الصقر الذهبي
19/06/2003, 11:40 AM
قراءةٌ في حكايةٍ من "وادي العقّ"
كُلما أفلتِ الشمْسُ، كُلما طلعتْ
سالم آل تويه
تقول الحكايةُ: إن رجلاً كان قادماً بسيارته من صُحَار. وكان الوقتُ ليلاً.. بالقرب من السيب أوقفه رجلٌ يرتدي دشداشةً بيضاء. ولما توغل الإثنان في طريق "وادي العق" الدامس أفضى الأول للثاني: "أحمدُ الله أنك أوقفتني، فقبلك كان يجلس في مكانك شخصٌ حملتُه من صحار إلى السّويق؛ لقد كانت قدماه قدمي حمار". فما كان من الرجل الثاني إلا أنْ رفع قدميه قائلاً: مثل هاتين!. هنا تيبس السائق في مكانه وفارق الحياة.
هذه الحكايةُ تُروى برواياتٍ متعددةٍ في عددٍ من نواحي عُمان، تُروى كواقعةٍ لا يشوبها الشك.
الحكايةُ توظف الليل كمناخٍ مشحونٍ بالريبةِ، وتُعزز فكرةً تستمد قوتها من حكاياتٍ أخرى منبعها السحرُ والجن، وفي الوقت نفسه تختار مكانها المناسب وهو هنا "وادي العقّ" المخيفُ، الذي يخترقُه شارعٌ ذو منعطفاتٍ والتواءاتٍ حادةٍ تطوقه الجبالُ وتخنقُه، وهكذا لمسافةِ أربعةٍ وعشرين كيلو متراً خطرة تستوجب القيادةَ بحذرٍ، يتنفس المسافرُ بعدها الصعداءَ وينفتح أمامه الأفقُ والطريق.
ليست في الحكايةِ إشارةٌ إلى حديث دار بين الرجلين فهي تُقالُ مباشرةً لهدفها، أي أن ما تُفضي إليه هو لبها ومكمنُ الرهبةِ فيها. التفاصيلُ في هذه الحالةِ زوائدُ تضيقُ الحكايةُ ذرعاً بها وتُخْفِتُ خاتمتها، إذْ لا بد من الاستحواذِ على أذنِ السامعِ وبالتالي إلقاءِ الرعب في قلبِه.
علينا كمستمعين أو قراء للحكايةِ إيجاد عذرٍ للرجل الأول (السائق)، فمن منا يصدق أن ثمة إنساناً بقدمي حمار؟. وهو ما فعله الرجلُ حقاً والتبس عليه ما رآه، ظنه وهماً، ولكي يقشع هذه الغشاوةَ ويقطع الشك باليقين سأل مرافقه الثاني منتظراً منه إجابةً جاهزةً، جاءتْ على النقيض تماماً: مؤكدةً وقاتلةً.
إذن نحن أيضاً نقع في الفخ ذاتِه، وإذا ألقينا بالحذرِ وراءنا فلن نضمن المصادفةَ المرعبةَ التي ستودي بنا!..بعبارةٍ أخرى: لا بد من إسقاطِ الاحتمالِ السابقِ. إنه مغزى واضحٌ تقوله الحكايةُ.
شخوصُ الحكايةِ ثلاثةٌ ولكن نهايتها تتكشف عن اثنين فقط: الأول سائقُ السيارةِ ويظهر إنساناً عادياً من بني البشر، وتُصبغ عليه- ضمنياً- صفاتٌ حسنةٌ كالطيبةِ ومساعدةِ الآخرينَ وحُسن النيةِ، وإلا لما تبرع بحملِ شخصٍ لا يعرفه، بل وتصف الحكايةُ الرجلَ بالسذاجةِ وبالذي "يُلدغ من الجحرِ مرتين"، إذْ إنه لم يتعظ من صاحب قدمي الحمار(المرافق الأول) وكأن الثاني جاء ليبدد ذاك الرعبَ ويوجد اطمئناناً واتزاناً لمواصلةِ الرحلة.
هذا ما تؤكده أمكنةُ الحكايةِ؛ فصحار والسيب والسّويق بمثابةِ مدنٍ مضاءةٍ، مكشوفةٍ مليئةٍ بالحركةِ والناس( يجب عدمُ المبالغةِ في طرح هذه الملاحظة!)، أما "وادي العقّ" فاسمٌ على مسمى ونقيضُ المدن، تحف به كل أسبابِ القلقِ والتوجسِ والخوفِ، ولكن الغريبَ وعلى نحوٍ غامضٍ هو إفضاءُ السائقِ بقلقِه لشخصٍ غريبٍ في مكانٍ كهذا وليس في المكانِ المكشوفِ الذي خلفه وراءه.ولنتمعنْ جيداً في كلمتي (وادي) و(عقّ) وما توحيان به.
صحيحٌ أن الحكايةَ لا تشير إلى حديثٍ طويلٍ دار بين الرجلين، أما نحن قراء الحكايةِ فنتكهن بحديثٍ ما دار بينهما، فمن غير المعقولِ التسليمُ بغيرِ ذلك والطريقُ طويلٌ بين السيب والعَقّ، ولعل صاحب السيارة ما كان ليفضي بسره المرعبِ ذاك لولا حديث ودودٍ وجد بينه وبين مرافقِه.
بناءً على هذا التكهنِ يبدو منطوقُ الحكايةِ المتداولةِ مختزلاً ومنطقُها هو الاستدراجُ، الاستدراجُ حيلةُ صاحبِ قدمي الحمار أو بالأحرى الجني ( يُقسم الجن إلى أخيار وأشرار حسب القناعات المتوارثة)، فهذا الأخير استدرج الأول طوال الطريقِ زارعاً الطمأنينةَ داخله لكي يتركه من ثم فريسةً للموت، وكان قد استدرجه إلى نسيان الحادثةِ الأولى بأنْ ترك مسافةً بينها وظهورِه الثاني، وفضلاً عن ذلك ظهر هذه المرةَ كمنقذٍ وأنيس. صاحبُ السيارة دون درايةٍ يقود نفسَه إلى التهلكة: وقوفه للرجل الأول، ووقوفه للرجل الثاني، وحديثه عما رأى.
يتناقل الناسُ الحكايةَ بشكلٍ متواترٍ، محرفٍ، لكنه وفي للروايةِ الأصل(!). وفي كل روايةٍ تستعيد الحكايةُ أثرها على السامع، حتى إن كثيرين يحاذرون السفر في الليلِ عزلاً من مرافقين، وإنْ فعلوا فلن يصل بهم فقدانُ الحيلةِ إلى حد الوقوفِ ليلاً لغريب، فهناك- بخلاف هذا- من انفجر إطارُ سيارته ليلاً في وادي العقّ وسمع الجن والسحرةَ ينادونه ويتصايحون من حوله. وهناك من اعترضهم رجلٌ طويلٌ- في الوادي نفسه- يرتدي خرقاً كثيرةً ويلوح بيديه الاثنتين وكأنه سيطير نحوهم.
يسطع وجه الوادي في النهار حيث يمكن للمسافر رؤيةُ رعاةٍ لوحتهم الشمسُ، يسوقون قطعانَ الغنمِ وينصرفون بها خلف الجبال. وفي النهار تظهر أخاديدُ الوادي ومهاويه، وبعضُ الأشجارِ التي تبقى مخضرة أكثر أيام العام، وعند بعض منعطفاتِه- في فصولِ القيظ تحديداً- يصطف بائعو التمر والسفرجل. والنهارُ نقيضُ الليلِ، كفيلٌ بإزاحةِ الخوفِ ولكن هذا يظل منتصباً بقامةٍ تتعاظم كُلما أفلتِ الشمْسُ. الرعبُ أبدي لا يودع والمسافرُ عبر وادي العقّ لا يشتهي سوى هذا الوداع.
نهارُ وادي العقّ في حقيقته مختلفٌ، مخادع، ليس كنهاراتِ البلدان، إنه يُضمر الموتَ والعِلل، وكما في الليل في النهار أيضاً يحدث ذلك التربص. بعضُ الحكاياتِ يسرد عالماً آخرَ للوادي، فما يظهر في نهارِه بمثابةِ قناعٍ تتستر خلفه غوامض، إذْ (بعض الضحايا الناجين) تبعوا راعيات مواشٍ ورأوا مسالكَ ظهرتْ أمامهم فجأةً فتاهوا فيها..ثم اختفتْ فجأةً وعادوا إلى بيوتهم دون أنْ يجرؤوا على الاقتراب من نسائهم.
الوادي جغرافيا بلا خرائط ولا أدلةٍ وإنما بأسرار تقتل.
ترى هل من قبيل المصادفةِ أنْ يكون اسمُ إحدى قرى وادي العقّ "السنسلة"؟
2
إن سائقَ السيارةِ جاهلٌ بظنونِ الطريقِ وفخاخِها سيما طريقٍ كوادي العقّ. ويبدو أنها مراتٌ قليلةٌ يعبر فيها من هنا، إنْ لم تكنْ مرته الأولى/الأخيرة؛ ففي السفر ينبغي للمسافرِ التزودُ بالحذرِ وبقدْرٍ كافٍ من الحنكةِ احترازاً من المجهول ومفاجآتِه. ومن عادةِ الكثيرين مِمنْ يسلكون وادي العقّ التزودُ بقطعةِ خِيْلْ، أو لبان، أو تمائمَ أو حروز، وبعضُهم يتحصن بـ"الزار".
يقوم الخِيْل بمنح صاحبه تعويذةً- أي سلاحاً ضد الطارئ- الأمرُ الذي يعني عدم اقترابِ الخطر. تُوضع قطعةُ الخِيْل تحت اللسانِ وتأخذ في الذوبان حتى تنتشر رائحتُها الكريهةُ في الجوفِ، وهذه كفيلةٌ بتولي أمر الجن والسحرةِ، وكأن الذواءَ هنا من جنسِ الذاء: الأشرارُ من الجن والسحرةِ كريهون مثلما هو الخِيْل. ومن شأنِ اللبان ذي الرائحةِ الزكيةِ استحضارَ الأرواحِ الخيرةِ والملائكةِ، وبذلك قطعاً لن تجرؤ تلك (القوى الشريرة) على الاقتراب. ولا يختلف دفاعُ الزار عن ذلك في المحصلة.
يُجمع (العارفون) بأحوال الوادي على أن عجوزاً بلحيةٍ بيضاءَ كثةٍ يعترض طريقَ المارين من هناك. ويزعمون مقدرةً خارقةً يمتلكها هذا العجوزُ في الإيقاعِ بمن يختارهم..يظهر وحيداً أو برفقةِ طفلين(لا بد أن يكونا طفلين اثنين وليس طفلاً واحداً)!.
أحياناً يكتفي العجوزُ بتخويفِ ضحيتِه ثم يختفي في الوقتِ المناسبِ، عندها تكتشف الضحيةُ- متأخراً- ما حدث بفهمٍ واضحٍ للرسالةِ المقصودةِ. أما في أغلبِ الأحيانِ فلا يكتفي العجوزُ إلا بالقضاء التام على ضحيتِه.
ومِما يُروى: أشر العجوزُ على سيارةٍ فتوقف صاحبُها، وبناءً على عدمِ إفصاحِه عن الجهةِ التي ينوي التوقفَ عندها، مكتفياً بالقولِ إنها لا تبعد كثيراً عن هنا، ركب وطفلاه في المقعدِ الخلفي. وهكذا انطلق السائقُ وهو لا يعلم سلفاً جهةَ الثلاثةِ منتظراً إشارتهم- في أيةِ لحظةٍ- بالتوقف. إلا أنه لم يتذكر أمرَهم إلا بعد وقتٍ طويلٍ ولما التفت ليسألهم كانوا قد اختفوا!.
في الأسبوعِ التالي، في الوقتِ والمكانِ نفسيهما، كان العجوزُ وطفلاه ينتظرونه، ولكنه هذه المرةَ اشترط عليهم تحديدَ الجهةِ وعدمَ تكرارِ سلوكِ الاختفاءِ ذاكَ، وبالفعلِ حدث وأوقفهم عند جهةٍ بعينها حددها العجوزُ سلفاً. هذا الرجلُ ذو القلبِ القوي كان من (أهلِ الزار)، استشاطةُ غضبٍ منه كفيلةٌ باستدعاءِ الجن الذين يسكنونه لينتقموا شر انتقامٍ من العجوزِ وطفليه.
3
نحن بدورنا نعتقد بالإمكانياتِ الهائلةِ الممتلكةِ من قبلِ العجوزِ قاطنِ الوادي- في التحولِ ونصبِ الكمائنِ والحيلِ، وربما في السرعةِ والتعددِ والانقسامِ وامتلاكِ الأتباع (هنا يمكن اعتبارُ شخوصِ الحكايةِ ثلاثةً)، ولا ننسى ملابسَ الرجلِ البيضاءَ!، إضافةً إلى أن الخوفَ المحدقِ بالوادي يتسع جغرافياً ليضم أماكنَ أخرى بعيدةً عنه (صاحبُ قدمي الحمارِ الأولُ ظهر في صحار وليس في الوادي)
..
شخصياً يبدو لي الرجلُ صاحبُ قدمي الحمارِ هو العجوزُ نفسُه. ولكنْ ثمةَ ثغرةٌ واضحةٌ في الحكايةِ دائماً لا يلتفتُ إليها الرواةُ (أي من يحفظونها ويروونها)، ولا شك أن كشفها للمُرْهِفِ سمعَه متحققٌ بمجردِ الانتهاء من سردِ الحكايةِ، إلا إذا شئنا إضافةَ إمكانيةٍ أعقدَ للعجوز: إذا كان صاحبُ السيارةِ مات من هولِ مشهدِ إنسانٍ بقدمي حمارٍ فَمَنْ هو راوي الحكاية؟
المصدر : شرفات عمان الثقافي
كُلما أفلتِ الشمْسُ، كُلما طلعتْ
سالم آل تويه
تقول الحكايةُ: إن رجلاً كان قادماً بسيارته من صُحَار. وكان الوقتُ ليلاً.. بالقرب من السيب أوقفه رجلٌ يرتدي دشداشةً بيضاء. ولما توغل الإثنان في طريق "وادي العق" الدامس أفضى الأول للثاني: "أحمدُ الله أنك أوقفتني، فقبلك كان يجلس في مكانك شخصٌ حملتُه من صحار إلى السّويق؛ لقد كانت قدماه قدمي حمار". فما كان من الرجل الثاني إلا أنْ رفع قدميه قائلاً: مثل هاتين!. هنا تيبس السائق في مكانه وفارق الحياة.
هذه الحكايةُ تُروى برواياتٍ متعددةٍ في عددٍ من نواحي عُمان، تُروى كواقعةٍ لا يشوبها الشك.
الحكايةُ توظف الليل كمناخٍ مشحونٍ بالريبةِ، وتُعزز فكرةً تستمد قوتها من حكاياتٍ أخرى منبعها السحرُ والجن، وفي الوقت نفسه تختار مكانها المناسب وهو هنا "وادي العقّ" المخيفُ، الذي يخترقُه شارعٌ ذو منعطفاتٍ والتواءاتٍ حادةٍ تطوقه الجبالُ وتخنقُه، وهكذا لمسافةِ أربعةٍ وعشرين كيلو متراً خطرة تستوجب القيادةَ بحذرٍ، يتنفس المسافرُ بعدها الصعداءَ وينفتح أمامه الأفقُ والطريق.
ليست في الحكايةِ إشارةٌ إلى حديث دار بين الرجلين فهي تُقالُ مباشرةً لهدفها، أي أن ما تُفضي إليه هو لبها ومكمنُ الرهبةِ فيها. التفاصيلُ في هذه الحالةِ زوائدُ تضيقُ الحكايةُ ذرعاً بها وتُخْفِتُ خاتمتها، إذْ لا بد من الاستحواذِ على أذنِ السامعِ وبالتالي إلقاءِ الرعب في قلبِه.
علينا كمستمعين أو قراء للحكايةِ إيجاد عذرٍ للرجل الأول (السائق)، فمن منا يصدق أن ثمة إنساناً بقدمي حمار؟. وهو ما فعله الرجلُ حقاً والتبس عليه ما رآه، ظنه وهماً، ولكي يقشع هذه الغشاوةَ ويقطع الشك باليقين سأل مرافقه الثاني منتظراً منه إجابةً جاهزةً، جاءتْ على النقيض تماماً: مؤكدةً وقاتلةً.
إذن نحن أيضاً نقع في الفخ ذاتِه، وإذا ألقينا بالحذرِ وراءنا فلن نضمن المصادفةَ المرعبةَ التي ستودي بنا!..بعبارةٍ أخرى: لا بد من إسقاطِ الاحتمالِ السابقِ. إنه مغزى واضحٌ تقوله الحكايةُ.
شخوصُ الحكايةِ ثلاثةٌ ولكن نهايتها تتكشف عن اثنين فقط: الأول سائقُ السيارةِ ويظهر إنساناً عادياً من بني البشر، وتُصبغ عليه- ضمنياً- صفاتٌ حسنةٌ كالطيبةِ ومساعدةِ الآخرينَ وحُسن النيةِ، وإلا لما تبرع بحملِ شخصٍ لا يعرفه، بل وتصف الحكايةُ الرجلَ بالسذاجةِ وبالذي "يُلدغ من الجحرِ مرتين"، إذْ إنه لم يتعظ من صاحب قدمي الحمار(المرافق الأول) وكأن الثاني جاء ليبدد ذاك الرعبَ ويوجد اطمئناناً واتزاناً لمواصلةِ الرحلة.
هذا ما تؤكده أمكنةُ الحكايةِ؛ فصحار والسيب والسّويق بمثابةِ مدنٍ مضاءةٍ، مكشوفةٍ مليئةٍ بالحركةِ والناس( يجب عدمُ المبالغةِ في طرح هذه الملاحظة!)، أما "وادي العقّ" فاسمٌ على مسمى ونقيضُ المدن، تحف به كل أسبابِ القلقِ والتوجسِ والخوفِ، ولكن الغريبَ وعلى نحوٍ غامضٍ هو إفضاءُ السائقِ بقلقِه لشخصٍ غريبٍ في مكانٍ كهذا وليس في المكانِ المكشوفِ الذي خلفه وراءه.ولنتمعنْ جيداً في كلمتي (وادي) و(عقّ) وما توحيان به.
صحيحٌ أن الحكايةَ لا تشير إلى حديثٍ طويلٍ دار بين الرجلين، أما نحن قراء الحكايةِ فنتكهن بحديثٍ ما دار بينهما، فمن غير المعقولِ التسليمُ بغيرِ ذلك والطريقُ طويلٌ بين السيب والعَقّ، ولعل صاحب السيارة ما كان ليفضي بسره المرعبِ ذاك لولا حديث ودودٍ وجد بينه وبين مرافقِه.
بناءً على هذا التكهنِ يبدو منطوقُ الحكايةِ المتداولةِ مختزلاً ومنطقُها هو الاستدراجُ، الاستدراجُ حيلةُ صاحبِ قدمي الحمار أو بالأحرى الجني ( يُقسم الجن إلى أخيار وأشرار حسب القناعات المتوارثة)، فهذا الأخير استدرج الأول طوال الطريقِ زارعاً الطمأنينةَ داخله لكي يتركه من ثم فريسةً للموت، وكان قد استدرجه إلى نسيان الحادثةِ الأولى بأنْ ترك مسافةً بينها وظهورِه الثاني، وفضلاً عن ذلك ظهر هذه المرةَ كمنقذٍ وأنيس. صاحبُ السيارة دون درايةٍ يقود نفسَه إلى التهلكة: وقوفه للرجل الأول، ووقوفه للرجل الثاني، وحديثه عما رأى.
يتناقل الناسُ الحكايةَ بشكلٍ متواترٍ، محرفٍ، لكنه وفي للروايةِ الأصل(!). وفي كل روايةٍ تستعيد الحكايةُ أثرها على السامع، حتى إن كثيرين يحاذرون السفر في الليلِ عزلاً من مرافقين، وإنْ فعلوا فلن يصل بهم فقدانُ الحيلةِ إلى حد الوقوفِ ليلاً لغريب، فهناك- بخلاف هذا- من انفجر إطارُ سيارته ليلاً في وادي العقّ وسمع الجن والسحرةَ ينادونه ويتصايحون من حوله. وهناك من اعترضهم رجلٌ طويلٌ- في الوادي نفسه- يرتدي خرقاً كثيرةً ويلوح بيديه الاثنتين وكأنه سيطير نحوهم.
يسطع وجه الوادي في النهار حيث يمكن للمسافر رؤيةُ رعاةٍ لوحتهم الشمسُ، يسوقون قطعانَ الغنمِ وينصرفون بها خلف الجبال. وفي النهار تظهر أخاديدُ الوادي ومهاويه، وبعضُ الأشجارِ التي تبقى مخضرة أكثر أيام العام، وعند بعض منعطفاتِه- في فصولِ القيظ تحديداً- يصطف بائعو التمر والسفرجل. والنهارُ نقيضُ الليلِ، كفيلٌ بإزاحةِ الخوفِ ولكن هذا يظل منتصباً بقامةٍ تتعاظم كُلما أفلتِ الشمْسُ. الرعبُ أبدي لا يودع والمسافرُ عبر وادي العقّ لا يشتهي سوى هذا الوداع.
نهارُ وادي العقّ في حقيقته مختلفٌ، مخادع، ليس كنهاراتِ البلدان، إنه يُضمر الموتَ والعِلل، وكما في الليل في النهار أيضاً يحدث ذلك التربص. بعضُ الحكاياتِ يسرد عالماً آخرَ للوادي، فما يظهر في نهارِه بمثابةِ قناعٍ تتستر خلفه غوامض، إذْ (بعض الضحايا الناجين) تبعوا راعيات مواشٍ ورأوا مسالكَ ظهرتْ أمامهم فجأةً فتاهوا فيها..ثم اختفتْ فجأةً وعادوا إلى بيوتهم دون أنْ يجرؤوا على الاقتراب من نسائهم.
الوادي جغرافيا بلا خرائط ولا أدلةٍ وإنما بأسرار تقتل.
ترى هل من قبيل المصادفةِ أنْ يكون اسمُ إحدى قرى وادي العقّ "السنسلة"؟
2
إن سائقَ السيارةِ جاهلٌ بظنونِ الطريقِ وفخاخِها سيما طريقٍ كوادي العقّ. ويبدو أنها مراتٌ قليلةٌ يعبر فيها من هنا، إنْ لم تكنْ مرته الأولى/الأخيرة؛ ففي السفر ينبغي للمسافرِ التزودُ بالحذرِ وبقدْرٍ كافٍ من الحنكةِ احترازاً من المجهول ومفاجآتِه. ومن عادةِ الكثيرين مِمنْ يسلكون وادي العقّ التزودُ بقطعةِ خِيْلْ، أو لبان، أو تمائمَ أو حروز، وبعضُهم يتحصن بـ"الزار".
يقوم الخِيْل بمنح صاحبه تعويذةً- أي سلاحاً ضد الطارئ- الأمرُ الذي يعني عدم اقترابِ الخطر. تُوضع قطعةُ الخِيْل تحت اللسانِ وتأخذ في الذوبان حتى تنتشر رائحتُها الكريهةُ في الجوفِ، وهذه كفيلةٌ بتولي أمر الجن والسحرةِ، وكأن الذواءَ هنا من جنسِ الذاء: الأشرارُ من الجن والسحرةِ كريهون مثلما هو الخِيْل. ومن شأنِ اللبان ذي الرائحةِ الزكيةِ استحضارَ الأرواحِ الخيرةِ والملائكةِ، وبذلك قطعاً لن تجرؤ تلك (القوى الشريرة) على الاقتراب. ولا يختلف دفاعُ الزار عن ذلك في المحصلة.
يُجمع (العارفون) بأحوال الوادي على أن عجوزاً بلحيةٍ بيضاءَ كثةٍ يعترض طريقَ المارين من هناك. ويزعمون مقدرةً خارقةً يمتلكها هذا العجوزُ في الإيقاعِ بمن يختارهم..يظهر وحيداً أو برفقةِ طفلين(لا بد أن يكونا طفلين اثنين وليس طفلاً واحداً)!.
أحياناً يكتفي العجوزُ بتخويفِ ضحيتِه ثم يختفي في الوقتِ المناسبِ، عندها تكتشف الضحيةُ- متأخراً- ما حدث بفهمٍ واضحٍ للرسالةِ المقصودةِ. أما في أغلبِ الأحيانِ فلا يكتفي العجوزُ إلا بالقضاء التام على ضحيتِه.
ومِما يُروى: أشر العجوزُ على سيارةٍ فتوقف صاحبُها، وبناءً على عدمِ إفصاحِه عن الجهةِ التي ينوي التوقفَ عندها، مكتفياً بالقولِ إنها لا تبعد كثيراً عن هنا، ركب وطفلاه في المقعدِ الخلفي. وهكذا انطلق السائقُ وهو لا يعلم سلفاً جهةَ الثلاثةِ منتظراً إشارتهم- في أيةِ لحظةٍ- بالتوقف. إلا أنه لم يتذكر أمرَهم إلا بعد وقتٍ طويلٍ ولما التفت ليسألهم كانوا قد اختفوا!.
في الأسبوعِ التالي، في الوقتِ والمكانِ نفسيهما، كان العجوزُ وطفلاه ينتظرونه، ولكنه هذه المرةَ اشترط عليهم تحديدَ الجهةِ وعدمَ تكرارِ سلوكِ الاختفاءِ ذاكَ، وبالفعلِ حدث وأوقفهم عند جهةٍ بعينها حددها العجوزُ سلفاً. هذا الرجلُ ذو القلبِ القوي كان من (أهلِ الزار)، استشاطةُ غضبٍ منه كفيلةٌ باستدعاءِ الجن الذين يسكنونه لينتقموا شر انتقامٍ من العجوزِ وطفليه.
3
نحن بدورنا نعتقد بالإمكانياتِ الهائلةِ الممتلكةِ من قبلِ العجوزِ قاطنِ الوادي- في التحولِ ونصبِ الكمائنِ والحيلِ، وربما في السرعةِ والتعددِ والانقسامِ وامتلاكِ الأتباع (هنا يمكن اعتبارُ شخوصِ الحكايةِ ثلاثةً)، ولا ننسى ملابسَ الرجلِ البيضاءَ!، إضافةً إلى أن الخوفَ المحدقِ بالوادي يتسع جغرافياً ليضم أماكنَ أخرى بعيدةً عنه (صاحبُ قدمي الحمارِ الأولُ ظهر في صحار وليس في الوادي)
..
شخصياً يبدو لي الرجلُ صاحبُ قدمي الحمارِ هو العجوزُ نفسُه. ولكنْ ثمةَ ثغرةٌ واضحةٌ في الحكايةِ دائماً لا يلتفتُ إليها الرواةُ (أي من يحفظونها ويروونها)، ولا شك أن كشفها للمُرْهِفِ سمعَه متحققٌ بمجردِ الانتهاء من سردِ الحكايةِ، إلا إذا شئنا إضافةَ إمكانيةٍ أعقدَ للعجوز: إذا كان صاحبُ السيارةِ مات من هولِ مشهدِ إنسانٍ بقدمي حمارٍ فَمَنْ هو راوي الحكاية؟
المصدر : شرفات عمان الثقافي