غايه
21/10/2002, 11:22 PM
مرت الريح تقرض الرمل و حبيبات الحصى. تنثر الوريقات بعيدا بعنف. أعوام مرت و الريح تحاول أن تمسح أثار خطوها العالق في ذاكرته.
تخاله لن يفارق هيئته إذ يجلس جامدا كحجر القي به منذ قرون في تلك الزاوية ليواجه أرجوحة قديمة تراقصها الريح و كأن حياة مازالت تنبض فيها. يتنفس بعمق رائحة الماء الذي حمل وجه "وهج" بعيدا حيث لا يعلمون.
ها هي الشمس تنتحر شيئا فشيئا لينفض غباره و يجوب ذات المكان و كأنه يبحث عن قنديل ليشعل به هذه الظلمة. مازال المكان باردا كالسابق إلا أن بيته القديم أصبح نتوءات كأسنان عجوز نخرها السوس. وقف عاجزا أمام ذلك البيت يتذكر كل ما لن يعود. استعاد ضجيج الضحك الذي افتعلته تلك الأرواح رغم الفقر الذي كان يسكنها. تذكر والده الذي كان يضحك مع أمه على كل بشارة بحمل جديد " آه يا هذه مازلنا ننسل و الفقر اصبح أكبر صغارنا" .
تقدم قليلا من البيت القديم ليطل بأنفه من خلف الجدار الذي يكشف خلفه عن سواد لبقايا مطبخ قديم , يغمض عينيه و هو يشد على الجدار و يفرك أنفه في الهواء " أين أنت يا وهج، آه يا رائحة الخبز و المطر، ذلك الخبز الذي أقسمت أن لا آكله بعدك يا وهج" .
كعادته كان يهب الجدار قليلا من الدفء و يرحل، لم يعد باب البيت قابلا للطرق، كان يدخله حتى في اشد الايام ظلمة حتى ظن أهل القرية انه تعلم السحر أو أن جنيا تلبسه، لكأن وجه وهج يجوب الغرفة بكل طفولة ليضيء له وحدته، يبتسم كلما تذكر ضفائرها بين اصابعه و هي تبكي، لتصفعه الذاكرة فينفجر بكاء حين يتذكر كيف كان الماء يداعب خصلاتها بكل نعومة و هي نائمة تفرد جناحيها لتحلق بعيدا حيث لا يعلمون.
يجلس بالقرب من زاوية الغرفة، المكان الذي يضم بكاء و غضب وهج. " أين وجهك يا وهج لأطفأ دمعه، هل كان وجه الماء اشد لطفا عليه مني يا جنية البيت، هل كان ؟؟!"
كان كل أهل القرية يسمعون نواحه و صراخه على فترات متقطعة حتى تعود أن لا يقترب من حزنه أحد. الريح وحدها من كان يصفر معه. وحدها من كان يعبث بأرجوحة وهج. " آه يا وهج، أنت كالريح، كلما عبرتني تلدين شيئا في داخلي، الموت وحده ليس كافيا ليلغي كل شيء"
يخرج من عزلة تلك الزاوية لينتقل إلى غرفة تحمل الكثير من ضجيج تلك الأرواح المتباكية و الضاحكة حول صحن صغير يتقاسمه الجميع و هو يدور بكل إرتباك و قتال بين أيديهم، يجلس هناك و كأنه يستعد لعشاء أخير " آه يا وهج لو تعلمين كيف كان الصحن باردا تلك الليلة، و كأن روحا اقتلعت من تلك الغرفة الضيقة ,لأول مرة يركل الجميع صحنهم المقدس، و الذي أبى الا ان يتقاسم الأرض و انت تختفين يا وهج حيث لا نعلم، الخبز وحده لن يكفي ثمنا لحزنك حتى أخر الليل"
آخر ما بقي من وهج في ذلك البيت القديم دمية كانت قد حاكتها لها جدتها من بقايا قماش جمعته وهج من الخياط الوحيد لقريتهم،
الغبار يملأ تلك الدمية التي تناثرت أجزاؤها بشكل غير منظم، اقترب من الدمية و لم يشأ أن يغير من هيئتها. " وهج أتذكرين بكاءك إذا أمزق كل دمية صنعتها الجدة، فأين كانت مني هذه، أين أنت لتركليني بصراخك؟! أم أن جنيا دسها كما دسك الماء بين أضلاعه!"
أهل القرية عزموا على مواجهة الساحر هذه المرة لأنهم متأكدون أنه السبب فيما أصاب الفلج من جفاف، فهو يحمل لعنته على الماء أينما ذهب، تجمهروا حول البيت و تصارخوا " أنت أيها الساحر أو العفريت ، أخرج واجهنا ، نحن لا نخافك فكله موت ، نحن نموت عطشا. توقف عن صب لعناتك على الماء و إلا أحرقناك لتعرف طعمه"
أفاق من ذاكرته و هرول للخارج، الكل هناك الصغار قبل الكبار يزاحمون ليجدوا ممرا بين أجساد آبائهم كي لا يفوتهم منظر الساحر، " هل أصبحت وهج من السحر، الا تبكون كلكم وهج، ألم يخنقها ماؤكم الذي تشربون، يآل بؤسكم. أنتم لا تشعرون بل لا تعلمون، ماؤكم هذا أطفأ
وهج والبيت الذي كان يؤرقه ضجيجها، حملها حيث لا نعلم، وجهها الصاخب كان يعكس كل الحزن و هو ينفسخ من الماء لينتقل إلى حيث يسافر النور كل ذي ظلمة و أنتم أنفسكم تشهدون"
بدأت الحوارات تتكاثر و تدوي في المكان ليصرخ أحدهم" إنه الساحر ، إنه يلقي بطلاسمه علينا و يلعن ماءنا لنرحل جميعا كما حدث لوهج، اقتلوا الساحر بل احرقوه "
ينظر للسماء " أحرقوني فلا نار اشد من رحيلك يا وهج، ولتصبوا علي لعنات مائكم الذي تنفسته وهج"
كان مازال ينظر للسماء و هو يقول "وهج الموت وحده لا يكفي ليلغي كل شيء، الآن سأعرف أين ترحلين حيث لا يعلمون يا جنية البيت و وهجه"
النص سبق و نشرته ثم حذفته من هنا و قد كان بعنوان البجع ايضا يموت...و قد غيرت العنوان إذالا بجع هنا.... ثم غيرت العنوان من (الموت لا يغير شيئا ) إلى (وهج) :)
تخاله لن يفارق هيئته إذ يجلس جامدا كحجر القي به منذ قرون في تلك الزاوية ليواجه أرجوحة قديمة تراقصها الريح و كأن حياة مازالت تنبض فيها. يتنفس بعمق رائحة الماء الذي حمل وجه "وهج" بعيدا حيث لا يعلمون.
ها هي الشمس تنتحر شيئا فشيئا لينفض غباره و يجوب ذات المكان و كأنه يبحث عن قنديل ليشعل به هذه الظلمة. مازال المكان باردا كالسابق إلا أن بيته القديم أصبح نتوءات كأسنان عجوز نخرها السوس. وقف عاجزا أمام ذلك البيت يتذكر كل ما لن يعود. استعاد ضجيج الضحك الذي افتعلته تلك الأرواح رغم الفقر الذي كان يسكنها. تذكر والده الذي كان يضحك مع أمه على كل بشارة بحمل جديد " آه يا هذه مازلنا ننسل و الفقر اصبح أكبر صغارنا" .
تقدم قليلا من البيت القديم ليطل بأنفه من خلف الجدار الذي يكشف خلفه عن سواد لبقايا مطبخ قديم , يغمض عينيه و هو يشد على الجدار و يفرك أنفه في الهواء " أين أنت يا وهج، آه يا رائحة الخبز و المطر، ذلك الخبز الذي أقسمت أن لا آكله بعدك يا وهج" .
كعادته كان يهب الجدار قليلا من الدفء و يرحل، لم يعد باب البيت قابلا للطرق، كان يدخله حتى في اشد الايام ظلمة حتى ظن أهل القرية انه تعلم السحر أو أن جنيا تلبسه، لكأن وجه وهج يجوب الغرفة بكل طفولة ليضيء له وحدته، يبتسم كلما تذكر ضفائرها بين اصابعه و هي تبكي، لتصفعه الذاكرة فينفجر بكاء حين يتذكر كيف كان الماء يداعب خصلاتها بكل نعومة و هي نائمة تفرد جناحيها لتحلق بعيدا حيث لا يعلمون.
يجلس بالقرب من زاوية الغرفة، المكان الذي يضم بكاء و غضب وهج. " أين وجهك يا وهج لأطفأ دمعه، هل كان وجه الماء اشد لطفا عليه مني يا جنية البيت، هل كان ؟؟!"
كان كل أهل القرية يسمعون نواحه و صراخه على فترات متقطعة حتى تعود أن لا يقترب من حزنه أحد. الريح وحدها من كان يصفر معه. وحدها من كان يعبث بأرجوحة وهج. " آه يا وهج، أنت كالريح، كلما عبرتني تلدين شيئا في داخلي، الموت وحده ليس كافيا ليلغي كل شيء"
يخرج من عزلة تلك الزاوية لينتقل إلى غرفة تحمل الكثير من ضجيج تلك الأرواح المتباكية و الضاحكة حول صحن صغير يتقاسمه الجميع و هو يدور بكل إرتباك و قتال بين أيديهم، يجلس هناك و كأنه يستعد لعشاء أخير " آه يا وهج لو تعلمين كيف كان الصحن باردا تلك الليلة، و كأن روحا اقتلعت من تلك الغرفة الضيقة ,لأول مرة يركل الجميع صحنهم المقدس، و الذي أبى الا ان يتقاسم الأرض و انت تختفين يا وهج حيث لا نعلم، الخبز وحده لن يكفي ثمنا لحزنك حتى أخر الليل"
آخر ما بقي من وهج في ذلك البيت القديم دمية كانت قد حاكتها لها جدتها من بقايا قماش جمعته وهج من الخياط الوحيد لقريتهم،
الغبار يملأ تلك الدمية التي تناثرت أجزاؤها بشكل غير منظم، اقترب من الدمية و لم يشأ أن يغير من هيئتها. " وهج أتذكرين بكاءك إذا أمزق كل دمية صنعتها الجدة، فأين كانت مني هذه، أين أنت لتركليني بصراخك؟! أم أن جنيا دسها كما دسك الماء بين أضلاعه!"
أهل القرية عزموا على مواجهة الساحر هذه المرة لأنهم متأكدون أنه السبب فيما أصاب الفلج من جفاف، فهو يحمل لعنته على الماء أينما ذهب، تجمهروا حول البيت و تصارخوا " أنت أيها الساحر أو العفريت ، أخرج واجهنا ، نحن لا نخافك فكله موت ، نحن نموت عطشا. توقف عن صب لعناتك على الماء و إلا أحرقناك لتعرف طعمه"
أفاق من ذاكرته و هرول للخارج، الكل هناك الصغار قبل الكبار يزاحمون ليجدوا ممرا بين أجساد آبائهم كي لا يفوتهم منظر الساحر، " هل أصبحت وهج من السحر، الا تبكون كلكم وهج، ألم يخنقها ماؤكم الذي تشربون، يآل بؤسكم. أنتم لا تشعرون بل لا تعلمون، ماؤكم هذا أطفأ
وهج والبيت الذي كان يؤرقه ضجيجها، حملها حيث لا نعلم، وجهها الصاخب كان يعكس كل الحزن و هو ينفسخ من الماء لينتقل إلى حيث يسافر النور كل ذي ظلمة و أنتم أنفسكم تشهدون"
بدأت الحوارات تتكاثر و تدوي في المكان ليصرخ أحدهم" إنه الساحر ، إنه يلقي بطلاسمه علينا و يلعن ماءنا لنرحل جميعا كما حدث لوهج، اقتلوا الساحر بل احرقوه "
ينظر للسماء " أحرقوني فلا نار اشد من رحيلك يا وهج، ولتصبوا علي لعنات مائكم الذي تنفسته وهج"
كان مازال ينظر للسماء و هو يقول "وهج الموت وحده لا يكفي ليلغي كل شيء، الآن سأعرف أين ترحلين حيث لا يعلمون يا جنية البيت و وهجه"
النص سبق و نشرته ثم حذفته من هنا و قد كان بعنوان البجع ايضا يموت...و قد غيرت العنوان إذالا بجع هنا.... ثم غيرت العنوان من (الموت لا يغير شيئا ) إلى (وهج) :)