) .


..............................

الهامش :

(4)- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص304 .

(1)- أبو زكرياء ، كتاب سير الأئمة ، ص143- 145 - الدرجيني ، الطبقات ، 2/82 .

(2)- الدرجيني ، الطبقات ، 2/205- 214 - الشماخي ، السير ، 1/67- 72 - السالمي ، شرح الجامع الصحيح ، 1/7- 8 - البطاشي ، إتحاف الأعيان ، 1/74- 85 - القنوبي ، الربيع بن حبيب ، ص23- 25 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/108- 110 رقم الترجمة : 230 .

(3)- الدرجيني ، الطبقات ، 2/323 ـ الشماخي ، السير ، 1/194- 195 .

(4)- الدرجيني ، الطبقات ، 2/321- الشماخي ، السير ، 1/192- 193 .

(5)- بحاز وآخرون ،معجم أعلام الإباضية ، 2/60 رقم الترجمة : 116 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص269 ـ الإمام الربيع ، الجامع الصحيح ، ص3 مقدمة المصحح ـ ألبوسعيدي ، رواية الحديث عند الإباضية ، ص40 ، 97 .

(6)- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص96 .



............ يتبع :confused:

مهنا بن راشد السعدي
23/01/2004, 10:10 PM
ونجد في المقابل أنه كان يوجد لدى غير الإباضية اهتمام بعلم الحديث في المغرب في ذلك الوقت ، وظهر عدد من العلماء الذين ذكرتهم المصادر ، ومنهم من كان يعيش في كنف الدولة الرستمية ، حتى أن الأستاذ أحمد أمين قال : " قد أخرجت تيهرت كثيرا من حفاظ الحديث وثقات المحدثين " (7) ؛ فمن علماء الحديث غير الإباضيين الذين أنجبتهم تيهرت أبو عبد الرحمن بكر بن حماد الزناتي التيهرتي ، وكان عالما بالحديث وتمييز الرجال ، ثقة ، مأمونا ، ثبتا ، صدوقا ، إماما حافظا (1) ؛ ومنهم كذلك ابنه أبو زيد عبد الرحمن بن بكر بن حماد* (2) ، و قاسم بن عبد الرحمن التميمي التيهرتي** (3) ، وأبو سعيد بحيج بن خداش توزري*** (4) ؛ وهناك غيرهم ممن اهتم بعلم الحديث ، وعُدَّ من علمائه ورواته ، ظهر في عصر الشيخ عمروس ، وأكتفي بمن ذكرتهم على سبيل التمثيل لا الحصر .

ومن العلوم التي انتشرت انتشارا كبيرا في عصر الشيخ عمروس ، ولقيت أكبر عناية واهتمام من قبل العلماء - بالأخص علماء الإباضية - من حيث الدراسة والتأليف نثرا ونظما ، حتى فاقت بقية العلوم ، علم الفقه ؛ ولعل سبب هذا الاهتمام الكبير بعلم الفقه - كما يرى الباحث إبراهيم بحاز - هو كون الفقه الوسيلة لمعرفة الحلال والحرام ، وكون تلك الفترة الممتدة طيلة القرن الثالث الهجري ، فترة تنافس حقيقية بين المذاهب الموجودة وقتئذ بالمغرب العربي (5) .


..................

الهوامش :


(7)- أحمد أمين ، ظهر الإسلام ، 1/296 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص308 .

(1)- ابن عذارى ، البيان ، 1/153- الدباغ ، معالم ، 2/282 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص308 - الباروني ، الأزهار ، 2/70- 75 .

*- هو أبو زيد عبد الرحمن بن بكر بن حماد ، محدث من أهل تيهرت ، كان يروي عن أبيه ، وعن أبي زكرياء يحيى بن مالك الأندلسي ، إذ رحل إلى الأندلس وحدث بقرطبة ، وكتب عنه غير واحد من حديث أبيه ، هوغير إباضي ، ولعله كان مالكيا أو صفريا ، حيث ذكر الشيخ الباروني أن والده بكر بن حماد من المشكوك في مذهبهم إما أن يكون إباضيا أو صفريا على الغالب ، وقد توفي عبد الرحمن بن بكر بقرطبة ، وقيل قتل من قبل قطاع الطرق في الطريق بين القيروان وتيهرت سنة 295هـ ، حيث كان في رفقة والده ، وقد رثاه والده في قصائد عديدة ، ذكر الشيخ الباروني منها أبياتا ( أنظر : الدباغ ، معالم الإيمان ، 2/282- السمعاني ، الأنساب ، 2/9- ابن الفرضي ، تاريخ علماء الأندلس ، 1/268- عادل ، معجم أعلام الجزائر ، ص84 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص309- 310 - الباروني ، الأزهار ، 2/71- 72 ) .

(2)- الدباغ ، معالم الإيمان ، 2/282- السمعاني ، الأنساب ، 2/9- ابن الفرضي ، تاريخ علماء الأندلس ، 1/268- عادل ، معجم أعلام الجزائر ، ص84 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص309- 310 .

**- هو قاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد التميمي التيهرتي ، وهوغير إباضي ، كان من جلساء بكر بن حماد ، وممن أخذ عنه ، وهو محدث تيهرتي ، رحل إلى الأندلس سنة 317 هـ ، وأقام بقرطبة وبها توفي ( أنظر : ابن بشكوال أبو القاسم خلف بن عبد الملك ، كتاب الصلة ، ج1 ، مراجعة عزت العطار الحسيني ، مكتبة المثنى ، بغداد 1374هـ/1955م ، ص86 - الحميدي أبو عبد الله محمد بن فتوح ، جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس ، ط1 ، تحقيق محمد بن تاويت الطنجي ، مطبعة السعادة ، القاهرة ، 1372هـ/1952م ، ص313- الضبي أحمد بن يحيى ، بغية الملتمس في تاريخ رجال الأندلس ، طبع روخس مجريط ، 1884 ، ص188 ، 436 ـ نويهض ، أعلام الجزائر ، ص131 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص310 - الباروني ، الأزهار ، 2/76- 77 ) .

(3)- ابن بشكوال أبو القاسم خلف بن عبد الملك ، كتاب الصلة ، ج1 ، مراجعة عزت العطار الحسيني ، مكتبة المثنى ، بغداد 1374هـ/1955م ، ص86 - الحميدي أبو عبد الله محمد بن فتوح ، جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس ، ط1 ، تحقيق محمد بن تاويت الطنجي ، مطبعة السعادة ، القاهرة ، 1372هـ/1952م ، ص313- الضبي أحمد بن يحيى ، بغية الملتمس في تاريخ رجال الأندلس ، طبع روخس مجريط ، 1884 ، ص188 ، 436 ـ نويهض ، أعلام الجزائر ، ص131 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص310 - الباروني ، الأزهار ، 2/76- 77 .

***- هو أبو سعيد بحيج بن خداش ، توزري ، من أهل توزر ،انتقل إلى نفزاوة من أعمال القيروان ، وبها توفي سنة 296هـ ، محدث ، روى عن محمد بن سحنون ، وروى عنه أبو العرب محمد بن أحمد بن محمد بن تميم ( أنظر : الحميدي ، جذرة ، ص170- 171 - الضبي ، بغية الملتمس ، ص595 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص310 ) .

(4)- الحميدي ، جذرة ، ص170- 171 - الضبي ، بغية الملتمس ، ص595 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص310 .

(5)- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص310- 311 .



............ يتبع

مهنا بن راشد السعدي
06/02/2004, 09:51 PM
وقد ظهر عدد كبير من الفقهاء المتضلعين في علم الفقه ، من الصعب حصرهم ، والحديث عنهم في هذه العجالة ، وقد تكفلت كتب التاريخ والسير بذكرهم والترجمة لهم (1) ؛ ولكن سأذكر بعض العلماء الذين نبغوا في علم الفقه على سبيل التمثيل ، فمنهم أئمة الدولة الرستمية ، فقد كانت لهم قدم السبق في هذا المضمار وفي غيره من العلوم الأخرى ، وقد تركوا لنا عددا من المؤلفات في هذا الباب ، وقد مر الحديث عنهم في المطلب الأول من هذا المبحث ، فلا داعي لتكرار الكلام (2) ؛ ومن أبرز الفقهاء الذين ظهروا في عصر الشيخ عمروس على سبيل المثال من فقهاء تيهرت أبو عبيدة الأعرج ، قال عنه ابن الصغير : " كان أبو عبيدة هذا عالما بالفقه والكلام والوثائق والنحو واللغة ، وكان مع ديانته حسن الأدب والمرؤة* " إهـ (3) ؛ ومنهم عبد العزيز بن الأوز** ، قال عنه ابن الصغير : " كان له فقه بارع ، وله رحلة نحو المشرق " إهـ (4) ؛ وذكر ابن الصغير كذلك جملة من الفقهاء والخطباء من تيهرت ، مثل عيسى بن فرناس النفوسي ، وابن الصغير الهواري ، وأبي الربيع سليمان ، وعثمان بن أحمد بن يحياج*** ، وابن أبي إدريس**** ، وأحمد التيه***** ، وأبي العباس بن فتحون****** ، وعثمان بن الصفار******* ، وأحمد بن منصور******** (5) .


..........................

الهوامش :

(1)- أنظر على سبيل المثال : البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) - البرادي ، الجواهر (مخ ) - الوسياني ، سير ( مخ ) - القطب ، الرسالة الشافية ـ جناو بن فتى و عبد القاهر بن خلف ، أجوبة علماء فزان - أبو زكرياء ، سير الأئمة ـ الدرجيني ، الطبقات - الشماخي ، السير - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، وغيرها من المؤلفات .

(2)- أنظر ص91- 108.

*- هكذا جاءت في الأصل ، ولعله خطأ لغوي ، والأصح " المروءة " ( أنظر : إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 2/860 ) .

(3)- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص96 - الشماخي ، السير ، 1/190- 191.

**- هو عبد العزيز بن الأوز ، عاش في القرن الثالث الهجري ، من فقهاء تيهرت العاصمة الرستمية ، تلقى بها علومه الأولى ، وله رحلة نحو المشرق ، يقول عنه ابن الصغير : " وكان له فقه بارع ... ولكنه سفيه اللسان ، خفيف العقل ، ينزهون [ الإباضية ] مجالسهم عن حضوره ، ويستغنون عنه في معضلات مسائلهم " إهـ ، له طرائف مع بعض الأئمة الرستميين كأبي اليقظان محمد ، وقد زعم المستشرق ليفيتسكي أن له كتاب " رحلة نحو المشرق " معتمدا على أخبار ابن الصغير ، مع أنه لم ينص على ذلك ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص99 - ليفيتسكي ، المؤرخون الإباضيون ، ص36- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/256 رقم الترجمة : 556 ) .

(4)- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص99 .

***- هو عثمان بن أحمد بن يحياج ، عاش في القرن الثالث الهجري ، يعد من مشايخ تيهرت ومقدميها ، وفقهائها في عهد الإمام أبي حاتم ( حكم : 281- 294هـ ) ، وكذلك هو خطيب بالمسجد الجامع بتيهرت ، " فكانوا لا يخالفونه فيما استحسن لهم من خطب " كما ذكر ابن الصغير ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص122 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/287 رقم الترجمة : 618 ) .

****- هو ابن أبي إدريس ، وورد ابن أبي دريس ، لم تذكر المصادر اسمه ، من علماء وخطباء تيهرت ، عاش في القرن الثالث الهجري ، عاصر الإمام أبا حاتم ، وتلقى علمه على مشايخ العاصمة تيهرت ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص120 - الشماخي ، السير ، 1/224- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/53- 54 رقم الترجمة : 99 ) .

*****- هو أحمد التيه ، عاش في القرن الثالث ، من علماء تيهرت ، عاصر الإمام أبا حاتم ، تلقى علمه على مشايخ تيهرت ، وكان فقيها ، وخطيبا في جامع تيهرت ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص120- 122 - الشماخي ، السير ، 1/224- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/39 رقم الترجمة : 62 ) .

******- هو أبو العباس بن فتحون ، لم تذكر المصادر اسمه ، عاش في أواخر القرن الثالث ، من علماء تيهرت ، عاصر الإمام أبا حاتم ، تلقى علمه على مشايخ تيهرت ، وكان فقيها ، وخطيبا في جامع تيهرت ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص120 - الشماخي ، السير ، 1/224- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/241رقم الترجمة : 532 ) .

*******- هو عثمان بن الصفار ، عاش في القرن الثالث ، من علماء تيهرت ، عاصر الإمام أبا حاتم ، تلقى علمه على مشايخ تيهرت ، وكان فقيها ، وخطيبا في جامع تيهرت ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص121 - الشماخي ، السير ، 1/224- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/287 رقم الترجمة : 619 ) .

********- هو أحمد بن منصور ، عاش في أواخر القرن الثالث الهجري ، من علماء تيهرت ، عاصر الإمام أبا حاتم ، تلقى علمه على مشايخ تيهرت ، وكان فقيها ، وخطيبا في مسجد من مساجد تيهرت ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص121 - الشماخي ، السير ، 1/224- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/51 رقم الترجمة : 92 ) .

(5)- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص93 ، 117 ، 120- 122 .



............ يتبع

طائر السنونو
07/02/2004, 04:05 AM
مشكووووووووووووووور
نتابع المدارس كذلك :rolleyes:

مهنا بن راشد السعدي
07/02/2004, 03:48 PM
مشكووووووووووووووور
نتابع المدارس كذلك

:eek:

ما جعل الله في جوف ابن آدم من قلبين

أخي لا أملك إلا عشرة أصابع وذهن واحد كليل ، فأتمنى أن نرى أقلاما أخرى تعنى بالكتابة عن تراث وتاريخ أئمتنا وعلمائنا ومؤلفاتنا

فأني أخي الفاضل والله على ما أقول شهيد لا يكاد يمر علي يوم إلا وتتوارد علي الخواطر والأفكار لكتابة مواضيع عديدة ومتنوعة عن تاريخنا وتراثنا ، ولكن ما جعل الله في جوف ابن آدم من قلبين


ولدي ثلاثة أحلام أعتبرها أحلام حياتي وأسأل الله تعالى أن يعينني على تحقيقها ، أو أن يقيض لها من يتصدى لتحقيقها ، وهذه الأحلام هي :

1- إنشاء مؤسسة خاصة معنية بجمع ودراسة وتحقيق ونشر التراث الإباضي خاصة والإسلامي عامة ...

2- كتابة مؤلف من عدة أجزاء عن التاريخ الإباضي من القرن الهجري الأول وإلى يومنا هذا ، بشقيه المشرقي والمغربي ...

3- وحلم آخر وهو وضع مؤلف عن التاريخ العماني من قبل الإسلام وإلى يومنا هذا بأسلوب حديث ...

وهناك أحلام أخرى صغيرة غيرها ...

ولكن ... :(

ما كل ما يتمنى المرء يدركه :: تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

مهنا بن راشد السعدي
12/02/2004, 05:25 PM
وأما جبل نفوسة فقد ظهر فيه من الفقهاء من يصعب حصرهم ، حتى قال أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي* واصفا كثرة الفقهاء الذين بلغوا درجة الفتيا بجبل نفوسة قبل زمانه في القرن الخامس الهجري ، فيقول : " مر زمان على جبل نفوسة فشا فيهم العلم وكثرة العلماء حتى لم يكن منزل يرد مسألة إلى الآخر إلا من طريق الأدب ... وأهل زماننا على غير ذلك " (1) .

فمن فقهاء نفوسة على سبيل المثال ابن مغطير النفوسي الجناوني ، وصفه الشماخي بقوله : " كان شيخا فاضلا فقيها مفتيا " إهـ (2) ، وأبو زكرياء التوكيتي ، وصفه الدرجيني بقوله : " كان علما لكل الفضائل ومعلما لكل ناهل " إهـ (3) ، وزار رجل من إباضية المشرق جبل نفوسة ، ثم زار تيهرت ، فسأله أهل تيهرت عن علماء جبل نفوسة ، فقال : " الجبل هو أبو زكرياء وأبو زكرياء هو الجبل ... " إهـ (4) .

ومن فقهاء جيل نفوسة كذلك أبو مرداس مهاصر السدراتي ، وصفه الدرجيني بأنه بلغ في العلوم النهاية ، وجرى في أمر الصلاح إلى أقصى غاية (1) ؛ ومنهم أبو ميمون الجيطالي ، وصفه الدرجيني بقوله : " كان ذا جد في العلم ، والاجتهاد ، وسعي في العبادة ، ومنافع العباد ، وكان ممن يعد في الشيوخ ، وممن قدمه في العلم ذا رسوخ ... " إهـ (2) .

هذه بعض الأمثلة على فقهاء نفوسة ممن بزغ نجمه في عصر الشيخ عمروس ، والشيخ عمروس نفسه كان من فقهاء وعلماء جبل نفوسة ، حتى بلغ من العلم أن أصبح أعلم أهل زمانه ، مع كون جبل نفوسة وغيره من بقاع المغرب يعج بالعلماء ، وقد وصفه الدرجيني بقوله : " بحر العلوم الزاخر ، المبرز أول السباق وهو الآخر ، الضابط الحافظ المحتاط المحافظ ، لم تشغله المجاهدة في الله عن دراسة العلوم ، ولم يلهه التبحر في العلم عما تعين عليه من مصادمة تلك الهموم ... " إهـ (3) ؛ وقد ترك لنا الشيخ عمروس عدة مصنفات - كما سيأتي في محله - تدل على طول باعه في العلم ، وتضلعه فيه ، قال الدرجيني : " وله مصنفات في الفروع والعقائد ، تولت فوائدها الصدور والقلائد ، ولم تزل الأمثال مضروبة به بعلومه وآدابه ، وحبال ذوي الآمال متعلقة بأهدابه ، إذ كان علم الدين يقتدى به ... " إهـ (4) .


...................

الهامش :


*- هو أبو الربيع سليمان بن يخلف الوسلاتي المزاتي النفطي القابسي ، أصولي بارع ، وفقيه نبيه ، تعددت نسبته بسبب كثرة أسفاره بين مواطن الإباضية في ربوع المغرب ، وكثرة ترحاله طلبا للعلم ، ونشرا له ، أخذ العلم عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر النفوسي ، والشيخ أبي محمد ويسلان اليراسني ، وعن غيرهما ، هو من أكابر العزابة ، وممن جازت عليه سلسلة نسب الدين ، أخذ عنه خلق كثير بسبب تنقله بين مواطن الإباضية ، فمن طلابه : فصيل وأبي بكر بن يحيى ، والشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر النفوسي ، وغيرهم كثير ، له عدة تآليف منها : 1- " كتاب التحف المخزونة في إجمـاع الأصـول الشرعيـة " ( مخ )، 2- " كتاب في طلب العلم وآداب التعلم " طبع بعنوان " كتاب السير " ، 3- " كتاب في علم الكلام وفي أصول الفقه " في مجلدين ، 4- " فصل في اختصار مسائل من ترتيب المعلقات " ( مخ ) ، وقد توفي في سنة 471هـ ، واختلف في موضع وفاته ، كما اختلف في موضع ميلاده ، بسبب كثرة تنقلاته العلمية ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/ي ، 184، 191- 195، 2/425- 449 - البرادي ، الجواهر ( مخ ) ، 219- 220 - الشماخي ، السير ، 2/82- 83 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/215- 217 رقم الترجمة : 472 ) .

(1)- أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي ، سير ، ص56 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص315 .

(2)- الشماخي ، السير ، 1/128 .

(3)- الدرجيني ، الطبقات ، 2/291 - الشماخي ، السير ، 1/155.

(4)- الدرجيني ، الطبقات ، 2/293- 294 - الشماخي ، السير ، 1/155.

(1)- الدرجيني ، الطبقات ، 2/291 - الشماخي ، السير ، 1/150 .

(2)- الدرجيني ، الطبقات ، 2/294 .

(3)- المصدر السابق ، 2/320- 321 .

(4)- المصدر السابق ، 2/321 .


............. يتبع

مهنا بن راشد السعدي
13/02/2004, 09:19 PM
وأما وارجلان فقد ظهر فيها عدة فقهاء ، منهم على سبيل المثال الشيخ يعقوب بن سيلوس الطرفي السدراتي * ، وصفه الدرجيني بقوله : " العالم الفقيه الفطن النبيه ، اليقظان الذكي ، الورع الزكي ، ذو الجهادين الأكبر والأصغر ، والاجتهادين المصلى والدفتر " إهـ (5) ؛ وقد ظهر كذلك في فزان عدة فقهاء* ، منهم على سبيل المثال عبد القاهر بن خلف الفزاني** ، وصفه الشماخي بقوله : " كان عالما ورعا مفتيا " إهـ (1) ، ومنهم عبد الخالق الفزاني*** ، كان يعد من أعلم أهل زمانه في أصعب أحكام الفقه وهي الدماء وأحكامها (2) ، قال عنه الشماخي : " كان في المنزلة العليا علما وعملا ، وورعا ، وتقى " إهـ (3) .

هذه بعض الأمثلة على فقهاء الإباضية الذين ظهروا في عصر الشيخ عمروس ، وهؤلاء الذين مر ذكرهم يعتبرون نماذج على عدد كبير من علماء وفقهاء المذهب الإباضي ، الذين ظهروا في تلك الفترة ، والذين من الصعوبة بمكان تعدادهم أو الحديث عنهم ، في هذه العجالة ؛ وقد ترك هؤلاء الفقهاء العديد من المؤلفات والفتاوى والأحكام ، فمنهم من دونها في مصنفات ، ومنهم من تركها شفوية تروى عنه في كتب السير والتراجم ، وهوالأغلب - كما ذكر الباحث إبراهيم بحاز - ، وقد جمع العديد منها الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني ، في كتابه الدليل لأهل العقول* (1) .

وكذلك فقد ظهر في المغرب في عصر الشيخ عمروس عدد من فقهاء المذاهب الأخرى ، نقتصر على بعض من ظهر في الدولة الرستمية التي عاش في كنفها الشيخ عمروس ؛ ففي تيهرت ظهر عدد من الفقهاء ممن هم على غير المذهب الإباضي ، أمثال أبي مسعود** وأبي دنون*** ، وكانا على مذاهب الكوفيين**** (2) ، ومنهم موسى بن الفارسي أو البادسي الفقيه***** ، وهو على المذهب المالكي كما يرى الباحث إبراهيم بحاز (3) .

..........................

الهوامش :

*- هو أبو يوسف يعقوب بن سيلوس - وورد خطأ سهلون - الطرفي السدراتي من علماء القرن الثالث الهجري بوارجلان ، عاصر الإمام عبد الرحمن بن رستم ( حكم : 160- 171هـ ) ، وأخذ العلم عن أئمة الدولة الرستمية ، ثم ارتحل إلى وارجلان ، وأقام بها معلما ، من أبرز طلابه : أبو صالح جنون بن يمريان ، تولى الشيخ يعقوب القضاء بوارجلان ، له نصائح وحكم ، تذكر المصادر أن له مؤلفات أتلفتها الفتن ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/331- 332 ، 344 ، 353 ، 455 - الشماخي ، السير ، 1/102- 104- الباروني ، الأزهار ، 2/67- 68- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/470 رقم الترجمة : 1026) .

(5)- الدرجيني ، الطبقات ، 2/331- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/474 رقم الترجمة : 1033 ) .

*- ذكر الشماخي عددا من علماء الإباضية الذين ظهروا في فــزان ، وكذلك ذكرهــم د/ النامي في مقدمتــه على تحقيـق كتــاب " أجوبة علماء فزان " ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/163- 165- جناو بن فتى وعبد القاهر بن خلف ، أجوبة علماء فزان ، ص23- 25 مقدمة المحقق ) .

**- هو عبد القاهر بن خلف الفزاني ، عالم من علماء فزان بجنوب ليبيا ، وذهب د/ النامي أنه من أهل مدينة " سبها " بفزان ، واستنتج كذلك أنه قد يكون عربي الأصل ، عاش في أواخر القرن الثاني الهجري وأوائل القرن الثالث الهجري ، له كتاب " أجوبة علماء فزان " ، بالاشتراك مع جناو بن فتى ، ويظهر من خلال أجوبته كما استنتج د/ النامي أنه كان متنزها متحرجا عن الدخول في أمور الناس عند فساد الزمان ، والظاهر أنه عمر طويلا ، يظهر ذلك من تبريره عدم التدخل في شؤون الناس بسبب ضعفه وتقدمه في العمر ، ومن الأبيات التي ستأتي بعد قليل ، وكان متواضعا منيبا مسلما لله ، مهتما باتباع أحكامه والتزام أوامره ، والاقتداء بسنة نبيه r ، وكان شديد الزهد ، معرضا عن الدنيا ، غير مقبل عليها ، منصرفا إلى آخرته ، ويظهر ذلك من بعض أبياته حيث يقول :
أصبحت لا أحمل السلاح ولا :: أمـلـك رأس الـبـعـيــر إن نفـــرا
والذئب أخشاه إن مررت بــه :: وحدي وأخشى الرياح والمطــرا
ويظهر كذلك من أجوبته أنه كان فقيها مجتهدا مصلحا ، يهمه قيام الحق وحصول التقوى مع الوقوف عند حدود الحكم الصحيح الثابت ، ويبدو أنه تتلمذ على يد جناو بن فتى ، حيث كان الأخير يعقد على عبد القاهر آمالا كبيرة في أن يحيي الله به آثار السلف المهتدين ، ويكون لهم منارا ( أنظر : جناو بن فتى وعبد القاهر بن خلف ، أجوبة علماء فزان ، ص12- 13 ، 15، 32- 34 مقدمة المحقق - الشماخي ، السير ، 1/164- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/257- 258 رقم الترجمة :561 ) .

(1)- الشماخي ، السير ، 1/164 .

***- هو عبد الخالق الفزاني ، عالم من علماء فزان بجنوب ليبيا ، ومن أوائل علمائها ، عاش في أوائل القرن الثالث الهجري ، أخذ العلم عن عاصم السدراتي ، كان أعلم أهل زمانه في أصعب أحكام الفقه وهي الدماء وأحكامها ، له كتاب كتبه إلى أبي مرداس مهاصر ، نقلته كتب السير ، وهو يحمل معنى التوكل والاعتماد على النفس والتسليم لله وحده ، وتشير المصادر إلى عالم فزاني معاصر للشيخ عمروس ، وضع كتابين معروفين بـ " أصول الكلام " ، ورجح أصحاب معجم الأعلام أن هذا العالم هو عبد الخالق الفزاني ، وذكر د/ النامي أنه لم يعثر لهما على أثر حتى الآن ( أنظر : جناو بن فتى وعبد القاهر بن خلف ، أجوبة علماء فزان ، ص23 مقدمة المحقق - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص117- الدرجيني ، الطبقات ، 2/293- الشماخي ، السير ، 1/163- 164- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/245 رقم الترجمة : 539 ) .

(2)- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/245 رقم الترجمة : 539 .

(3)- الشماخي ، السير ، 1/163 .

*- لم أستطع الحصول على هذا الكتاب ، وقد ذكر الباحث إبراهيم بحاز أنه يقع في ثلاثة أجزاء في مجلد واحد ، وقد طبع بالمطبعة البارونية ، مصر 1306هـ ( أنظر : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص321 الهامش ) .

(1)- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص321 .

**- هو أبو مسعود ، لم يذكر ابن الصغير اسمه ، كوفي المذهب كما ذكر ابن الصغير ، ولعله يقصد بالمذهب الكوفي المذهب الحنفي أو المذهب الشيعي ، عاش في العاصمة الرستمية تيهرت ، في عهد الإمام أبي حاتم يوسف ، كان فقيها ومن الوجهاء ، أثار مع بعض المغرضين فتنة في عهد الإمام أبي حاتم كما ذكر ابن الصغير، أدت إلى نشوب حرب بين الإمام أبي حاتم وعمه يعقوب دامت أربع سنوات ، بعد أن أغروا يعقوب بالحكم ، وهم كانوا يطمعون في القضاء على الإباضية ودولتهم الرستمية من وراء ذلك ، كما قال ابن الصغير " قد طمعوا أن يبيتوا خبر الإباضية ويطفوهم " ، إلا أن الإمام أبا حاتم استطاع أن يقضي على هذه الفتن ، ويسيطر على الوضع في الدولة الرستمية ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص105- 117- الباروني ، الأزهار ، 2/267- 277 ) .

***- هو أبو دنون ، لم يذكر ابن الصغير اسمه ، وذكر أنه كوفي المذهب ، فلعله حنفي أو شيعي ، كان من الفقهاء والوجهاء ، عاش في العاصمة الرستمية تيهرت ، في عهد الإمام أبي حاتم يوسف ، وكان أيضا من الذين أثاروا الفتنة بين الإمام أبي حاتم وعمه يعقوب ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص105- 117- الباروني ، الأزهار ، 2/267- 277 ) .

****- ربما يقصد بمذاهب الكوفيين الشيعة ، إذ في هذه الفترة كانت الكوفة أهم معقل لهم ولا زالت ، أو ربما أتباع أبي حنيفة النعمان أي الحنفية ، وكلاهما وارد ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص105 الهامش - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص322 الهامش ) .

(2)- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص105 .

*****- هو موسى بن الفارسي أو البادسي الفقيه ، عاش في تيهرت ، كان على المذهب المالكي كما يرى الباحث إبراهيم بحاز ، لا تذكر المصادر عنه الكثير ، صلى على العالم المحدث بكر بن حماد سنة 296هـ ، يرى الباحث إبراهيم بحاز أن تقديمه للصلاة على بكر بن حماد دليل على رسوخ قدمه في العلم ( أنظر : ابن عذارى ، البيان ، 1/155- 156 - الدباغ ، معالم الإيمان ، 2/282 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص323 ) .

(3)- ابن عذارى ، البيان ، 1/155- 156 - الدباغ ، معالم الإيمان ، 2/282 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص323 .


................. يتبع

مهنا بن راشد السعدي
16/04/2004, 01:45 AM
نواصل عرض كتاب الشيخ عمروس ومنهجه ولا زلنا في المبحث الثالث من الفصل الأول :eek: :

والظاهر أن تيهرت كانت تحوي عددا كبيرا من الفقهاء ممن هم على غير المذهب الإباضي ، ذكر عددا منهم الشيخ الباروني في الأزهار الرياضية (4) ، والذي يدل على ذلك ما ذكره ابن الصغير في قوله : " ومن بالبلد من فقهاء الإباضية وغيرهم لم يطالب بعضهم ولا سعى بعضهم ببعض ... إلا أن الفقهاء تناجت المسائل فيما بينهم وتناظرت ، واشتهت كل فرقة أن تعلم ما خلفتها فيه عاقبتها " إهـ (5) ؛ وابن الصغير - المالكي أو الشيعي - نفسه كان يعد من الفقهاء البارزين بتيهرت ، إضافة إلى كونه مؤرخا ، وذلك أنه كانت له مناظرات مع فقهاء من الإباضية في بعض المسائل الفقهية * ، مما يدل على تضلعه في علم الفقه (1) .

وكذلك كان جبل نفوسة يضم بين جنباته عددا من الفقهاء من غير الإباضية - وإن كان جل أهله من الإباضية - فمن الفقهاء من غير الإباضية الذين ظهروا في جبل نفوسة في ذلك العصر على سبيل المثال أهاب بن مازون النفوسي البربري الفقيه المالكي** (2) .

............................

الهوامش :

(4)- الباروني ، الأزهار ، 2/70- 78 .

(5)- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص117 .

*- يرى بعض الباحثين احتمال وجود مؤلف لابن الصغير في الفقه ، عرض فيه آراء الإباضية في المسائل الفقهية التي ناظرهم فيها ، ويستشف ذلك من كلام ابن الصغير حين قال : " وقد اجتمت ما دار من جميع ذلك بيني وبينهم مما اعتلوا به ، ومما يدخل لهم أو يذكروه " ، وقد فسر بعض الباحثين كلمت " اجتمت " بمعنى " جمعت " ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص118- وداد القاضي ، ابن الصغير مؤرخ الدولة الرستمية ، الأصالة ، عدد 45 ، ص40 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص323 ) .

(1)- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص117- 120 .

**- هو أهاب بن مازون النفوسي البربري ، فقيه مالكي ، عاش في جبل نفوسة بليبيا ، سمع الحديث بمصر ، وكان كثير القراءة ، وقد توفي بالمغرب قبل سنة 320هـ ( أنظر : ابن الأثير ، اللباب في تهذيب الأنساب ، ج2 ، مكتبة المقدسي ، القاهرة ، 1357م ، ص234 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص324 ) .

(2)- ابن الأثير ، اللباب ، 2/234 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص324 .

............ يتبع :مفتر:

مهنا بن راشد السعدي
07/07/2004, 03:36 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نواصل أخوتي الكرام عرض كتاب الشيخ عمروس ومنهجه بعد أن انقطعنا عن عرضه فترة طويلة جدا وذلك بسبب انشغالي بالكثير من الأمور ، فأعتذر عن هذا التأخير ....

لازلنا في المبحث الثالث من الفصل الأول ، وقد وصلنا فيه إلى المطلب الرابع وهو ( العلوم المتداولة في عصر الشيخ عمروس وأبرز العلماء في عصره ) ونحن الآن في ص142 من الكتاب ، وسؤواصل عرض الكتاب بعون الله بناء على صفحات الكتاب في كل مرة صفحة ، وقد عرضنا أعلاه جزءا من ص142

مهنا بن راشد السعدي
07/07/2004, 03:39 AM
وابن الصغير - المالكي أو الشيعي - نفسه كان يعد من الفقهاء البارزين بتيهرت ، إضافة إلى كونه مؤرخا ، وذلك أنه كانت له مناظرات مع فقهاء من الإباضية في بعض المسائل الفقهية * ، مما يدل على تضلعه في علم الفقه (1) .

وكذلك كان جبل نفوسة يضم بين جنباته عددا من الفقهاء من غير الإباضية - وإن كان جل أهله من الإباضية - فمن الفقهاء من غير الإباضية الذين ظهروا في جبل نفوسة في ذلك العصر على سبيل المثال أهاب بن مازون النفوسي البربري الفقيه المالكي** (2) .

كذلك من العلوم التي لاقت اهتماما في عصر الشيخ عمروس التاريخ والسير ، وقد ظهر عدة علماء اهتموا بهذا الجانب ، وألفوا فيه المؤلفات التي وصل إلينا بعضها ، وضاع الكثير منها في الفتن والصراعات ؛ وقد كان أئمة الدولة الرستمية على رأس المهتمين بالسير والتاريخ ، فقد عد المستشرق تاديوس ليفيتسكي كلا من الإمام عبد الرحمن بن رستم ، والإمام عبد الوهاب ، والإمام أفلح ، والإمام أبي اليقظان من المؤرخين ورواة التاريخ (3) ؛ فقد كان الإمام أبو بكر محبا للتاريخ والسير - كما مر علينا في هذا المبحث - ، حيث ذكر ابن الصغير أنه كان : " ... يحب الآداب والأشعار وأخبار الماضين ... " إهـ (4) ؛ وقد كان أئمة الدولة الرستمية يحثون طلاب العلم على دراسة التاريخ وسير الأئمة ، فقد مر علينا في هذا المبحث أن الإمام أفلح كان يشجع ويحث على دراسة الكتب فيقول : " عليكم بدراسة كتب المسلمين لا سيما كتاب أبي سفيان محبوب بن الرحيل " (5) ، وهو في تاريخ وآثار الحركة الإباضية ورجالها بالمشرق .

..........................................

*- يرى بعض الباحثين احتمال وجود مؤلف لابن الصغير في الفقه ، عرض فيه آراء الإباضية في المسائل الفقهية التي ناظرهم فيها ، ويستشف ذلك من كلام ابن الصغير حين قال : " وقد اجتمت ما دار من جميع ذلك بيني وبينهم مما اعتلوا به ، ومما يدخل لهم أو يذكروه " ، وقد فسر بعض الباحثين كلمت " اجتمت " بمعنى " جمعت " ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص118- وداد القاضي ، ابن الصغير مؤرخ الدولة الرستمية ، الأصالة ، عدد 45 ، ص40 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص323 ) .
(1)- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص117- 120 .
**- هو أهاب بن مازون النفوسي البربري ، فقيه مالكي ، عاش في جبل نفوسة بليبيا ، سمع الحديث بمصر ، وكان كثير القراءة ، وقد توفي بالمغرب قبل سنة 320هـ ( أنظر : ابن الأثير ، اللباب في تهذيب الأنساب ، ج2 ، مكتبة المقدسي ، القاهرة ، 1357م ، ص234 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص324 ) .
(2)- ابن الأثير ، اللباب ، 2/234 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص324 .
(3)- ليفيتسكي ، المؤرخون الإباضيون في إفريقيا الشمالية ، ص37 ، 40 ، 133 ، 142 .
(4)- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص71 .
(5)- الوسياني ، سير ( مخ ) ، ورقة 108 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص270 الهامش - الدرجيني ، الطبقات ، 2/478 .

-142-

مهنا بن راشد السعدي
08/07/2004, 06:45 PM
وقد ظهرت عدة مؤلفات للإباضية في التاريخ والسير ، من أقدمها " كتاب فيه بدء الإسلام وشرائع الدين "* لمؤلفه لواب بن سلام التوزري المزاتي ، الذي توفي في سنة 273هـ ، وقد عده المستشرق البولوني تاديوس لفتسكي من أقدم كتب السير في شمال إفريقيا (1) ؛ كذلك من الكتب التاريخية المهمة التي ألفت في تلك الفترة كتاب " أخبار الأئمة الرستميين "** لابن الصغير الذي كان معاصرا للإمام أبي اليقظان بن أفلح ( 261هـ - 281هـ ) (2) .

أما بالنسبة للغة العربية وعلومها ، فإنها كذلك لاقت اهتماما من قبل العلماء في عصر الشيخ عمروس ، حيث أنها الوسيلة لفهم الأحكام الشرعية ، وعلى رأس المهتمين باللغة العربية أئمة الدولة الرستمية ، فالإمام عبد الرحمن هاجر إلى البصرة ودرس على يد الإمام أبي عبيدة ، حتى نبغ في العلم ، فأجاز له الإمام أبو عبيدة أن يفتي بما سمع عنه وبما لم يسمع (3) ، وبالطبع سيكون تلقيه للعلم باللغة العربية ، وخاصة أنه في البصرة ، والبصرة كما هو معلوم مدرسة من مدارس اللغة العربية ؛ والإمام عبد الوهاب اعتكف على قراءة حمل أربعين جملا من الكتب جاءته من المشرق ، فلم يجد فيها جديدا إلا مسألتين ، فقال : " الحمد لله إذ وجدت جميع ما فيها محفوظا عندي ولم أستفد منها إلا مسألتين ، ولو سئلت عنهما لأجبت قياسا كما رسما في الكتب " (4) ، والكتب التي جاءته من المشرق بالطبع ستكون باللغة العربية ؛ والإمام أفلح دارت عليه أربع حلق في العلم قبل بلوغه سن الرشد ، إحداها في اللغة العربية (5) ؛ بل إن بعض أفراد البيت الرستمي كيعقوب بن أفلح كانوا يحفظون القرآن مع الكتب السماوية السابقة وهذا ينم عن تمكن في اللغة العربية وعلومها ليتسنى لهم حفظ هذه الكتب ، فنجد

.............................................

*- حققه كل من الشيخ سالم بن يعقوب والمستشرق الألماني شفارتز ، طبع طبعة غير مرخصة بعنوان محرف وهو : الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/350 رقم الترجمة : 760 ) .
(1)- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص368 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/350 رقم الترجمة : 760 .
**- عنوان كتاب ابن الصغير غير معروف بدقة ، فقد استعملت الكتابات الحديثة عدة عناوين له مثل : " أخبار الأئمة الرستميين" ، و" تاريخ ابن الصغير " ، و" سيرة ابن الصغير " ، إلا أن أول نشر له من قبل موتيلانسكي يحمل هذه العبارة " ذكر بعض الأخبار في الأئمة الرستميين منقول من ابن الصغير " ، وقد اختار محققا كتاب ابن الصغير د/ محمد ناصر والباحث إبراهيم بحاز عنوان " أخبار الأئمة الرستميين " ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص 14- 15 ترجمة ابن الصغير - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص370 ) .
(2)- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص12 ترجمة ابن الصغير .
(3)- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص54- 57 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/19- 22 ـ الشماخي ، السير ، 1/113 ، 124- 126 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/246 رقم الترجمة : 544 .
(4)- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص99- 100 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/56- 57 ـ الشماخي ، السير ، 1/142.
(5)- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص136 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/77 ـ الشماخي ، السير ، 1/166 ـ الوسياني ، سير ( مخ ) ، ورقة 39 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص269 .


-142-

مهنا بن راشد السعدي
10/07/2004, 02:30 AM
وقد ظهرت عدة مؤلفات للإباضية في التاريخ والسير ، من أقدمها " كتاب فيه بدء الإسلام وشرائع الدين "* لمؤلفه لواب بن سلام التوزري المزاتي ، الذي توفي في سنة 273هـ ، وقد عده المستشرق البولوني تاديوس لفتسكي من أقدم كتب السير في شمال إفريقيا (1) ؛ كذلك من الكتب التاريخية المهمة التي ألفت في تلك الفترة كتاب " أخبار الأئمة الرستميين "** لابن الصغير الذي كان معاصرا للإمام أبي اليقظان بن أفلح ( 261هـ - 281هـ ) (2) .

أما بالنسبة للغة العربية وعلومها ، فإنها كذلك لاقت اهتماما من قبل العلماء في عصر الشيخ عمروس ، حيث أنها الوسيلة لفهم الأحكام الشرعية ، وعلى رأس المهتمين باللغة العربية أئمة الدولة الرستمية ، فالإمام عبد الرحمن هاجر إلى البصرة ودرس على يد الإمام أبي عبيدة ، حتى نبغ في العلم ، فأجاز له الإمام أبو عبيدة أن يفتي بما سمع عنه وبما لم يسمع (3) ، وبالطبع سيكون تلقيه للعلم باللغة العربية ، وخاصة أنه في البصرة ، والبصرة كما هو معلوم مدرسة من مدارس اللغة العربية ؛ والإمام عبد الوهاب اعتكف على قراءة حمل أربعين جملا من الكتب جاءته من المشرق ، فلم يجد فيها جديدا إلا مسألتين ، فقال : " الحمد لله إذ وجدت جميع ما فيها محفوظا عندي ولم أستفد منها إلا مسألتين ، ولو سئلت عنهما لأجبت قياسا كما رسما في الكتب " (4) ، والكتب التي جاءته من المشرق بالطبع ستكون باللغة العربية ؛ والإمام أفلح دارت عليه أربع حلق في العلم قبل بلوغه سن الرشد ، إحداها في اللغة العربية (5) ؛ بل إن بعض أفراد البيت الرستمي كيعقوب بن أفلح كانوا يحفظون القرآن مع الكتب السماوية السابقة وهذا ينم عن تمكن في اللغة العربية وعلومها ليتسنى لهم حفظ هذه الكتب ، فنجد

...........................................

*- حققه كل من الشيخ سالم بن يعقوب والمستشرق الألماني شفارتز ، طبع طبعة غير مرخصة بعنوان محرف وهو : الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/350 رقم الترجمة : 760 ) .
(1)- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص368 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/350 رقم الترجمة : 760 .
**- عنوان كتاب ابن الصغير غير معروف بدقة ، فقد استعملت الكتابات الحديثة عدة عناوين له مثل : " أخبار الأئمة الرستميين" ، و" تاريخ ابن الصغير " ، و" سيرة ابن الصغير " ، إلا أن أول نشر له من قبل موتيلانسكي يحمل هذه العبارة " ذكر بعض الأخبار في الأئمة الرستميين منقول من ابن الصغير " ، وقد اختار محققا كتاب ابن الصغير د/ محمد ناصر والباحث إبراهيم بحاز عنوان " أخبار الأئمة الرستميين " ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص 14- 15 ترجمة ابن الصغير - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص370 ) .
(2)- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص12 ترجمة ابن الصغير .
(3)- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص54- 57 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/19- 22 ـ الشماخي ، السير ، 1/113 ، 124- 126 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/246 رقم الترجمة : 544 .
(4)- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص99- 100 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/56- 57 ـ الشماخي ، السير ، 1/142.
(5)- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص136 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/77 ـ الشماخي ، السير ، 1/166 ـ الوسياني ، سير ( مخ ) ، ورقة 39 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص269 .

-143-

مهنا بن راشد السعدي
11/07/2004, 02:38 AM
يعقوب بن أفلح يقول : " أستعيذ بالله أن ينزل على موسى وعيسى عليهما السلام ما لم أحفظ وأعرف معناه ، فكيف بالكتاب المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم " (1) .

والحقيقة أن المصادر لا تسعف كثيرا في هذا الجانب ، فلا تذكر الكثير عن اهتمام العلماء باللغة العربية وعلومها في تلك الفترة إلا بعض الشذرات التي يمكن اقتطافها من بين السطور التي توحي بوجود اهتمام من قبل العلماء باللغة العربية وعلومها ؛ فمن العلماء الذين ذكرت المصادر عنهم الاهتمام باللغة العربية وتمكنهم منها ، أبو عبيدة الأعرج ، قال عنه ابن الصغير مبديا إعجابه ببراعته في اللغة : " كان أبو عبيدة هذا عالما بالفقه والكلام والوثائق والنحو واللغة ... وقد أتيته يوما أسمع منه كتاب إصلاح الغلط ... فلما افتتحت قراءته وقلت : " لعل ناظرا في كتابنا هذا ينفر من عنوانه ويستنفر من ترجمته ، ويربا بأبي عبيدة عن الزلة " فلم أهمز ولم أمده ، فقال لي : يربأ بأبي عبيدة بهمزة الألف وضمه ، وإنما ذكرت هذا الحرف لأدل على براعته في اللغة " إهـ (2) .

كذلك من العلوم التي راجت في عصر الشيخ عمروس علم الكلام والمناظرات ، وذلك بسبب التنافس المذهبي الشديد في ذلك الوقت ، وقد مر علينا في هذا المبحث عدة أمثلة على مناظرات حدثت بين الإباضية وغيرهم ، كمناظرة الشيخ عمروس مع نفاث ، أو مناظرة الإمام عبد الوهاب ووفد نفوسة مع المعتزلة ، أو مناظرات ابن الصغير مع علماء الإباضية ، حتى أن ابن الصغير وصف جو المناظرات في تيهرت بقوله : " ... إلا أن الفقهاء تناجت المسائل فيما بينهم وتناظرت ، واشتهت كل فرقة أن تعلم ما خلفتها فيه عاقبتها ، ومن أتى إلى حلق الإباضية من غيرهم قربوه وناظروه ألطف مناظرة ، وكذلك من أتى من الإباضية إلى حلق غيرهم كان سبيله كذلك ... " إهـ (3) ؛ وقد كان أئمة الدولة الرستمية على رأس العلماء المتمكنين من هذا الفن ، وبعضهم ترك مؤلفات في هذا الجانب كالإمام أبي اليقظان فقد ترك كتبا في الرد على المخالفين ، و" رسالة في خلق القرآن " * ؛ ومن المؤلفات التي ظهرت في هذا الفن في تلك الفترة كذلك " كتاب في الرد على النكاث وأحمد بن الحسين " للشيخ عمروس ، وكتاب الدينونة

..........................................

(1)- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص190 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/105 ـ الشماخي ، السير ، 2/47 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/294 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،2/473 رقم الترجمة : 1032 .
(2)- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص96 .
(3)- المصدر السابق ، ص117 .
*- أنظر ص104 .

-144-

مهنا بن راشد السعدي
11/07/2004, 10:32 PM
الصافية له كذلك (1) ؛ وظهر كتابان آخران في علم الكلام يعرفان بـ " أصول الكلام "* لعبد الخالق الفزاني الذي كان معاصرا للشيخ عمروس (2) .
كذلك مع ما سبق ذكره من العلوم الشرعية ، فإن هناك بعض العلوم الدنيوية لاقت اهتماما في عصر الشيخ عمروس ، كعلم الطب والكيمياء الذي يتعلق بتركيب الأدوية ، وكان اليهود من أكثر المهتمين بهذه العلوم ، حيث أنهم كان لهم وجود في الدولة الرستمية في ذلك الوقت (3) ؛ وعلم الفلك والتنجيم والحساب كان أيضا من العلوم الرائجة في ذلك العصر ، وقد كان أئمة الدولة الرستمية على رأس علماء هذه العلوم كما مر علينا عند الحديث عن اهتمام أئمة الدولة الرستمية بالعلم في هذا المبحث ، وبلغ من اهتمام الأسرة الرستمية بهذا العلم أن قال أحد أفرادها : " معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعلم منزلة يبيت فيها القمر " (4) ؛ والظاهر أن أئمة الدولة الرستمية وعلمائها تركوا مؤلفات قيمة في هذا العلم ، والدليل على ذلك ما قام به أبو عبد الله الشيعي من انتقاء كتب الفلك والحساب والصناعة من مكتبة المعصومة وإحراق الباقي (5) .
هذه بعض العلوم التي كانت متداولة في عصر الشيخ عمروس ، فظهر عدد من العلماء الذين تمكنوا منها ، وتركوا الكثير من المؤلفات ، منها ما وصل إلينا ، ومنها ما ضاع مع الأيام والحوادث ، ولله الأمر من قبل ومن بعد .

..........................................

(1)- البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص95 - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص21 ،57- 84 - النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص221 - دليل المؤلفين العرب الليبيين ، ص30 نقلا عن : عمروس ، الدينونة الصافية 21 المقدمة .
*- يذكر د/ عمرو خليفة النامي أن هذين الكتابين لا يزالان مفقودين ( أنظر : النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص221 ) .
(2)- البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص95 - الشماخي ، السير ، 1/196- النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص221 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/245 رقم الترجمة : 539 .
(3)- ابن أبي أصيبعة ، عيون الأنباء في طبقات الأطباء ، 3/56- 134 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ن ص373 - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 2/372 -
(4)- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص99- الدرجيني ، الطبقات ، 1/56 ـ الشماخي ، السير ، 1/142 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص377 .
(5)- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص170- الدرجيني ، الطبقات ، 1/94- الباروني ، الأزهار ، 2/293- دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/397 - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص375 .

-145-

مهنا بن راشد السعدي
12/07/2004, 03:38 PM
6- المطلب الخامس : وضع المرأة العلمي والفكري في عصر الشيخ عمروس :


إن المرأة هي شقيقة الرجل ، ونصف المجتمع ، وقد كان للمرأة في عصر الشيخ عمروس دور كبير في النهضة العلمية التي شهدها ذلك العصر ، بل كانت تنافس الرجل في طلب العلم ومجالسة العلماء ، فظهر عدد كبير من العالمات والصالحات في ذلك العصر ، منهن من بلغت درجة الاجتهاد والإفتاء ، فحفظت لنا المصادر أمثلة لفتاوى وأحكام لعالمات ظهرن في تلك الفترة ؛ وقد وصف الباحث إبراهيم بحاز نساء ذلك العصر - وبالتحديد المجتمع الرستمي - فقال : " كان للمرأة في المجتمع الرستمي ، دور بارز في الحياة الفكرية ، إذ وجدناها عالمة ، وشاعرة ، ومستفسرة عن مسائل دينها لا تريد أن تجهلها ، وكانت المرأة الإباضية بالخصوص ، باعتبار أن تلك الفترة كانت فترة سلطان المذهب الإباضي ، كثيرة الاعتناء بالشعائر الدينية وشرائعه ، ويبدوا لنا أن المرأة كانت الوعاء الحقيقي للإباضية ، حملت هذا المذهب بأمانة ، تدافع عنه ، وتنشئ الأجيال عليه " (1) .

وكانت نساء البيت الرستمي على رأس قائمة العالمات اللائي نبغن في العلم ، فيقول أحد أفراد البيت الرستمي : " معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعلم منزلة يبيت فيها القمر " كما مر (2) ؛ ومن الأمثلة على اهتمام وشغف النساء الرستميات بالعلم في ذلك العصر ما ذكره الشماخي من أن الإمام عبد الوهاب وأختا * له باتا يتعلمان مسائل الفرائض ، فلم يطلع عليهما الفجر إلا وهما يورثان (3) .

وقد كانت نساء البيت الرستمي ينافسن رجال البيت الرستمي حتى كدن يتفوقن عليهم في العلم ، فمما يروى في تفوقهن في علم الفلك أن الإمام أفلح قعد ذات ليلة هو وأخته** ، فقال لها هلمي نحسب ماذا يذبح في السوق غدا أولا إن شاء الله ، فحسب فقال لها أفلح : إن أول ما يذبح بقرة صفراء في بطنها عجل ذو غرة في جبهته ، فقالت له : صدقت هي البقرة الصفراء وفي بطنها عجل ، غير أن الذي

..........................................

(1)- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص377 .
(2)- أنظر ص90 .
*- لم يذكر الشماخي اسمها ، وقد مر ذكر الخلاف الواقع بين أبي زكرياء صاحب سير الأئمة والشماخي صاحب كتاب السير ، أنظر : ص99 .
(3)- الشماخي ، السير ، 1/142.
**- لم تذكر المصادر اسمها .

-146-

مهنا بن راشد السعدي
13/07/2004, 07:14 PM
رأيته هو طرف ذنبه أبيض تعممه على جبهته ، فخلته أبيض الجبهة ذا غرة ، وإنما ذلك طرف ذنبه ، فكان الأمر كما قالا (1) .

وقد بلغ نساء البيت الرستمي من الحنكة والدهاء أن أصبحن يعن الأئمة في بعض الأمور المتعلقة بالحشم والقصر ، فمن ذلك ما ذكره ابن الصغير عن " غزالة " زوجة الإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح وبعض المهام التي كانت تؤديها ، فقال : " ... وكان أبو حاتم هذا فتى شابا ، فكان يجمع الفتيان
إلى نفسـه فيطعـم ويكسي ، وكانت لـه أم تسمى غـزالـة ، وكانت مالكـة لأمـور أبي اليقظان وحشمه ... " إهـ (2) .

وأما نساء نفوسة فلم يكن أقل من نساء تيهرت ، بل كن يماثلنهن في حب العلم وطلبه حذو النعل بالنعل ، ويظهر مدى اهتمام النساء النفوسيات بالعلم من انتشاره حتى بين الإماء والخدم ، فقد ذكر الوسياني أن " العلم فشا في الجبل حتى خدمهم وإمائهم إذا خرجن إلى الاستقاء لا يرجعن حتى يذكرن بينهن مسائل كتاب ماطوس* ، وفيه ثلاثمائة مسألة ، ومواعظ كتاب الإخوان** " (3) .

ولقد كان حب العلم والشغف به عند النساء في ذلك الوقت سبب لعتق أمة سودانية تدعى " غزالة "*** ، حيث أنها كانت تخدم مولاها بالنهار ، فإذا نام ونام عياله ، انصرفت فتحضر مجلس الذكر عند أبي محمد عبد الله بن الخير ، فإذا انقضى المجلس رجعت ، فتأتي مصلى لها في كهف فتصلي ، فإذا كان آخر الليل أتت أهلها فأيقظتهم للصلاة ، ففطن لها سيدها فأعتقها ، واستمرت على ما كانت عليه (4) .

..............................

(1)- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص136 ـ الشماخي ، السير ، 1/167 - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/379.
(2)- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص103 .
*- هو أبو معروف ماطوس - وورد موطس - بن هارون ، عالم عامل مجتهد ، من مدينة شروس بجبل نفوسة بليبيا ، يعد ضمن شيوخ وقراء جبل نفوسة ، عاصر الوالي على الجبل أبا منصور إلياس ، والشيخ عمروس بن فتح وكان من جلسائهم في العلم ، له كتاب يسمى " كتاب ماطوس " ، شارك في معركة مانو سنة 283هـ ، واستشهد فيها ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/322- الشماخي ، السير ، 1/226 ، 227- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/351- 352 رقم الترجمة : 763 ) .
**- ذكر الباحث إبراهيم بحاز أنه لا يعرف عن كتاب الإخوان شيئا ( بحاز ، الدولة الرستمية ، ص378 الهامش ) .
(3)- الوسياني ، سير ( مخ ) ورقة 18 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص378 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/351- 352 رقم الترجمة : 763 .
***- هي أمة سودانية اسمها غزالة ، جلبت من السودان ، أسلمت بسبب سماعها لقراءة القرآن ، واشتراها رجل من أهل ويغو بجبل نفوسة ، يروى من كراماتها أنها عندما كانت تصلي في الكهف كانت ترى مصباحين يقدان لها ، فلما أعتقت كانت لا تجد إلا مصباحا واحدا ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/187) .
(4)- البغطوري ، سير أهل نفوسة ، ص72 - الشماخي ، السير ، 1/187 .

-147-

مهنا بن راشد السعدي
15/07/2004, 12:52 AM
وقد كانت النساء النفوسيات يحضرن مجالس العلم في بيوت العلماء ، فقد ذكر الشماخي أن أبا ذر أبان بن وسيم كان له مجلس علم في بيته تقصده النساء للتعليم والإفادة (1) ، وكانت لـه زوجـة وابنـة صالحتان فقيهتان (2) ، ومن تلميذاته اللاتي تخرجن من بيته العالمة زورغ الأرجانية* ، التي قيل عنها : " معها ثلث علم أهل الجبل " ، والعالمة النفوسية تكسليت أم يحيى** (3) ؛ وكانت أم الشيخ أبي ميمون الجيطالي تحضر مجالس العلم ، فكان ولدها أبو ميمون في مجلس العلم يسكن ويترك البكاء ، فتفرست فيه أن يصبح عالما من العلماء ، وصدقت فراستها ، فأصبح من كبار العلماء ، وهذا دليل على ذكائها وفطنتها (4) .

ووصل من حب النساء للعلم في ذلك الوقت أن فتحن منازلهن للعلماء يقيمون فيها دروس العلم ، ومن ذلك ما ذكره الشماخي عن إحدى النساء النفوسيات الصالحات الفقيهات إسمها " بهلولة "*** ، كانت تفتح بيتها للشيخ أبان بن وسيم ، ليلقي فيه دروسه للنساء ، ثم تزوجها بعد ذلك (5) ؛ ومن ذلك أيضا ما ذكره الشماخي عن امرأة تدعى " أم الخطاب "**** كانت كذلك تفتح بيتها للعلماء ليقيموا في

.........................................

(1)- الشماخي ، السير ، 1/186 .
(2)- الدرجيني ، الطبقات ، 2/304 - الشماخي ، السير ، 1/186 .
*- هي زروغ الأرجانية ، من أهل " آرجان " بجبل نفوسة ، تصنف ضمن الطبقة الخامسة ( 200- 250هـ ) ، عالمة عابدة صالحة ، بلغت مبلغا عظيما في العلم والصلاح ، أخذت العلم عن أبان بن وسيم الويغوي ، قيل عنها " معها ثلث علم الجبل " ، وكانت نساء أهل " إيجطال " و " أبديلان " يزرنها ، لمكانتها وورعها وعلمها ، وفي جبل نفوسة يوجد مصلى نسب إليها ، كان قائما في القرن العاشر الهجري ( أنظر : البغطوري ، سيرة أهل نفوسة ( مخ ) ، ص98- 99- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/163 رقم الترجمة : 354 ) .
**- هي تكسليت أم يحيى ، امرأة صالحة عالمة من أهل " جليمة " بجبل نفوسة ، تتلمذت على يد أبي غليون ، وجنذول ، وأبان بن وسيم الويغوي ، كان يجتمع عندها العزابة من أهل " أمسين " ، طلبة ومشايخ ، في كل ليلة جمعة يتذاكرون ، ويحيون ليلتهم في العبادة ، وصفها البغطوري بأنها أفضل نساء زمانها ، من تلميذاتها : شكرت الزعوارية ، وقد اشتهرت تكسليت بقوة الحفظ ، سمعت ثمانين بيتا من الشعر فحفظتها مرة واحدة ، وحفظت كتاب الخليل الصالح ، بعد أن سمعته من قراءة واحدة ، فقالت : " من أراد أن ينسخ فليكتب " فأملته من حافظتها ، حين رفض من اشترى الكتاب أن يسمح بنسخه ، وقد كانت لا تزال على قيد الحياة إلى سنة 283هـ ، والظاهر أنها هي نفسها أم يحيى زوجة الشيخ أبي ميمون الجيطالي ، أنظر ترجمتها ص150( أنظر : البغطوري ، سيرة أهل نفوسة ( مخ ) ، ص27- 30 ، 55 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/105 رقم الترجمة : 223 ) .
(3)- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/7 رقم الترجمة : 3 .
(4)- الدرجيني ، الطبقات ، 2/295 .
***- بهلولة : إمرأة صالحة وفقيهة من جبل نفوسة ، عاشت في القرن الثالث الهجري ، أخذت العلم في حلقة أبي ذر أبان بن وسيم الويغوي ، التي كان يقيمها في بيتها ، بعد أن جعلت من بيتها مدرسة للنساء ، ثم تزوجها بعد ذلك ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/186- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/100 رقم الترجمة : 212 ) .
(5)- الشماخي ، السير ، 1/186 .
****- هي أم الخطاب ، لم تذكر المصادر اسمها ، عالمة صالحة من بلدة " أغرْميمَان " من ناحية " تِغرمِين " بجبل نفوسة ، عاشت في القرن الثالث الهجري ، كانت نصرانية ، فتزوجها أبو يحيى الأرذالي ، فاعتنقت الإسلام ، وحفظت القرآن الكريم =

-148-

مهنا بن راشد السعدي
16/07/2004, 02:54 AM
مجالس العلم (1) ؛ قال الباحث إبراهيم بحاز معلقا على هذه الظاهرة : " إن مجرد فتح البيت للشيخ يلقي فيه دروسه ، يعبر عن المستوى الرفيع الذي بلغه الاهتمام بالعلم في الدولة الرستمية ، ليس من طرف الحاكم أو الرجل حسب ، وإنما إلى جانبهما المرأة التي اهتمت دوما بمعرفة فقه مذهبها ، ومعرفة دينها بصفة عامة " إهـ (2) .

وكن من حبهن للعلم تتمنى الواحدة منهن أن تجد قوما جهالا فتعلمهم أمور دينهم ، ليرحمها الله تعالى بذلك ، فمن ذلك ما يروى أن ثلاث نسوة صالحات مجتهدات اجتمعن يوما بجبل نفوسة ، وتحدثن فأمضى بهن التحدث إلى الأماني ، حتى قالت إحداهن : أتمنى لو أن الله ساقني إلى قوم جهال فأعلمهم ما يحتاجون إليه من أمور دينهم ، فيرحمني الله بما أعلمهم من فضل العلم والتعليم (3) ، وهذا يدل على تمكنهن من العلم ، بحيث تصبح الواحدة منهن قادرة على التعليم والتصدي لهذه المهمة الجسيمة .

وقد كن من اهتمامهن بالعلم وطلبه ، يسألن حتى عن الأمور الدقيقة والخاصة ، فمن ذلك ما يروى عن ابنة الشيخ أبي مسور يصنيتن النفوسي ، أنها سألته عن مسألة من مسائل الحيض ، ووصفت له إمارات من ذلك ، ثم قالت له : أتراني أن أصلي بهذا أم لا ؟ فقال لها : ألا تستحي مني يا ابنتي ؟ فقالت : أخشى إن استحيت في أمور ديني أن يمقتني الله تعالى يوم القيامة ، فقال لها أبوها : لا يمقتك الله يوم القيامة يا ابنتي ، وذلك لمَّا رأى خوفها من الله تعالى ، وحرصها على دينها (4) ؛ وقد ذكر الدرجيني أن هذه الفتاة التقية وصفت بأنها : " عظيمة القدر في أهل زمانها ، وممن يروى عنها الفوائد الكثيرة " (5) ، ثم ذكر بعض المواقف التي تدل على علم وصلاح هذه الفتاة النفوسية ، فمن ذلك أنها جلست مع أبيها ذات يوم ، فقال أبوها : " المسلمون أفضل من أقوالهم " ، فقالت : " أقوالهم أفضل ، لأن المسلمين يموتون وتبقى أقوالهم ، ينتفع بها بعدهم ، إلا إن كنت تريد فضل الأجسام على الأعراض ، وإلا أفعالهم والدين أفضل المخلوقات " (6) ؛ وموقف آخر لهذه الفتاة يدل على علمها وتقواها ، ما روي من أنها جلست يوما مع أبيها يتحدثان ، وقد غسلا ثيابهما ونشراهما للشمس ، فنظر الشيخ إلى صفاء الثياب ،

................................

= ، وجدت في علوم الشريعة ، حتى أصبحت مرجعا للنساء في الاستشارة والفتوى ( أنظر : الشماخي ، السير ،1/218- 219 ، 155 ، 171- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/134 رقم الترجمة : 291 ) .
(1)- الشماخي ، السير ، 1/155 ، 171 .
(2)- بحاز ، الدولة الرستمية ، 378- 379 .
(3)- الدرجيني ، الطبقات ، 2/309- 310 - الشماخي ، السير ، 1/179 .
(4)- الدرجيني ، الطبقات ، 2/316 .
(5)- المصدر السابق ، 2/316 .
(6)- الدرجيني ، الطبقات ، 2/316 - الشماخي ، السير ، 1/197.

-149-

مهنا بن راشد السعدي
17/07/2004, 03:30 PM
فقال : " تمنيت أن الله عزوجل طهر قلبي كطهارة هذه الثياب " ، فقالت : " تمنيت أن يكون بيدي تطهير قلبي ، فأطهره كهذه الثياب ، وأرسله إلى مولاه " ، فقال لها : " إنـك لأبلـغ مني حتى في الأماني " (1) ؛ وأيضا يروى عنها أن أباها قال لها : " أزوجك لمن له عليك سبعون حقا " ، فقالت : " أردها إلى ثلاث ، إن دعا أجبت ، وإن أمر امتثلت ، وإن نهى تركت " (2) .

وقد بلغ من علم النساء في ذلك العصر أن أصبحن موضع ثقة للشورى في الأمور العظام ، فمن ذلك ما يروى أن أبا عبيدة عبد الحميد الجناوني لما وصله كتاب الإمام عبد الوهاب بتعيينه واليا على جبل نفوسة ، قال : " أمهلوني حتى أستشير " ، فأتى عجوزا* معروفة بالعلم والورع والدين ، فقال لها : " إن أمير المؤمنين بعث إلي بالولاية ، فأشيري علي " ، فقالت : " إن علمت في نفوسة أفضل منك فتقدمت فستكون خشبة في جهنم ، وإن علمت ليس فيهم أفضل منك فتأخرت فستكون خشبة في جهنم " ، فقال : " أما في أمور الرجال فلا أعلم فيهم مثلي " ، فقالت : " فادخل إذا فيما قلدك الإمام ، وإلا فإني أخشى أن تهشم عظامك في نار جهنم ، فقد قامت عليك الحجة " ، فرجع إلى المشائخ فقبل الولاية (3) .

ومن النساء النفوسيات اللاتي اشتهرن بالعلم والصلاح " أم يحيى "** ، فكانت تتذاكر العلم مع زوجها ، قال عنها الشماخي : " كانت حزيمة لأمور الأخرى وأمور الدنيا " إهـ (4) ؛ وكانت شديدة الغيرة على دين الله ، فيروى أنه تقدم رجل يصلي بالناس ، وهو لا يستحق التقديم ، فقالت له : " اخرج من المحراب يا رجل سوء ، لئلا يأتيك من السماء أكثر مما يأتيك من الأرض " ، فكان ذلك الرجل يقول لها فيما بعد : " ... لولاك لهلكنا ، رزقك الله الجنة " (5) ؛ ويروى من قوة حفظها أنها سمعت رجلا في

.............................

(1)- الدرجيني ، الطبقات ، 2/316 - الشماخي ، السير ، 1/197.
(2)- الشماخي ، السير ، 1/197 .
*- لم تذكر المصادر اسمها .
(3)- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص124- 125 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/71 - الشماخي ، السير ، 1/158 .
**- هي أم يحيى زوجة الشيخ أبي ميمون الجيطالي ، إمرأة صالحة عالمة ، من " تيمصليت " بجبل نفوسة ، كانت على قيد الحياة حتى سنة 283هـ ، لم تذكر المصادر التي وقعت بين يدي اسمها ، وإنما اكتفت بذكر كنيتها ، أخذت العلم عن الشيخ أبي غليون ، والشيخ أبان بن وسيم الويغوي ، أنشأت مدرسة خاصة للنساء ، لها مصلى في جلميت بجبل نفوسة يعرف بمصلى أم يحيى ، والظاهر أن أم يحيى هذه هي نفسها تكسليت أم يحيى ، وقد اعتبرهما أصحاب المعجم شخصيتين مستقلتين ، فترجم لكل واحدة على حدة ، بالرغم من إحالتهم إلى نفس المراجع والمصادر ونفس الصفحات ، وعند المقارنة بين الشخصيتين نجد تشابها في حيـاة كل منهما ، مما يظهـر أنهمـا نفـس المـرأة والله أعلـم ، وقـد ترجمت لأم يحيـى تكسليت سابقـا في هذا المبحث ص148
( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/465- 466 رقم الترجمة : 1018) .
(4)- الشماخي ، السير ، 1/199 .
(5)- المصدر السابق ، 1/199 .

-150-

مهنا بن راشد السعدي
18/07/2004, 03:29 PM
طريق الحج ينشد قصيدة في ثمانين بيتـا ، فحفظتها كلهـا (1) ؛ وكانت تقيم حلقة علم في ليلة كل جمعة ، يجتمع عندها المشائخ والصالحون ، يتذاكرون العلم ويحيون ليلتهم في العبادة (2) ؛ ويروى أنها فقدت شخصا ممن كان يحضر مجلس الذكر اسمه زكرياء بن منيب* ، فلما وجدته بعد ذلك قالت له : " أكفر بعد إيمان يا زكرياء " ، فاعتذر أنه اشتغل بغسل ثيابه (3) ؛ وكانت تقيم حلق العلم للنساء ، وتتولى تدريسهن بنفسها ، وتعد أول امرأة نفوسية فكرت في تخصيص مدرسة للبنات ، مجهزة بالأقسام الداخلية في قرية أمسين بجبل نفوسة (4) ؛ ومما يروى كذلك من قوة حفظها أن كتابا وقع بجبل نفوسة لأول مرة عند أحد الأشخاص ، فرفض إخراجه لنسخه ، وعرضه مرة واحدة على أم يحيى ، فتمكنت من حفظه ، فقالت : " من أراد أن ينسخ فليأت " (5) .

ومن العالمات النفوسيات المشهورات أخت الشيخ عمروس** ، ويظهر تمكنها في العلم من عدة مواقف ، من ذلك ما يروى أنها أعانت أخاها الشيخ عمروس في نسخ مدونة أبي غانم الخرساني ، فكان الشيخ عمروس يكتب وهي تملي (6) ؛ ومن ذلك اشتراكها مع النسوة في موقعة " مانو " ، فلما خشيت على نفسها وعليهن التعرض للفتنة من الظلمة ، أمرت كل واحدة منهن أن تستخلف الأخرى في تزويجها بمن يريدها بسوء (7) ، واشتراكها في موقعة مانو يدل على أنها كانت محبة للجهاد في سبيل الله ، والذود عن حياض الشريعة متأسية بالصحابيات الجليلات .

.......................................

(1)- الشماخي ، السير ، 1/199 .
(2)- المصدر السابق ، 1/199 .
*- هو أبو يوسف زكرياء بن منيب ، شيخ فقيه صالح من جبل نفوسة ، عاش في القرن الثالث الهجري ، كان له أخ يكنى بأبي يعقوب ، وكانا يترافقان إلى تيهرت العاصمة الرستمية ، لعلمها لطلب العلم على يد أئمتها وعلمائها ، والظاهر أنه كان من عزابة " أمسين " ، حيث أن عزابة " أمسين " كانوا يحضرون مجلس ذكر وعلم عند أم يحيى ، فافتقدت أم يحيى في ليلة من الليالي أبا يوسف ، وعندما وجدته بعد ذلك قالت له : " أكفر بعد إيمان يا زكرياء " ؟ فاعتذر بغسل ثيابه من النجاسة ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/175 ، 199 ).
(3)- المصدر السابق ، 1/199 .
(4)- الشماخي ، السير ، 1/199- 200 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/465 رقم الترجمة : 1018.
(5)- الشماخي ، السير ، 1/199- 200 .
**- لم تذكر المصادر اسمها .
(6)- الدرجيني ، الطبقات ، 2/323 ـ الشماخي ، السير ، 1/194- عمروس ، الدينونة الصافية ، ص11.
(7)- الشماخي ، السير ، 1/195 - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص12 المقدمة .

-151-

مهنا بن راشد السعدي
19/07/2004, 10:21 AM
ويروى أن الشيخ سدرات بن إبراهيم المساكني* سئل عن امرأة ولدت ولدا فبقي آخر في بطنها هل تأكل في رمضان نهارا ؟ قال : نعم ، فقال بعض الأشياخ : نعس الشيخ ، فقالت أخت عمروس : " إن نعس لم ينعس علمه وكلامه ، وجدناها تأكل إذا انشقت المبولة ** ، فكيف بهذا ... " (1) .

إذا فهكذا كانت المرأة في عصر الشيخ عمروس ، محبة للعلم ولمجالسة العلماء ، مهتمة بأمر دينها ، آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر ، ناشرة للعلم بين بنات جنسها ، مجاهدة في سبيل ربها .

..................................

*- هو أبو حمزة سدرات بن إبراهيم المساكني النفوسي ، من " مساكن " بجبل نفوسة بليبيا ، عاش في القرن الثالث ، كان معاصرا للشيخ عمروس بن فتح ، وكان عالما ومفتيا ، وصفه الشماخي بقوله : " كان شيخا عالما متقيا " إهـ ، وكان له مجلس يتصدر الإفتاء فيه ، وكانت أخت الشيخ عمروس ممن يحضر ذلك المجلس ( أنظر : البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص93- الشماخي ، السير ، 1/196- عمروس ، الدينونة الصافية ، ص12 المقدمة ) .
**- المَبْوَلَة ُ بفتح الميم : ما يدر البول ، ويقال : " كثرة الشراب مَبْوَلَة ٌ" ، والمِبْوَلَة ُ بكسر الميم : ما يبال فيه ، ويجمع على مَبَاوِلُ ، والمراد بالمبولة في كلام أخت الشيخ عمروس : الماء الذي يسبق خروج الولد ( أنظر : إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 1/77 ـ المعجم الوجيز ، ص68ـ الشيخ محمد اطفيش ، شرح كتاب النيل وشفاء العليل ، ج1 ، مكتبة الارشاد ، جدة ، المملكة العربية السعودية ، ط3 : 1405هـ / 1985م ، ص313 ـ الشيخ عمروس ، الدينونة الصافية ، مقدمة المحقق ص12 الهامش ) .
(1)- البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص93- الشماخي ، السير ، 1/196 - عمروس ، الدينونـة الصافية ، ص12 المقدمة .

-152-

مهنا بن راشد السعدي
20/07/2004, 03:36 PM
7- المطلب السادس : العلاقات الثقافية بين الدولة الرستمية وبلاد المغرب والمشرق وبلاد السودان في عصر الشيخ عمروس :

ارتبطت الدولة الرستمية مع الدول المختلفة بعلاقات ثقافية وطيدة ، ساهمت في رفع ودفع الحركة الثقافية في ذلك العصر ، وتتمثل تلك العلاقة الثقافية في هجرة العلماء وطلاب العلم من الدولة الرستمية إلى تلك الدول لطلب العلم وللتعليم ، والعكس بالعكس ، كذلك كانت مؤلفات الدولة الرستمية تخرج إلى تلك الدول فيستفيد منها علماء وطلاب تلك الدول ، ومؤلفات تلك الدول تأتي إلى الدولة الرستمية فيستفيد منها علماؤها وطلابها ؛ وكانت الدولة الرستمية ترتبط أكثر ما ترتبط بعلاقات ثقافية مع بلاد المغرب والأندلس ، ومع المشرق ، ومع بلاد السودان .

فكيف كانت هذه العلاقة ؟ وما مدى قوتها ؟ وما أهم مظاهرها ؟ وكيف استفادت الدولة الرستمية من هذه العلاقة الثقافية في عصر الشيخ عمروس ؟ هذه ما سأحاول أن أميط اللثام عنه من خلال هذا المبحث .

أولا : العلاقة الثقافية مع بلاد المغرب والأندلس :

كان للدولة الرستمية علاقات تجارية كبيرة مع بلدان المغرب المجاورة لها ، ومع الأندلس ، والمشرق ، وبلاد السودان ، وقد ساهمت هذه الحركة التجارية في التلاقح العلمي والفكري بين هذه البلدان ، وذلك أن الكثير من العلماء يمارسون التجارة ، فكانوا يتنقلون ببضائعهم بين مختلف العواصم ، وفي نفس الوقت ينقلون علمهم إلى تلك الأماكن التي يصلون إليها ، ويستفيـدون كذلك من علمـاء تلك البلدان (1) ؛ وكانت تيهرت تمثل قلب بلاد المغرب النابض ، حيث أنها تقع في وسط بلاد المغرب ، فساهم موقعها الحساس هذا في الربط بين عواصم بلاد المغرب المختلفة ، فكانت معبرا للقوافل التجارية ، مما نجم عنه دعم الحركة الثقافية فيها ، حيث أن العلماء ينتقلون مع هذه القوافل ، فكانوا يلتقون بعلماء تيهرت ، فيستفيد كل طرف من الآخر (2) .

................................

(1)- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص382 .
(2)- المصدر السابق ، ص382 .

-153-

مهنا بن راشد السعدي
21/07/2004, 12:32 AM
وكان لمنهج التسامح والحرية الفكرية الذي اتبعه أئمة الدولة الرستمية مع الرعية دور كبير في دعم العلاقات الثقافية مع الآخرين ، فهاجر إلى تيهرت الكثير من العلماء من مختلف المذاهب الإسلامية ، واستوطنوها ، وعاشوا في كنفها لما وجدوا من حرية فكرية ومذهبية ، وقد مر علينا سابقا ما ذكره ابن الصغير حول الحرية الفكرية والمذهبية التي كانت موجودة في تيهرت والدولة الرستمية بصفة عامـة عنـدما قـال : " ... وأتتهم الوفود والرفاق من كل الأمصار وأقاصي الأقطار ... إلخ " إهـ (1) ، فساهم هذا في التبادل العلمي والفكري بين علماء تيهرت والعلماء الذين وفدوا إليها من الخارج واتخذوها بلدا لهم ؛ وقد كانت تحدث مناظرات ومطارحات علمية بين مختلف علماء المذاهب الإسلامية الذين سكنوا تيهرت (2) ، وقد مر علينا بعض الأمثلة حول بعض المناظرات التي وقعت بين العلماء في تيهرت * .

وكان للإباضية وجود في بعض العواصم المغربية ، فكانت أعداد كبيرة منهم تسكن العاصمة الأغلبية خاصة من أهل نفوسة ، وذلك لاقتراب جبل نفوسة من القيروان ، فيروي لواب بن سلام وجود أكثر من خمسمائة رجل نفوسي من بينهم العلماء والفقهاء ، كأبي عمرو حفصون النفوسي** ، ومنهم أبو عبد الله فضل*** ، وكانت لهم مساجدهم ومنازلهم التي يقيمون فيها دروسهم ، ويفتون الناس فيها (3) ، وذكر الشماخي عددا من علماء الإباضية الذين سكنوا القيروان (4) .

....................................

(1)- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص36 .
(2)- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص382- 383 .
*- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص117 .
**- هو أبو عمرو حفصون ، عاش في القرن الثالث ، من علماء جبل نفوسة ، سكن بباطن المرج ، وهي منطقة قريبة من القيروان قبالة الساحل ، تلقى العلم على مشايخ زمانه بالقيروان كما يرجح أصحاب المعجم ، وصفه ابن سلام بأنه عالم فقيه فارض ناقد ( أنظر : لواب بن سلام ، الإسلام وتاريخه ، ص159- الشماخي ، السير ، 1/222- 223- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/122 رقم الترجمة : 262) .
***- هو أبو عبد الله فضل كما ذكر ابن سلام ووافقه الشماخي ، وذكر الباحث إبراهيم بحاز أنه فضل بن عبد الله ، والظاهر أنه وقع خطأ مطبعي عند الباحث بحاز وذلك أنه نقل عن ابن سلام والشماخي ، اللذان أشارا إلى أنه أبو عبد الله فضل وليس عبد الله بن فضل ؛ وقد سكن فضل بن عبد الله غربي مدينة القيروان ، وسط سوق الأحد حارة أبي محرز ، وهو عالم من علماء الإباضية ، وكان يخرج إلى بعض إخوانه - لعل الشماخي يقصد بإخوانه الإباضية - من هوارة وزناته فيتعلمون منه العلم ، وصفه ابن سلام بأنه عالم مفت بالقيروان ( أنظر : لواب بن سلام ، الإسلام وتاريخه ، ص157- الشماخي ، السير ، 1/221- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص383 ) .
(3)- لواب بن سلام ، الإسلام وتاريخه ، ص157- 159- الشماخي ، السير ، 1/221- 223 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/122 رقم الترجمة : 262 .
(4)- أنظر : الشماخي ، السير ، 1/221- 223.

-154-

مهنا بن راشد السعدي
22/07/2004, 04:03 PM
ويرى بعض الباحثين أن من أسباب كثرة وجود الإباضية في القيروان هو لغرض تعلم اللغة العربية وآدابها في ربوع العرب ، إذ كانت هذه المدينة كما يقول لوفيسكي ، مثابة للإباضيين الواردين من مختلف بقاع المغرب لتعلم العربية وآدابها (1) .

وقد كانت كذلك للدولة الرستمية علاقة ثقافية مع الدولة الإدريسية ، إلا أن المصادر لا تذكر الكثير عن هذه العلاقة ، إلا مايذكر عن الشاعر التيهرتي بكر بن حماد الذي مدح بعض حكام الأدارسة ، وقد يكون انتقل إلى هناك لهذا الغرض ، كما يذكر الباحث إبراهيم بحاز (2) .

وأيضا كانت هناك علاقات ثقافية بين الدولة الرستمية والدولة المدرارية الصفرية ، حيث كان للإباضية وجود في العاصمة المدرارية سجلماسة (3) ، وكان من أبرز العلماء الإباضيين الذين استوطنوا سجلماسة عالم جاء من المشرق يعرف بابن الجمع* ، وكان من أشهر من تتلمذ على يديه أبو الربيع سليمان بن زرقون النفوسي** ، وأبو يزيد مخلد بن كيداد*** الذي أصبح نكاريا بعد ذلك (4) .

.......................

(1)- محمد أبو راس الجربي ، مؤنس الأحبة ، مقدمة المحقق ، ص56- 57 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص384 .
(2)- البكري ، المغرب ، ص143 - ابن عذارى ، البيان المغرب ، 1/236 - شاوس محمد رمضان ، الدر الوقاد ، ص51 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص384 - الباروني ، الأزهار ، 2/70 .
(3)- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص97- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص384 .
*- هو ابن الجمع ، وورد ابن الجمعي ، عاش في القرن الرابع الهجري ، عالم من علماء الإباضية ، غزير العلم ، مطلع على علوم الحيل والنظر ، تلقى علمه بالمشرق مسقط رأسه ، ثم رحل إلى مصر ، ثم سكن " توزر " ، فسجلماسة ، حيث اشتغل بالتدريس ، من تلامذته : أبو الربيع سليمان بن زرقون النفوسي ، وأبو يزيد مخلد بن كيداد صاحب الحمار ، ينسب إليه ديوان وكتب من تآليفه ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص193- 194- الدرجيني ، الطبقات ، 1/109- 110- الشماخي ، السير ، 1/237- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/114- 115 رقم الترجمة : 243 ) .
**- هو أبو الربيع سليمان بن زرقون النفوسي ، يعد من الطبقة السابعة ( 300- 350هـ ) ، من نفوسة تابديوت ( تاديوت ) بليبيا ، يعد من العلماء العارفين البارزين ، تتلمذ على يد ابن الجمع ولازمه ، بعد وفاة شيخه ابن الجمع بسجلماسة عاد إلى قصطاليا بتوزر ، فعين مفتيا بها ، ولكن علاقته بسجلماسه لم تنقطع بل ظل أهلها يستشيرونه ويستفتونه ، فمن ذلك استفتاؤهم إياه في مسألة اختلفوا فيها حتى كادوا أن يقتتلوا بسببها ، فلما أفتى لهم رجعوا إلى صوابهم واصطلحوا ؛ وقد استطاع رد مزاته بإفريقية إلى مذهب الإباضية بعد أن اعتنقت مذهب النكار ، من طلابه : أبو القاسم يزيد بن مخلد ، وأبو خزر يغلى بن زلتاف ، وابن سلام صاحب كتاب " بدء الاسلام " ، وقد ترك أبو الربيع سليمان بن زرقون ديوانا يسمى " ديوان أبي الربيع " ، ولا يعرف أهو باق كله أو شيء منه ، أم ضاع مع ما ضاع ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص193- 198- الدرجيني ، الطبقات ، 1/109- 113- الشماخي ، السير ، 1/237- 238- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/202 رقم الترجمة : 447 ) .
***- هو أبو يزيد مخلد بن كيداد النكاري ، صاحب الحمار – لقب بذلك لأنه كان يملك حمارا جلبه من مصر يسبق الخيول - ، عاش في القرن الرابع ، أصله من البربر من بني يفرن يسكن قلعة سداده ، وأمه سودانية ، اسمها مسيكة ، وقد نشأ أبو يزيد فقيرا وعاش على إحسان الناس زمانا ، وأظهر التدين ، وقد كان إباضيا ، درس على يد ابن الجمع ، وكان رفيقه في الدراسة أبو الربيع سليمان بن زرقون الذي حافظ على مذهبه الإباضي ، وأما أبو يزيد فقد خالط النكار فتأثر بهم وأصبح إماما من أئمتهم ، كان في مبدئه معلما للصبيان ، عقب وفاة المهدي العبيدي في سنة 322هـ ، أعلن أبو يزيد ثورته في جبل أوراس على الدولة العبيدية ، وتلقب بشيخ المؤمنين ، وكثر أتباعه ، فاحتل أغلب الجنوب التونسي ، ثم استولى على القيروان ، وحاصر القائم العبيدي في المهدية ، وارتكب الكثير من الجرائم الوحشية ، ولم يلبث انتصاره أن تحول إلى هزيمة ، فقبض عليه المنصور إسماعيل بن محمد بن عبيد الله المهدي - ثالث خلفاء الفاطميين - ، وسلخ جلده حتى الموت في سنة 336هـ ، ثم ملئ تبنا =

-155-

المنهل الصافي
24/07/2004, 10:45 PM
ويرى بعض الباحثين أن من أسباب كثرة وجود الإباضية في القيروان هو لغرض تعلم اللغة العربية وآدابها في ربوع العرب ، إذ كانت هذه المدينة كما يقول لوفيسكي ، مثابة للإباضيين الواردين من مختلف بقاع المغرب لتعلم العربية وآدابها (1) .





مامدى مصداقية هؤلاء المستشرقين؟

هل هناك حدود وضوابط ياخذ بها الباحثون -امثالكم- عند النقل عنهم...

مهنا بن راشد السعدي
25/07/2004, 12:11 AM
مامدى مصداقية هؤلاء المستشرقين؟

هل هناك حدود وضوابط ياخذ بها الباحثون -امثالكم- عند النقل عنهم...

أشكرك أخي المنهل على هذا السؤال القيم ...

أولا قبل أن ألج في الإجابة على سؤالك ينبغي أن نأخذ في عين الاعتبار أننا نتحدث عن مادة تاريخية ليس للدين أو المذهب دخل فيها ، حتى نقول بجواز الاستشهاد بنص فلان من عدمه ...

ولكن ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار أنه يجب علينا أن نتعامل مع نصوص المستشرقين تعاملا حذرا وذلك لمعرفتنا المسبقة بأن رسالة أغلبهم الأولى هي تشويه الدين الإسلامي وتشويه تاريخ المسلمين والأمثلة على ذلك كثيرة ...

ولكن في المقابل يوجد منهم المتجردون والذين أخلصوا في كتاباتهم وذلك لحبهم للعلم والبحث ...

أنا هنا لن أقوم بالحكم على المستشرق لفتسكي لأن ذلك يحتاج إلى أن نستقرئ انتاجه وأحكامه وذلك يأخذ وقت ، ولكن نلاحظ أن عددا من الباحثين المعاصرين الموثوقين يستشهدون به ولعل ذلك في صالح لفتسكي والله أعلم ...

عموما النص الذي نقلته عن لفتسكي هو عبارة عن وجهة نظر لفتسكي للوجود الإباضي في القيروان وهذا استنتاج خاص به ليس معنا عرضي له أنني أتبناه ولكن فيه شيء من وجاهة النظر خاصة إذا علمنا أن غالبية إباضية المغرب كانوا من البربر فسبب قوي أن يتوجهوا إلى القيروان وهي معقل العرب لتعلم العربية ، أضف أنه ثبت عن عدد من الإباضية أنهم بالفعل هاجروا إلى القيروان طلبا للعلم منهم الشيخ هود بن محكم صاحب التفسيروغيره من علماء الإباضية ...

أضف إلى ذلك أنه ثبت وجود لا بأس به للإباضية في القيروان ذكر منهم ابن سلام في كتابه والشماخي ، ثم لا ننسى أن القيروان كانت معقلا للإباضية في عهد الإمام أبي الخطاب وكان واليها عبد الرحمن بن رستم ، فربما يكون قد بقي عدد من الإباضية فيها بعد سقوط دولة أبي الخطاب بل بقي فيها من الإباضية كما ذكرنا أن ابن سلام والشماخي يذكرون عددا من الإباضية بها ...

أظن هذه كلها قرائن تصب في صالح الاستنتاج الذي توصل إليه لفتسكي بغض النظر عن دينه ومعتقده

هذه وجهة نظري والله أعلم .

إذاً إذا أردنا أن نلخص الضوابط التي ينبغي مراعاتها عند التعامل مع المستشرقين - من وجهة نظري - :

1- التعامل معهم بحذر ، وعدم أخذ كل استنتاجاتهم بدون تمحيص .

2- النظر إلى نوعية المستشرق الذي نتعامل معه وتاريخه ونوعية أحكامه هل هي مغرضة وغير علمية وهدفه ... الخ .

3- مقارنة استنتاجاته بالواقع وهل هناك قرائن تؤيد استنتاجه ، ومقارنته بما توصل إليه غيره من الباحثين الثقات .

4- النظر في الأدلة التي اعتمد عليها في أحكامه .

هذه بعض الضوابط من وجهة نظري القاصرة ...

المنهل الصافي
25/07/2004, 12:19 AM
أشكرك أخي المنهل على هذا السؤال القيم ...

أولا قبل أن ألج في الإجابة على سؤالك ينبغي أن نأخذ في عين الاعتبار أننا نتحدث عن مادة تاريخية ليس للدين أو المذهب دخل فيها ، حتى نقول بجواز الاستشهاد بنص فلان من عدمه ...

ولكن ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار أنه يجب علينا أن نتعامل مع نصوص المستشرقين تعاملا حذرا وذلك لمعرفتنا المسبقة بأن رسالة أغلبهم الأولى هي تشويه الدين الإسلامي وتشويه تاريخ المسلمين والأمثلة على ذلك كثيرة ...

ولكن في المقابل يوجد منهم المتجردون والذين أخلصوا في كتاباتهم وذلك لحبهم للعلم والبحث ...

أنا هنا لن أقوم بالحكم على المستشرق لفتسكي لأن ذلك يحتاج إلى أن نستقرئ انتاجه وأحكامه وذلك يأخذ وقت ، ولكن نلاحظ أن عددا من الباحثين المعاصرين الموثوقين يستشهدون به ولعل ذلك في صالح لفتسكي والله أعلم ...

عموما النص الذي نقلته عن لفتسكي هو عبارة عن وجهة نظر لفتسكي للوجود الإباضي في القيروان وهذا استنتاج خاص به ليس معنا عرضي له أنني أتبناه ولكن فيه شيء من وجاهة النظر خاصة إذا علمنا أن غالبية إباضية المغرب كانوا من البربر فسبب قوي أن يتوجهوا إلى القيروان وهي معقل العرب لتعلم العربية ، أضف أنه ثبت عن عدد من الإباضية أنهم بالفعل هاجروا إلى القيروان طلبا للعلم منهم الشيخ هود بن محكم صاحب التفسيروغيره من علماء الإباضية ...

أضف إلى ذلك أنه ثبت وجود لا بأس به للإباضية في القيروان ذكر منهم ابن سلام في كتابه والشماخي ، ثم لا ننسى أن القيروان كانت معقلا للإباضية في عهد الإمام أبي الخطاب وكان واليها عبد الرحمن بن رستم ، فربما يكون قد بقي عدد من الإباضية فيها بعد سقوط دولة أبي الخطاب بل بقي فيها من الإباضية كما ذكرنا أن ابن سلام والشماخي يذكرون عددا من الإباضية بها ...

أظن هذه كلها قرائن تصب في صالح الاستنتاج الذي توصل إليه لفتسكي بغض النظر عن دينه ومعتقده

هذه وجهة نظري والله أعلم .

إذاً إذا أردنا أن نلخص الضوابط التي ينبغي مراعاتها عند التعامل مع المستشرقين - من وجهة نظري - :

1- التعامل معهم بحذر ، وعدم أخذ كل استنتاجاتهم بدون تمحيص .

2- النظر إلى نوعية المستشرق الذي نتعامل معه وتاريخه ونوعية أحكامه هل هي مغرضة وغير علمية وهدفه ... الخ .

3- مقارنة استنتاجاته بالواقع وهل هناك قرائن تؤيد استنتاجه ، ومقارنته بما توصل إليه غيره من الباحثين الثقات .

4- النظر في الأدلة التي اعتمد عليها في أحكامه .

هذه بعض الضوابط من وجهة نظري القاصرة ...

جزاك الله خير....لقد كفيت ووفيت...

لكن اثرت نقطة مهمة لم افهمها ساطرحها بعد قليل ان شاء الله...

المنهل الصافي
25/07/2004, 12:28 AM
أشكرك أخي المنهل على هذا السؤال القيم ...

أولا قبل أن ألج في الإجابة على سؤالك ينبغي أن نأخذ في عين الاعتبار أننا نتحدث عن مادة تاريخية ليس للدين أو المذهب دخل فيها ، حتى نقول بجواز الاستشهاد بنص فلان من عدمه ...

.

((أننا نتحدث عن مادة تاريخية ليس للدين أو المذهب دخل فيها ، حتى نقول بجواز الاستشهاد بنص فلان من عدمه ...))

كيف ذلك والشيخ عمروس اباضي اقصد ان المادةالتاريخية للمذهب دخل فيها!!!

هلا وضحت عبارتك رحمك الله فانني لم استوعبها...

مهنا بن راشد السعدي
25/07/2004, 09:48 AM
((أننا نتحدث عن مادة تاريخية ليس للدين أو المذهب دخل فيها ، حتى نقول بجواز الاستشهاد بنص فلان من عدمه ...))

كيف ذلك والشيخ عمروس اباضي اقصد ان المادةالتاريخية للمذهب دخل فيها!!!

هلا وضحت عبارتك رحمك الله فانني لم استوعبها...

في الدراسات الأكاديمية يوجد تاريخ بحت ، ويوجد التاريخ الديني

والشيخ عمروس وتاريخه نصنفه في القسم الثاني فمن هذه الناحية أنا متفق معك ، ولهذا أقول أنه ينبغي أن نتعامل معهم - المستشرقين - بحذر لأن الذي بين أيدينا تاريخ يمس المسلمين ...

لكن الذي أعنيه أنه يوجد فرق بين التاريخ سواء كان تاريخ عادي أو تاريخ ديني ، وبين شرع الله سبحانه وتعالى الذي تعبدنا به ...

فإذا خاض هؤلاء المستشرقون غمار الشرع محللين ومحرمين ومنتقدين ومنتقصين كتهجمهم على الرسول صلى الله عليه وسلم فهنا مكمن الخطوره وهنا ينبغي أن نرد شبههم ، كما أنه كذلك إن تعمدوا تشويه التاريخ الإسلامي كذلك ينبغي رد شبههم ...

ثم التاريخ سواء ديني أو عادي هو تاريخ بين يدي الباحث بغض النظر عن معتقده ، فهو يتعامل مع احداث وقعت وجرت ، ولا يتعامل مع نصوص شرعية كالقرآن مثلا أو السنة ...

فأنا أظن أن التاريخ الكل - من المتخصصين في التاريخ بغض النظر عن معتقدهم - يستطيعون خوض غماره ، وقد نعتد بآرائهم ، بعكس الشرع الذي لا نقبله إلا من العلماء المؤمنين المخلصين ، وأظن الفرق واضح ... هذه وجهة نظري وقد أكون مصيب وقد أكون مخطئ فيها ...

مهنا بن راشد السعدي
26/07/2004, 03:29 PM
أما الأندلس فقد كانت الدولة الرستمية ترتبط بها بعلاقات ثقافية قوية ، وقد كان هناك وجود للعديد من العلماء الأندلسيين في تيهرت ، وقد استفادت الدولة الرستمية من خبرتهم كما يذكر الباحث إبراهيم بحاز (1) ؛ ونجد في المقابل أن عددا من علماء تيهرت هاجروا إلى الأندلس ، وبلغوا فيها أعلى المراتب ، فمن هؤلاء عبد الرحمن بن بكر بن حماد التاهرتي الذي حدث بقرطبة عن أبيه (2) ؛ ومنهم كذلك قاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد التميمي التيهرتي وابنه أبو الفضل أحمد المعروف بالبزاز* ، دخلا الأندلس سنة 317 هـ (3) ؛ وكذلك من علماء تيهرت الذين هاجروا إلى الأندلس العلامة زكرياء بن بكر الغسالي التيهرتي** ، وأبو الطيب محمد بن أبي بردة الشافعي*** (4) .

هؤلاء العلماء الذين مر ذكرهم كانوا على غير المذهب الإباضي ؛ وأما بخصوص الإباضية وانتشارهم في الأندلس سواء في عهد الدولة الرستمية أو بعدها فإن المصادر تبخل بتسليط الضوء عليه ، بالرغم من انتشار الإباضية بالأندلس ، ليس هذا فحسب بل وإقامة دول لهم بها كدولة بني برزال**** ، وإمارة بن

......................................

= وعلق حتى تخرق وذرته الرياح ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص175- 185 ، وانظر هامش ص175 – علي يحيى معمر ، الإباضية بين الفرق الإسلامية ، 2/16 ) .
(4)- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص193- الدرجيني ، الطبقات ، 1/109- الشماخي ، السير ، 1/237- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/114- 115 رقم الترجمة : 243، 2/202 رقم الترجمة : 447 .
(1)- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص385 .
(2)- ابن الفرضي ، تاريخ علماء ، ص268- الدباغ ، معالم الإيمان ، 2/282- نويهض عادل ، معجم أعلام الجزائر ، ص84 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص386- الباروني ، الأزهار ، 2/71 .
*- هو أبو الفضل أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد التميمي التاهرتي المعروف بالبزاز ، ولد بتيهرت سنة 309هـ ، وكان محدثا ، بدأ طلب العلم سنة 334هـ ، وكان عمره خمسة وعشرين سنة ، هاجر إلى الأندلس سنة 317هـ ، عندما كان عمره في الثامنة ، توفي سنة 395هـ ، وقيل سنة 396هـ ، روى عنه أبو عمران الفاسي موسى بن عيسى بن أبي حاج فقيه القيروان ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/77 ) .
(3)- الحميدي ، جذوة ، ص132- 133- الضبي ، بغية ، ص166 ، 436- ابن بشكوال ، الصلة ، 1/86 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص386 - الباروني ، الأزهار ، 2/76- 77 .
**- هو أبو يحيى زكرياء بن بكر بن أحمد الغسالي التيهرتي ، يعرف بابن الأشج ، وهو غير إباضي ، من العلماء التيهرتيين الذين هاجروا إلى الأندلس ، ولد بتيهرت في سنة 310هـ ، ، وهاجر إلى الأندلس مع أخيه ووالده في سنة 326هـ ، وتوفي بها في سنة 393هـ ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/75 ) .
***- هو أبو الطيب محمد بن أحمد بن إبراهيم بن أبي بردة الشافعي البغدادي ، من تيهرت ، وهو على المذهب الشافعي ، هاجر إلى الأندلس في سنة 361هـ ، فأكرمه المستنصر بالله ، وأمر بإجراء النزل له ، ثم أمر بإخراجه من البلد عندما نُسِبَ إلى الاعتزال ، فعاد إلى تيهرت في سنة 373هـ عند بنت له ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/76 ) .
(4)- الباروني ، الأزهار ، 2/75- 76 .
****- بنو برزال : ينتمون إلى قبيلة بني يفرن الذين هم بطن من بطون زناته وكانوا يقطنون بالمغرب الأوسط بأرض الزاب الأسفل والمسيلة ؛ وقد أنشأ هذه الدولة الإباضية بالأندلس رجل يدعى أبو عبد الله البرزالي في سنة 400هـ وقيل 404هـ في ولاية جيان بالجنوب الشرقي من الأندلس ، وبالتحديد في " قرمونة " الواقعة في منحنى الوادي الكبير بين إمارة قرطبة ومملكة إشبيلية ، وسار في حكمه سيرة حسنة ، وعامل الرعية بالرفق والعدل ، وقد استمرت هذه الدولة الإباضية لمدة 54 عاما إلى أن سقطت في سنة 459هـ بسبب مهاجمة المعتضد بن عباد صاحب اشبيلية لها وسيطرته عليها ( أنظر : يحيى محمد بكوش ، الوجود الإباضي بالأندلس ، مكتبة الضامري ، سلطنة عمان ، السيب ، ط2 1411هـ / 1990م ، ص24- 27 ) .

-156-

مهنا بن راشد السعدي
27/07/2004, 09:55 AM
دمر* (1) ؛ والغريب أن الباحث إبراهيم بحاز عند تناوله للعلاقة بين الدولة الرستمية والأندلس والوجود الإباضي بالأندلس لم يشر إلى هاتين الدولتين الإباضيتين نهائيا ، فنجده يقول بعد أن ذكر عددا من التيهرتيين من غير الإباضية ممن هاجر إلى الأندلس : " وإذا كان هؤلاء كلهم مالكية ، فلا نعرف من الإباضية اسم رجل عالم رحل إلى الأندلس ... وإن كنا لا نستبعد وجود الإباضية بالأندلس في عهد الرستميين ، خاصة وأن ابن حزم يخبرنا في النصف الأول من القرن الخامس الهجري عن وجود جماعة منهم بقرطبة ، يبدو أنهم من عامة الناس سألهم ابن حزم عن إمامهم فلم يجيبوا " إهـ (2) ، فلعل الباحث بحاز لم يقف عليهما والله أعلم .

ومع ما سبق ذكره من الأمثلة على الدول الإباضية بالأندلس فقد انتشرت بعض القبائل الإباضية بالأندلس كقبيلة بني واسين**، ولكنها لم تصل إلى درجة من التطور السياسي أو الاجتماعي بحيث يمكن أن يكون لها أي شكل من أشكال الحكم أو الإدارة في الأندلس ؛ وقد ذهب الأستاذ بكوش إلى عدم استبعاد كون معظم هذه القبيلة هاجرت إلى الأندلس عندما اشتدت وطأة أعداء الإباضية عليهم وخاصة على أثر حملات الإبادة التي شنها عليهم كل من الأغالبة والفاطمين والصنهاجيين ، سواء قبل سقوط الدولة الرستمية أو بعدها (3) ؛ ومن الأمثلة على بعض علماء الإباضية بالأندلس العالم الناسك أبو محمد بويكني البرزالي*** الذي يعد من علماء الأنساب الإباضية ، فلعله هاجر من الدولة الرستمية إلى الأندلس ، أو لعله من أبناء الإباضية الذين هاجروا إلى الأندلس (4) .

....................................


*- أقيمت هذه الإمارة في مدينة " مورور " أو " مورون " بالقسم الجنوبي من الأندلس في القرن الرابع الهجري ، وكانت تشغل رقعة صغيرة تمتد حول هذه المدينة جنوبا حتى وادي " لكه " ؛ وأقام هذه الإمارة رجل يدعى نوح بن أبي تزيري الدميري زعيم بني دمر ، وكان بنو دمر من بربر تونس ومن بطون زناته ، وهم من الإباضية وفد جدهم أبو تزيري إلى الأندلس أيام المنصور وخدم في الجيش كسائر زملائه من زعماء البربر ، وانحاز منذ أيام الفتنة إلى تلك المنطقة واستقر بها وبسط عليها سلطانه ، وقد استمرت هذه الإمارة لأكثر من 60 عاما حتى سقطت في يد المعتضد بن عباد في سنة 458هـ ، وكان آخر من حكمها مناد بن محمد بن نوح اللملقب بعماد الدولة ( أنظر : بكوش ، الوجود الإباضي بالأندلس ، ص28- 30 ) .
(1)- المصدر السابق ، ص24- 30 .
(2)- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص386 .
**- بنو واسين : قبيلة كبيرة لها فروع في الجريد بالجنوب التونسي ، وتسمى أيضا بنو وسيان وهي كلها إباضية وهبية ترجع إلى قبيلة زناته ( أنظر : بكوش ، الوجود الإباضي بالأندلس ، ص22 ) .
(3)- المصدر السابق ، ص23 .
***- هو العالم الناسك أبو محمد بويكني البرزالي ، عالم من علماء الإباضية عاش في الأندلس في القرن الخامس الهجري ، كان معاصرا لابن حزم ، وقد ذكر ابن حزم أنه التقى به وروى عنه مشافهة ، وهو يعد من علماء الأنساب الإباضية ( أنظر : بكوش ، الوجود الإباضي بالأندلس ، ص22 ) .
(4)- المصدر السابق ، ص22 .

-157-

مهنا بن راشد السعدي
28/07/2004, 11:44 PM
هذا وفي المقابل نجد عددا من العلماء ممن بزغ نجمهم في الدولة الرستمية تعود أصولهم إلى الأندلس ، منهم مسعود الأندلسي* ، الذي وصل من المكانة العلمية والسياسية أن رشحه الإمام عبد الرحمن بن رستم لمنصب الإمامة بعده مع السبعة نفر الآخرين ، وقد وصفه أبو زكرياء بقوله : " كان رجلا فاضلا ، فقيها ورعا ، من شيوخ المسلمين " إهـ (1) ؛ ومنهم كذلك عمران بن مروان الأندلسي** ، وكان أيضا من ضمن السبعة الذين رشحهم الإمام عبد الرحمن لمنصب الإمامة (2) ؛ ولو لم يصل هاذان العالمان الأندلسيا الأصل إلى درجة كبيرة من العلم والصلاح والورع والمواصفات القيادية التي أهلتهم لمنصب جسيم كمنصب الإمامة ، لما رشحهما الإمام عبد الرحمن من ضمن النفر السبعة لهذا المنصب الخطير .

..................................

*- هو مسعود الأندلسي ، عاش في أواخر القرن الثاني الهجري ، كان يقطن العاصمة الرستمية تيهرت في عصر الإمام عبد الرحمن بن رستم ، قال عنه أبو زكرياء : " كان رجلا فاضلا فقيها ورعا من شيوخ المسلمين " إهـ ، وقد رشحه الإمام عبد الرحمن لمنصب الإمامة مع النفر السبعة ، ورجحت كفته في انتخابات الإمامة على كفة عبد الوهاب بن عبدالرحمن ، إلا أن مسعود الأندلسي هرب وتخفى خوفا من تحمل أمانة الإمامة الجسيمة ، فبويع عبد الوهاب بالإمامة ، فخرج مسعود وبادر بمبايعة الإمام عبد الوهاب ليكون أول من بايع ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص85 ، 86 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/46 - الشماخي ، السير ، 1/130- الباروني ، الأزهار ، 2/99 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/414 رقم الترجمة : 881 ) .
(1)- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص85 ، 86 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/46 - الشماخي ، السير ، 1/130- الباروني ، الأزهار ، 2/99 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/414 رقم الترجمة : 881 .
**- هو عمران بن مروان الأندلسي ، عاش بالعاصمة الرستمية تيهرت في القرن الثاني الهجري في عصر الإمام عبد الرحمن بن رستم ، وكان أحد علماء الإباضية بتيهرت ، كان على درجة عالية من الصلاح والورع والعلم ، كان من ضمن النفر السبعة الذين رشحهم الإمام عبد الرحمن لمنصب الإمامة بعده ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص85 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/46 - الشماخي ، السير ، 1/130- الباروني ، الأزهار ، 2/99 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/316 رقم الترجمة : 682 ) .
(2)- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص85 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/46 - الشماخي ، السير ، 1/130- الباروني ، الأزهار ، 2/99 .

-158-

مهنا بن راشد السعدي
30/07/2004, 12:07 AM
ثانيا : العلاقة الثقافية مع بلاد السودان :


لقد كانت الدولة الرستمية ترتبط مع بلاد السودان بعلاقات ثقافية قوية وعميقة ، ويعود السبب في ذلك إلى العلاقات التجارية المتبادلة بين الطرفين ، وهذا ما مال إليه بعض الباحثين كالباحث إبراهيم بحاز فنجده يقول : " لم تكن العلاقات التجارية الواسعة التي ربطت السودان الغربي بمراكز اقتصادية في الدولة الرستمية ، لتمر دون أن تخلف آثارا ثقافية يمكن التعليق عليها بأنها كانت عميقة ومهمة ، عمق وأهمية تلك التجارة التي كانت الوسيلة في وصول الإباضية إلى تلك البلاد النائية " إهـ (1) .

وبسبب هذه الروابط التجارية والثقافية المتبادلة قطن عدد كبير من علماء المغرب الإباضية بلاد السودان ، ونشروا فيها الإسلام والعلم والثقافة ، فمن هؤلاء العلماء الشيخ عبد الحميد الفزاني* ، وصفه الدرجيني بأنه " عالم كبير من أهل الدعوة " (2) ؛ ومنهم أبو يحيى بن أبي القاسم الفرسطائي** ، الذي كان السبب في إسلام أحد ملوك بلاد السودان ، حيث أنه قام بدعوته إلى الإسلام وذكره بنعم الله عليه ، فأسلم الملك وحسن إسلامه ، وأسلمت الرعية بعده (3) .

وقد كان أئمة الدولة الرستمية يرسلون الوفود إلى ملوك السودان لتعزيز العلاقات التجارية والثقافية بين الطرفين ، فمن ذلك ما قام به الإمام أفلح بن عبد الوهاب من إرسال محمد بن عرفة إلى ملك السودان بهدية ، فأعجب ملك السودان بهيبة وجمال وفروسية محمد بن عرفة ، فقال له بلغته ما ترجمته : " أنت حسن الوجه حسن الهيبة والأفعال " (4) ؛ وأيضا من مظاهر العلاقة الثقافية بين المغرب - تحديدا

..............................

(1)- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص387 .
*- هو الشيخ عبد الحميد الفزاني ، عاش في القرن الثالث الهجري ، من علماء فزان بجنوب ليبيا ، يبدو أنه تلقى العلم بها قبل أن يهاجر إلى بلاد السودان كما يرى أصحاب المعجم ، قال عنه الوسياني : " وهو عالم كبير من علماء أهل الدعوة ، وكان في بلاد السودان ، مسيرة شهر من جبل نفوسة ، ذكرت له كتب السير مراسلة مع أبي معروف ويدرن بن جواد ( أنظر : الوسياني ، سير ( مخ ) ، 1/8 نقلا عن : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/244 رقم الترجمة : 537 - الدرجيني ، الطبقات ، 2/327 - الشماخي ، السير ، 1/225- جناو بن فتى وعبد القاهر بن خلف ، أجوبة علماء فزان ، ص21 ، 24 المقدمة ) .
(2)- الدرجيني ، الطبقات ، 2/327 .
**- هو أبو يحيى بن أبي القاسم الفرسطائي ، عاش في أواخر القرن الثالث ، من يتامى معركة مانو 283هـ ، إذ توفي أبوه فيها ، رحل إلى بلاد السودان واستطاع أن يدخل أحد ملوكها مع أتباعه في الإسلام ، ولأبي يحيى مسائل وروايات ، أوردها الإمام القطب في ترتيب مسائل نفوسة ، وله مسجد في " فرسطاء " ( أنظر : الشماخي ، السير ، 2/6- 8 - القطب ، ترتيب مسائل نفوسة ( مخ ) ، 5 نقلا عن : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/451 رقم الترجمة : 983 - الجعبيري ، البعد الحضاري ، ص45 الهامش ) .
(3)- الشماخي ، السير ، 2/8 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/451 رقم الترجمة : 983 .
(4)- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص71 .

-159-

مهنا بن راشد السعدي
31/07/2004, 11:59 PM
جبل نفوسة - وبلاد السودان ، قيام الشيخ عمروس بن فتح بإرسال عالم كبير* إلى بلاد السودان ليفقه أهلها في أمور دينهم (1) .

ولم تنقطع العلاقات الثقافية بين إباضية المغرب وبلاد السودان حتى بعد سقوط الدولة الرستمية ، وانقضاء ذلك العهد الزاهر ، ففي سنة 575 هـ تمكن علي بن يخلف الدرجيني** - أحد مشائخ نفوسة الذين سافروا إلى مالي*** - أن يستدرج ملك مالي**** في الدخول إلى الإسلام هو ورعيته ، وذلك لما أجدبت مملكته ، واشتكت الرعية من القحط ، فطلب ملك مالي من علي بن يخلف أن يدعو الله الذي يعبده لينزل لهم الأمطار ، فقال له علي بن يخلف : لا يسعني ذلك وأنتم على الكفر ، ولكن إن دخلت الإسلام فعلت ذلك ، فدخل الملك ورعيته في الإسلام ، فاستسقى لهم علي بن يخلف ، فأنزل الله الأمطار والسيول الغزيرة (2) .

وقد وصل التأثير الثقافي للإباضية في بلاد السودان أن تأثرت الكثير من القرى السودانية بالمذهب الإباضي ، فتشير بعض الكتب إلى وجود قرى عديدة تعتنق المذهب الإباضي في السودان في القرن الماضي (3) ؛ وذكر الباحث إبراهيم بحاز عدم استبعاد الوجود الإباضي في بلاد السودان معتمدا على ما

...........................

*- لم تذكر المصادر التي وقعت بين يدي اسمه .
(1)- محمود إسماعيل ، الخوارج ، ص223 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص388 .
**- هو أبو الحسن علي بن يخلف الدرجيني - وذكر د/ محمد ناصر في نسبه أنه : علي بن يخلف المزاتي التميجاري النفوسي - ، كان حيا في سنة 575 هـ ، من أعلام درجين ببلاد الجريد ، جنوب تونس ، وهو عالم وابن عالم ، حيث أن أباه الشيخ يخلف كان من كبار العلماء ، وهو - أي علي بن يخلف- جد أبي العباس أحمد الدرجيني صاحب كتاب " طبقات المشايخ بالمغرب " ، كان من كبار التجار إلى بلاد السودان الغربي ، وصل إلى مالي وغانة ، وكان السبب في إسلام ملك مالي ، واسمه " المسلماني " في سنة 575 هـ ، حين طلب منه ملك مالي أن يستقي لهم ، عندما انتشر القحط والجفاف بدولته ، فاشترط عليه الشيخ علي أن يدخل في الإسلام حتى يتسنى له الاستسقاء له ، فدخل الملك ، فصلى الشيخ صلاة الاستسقاء ، فأرسل الله غيثا كثيرا على البلد ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/513 ، 516 ، 517 - الشماخي ، السير ، 1/114- 115- محمد ناصر ، منهج الدعوة عند الإباضية ، ص230- محمد ناصر ، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا ، ص19- 22 ) .
***- مالي أو ملل : هي من الممالك الشهيرة قديما في غرب إفريقيا ، وقد كانت تشرف على مصادر الذهب ، لهذا كانت مقصدا للتجار المسلمين في تلك العصور ، وكان يحكمها عند زيارة الشيخ علي بن يخلف لها ملك يسمى " المسلماني " ، وكان أول من دخل الإسلام من أهل مالي على يد الشيخ علي بن يخلف ، فتبعه شعبه في دخول الإسلام ( أنظر : د/ محمد ناصر ، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا ، ص18- 22 ) .
****- اسمه المسلماني ، حكم مملكة مالي ببلاد السودان ، في القرن السادس الهجري ( أنظر : د/ محمد ناصر ، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا ، ص21 ) .
(2)- الدرجيني ، الطبقات ، 2/517- الشماخي ، السير ، 2/115 .
(3)- أطفيش ، إزهاق الباطل ، ص67- 68 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص389 .

-160-

مهنا بن راشد السعدي
06/08/2004, 07:44 PM
ذكره ابن بطوطة من مشاهدته في نهاية القرن السابع الهجري لجماعة من الإباضية يسكنون في قرية " زَاغَرِى "* في بلاد السودان ، ويسمون " صَغَنْغُو "** (1) .

وقد أثبت الباحث شاخت استمرار الوجود الإباضي في بلاد السودان ، بناء على ما لاحظه في مساجد بعض مناطق بلاد السودان من وجود هندسات مشابهة تماما لما عند الإباضية في وادي ميزاب أو وارجلان ، كالمحراب المستطيل الشكل ، والمئذنة ذات الشكل المستطيل المخروطي ، وعدم وجود المنبر في بعض المساجد (2) ؛ إذا فإن تأثر مساجد بعض مناطق بلاد السودان بهندسة بناء مساجد الإباضية في بعض مناطق المغرب يدل دلالة قوية على مدى التأثير الثقافي القوي للإباضية في تلك المناطق النائية من بلاد السودان .

ومن مظاهر العلاقة الثقافية بين بلاد السودان والمغرب كذلك ، تعريب جزء من بلاد السودان ولو بشكل محدود ، وتكونت نتيجة للاحتكاك الدائم والمستمر لغات مزيجة كلغة " الآزر " وهي لغة وكالات تجارة الذهب والرقيق في نطاق الساحل السوداني ، وقد استعارت قوامها من العربية ومن البربرية ومن اللغات الإفريقية (3) .

................

*- زَاغَرِي : قال عنها ابن بطوطة أنها قرية كبيرة ، يسكنها تجار السودان ، ويسمون " ونجراته " ، وذكر أن جماعة من الإباضية يسكنون معهم ويسمون " صَغَنْغُو " ، وكذلك السنيون والمالكيون لهم وجود في هذه القرية ، ويسمون " توري " أي الأجانب ، وهي تسمى الآن " ديورة " وقيل : " توري سنغا " ، وقال الباحث دولافوس : أن " زغاري " تدعى " دياجرا " من طرف المانديق ، و" دياجري " من طرف البال ، ومركز هذه الناحية " دياقا " أو " ديا " ، وتوجد إلى اليوم بقرب " ديافراب " ولعل " زاغري " هي " ديايالي " في شرق " سوكولو " حيث توجد الأطلال القديمة ( أنظر : محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي ( ابن بطوطة ) ، رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار ) ، ت : طلال حرب ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ص689 ، وانظر هامش نفس الصفحة - محمد ناصر ، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا ، ص23 ، ص41 هامش رقم : 42 ) .
**- صَغَنْغُو : اسم سوداني ، يقول لفتسكي أن " صاغاناغو " أو " صاغانونو " أو " صانو " اسم ما زال يعلمه بعض الأفارقة السود مسلمين وغير مسلمين ، وهم يطلقونه على الأرجح على الإباضية التجار القادمين من وارجلان ، لأن إباضية نفوسة كانت صلاتهم أكثر مع السودان الأوسط ، وكان هؤلاء الإباضية في " زاغري " يقيمون بها لقربها من مدينة " مالي " أو " كوجة " أو " نيابي " ، وهي أسماء لمسمى واحد لقرب هذه من بلاد التبر ، أي قريبا من مناجم " بوري " ، ويذكر كذلك لفتسكي أن اسم " صغنغو " يذكرنا باسم " سقنقو " وهو اسم جبل " الونشريس " عند الوطواط ، وهي سلسلة هائلة من الجبال تحتوي على سهل الشلف ، ووادي مينا في الغرب ، وسهول السرسو ، ومناطق تيارت ( تيهرت ) في الجنوب ، ووادي دردرن في الشرق ، وهذه الناحية كانت آهلة بالقبائل البربرية في العصر الوسيط ، فلعلهم - كما يرى لفتسكي- أناس فروا من هذه المناطق ولجأوا حوالي القرن العاشر إلى وارجلان مثل غيرهم من القبائل البربرية الأولى ( أنظر : د/ محمد ناصر ، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا ، ص23- 24 ) .
(1)- ابن بطوطة ، رحلة ابن بطوطة ، ص689- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص389 .
(2)- Schacht J : Sur La Diffusion , opcit , p.11-19 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص389- 390- وانظر : د/ محمد ناصر ، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا ، ص35- 39 .
(3)- موريس لومبارد ، الجغرافيا التاريخية ، ص134 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص390 .

-161-

مهنا بن راشد السعدي
13/08/2004, 03:18 AM
هذه بعض مظاهر العلاقة الثقافية بين المغرب وبلاد السودان في عصر الشيخ عمروس ، والتي استمرت بعد ذلك لسنوات طويلة ، لا تزال آثارها باقية إلى يومنا هذا ، ويكفي من أعظم ثمرة هذه العلاقة الثقافية نشر الإسلام في تلك المناطق النائية من إفريقيا عن طريق العلماء من تجار الدولة الرستمية بشتى ولاياتها ، وبالأخص تيهرت وجبل نفوسة .

ثالثا : العلاقة الثقافية مع المشرق العربي :

إن الدولة الرستمية ارتبطت بالمشرق برابط ثقافي وروحي عميق من الوهلة الأولى لنشأتها ، فمؤسس الدولة الرستمية وهو الإمام عبد الرحمن بن رستم تتلمذ وأخذ العلم بالمشرق ، وبالتحديد في البصرة على يد الإمام أبي عبيدة كما مر ، والدولة الرستمية هي تجسيد للفكر السياسي لمذهب إسلامي عريق يعد من أوائل المذاهب الإسلامية ظهورا ، بل ويستقي مبادئه من كتاب الله والسنة النبوية الصحيحة على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم ، ألا وهو المذهب الإباضي ، وكما هو معلوم أن المذهب الإباضي ظهر أول ما ظهر في المشرق بالبصرة تحديدا ، ووضع قواعده إمامه الأول الإمام التابعي الجليل أبو الشعثاء جابر بن زيد ، الذي تلقى علمه على يد كبار الصحابة ، وعلى رأسهم عائشة أم المؤمنين والبحر عبد الله بن العباس وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم جميعا .

إذا فقد ارتبطت الدولة الرستمية بكافة ولاياتها - ومن ضمنها جبـل نفوسـة الذي عاش فيـه الشيـخ عمروس - بالمشرق ارتباطا - ثقافيا وعقائديا وروحيا - وطيدا منذ النشأة الأولى لها ، واستمر هذا الرابط حتى بعد سقوط الدولة الرستمية ، ولا زال مستمرا إلى يومنا هذا بفضل الله تعالى .

ولعل من أبرز مظاهر هذا الترابط الثقافي والروحي ما قام به أهل المشرق عندما سمعوا عن قيام الدولة الرستمية من إرسال وفد مشرقي محمل بالأموال الكثيرة* لمؤازرة الدولة الوليدة ، وقد تكرر إرسالهم لذلك الوفد بالمال مرة أخرى بعد فترة من إرسال الوفد الأول (1) .

وقد كان أئمة الدولة الرستمية على اتصال مستمر مع أئمة المشرق ، يستفتونهم في مختلف المسائل والقضايا ، ومن ذلك إرسال الإمام عبد الوهاب ومن معه من علماء دولته إلى أئمة المشرق وعلى رأسهم الإمام الربيع بن حبيب في ذلك الوقت يستفتونهـم في ما زعمـه ابن فندين حـول إمامـة الإمـام

....................

*- ذكر ابن الصغير أن كمية المال المرسلة من أهل المشرق للإمام عبد الرحمن في المرة الأول ثلاثة أحمال ، وفي المرة الثانية عشرة أحمال ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص32 ، 38 ) .
(1)- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص32 ،37 - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص83- 84 .

-162-