المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : قراءةٌ في حكايةٍ من "وادي العقّ"


الصقر الذهبي
19/06/2003, 11:40 AM
قراءةٌ في حكايةٍ من "وادي العقّ"
كُلما أفلتِ الشمْسُ، كُلما طلعتْ
سالم آل تويه

تقول الحكايةُ: إن رجلاً كان قادماً بسيارته من صُحَار. وكان الوقتُ ليلاً.. بالقرب من السيب أوقفه رجلٌ يرتدي دشداشةً بيضاء. ولما توغل الإثنان في طريق "وادي العق" الدامس أفضى الأول للثاني: "أحمدُ الله أنك أوقفتني، فقبلك كان يجلس في مكانك شخصٌ حملتُه من صحار إلى السّويق؛ لقد كانت قدماه قدمي حمار". فما كان من الرجل الثاني إلا أنْ رفع قدميه قائلاً: مثل هاتين!. هنا تيبس السائق في مكانه وفارق الحياة.
هذه الحكايةُ تُروى برواياتٍ متعددةٍ في عددٍ من نواحي عُمان، تُروى كواقعةٍ لا يشوبها الشك.
الحكايةُ توظف الليل كمناخٍ مشحونٍ بالريبةِ، وتُعزز فكرةً تستمد قوتها من حكاياتٍ أخرى منبعها السحرُ والجن، وفي الوقت نفسه تختار مكانها المناسب وهو هنا "وادي العقّ" المخيفُ، الذي يخترقُه شارعٌ ذو منعطفاتٍ والتواءاتٍ حادةٍ تطوقه الجبالُ وتخنقُه، وهكذا لمسافةِ أربعةٍ وعشرين كيلو متراً خطرة تستوجب القيادةَ بحذرٍ، يتنفس المسافرُ بعدها الصعداءَ وينفتح أمامه الأفقُ والطريق.
ليست في الحكايةِ إشارةٌ إلى حديث دار بين الرجلين فهي تُقالُ مباشرةً لهدفها، أي أن ما تُفضي إليه هو لبها ومكمنُ الرهبةِ فيها. التفاصيلُ في هذه الحالةِ زوائدُ تضيقُ الحكايةُ ذرعاً بها وتُخْفِتُ خاتمتها، إذْ لا بد من الاستحواذِ على أذنِ السامعِ وبالتالي إلقاءِ الرعب في قلبِه.
علينا كمستمعين أو قراء للحكايةِ إيجاد عذرٍ للرجل الأول (السائق)، فمن منا يصدق أن ثمة إنساناً بقدمي حمار؟. وهو ما فعله الرجلُ حقاً والتبس عليه ما رآه، ظنه وهماً، ولكي يقشع هذه الغشاوةَ ويقطع الشك باليقين سأل مرافقه الثاني منتظراً منه إجابةً جاهزةً، جاءتْ على النقيض تماماً: مؤكدةً وقاتلةً.
إذن نحن أيضاً نقع في الفخ ذاتِه، وإذا ألقينا بالحذرِ وراءنا فلن نضمن المصادفةَ المرعبةَ التي ستودي بنا!..بعبارةٍ أخرى: لا بد من إسقاطِ الاحتمالِ السابقِ. إنه مغزى واضحٌ تقوله الحكايةُ.
شخوصُ الحكايةِ ثلاثةٌ ولكن نهايتها تتكشف عن اثنين فقط: الأول سائقُ السيارةِ ويظهر إنساناً عادياً من بني البشر، وتُصبغ عليه- ضمنياً- صفاتٌ حسنةٌ كالطيبةِ ومساعدةِ الآخرينَ وحُسن النيةِ، وإلا لما تبرع بحملِ شخصٍ لا يعرفه، بل وتصف الحكايةُ الرجلَ بالسذاجةِ وبالذي "يُلدغ من الجحرِ مرتين"، إذْ إنه لم يتعظ من صاحب قدمي الحمار(المرافق الأول) وكأن الثاني جاء ليبدد ذاك الرعبَ ويوجد اطمئناناً واتزاناً لمواصلةِ الرحلة.
هذا ما تؤكده أمكنةُ الحكايةِ؛ فصحار والسيب والسّويق بمثابةِ مدنٍ مضاءةٍ، مكشوفةٍ مليئةٍ بالحركةِ والناس( يجب عدمُ المبالغةِ في طرح هذه الملاحظة!)، أما "وادي العقّ" فاسمٌ على مسمى ونقيضُ المدن، تحف به كل أسبابِ القلقِ والتوجسِ والخوفِ، ولكن الغريبَ وعلى نحوٍ غامضٍ هو إفضاءُ السائقِ بقلقِه لشخصٍ غريبٍ في مكانٍ كهذا وليس في المكانِ المكشوفِ الذي خلفه وراءه.ولنتمعنْ جيداً في كلمتي (وادي) و(عقّ) وما توحيان به.
صحيحٌ أن الحكايةَ لا تشير إلى حديثٍ طويلٍ دار بين الرجلين، أما نحن قراء الحكايةِ فنتكهن بحديثٍ ما دار بينهما، فمن غير المعقولِ التسليمُ بغيرِ ذلك والطريقُ طويلٌ بين السيب والعَقّ، ولعل صاحب السيارة ما كان ليفضي بسره المرعبِ ذاك لولا حديث ودودٍ وجد بينه وبين مرافقِه.
بناءً على هذا التكهنِ يبدو منطوقُ الحكايةِ المتداولةِ مختزلاً ومنطقُها هو الاستدراجُ، الاستدراجُ حيلةُ صاحبِ قدمي الحمار أو بالأحرى الجني ( يُقسم الجن إلى أخيار وأشرار حسب القناعات المتوارثة)، فهذا الأخير استدرج الأول طوال الطريقِ زارعاً الطمأنينةَ داخله لكي يتركه من ثم فريسةً للموت، وكان قد استدرجه إلى نسيان الحادثةِ الأولى بأنْ ترك مسافةً بينها وظهورِه الثاني، وفضلاً عن ذلك ظهر هذه المرةَ كمنقذٍ وأنيس. صاحبُ السيارة دون درايةٍ يقود نفسَه إلى التهلكة: وقوفه للرجل الأول، ووقوفه للرجل الثاني، وحديثه عما رأى.
يتناقل الناسُ الحكايةَ بشكلٍ متواترٍ، محرفٍ، لكنه وفي للروايةِ الأصل(!). وفي كل روايةٍ تستعيد الحكايةُ أثرها على السامع، حتى إن كثيرين يحاذرون السفر في الليلِ عزلاً من مرافقين، وإنْ فعلوا فلن يصل بهم فقدانُ الحيلةِ إلى حد الوقوفِ ليلاً لغريب، فهناك- بخلاف هذا- من انفجر إطارُ سيارته ليلاً في وادي العقّ وسمع الجن والسحرةَ ينادونه ويتصايحون من حوله. وهناك من اعترضهم رجلٌ طويلٌ- في الوادي نفسه- يرتدي خرقاً كثيرةً ويلوح بيديه الاثنتين وكأنه سيطير نحوهم.
يسطع وجه الوادي في النهار حيث يمكن للمسافر رؤيةُ رعاةٍ لوحتهم الشمسُ، يسوقون قطعانَ الغنمِ وينصرفون بها خلف الجبال. وفي النهار تظهر أخاديدُ الوادي ومهاويه، وبعضُ الأشجارِ التي تبقى مخضرة أكثر أيام العام، وعند بعض منعطفاتِه- في فصولِ القيظ تحديداً- يصطف بائعو التمر والسفرجل. والنهارُ نقيضُ الليلِ، كفيلٌ بإزاحةِ الخوفِ ولكن هذا يظل منتصباً بقامةٍ تتعاظم كُلما أفلتِ الشمْسُ. الرعبُ أبدي لا يودع والمسافرُ عبر وادي العقّ لا يشتهي سوى هذا الوداع.
نهارُ وادي العقّ في حقيقته مختلفٌ، مخادع، ليس كنهاراتِ البلدان، إنه يُضمر الموتَ والعِلل، وكما في الليل في النهار أيضاً يحدث ذلك التربص. بعضُ الحكاياتِ يسرد عالماً آخرَ للوادي، فما يظهر في نهارِه بمثابةِ قناعٍ تتستر خلفه غوامض، إذْ (بعض الضحايا الناجين) تبعوا راعيات مواشٍ ورأوا مسالكَ ظهرتْ أمامهم فجأةً فتاهوا فيها..ثم اختفتْ فجأةً وعادوا إلى بيوتهم دون أنْ يجرؤوا على الاقتراب من نسائهم.
الوادي جغرافيا بلا خرائط ولا أدلةٍ وإنما بأسرار تقتل.
ترى هل من قبيل المصادفةِ أنْ يكون اسمُ إحدى قرى وادي العقّ "السنسلة"؟

2

إن سائقَ السيارةِ جاهلٌ بظنونِ الطريقِ وفخاخِها سيما طريقٍ كوادي العقّ. ويبدو أنها مراتٌ قليلةٌ يعبر فيها من هنا، إنْ لم تكنْ مرته الأولى/الأخيرة؛ ففي السفر ينبغي للمسافرِ التزودُ بالحذرِ وبقدْرٍ كافٍ من الحنكةِ احترازاً من المجهول ومفاجآتِه. ومن عادةِ الكثيرين مِمنْ يسلكون وادي العقّ التزودُ بقطعةِ خِيْلْ، أو لبان، أو تمائمَ أو حروز، وبعضُهم يتحصن بـ"الزار".
يقوم الخِيْل بمنح صاحبه تعويذةً- أي سلاحاً ضد الطارئ- الأمرُ الذي يعني عدم اقترابِ الخطر. تُوضع قطعةُ الخِيْل تحت اللسانِ وتأخذ في الذوبان حتى تنتشر رائحتُها الكريهةُ في الجوفِ، وهذه كفيلةٌ بتولي أمر الجن والسحرةِ، وكأن الذواءَ هنا من جنسِ الذاء: الأشرارُ من الجن والسحرةِ كريهون مثلما هو الخِيْل. ومن شأنِ اللبان ذي الرائحةِ الزكيةِ استحضارَ الأرواحِ الخيرةِ والملائكةِ، وبذلك قطعاً لن تجرؤ تلك (القوى الشريرة) على الاقتراب. ولا يختلف دفاعُ الزار عن ذلك في المحصلة.
يُجمع (العارفون) بأحوال الوادي على أن عجوزاً بلحيةٍ بيضاءَ كثةٍ يعترض طريقَ المارين من هناك. ويزعمون مقدرةً خارقةً يمتلكها هذا العجوزُ في الإيقاعِ بمن يختارهم..يظهر وحيداً أو برفقةِ طفلين(لا بد أن يكونا طفلين اثنين وليس طفلاً واحداً)!.
أحياناً يكتفي العجوزُ بتخويفِ ضحيتِه ثم يختفي في الوقتِ المناسبِ، عندها تكتشف الضحيةُ- متأخراً- ما حدث بفهمٍ واضحٍ للرسالةِ المقصودةِ. أما في أغلبِ الأحيانِ فلا يكتفي العجوزُ إلا بالقضاء التام على ضحيتِه.
ومِما يُروى: أشر العجوزُ على سيارةٍ فتوقف صاحبُها، وبناءً على عدمِ إفصاحِه عن الجهةِ التي ينوي التوقفَ عندها، مكتفياً بالقولِ إنها لا تبعد كثيراً عن هنا، ركب وطفلاه في المقعدِ الخلفي. وهكذا انطلق السائقُ وهو لا يعلم سلفاً جهةَ الثلاثةِ منتظراً إشارتهم- في أيةِ لحظةٍ- بالتوقف. إلا أنه لم يتذكر أمرَهم إلا بعد وقتٍ طويلٍ ولما التفت ليسألهم كانوا قد اختفوا!.
في الأسبوعِ التالي، في الوقتِ والمكانِ نفسيهما، كان العجوزُ وطفلاه ينتظرونه، ولكنه هذه المرةَ اشترط عليهم تحديدَ الجهةِ وعدمَ تكرارِ سلوكِ الاختفاءِ ذاكَ، وبالفعلِ حدث وأوقفهم عند جهةٍ بعينها حددها العجوزُ سلفاً. هذا الرجلُ ذو القلبِ القوي كان من (أهلِ الزار)، استشاطةُ غضبٍ منه كفيلةٌ باستدعاءِ الجن الذين يسكنونه لينتقموا شر انتقامٍ من العجوزِ وطفليه.

3
نحن بدورنا نعتقد بالإمكانياتِ الهائلةِ الممتلكةِ من قبلِ العجوزِ قاطنِ الوادي- في التحولِ ونصبِ الكمائنِ والحيلِ، وربما في السرعةِ والتعددِ والانقسامِ وامتلاكِ الأتباع (هنا يمكن اعتبارُ شخوصِ الحكايةِ ثلاثةً)، ولا ننسى ملابسَ الرجلِ البيضاءَ!، إضافةً إلى أن الخوفَ المحدقِ بالوادي يتسع جغرافياً ليضم أماكنَ أخرى بعيدةً عنه (صاحبُ قدمي الحمارِ الأولُ ظهر في صحار وليس في الوادي)
..
شخصياً يبدو لي الرجلُ صاحبُ قدمي الحمارِ هو العجوزُ نفسُه. ولكنْ ثمةَ ثغرةٌ واضحةٌ في الحكايةِ دائماً لا يلتفتُ إليها الرواةُ (أي من يحفظونها ويروونها)، ولا شك أن كشفها للمُرْهِفِ سمعَه متحققٌ بمجردِ الانتهاء من سردِ الحكايةِ، إلا إذا شئنا إضافةَ إمكانيةٍ أعقدَ للعجوز: إذا كان صاحبُ السيارةِ مات من هولِ مشهدِ إنسانٍ بقدمي حمارٍ فَمَنْ هو راوي الحكاية؟

المصدر : شرفات عمان الثقافي

بلا قلم
23/06/2003, 12:59 AM
أشباح الدروب

كان شابان وشابتان يسافرون معا في سيارة رينو / 5/ ، وقد توقفوا في الطريق لالتقاط امرأة ترتدي ملابس بيضاء ، كانت قد استوقفتهم عند تقاطع طرق ، بعيد منتصف الليل . كان الجو صافيا ، وكان الشبان الأربعة – كما تم التأكد حتى الثمالة فيما بعد – يتمتعون بكامل قواهم العقلية . رافقتهم السيدة في الرحلة لعدة كيلومترات وهي تجلس صامتة في وسط المقعد الخلفي ، إلى ما قبل جسر ( كاتري كامو ) بقليل ، حينئذ أشارت إلى الأمام بإصبع مرتعشة وصرخت " حذار ، هذا منعطف خطر " واختفت في الحال .
حدث ذلك على الطريق العام ، بين باريس ومونبيليه . ومفوض شرطة هذه المدينة الأخيرة ، الذي أيقظه الشبان الأربعة ليرووا له الحادث ، وصل به الأمر إلى القبول بأن ماقالوه ليس مزاحا ولا هذيانا ، لكنه حفظ القضية ، لأنه لم يعرف ما عليه أن يفعل بها . وقد تناولت الحادث في الأيام التالية جميع صحف فرنسا ، وهرع عدد من علماء النفس ، وأطباء العيون ، ومحررو الريبورتاجات الماورائية إلى مكان الرؤيا ليدرسوا ظروف وقوعها ، وأنهكوا باستجواباتهم العقلانية الشبان الأربعة الذين اختارتهم السيدة ذات الملابس البيضاء . لكن النسيان طوى الأمر برمته بعد عدة أيام ، ولاذ العلماء والصحافة بتحليل واقع أكثر بساطة ؛ ووافق أكثرهم تفهما على أن الرؤيا قد تكون صحيحة ، ولكن حتى هؤلاء فضلوا نسيانها أمام استحالت تفسيرها .
أما أنا – وأنا مادي راسخ – فلا يراودني أي شك في أن ذلك الحادث ، ما هو إلا فصل آخر ، ومن أجمل الفصول ، في تاريخ تجسيد الشعر الغني . والعيب الوحيد الذي وجدته في القصة هو حدوثها ليلا ، بل وعند حد منتصف الليل ، مثلما يحدث في أسوأ أفلام الرعب . وباستثناء ذلك ، لاوجود لعنصر واحد فيها لا يتفق مع ميتافيزيقية الدروب ، تلك التي شعرنا بها جميعنا قريبة منا أثناء إحدى رحلاتنا ، لكننا نرفض الاستسلام أمام حقيقتها التي تبعث القشعريرة في الجسم . لقد انتهينا في القبول بأعجوبة السفن الشبحية التي تطوف جميع البحار باحثة عن هويتها الضائعة ، لكننا ما زلنا نرفض منح هذا الحق لأرواح كثيرة بائسة ومحزونة ، بقيت منثورة دون معنى على جوانب الدروب . ففي فرنسا وحدها ، سجل منذ بضع سنوات موت مائتي شخص أسبوعيا في أشد شهور الصيف جنونا ، وهكذا لا يمكن لنا أن نفاجأ بوقوع حدث مفهوم تماما ، مثل حادث السيدة ذات الملابس البيضاء ، الذي سيتكرر دون ريب حتى نهاية العصور . والعقلانيون الذين بلا قلب هم وحدهم من سيعجزون عن فهم ظروف تلك الأحداث .
لطالما فكرت ، أثناء رحلاتي الطويلة على دروب العالم الكثيرة ، إننا معظم بني البشر في هذه الأزمنة ، لسنا إلا ناجين من الموت عند أحد المنعطفات . وكل منعطف منها ما هو إلا تحد خاضع للحظ . ويكفي أن تصيب السيارة التي أمامنا أية محنة بعد المنعطف ، حتى تضيع منا وإلى الأبد فرصة رواية ما حدث . لقد أصدر الإنجليز ، في السنوات الأولى لاختراع السيارة ، قانونا خاصا – The Locomotive Act – يفرض بموجبه على كل سائق أن يرسل أمامه شخصا راجلا يحمل راية حمراء ويرن جرسا ، لكي يتاح للعابرين الوقت الكافي للابتعاد من أمام السيارة . وفي أحيان كثيرة ، وبينما أنا أضغط على دواسة البنزين لأغرق في أسرار أحد المنعطفات الغامضة ، كنت أتأسف في أعماق روحي لأن مرسوم الإنجليز الحكيم ذاك قد ألغي ، وقد أحسست بذلك على نحو خاص في إحدى المرات ، منذ خمسة عشر عاما ، أثناء رحلة كنت أقوم بها من برشلونة إلى بيربينيان ومعي مرثيدس والطفلان ، وكنت أسير بسرعة مائة كيلومتر في الساعة حين راودني فجأة إلهام لا تفسير له ، يدعوني إلى تخفيف السرعة قبل أن أصل إلى المنعطف . ومثلما يحدث دوما في مثل هذه الحالات ، فقد تجاوزتنا السيارات التي كانت وراءنا . لا يمكننا نسيان تلك السيارات أبدا : شاحنة صغيرة بيضاء ، وفوكس فاجن حمراء ، وفيات زرقاء . بل إنني ما زلت أذكر الشعر المجعد الأشقر للهولندية الأنيقة التي كانت تقود الشاحنة الصغيرة . وبعد أن تجاوزتنا تلك السيارات الثلاث في نظام كامل ، اختفت عن أعيننا في المنعطف ، لكننا ما لبثنا أن التقينا بها بعد لحظة ، وقد اختلطت ببعضها بعضا ، هي ركام من الخردة المدخنة ، مصطدمة بشاحنة ضخمة كانت قادمة من الاتجاه المعاكس . الناجي الوحيد في ذلك الحادث كان طفلا عمره ستة شهور ، وهو ابن الزوجين الهولنديين .
لقد عدت للمرور من ذلك المكان مرات كثيرة وفي كل مرة كنت أعود للتفكير في تلك المرأة الجميلة ، التي تحولت إلى كومة من اللحم الوردي في عرض الطريق . لقد كانت عارية تماما بفعل الصدمة ، وقد منح الموت رأسها الجميل الذي يشبه رأس امبراطور روماني ، مسحة من وقار . وليس مستغربا أن يلتقي بها أحد المسافرين يوما في مكان محنتها ، حية وتامة ، تشير له أن يتوقف مثلما أشارت سيدة مونبيلية ذات الثياب البيضاء ، ليخرجها أحد من سباتها للحظة ، ويمنحها الفرصة لتحذره بالصرخة التي لم يطلقها أحد لتحذيرها : " حذار ، هذا المنعطف خطير " .
ليست حكايات الدروب السرية أكثر شعبية من حكايات البحر ، لأنه ليس هناك من هم أكثر شرودا من السائقين الهواة . أما المحترفون – الذين هم أشبه بالبغالين القدماء – فهم مصدر لا ينضب للحكايات العجيبة . ففي استراحات الطرق العامة ، مثلما كان الأمر في محلات استبدال أحذية البهائم القديمة ، لا ينقطع السائقون المجربون ، الذين يبدون أنهم لا يؤمنون بشيء ، عن رواية الأحداث الماورائية لمهنتهم . وخصوصا ما يحدث منها في عز النهار ، بل وفي الدروب المطروقة أكثر من سواها . في صيف عام 1974 ، وفي ما أنا مسافر مع الشاعر الفارو موتيس وزوجته على الطريق ذاته الذي ظهرت عليه السيدة ذات الملابس البيضاء ، رأينا سيارة صغيرة تخرج من رتل السيارات الطويل المتوقف بسبب الازدحام ، وتتقدم نحونا من الاتجاه المعاكس بسرعة جنونية تمكنت من تفاديها بصعوبة شديدة ، لكن سيارتنا طارت في الفضاء ، وهوت في قاع الحفرة التي إلى جانب الطريق . وقد تمكن عدة شهود من تثبيت صورة السيارة الهاربة في مخيلتهم : كانت سيارة بيضاء اللون ، من طراز سكودا ، وقد سجل رقم لوحتها ثلاثة شهود مختلفين . قدمنا الشكوى المناسبة في مفوضية شرطة الس آن بروفانس ، وبعد بضعة شهور ثبت للشرطة الفرنسية دون مجال للشك ، أن سيارة السكودا البيضاء ، ذات اللوحة المذكورة ، موجودة بالفعل . ولكن ثبت لهم كذلك أنها كانت ساعة وقوع الحادث في أقصى فرنسا من الجهة الأخرى ، محفوظة في مرآب ، بينما كان صاحبها وسائقها الوحيد يحتضر في مستشفى قريب .
من هذه التجربة ، وغيرها كثير ، تعلمت أن أحترم الطرق العامة احتراما أقرب إلى الخشوع . ومع ذلك ، فإن أكثر الحوادث التي أذكرها إثارة للقلق هو ما حدث لي منذ سنوات طويلة ، في مركز مدينة مكسيكو . كنت قد انتظرت سيارة أجرة لمدة نصف ساعة تقريبا ، عند الساعة الثانية بعد الظهر ، وكنت على وشك التخلي عن الانتظار عندما رأيت سيارة تقترب ، وقد بدت لي للوهلة الأولى فارغة إلا من سائقها ، والعلامة التي تشير إلى ذلك كانت مرفوعة أيضا . ولكنها ما إن اقتربت بعض الشيء حتى رأيت ، دون أي ريب ، أن ثمة شخص يجلس إلى جوار السائق . وعندما توقفت السيارة ، دون أن أشير لها ، انتبهت إلى خطأي : لم يكن يوجد أي راكب إلى جانب السائق . وأثناء الطريق ، رويت له عن ذلك الخداع البصري ، فأصغى إلي بكل تلقائية ، ثم قال لي : " هذا يحدث على الدوام . في بعض الأحيان أقضي النهار كله في اللف والدوران ، دون أن يوقفني أحد ، لأن الجميع تقريبا يرون راكبا وهميا في المقعد الذي إلى جانبي " . وحين رويت هذه القصة لدون لويس بونويل ، بدت له طبيعية جدا مثلما بدت للسائق ، وقال لي " إنها بداية موفقة لفيلم سينمائي " .

غابرييل غارسيا ماركيز
قصص ضائعة





تحياتي ،،،
بلا قلم ،،،،

الصقر الذهبي
23/06/2003, 07:57 AM
شكرا على المشاركة وإثراء الموضوع أخي العزيز

أَمَـةُ اللّـهِ
23/06/2003, 10:04 AM
قراءات تبعث الخوف في نفس قارئها وهذا يدل على براعة قلم كاتبها ..

شكراً جزيلاً لكمــــــــــا ..

البسيوي
30/03/2004, 09:55 AM
:)

احاسيس
09/04/2004, 05:53 AM
ياريتنى ماقرأـت فى الليل !!

الخرافي
09/04/2004, 07:52 AM
سمعت هذي سالفه من قبل بس ما عرف كيف أصدقها

تحياتي وأشواقي
10/04/2004, 07:26 PM
تخوفونا بهالقصص الله يهديكم ما تلقيوا غير وادي العق للقصص


وتقبلوا تحياتي وأشواقي

سراب الحقيقه
11/04/2004, 01:10 AM
اساطير الاولين .....................!!!!

ورود الشوق
11/04/2004, 03:19 PM
قصص الجن كثيرة بمجتمعنا وأنا سمعت منها الكثير من جدتي ووالدتي ...أصدقها لأن بعضها عايشوها كما حكت لي سيدة عجوز من جاراتنا قصة حدثت لها أيضا ولبعض أقاربها ...
بالمناسبة يعجبني الإستماع للجدات كثيرا ومعرفة كيف عاشوا فيما مضى...

تقبل مروري :)

وردة المساء
11/04/2004, 09:54 PM
قد تكون اساطير وقد تكون حقيقة لا تحمل الشك :مفتر:

لبيك
15/04/2004, 10:14 PM
مشكور اخي.