المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : المسلمون والتصنيع الحربي!


د . عبد الله قادري الأهدل
09/11/2006, 12:57 PM
قال الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)} [الحديد].
جمع الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة بين إرسال الرسل وإنزال الكتب هداية للناس، وبين إيجاد الحديد وخَلْقه الذي يُقَوِّم به أهلُ الهدى أعداءَ الله الذين يطغون في الأرض ويعيثون فيها فساداً، فمن استجاب لهدي الله الذي تضمنه كتابه، كان من عباده المؤمنين المتقين: {هدى للمتقين} [البقرة]. ومن صد عن هداه وحاد الله ورسوله ففي الحديد له رادع ومؤدب.

وقد ثبت من استقراء سنن الله في هذا الكون وفي تاريخ الأمم، أن المبادئ وقوة السلاح، لا يفترقان إذا أريد للمبادئ أن تثبت وتسيطر على غيرها وتنتشر في الأرض، سواء كانت مبادئ هدى أم مبادئ ضلال، وأن الصراع بين تلك المبادئ: مبادئ الإسلام ومبادئ الكفر لا ينقطع وأن الحديد من وسائل حسم هذا الصراع، وفي تاريخ الرسل وأتباعهم مع أمم الكفر والطغيان شاهد.

وأن من تأخر عن الأخذ بأسباب القوة المادية المستطاعة، معرض للذلة والمهانة، وإن كان صاحب حق، وهذا ابتلاء من الله لعباده المؤمنين ليبذلوا جهدهم ومقدرتهم في سبيل نصر دينه وإعلاء كلمته، ولهذا كان لابد أن يكون السيف بجانب المصحف، لإرهاب أعداء الحق، وإلا استهانت البشرية الضالة بالدعوة إلى الله وأهلها، ومن لم يرهب عدوَّه، أرهبه عدوُّه، وقد سبق إيضاح هذا المعنى في بعض مباحث هذا الفصل. قال ابن تيمية رحمه الله: "فالمقصود أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الله اسم جامع لكلماته التي تضمنها كتابه، وهكذا قال الله تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط}.

فالمقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله وحقوق خلقه، ثم قال تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب} فمن عدَل عن الكتاب قُوِّم بالحديد، ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف.

وقد روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضرب بهذا - يعني السيف - من عدل عن هذا يعني المصحف". [الفتاوى (28/263) والحديث رواه الحاكم في المستدرك، برقم (5842) عن جابر بن عبد الله الأنصاري، يقول: "بعثني عثمان رضي الله عنه في خمسين فارسا إلى ذي خشب، وأميرنا محمد بن مسلمة الأنصاري، فجاء رجل في عنقه مصحف وفي يده سيف وعيناه تذرفان، فقال: إن هذا يأمرنا أن نضرب بهذا على ما في هذا، فقال له محمد بن مسلمة: اجلس فقد ضربنا بهذا على ما في هذا قبل أن تولد، فلم يزل يكلمه حتى رجع) قال الحاكم: "صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه"

وآية الحديد هذه مع قوله تعالى في سورة الأنفال: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} وقد مضى الكلام عليها قريباً - وغيرها من النصوص كما سيأتي ذكر بعضها - توجب على المسلمين أن ينشئوا المصانع اللازمة التي تمدهم بالسلاح المرهب لأعداء الله وغيره من لوازم الجهاد في سبيل الله.

وذلك يشمل كل أنواع الأسلحة في جميع العصور، فإذا كان في العصور السابقة، كعصر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين ومن بعدهم، إذا كان السيف وما شابهه، والخيل وما شابهها، هي السلاح الذي يرهب أعداء الله، وكانت هي المستطاعة في ذلك الوقت، وقد أمر الله عباده المؤمنين بها، لا على أنها القوة المأمور بها في كل وقت، بل لأنها الجزء البارز من تلك القوة في ذلك الوقت، إذا كان الأمر كذلك، فإن القوة المأمور بها في كل عصر هي القوة البارزة التي يظهر أنها الفيصل الحاسم في المعارك الحربية. وكالطائرات الحربية المقاتلة والناقلة والشاحنة، والصواريخ والدبابات والمصفحات، والمدافع والرشاشات والقنابل والبندقيات والمسدسات، وأجهزة الاتصال على اختلاف أنواعها، وأجهزة كشف قوة العدو الجوية والبرية والبحرية، والسفن الحربية والغواصات وحاملات الطائرات، وكلما يخطر بالبال مما يوجد بيد العدو أولا يوجد، وهو مستطاع عند المسلمين.

كل ذلك يجب أن يقيم له المسلمون المصانع وأن يتفوقوا في صناعته كماً وكيفاً على أعدائهم ما داموا قادرين على ذلك وأن يكون تدريبهم على كل أنواع السلاح أرقى وأتقن من تدريبات عدوهم. ويدخل في ذلك الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، التي يملكها أعداء الإسلام، فإنها داخلة دخولا أوليا في وجوب الإعداد الذي أمرت بها نصوص القرآن والسنة، وقد ملك هذه القوة أعداء المسلمين، وأرادوا الاستئثار بها، وحظروا على غيرهم حيازتها، ليرهبوا بها أهل الإسلام، وينجوا هم من الإرهاب بها، والله تعالى قد أمر المسلمين بإعداد العدة التي يرهبون بها عدوهم، فإذا ملك عدوهم تلك القوة، أصبح فرضا عليهم صناعتها وحيازتها، ليقابلوا الإرهاب بإرهاب أشد، وإذا فرطوا في ذلك وهم قادرون على الحصول عليها بأي وسيلة من الوسائل الممكنة، فهم آثمون لا يرتفع عنهم الإثم إلا بالسعي الجاد واتخاذ كل حيلة متاحة لذلك، وسواء استعملت أم لا؟ إذ يكفي أن يعلم العدو أن المسلمين يملكون ما يملك، من السلاح حتى يكف عن عدوانه.

وبهذا يظهر أن المسلمين - في هذا الزمان - آثمون كلهم لعدم، قيامهم بإنشاء مصانع الجهاد، التي تكفي لإمدادهم بما يتطلبه الجهاد في سبيل الله لأعداء الله، وإن الذين يثبطون المسلمين عن إنشاء المصانع النافعة - ولا سيما الحربية منها - خونة لا يجوز للمسلمين الركون إليهم ولا استشارتهم، لأن في ذلك تركاً للقيام بأمر الله وطاعة لأعدائه، الذين لا يمكن أن ينصحوا المسلمين بما ينفعهم إلا إذا كان ذلك النفع غير مضر بمصالحهم.

وفي أنبياء الله قدوة ألا ترى أن الله سبحانه أمر نبيه نوحاً عليه السلام أن يصنع لنفسه ولأتباعه ممن آمن به سفينة تكون سبباً مادياً في نجاتهم؟، مع أن الله تعالى كان قادراً على أن ينجيه وقومه بدونها، وما قيمة سفينة أمام قدرة الله؟ لولا أن الله تعالى أراد نجاة أهلها، ببذل السبب في صنعها: {قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنْ اصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ (29)} [المؤمنون].

وعلَّم الله سبحانه نبيه داود صناعة الأسلحة فصنعها، قال تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80)} [الأنبياء].

قال القرطبي رحمه الله: "هذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب، وهو قول أهل العقول والألباب، لا قول الجهلة الأغبياء القائلين بأن ذلك إنما شرع للضعفاء، فالسبب سنة الله في خلقه، فمن طعن في ذلك فقد طعن في الكتاب والسنة ونسب مَن ذكرنا إلى الضعف وعدم المنة، وقد أخبر الله عن نبيه داود عليه السلام أنه كان يصنع الدروع، وكان أيضاً يصنع الخوص، وكان يأكل من عمل يده، وكان آدم حراثاً ونوح نجاراً ولقمان خياطاً)). [الجامع لأحكام القرآن (11/321)].

وإذا كان الله سبحانه قد أمد بعض أنبيائه بأسباب مادية بلا صنع منهم، كما جعل الريح طوع أمر سليمان عليه السلام – مثلاً - فإن الله تعالى قد أمد البشرية في هذا العصر بما أدهش العقول، وهو مسخر لكل عامل، مسلما كان أم كافرا.

من جد وجد ومن عـزَّ بـزَّ. وها هم أعداء الله الكفار قد استغلوا كل ما بلغته طاقتهم، ووصل إليه جهدهم، ولا زالوا في نشاط متواصل لاستغلال ما سخره الله.

وفضل الله الدنيوي مفتوح لكل مجد في تحصيله لا فرق بين مسلم وكافر. ولما لم يطلب المسلمون ذلك بجد صاروا من سقط المتاع، وذيلاً للأعداء مع قدرتهم المعطلة التي لو استغلوها، لكانوا على غير هذا الوضع المزري.

قال سيد قطب رحمه الله: "ويحسن أن تعرف حدود التكليف بإعداد القوة فالنص يقول: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} فهي حدود الطاقة إلى أقصاها، بحيث لا تقعد العصبة المسلمة عن سبب من أسباب القوة يدخل في طاقتها، كذلك يشير النص إلى الغرض الأول من إعداد القوة: {ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} فهو إلقاء الرعب والرهبة في قلوب أعداء الله، الذين هم أعداء العصبة المسلمة في الأرض، الظاهرين منهم الذين يعلمهم المسلمون، ومن وراءهم ممن لا يعرفونهم، والمسلمون مكلفون أن يكونوا أقوياء، وأن يحشدوا ما يستطيعون من أسباب القوة، ليكونوا مرهوبين في الأرض، ولتكون كلمة الله هي العليا وليكون الدين كله لله.

ولما كان إعداد القوة يقتضي أموالاً، وكان النظام الإسلامي يقوم على التكافل، فقد اقترنت الدعوة إلى الجهاد بالدعوة إلى إنفاق المال في سبيل الله: {وما تنفقوا من شيء يوف إليكم وأنتم لا تظلمون}. [في ظلال القرآن الكريم (10/1544)].

وقيام المسلمين بإنشاء مصانع جهادية، هو فرض عليهم، ما كانوا قادرين على ذلك، لأنهم به يستغنون عن عدوهم، ويحفظون أسرارهم وأموالهم والخيرات التي أنعم الله بها عليهم في بلادهم، ويطورون صناعاتهم على حسب الحاجة والمصلحة، ويأمنون من خيانة عدوهم الذي يشترون السلاح منه، لأنه غالباً لا يبيعهم إلا السلاح الذي لا يصلح لدفع عدوانه عنهم، إذ يصنع لنفسه أسلحة متفوقة في الهجوم والدفاع، ويحظر على المسلمين الاطلاع عليها، مع أنه - أي العدو - يعلم خفايا أسلحة المسلمين التي بأيديهم، لأنه هو الذي صنعها لهم، فيكون بذلك قادراً على حرب المفاجأة، والمسلمون غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم بالأسلحة التي بين أيديهم، إضافة إلى احتكاره قطع الغيار التي يستطيع حظرها على المسلمين وقت ما يشاء، فيبقى سلاحهم شبيها بقمامات مكدسة، لا يستفيدون منها شيئا عند الحاجة.

وليس معنى هذا منع المسلمين من شراء السلاح من أعداء الله الكافرين، قبل أن يستغنوا بمصانعهم التي يقيمونها هم، بل يجب أن يشتروا منهم الأسلحة، عندما لا يكونون قادرين على صنعها بأنفسهم، أو لا يجدونها عند بعضهم من المسلمين، ولكن يجب عليهم – أيضاً - أن يسعوا لإنشاء المصانع الجهادية المستطاعة.

وعندئذ يكونون ممتثلين أمر الله سبحانه في الإعداد، وعليهم أن يجتهدوا في اختيار الدول التي يشترون منها السلاح، وأن يتثبتوا لأنفسهم من جودته، وأن يكون سعره مناسباً قدر الاستطاعة.

فقد يكون العدو الكافر الذي يبيع المسلمين أسلحته، ليس بينه وبين المسلمين حرب مباشرة، بل تكون الحرب بينهم وبين كافر آخر، ولكن هذا العدو المحارب يستمد مؤنه وذخائره من العدو الكافر الآخر الذي يبيع السلاح للمسلمين، فعلى المسلمين أن يجتهدوا في أن يكون السلاح الذي يشترونه منه، مثل السلاح الذي يبيعه لعدوهم المحارب، إذا لم يمكن أن يكون أقوى منه، وأن يستعملوا في سبيل الحصول على ذلك كل الوسائل المادية، التي تجبر البائع على الاستجابة لطلبهم، فإنه قد يكون في حاجة إلى شراء بعض المواد من المسلمين، وعليهم أن يستغلوا حاجته كما يستغل هو حاجتهم.

أما العدو المحارب فإنه من الصعب على المسلمين الحصول على أسلحته، إلا من طريقين: الطريق الأول: وقوع أسلحته في أيدي المسلمين غنيمة في ساح القتال، وهذا ما كان يحصل للمسلمين في حروبهم ضد أعدائهم في كل العصور ولا زال. ا لطريق الثاني: الحصول عليه من قبل شركات أجنبية تبتاع منه السلاح وتبيعه، وفي هذه الحال إذا ثبت للمسلمين أن في شراء هذا السلاح مصلحة راجحة لهم ومضرة على عدوهم، فعليهم أن يبتاعوه، وأن يكونوا حذرين من أن يكون العدو أراد أن يخدعهم عن طريق تلك الشركة بهذا السلاح، حيث يظنون أنه نافع وهو في الواقع ضار لهم.

هل المسلمون قادرون على إنشاء المصانع الجهادية؟

ولا شك أن المسلمين قادرون على إنشاء المصانع، لجميع ما يحتاجون إليه في حياتهم السلمية والحربية - وكلها حياة جهادية - لا سيما في هذا العصر الذي أتاح الله لهم فيه من المواد التي تقوم بها المصانع ما يكفي لإقامتها، وهم ينتشرون في الأرض على مساحات واسعة غنية بالتربة الخصبة والمياه الوفيرة، والحديد والصلب والألماس والبترول، كما هو واضح لمن تأمل خريطة العالم الإسلامي من غرب أفريقيا إلى إندونيسيا.

نعم قد تكون بعض الشعوب الإسلامية، بحدودها الجغرافية المصطنعة وحواجزها السياسية الفاسدة، وما غزاها من العصبيات الفكرية المبنية على القوميات أو المبادئ الأجنبية، قد تكون بعض هذه الشعوب يوجد بها بعض المواد والمعادن، وبعضها يوجد بها مواد ومعادن أخرى، كأن يوجد الحديد ومشتقاته في بلد، ولا يوجد في هذا البلد مواد الطاقة كالزيت ومشتقاته، مع أن بعضهما يكمل الآخر.

وقد يوجد في بعض هذه الشعوب الخبراء في صناعات بعض المواد، ولكن المواد التي يجيدون صناعتها، توجد في بلد آخر لا يوجد به خبراء، أو يوجد منهم من لا يكفي للقيام بصناعة تلك المواد. وهذا ما يعيق تلك الشعوب في استغلال خيراتها وخبراتها معا. ولكن هذه الشعوب، لو هداها الله فتعاونت على استغلال تلك الخيرات والخبرات، لاستطاعت في فترة غير طويلة النهوض من مرقدها، واللحاق أو السبق بالأمم التي جدت وتعاونت لبلوغ أهدافها المادية.

فالشعب الذي تتوافر فيه الطاقة مثل الزيت ونحوه، يمد بهذه الطاقة الشعب الذي يتوافر فيه الحديد ونحوه، للاشتراك في إقامة المصانع الممكنة، والشعب الذي يتوافر فيه الخبراء في صناعة الزيت ومشتقاته، يدفع بهؤلاء الخبراء إلى الشعب الذي يتوافر فيه الزيت ومشتقاته لإقامة المصانع المناسبة.

وهكذا كل شعب مسلم، يتعاون مع الشعب المسلم الآخر، فيما يعود عليهما بفائدة خيراتهما وخبراتهما، ويمكن أن تشترك جميع الشعوب الإسلامية في إنشاء مصانع معينة لا يقدر بعضها أن يقوم بها وحده، ثم تكون أولوية الشراء للشعوب الإسلامية بأسعار مناسبة، إن لم تكن أقل من أسعار سلع الأعداء التي يبيعونها في أسواقنا فلتكن مثلها.

أمثلة تبين الحقيقة.

ولإيضاح هذه الحقيقة يحسن أن يمثل لذلك ليكون المسلم على بينة من الأمر: السودان - مثلا - بها أراض واسعة خصبة، تتدفق بها مياه النيلين والذي ينقصها لزراعة تلك الأراضي واستثمارها، هو المال الذي تحتاج إليه لإنفاقه في شراء الآلات وإيجاد الخبرات، واستقطاب العمال الذين غادروا البلاد، بحثاً عن لقمة العيش، كما تنقصها الطاقة التي تحرك بها تلك الآلات [وهذه بدأ إنتاجها في السودان اليوم] ووسائل النقل البري والبحري والجوي، لاستغلال ثمار ما تزرعه وتصديره في داخل البلاد وخارجها للاتجار فيه.

ودول الخليج والجزيرة العربية والعراق وليبيا - مثلا - غنية بالطاقة والمال وهي تشتري الأغذية من الحبوب والحيوانات والمعلبات، ومياه الشرب من الدول الأجنبية الكافرة في الشرق والغرب، بأسعار باهظة وتبيع طاقاتها وموادها بأسعار زهيدة من تلك الدول الأجنبية، وتستثمر أموالها في الدول الأجنبية كذلك. ولو أن هذه الدول الغنية بالطاقة والمال، استثمرت بعض أموالها في السودان - وهو بلد مسلم مجاور - لزراعة أراضيه الصالحة، وأمدته بالطاقة اللازمة والآلات، لأصبح هذا البلد مصدراً لغذاء الدول العربية كلها، من حبوب وخضار وفواكه ولحوم وغيرها، ولأقيمت به مصانع القطن ومشتقاته، وكذلك الصوف، ولما بقيت هذه البلدان تحت رحمة الدول الأجنبية تهددها بقطع لقمة عيشها التي لا تقدر على الحياة بدونها. ومثل السودان في ذلك بنغلاديش التي يرى الناظر غالب أرضها غير مستغلة للزراعة، مع وفرة المياه فيها وغيرها كثير من بلدان العالم الإسلامي، التي لو بذلت في زراعتها الجهود، لأصبحت تنافس دول الشرق والغرب مجتمعة في ذلك.

ولكن العالم الإسلامي يضطر الآن، إلى استيراد أنواع الحبوب كافة، إذ لا يكفيه إنتاجه، وذلك يعود إلى قلة المشروعات القائمة وعدم الاهتمام اللازم بالزراعة والإنتاج الزراعي، ولو أُولِيَ هذا الجانب الاهتمام وأقيمت المشروعات اللازمة للري وإحياء الموات من الأراضي، لأصبح العالم الإسلامي مصدر خير لأبنائه، ومركزاً لتصدير أنواع الحبوب، وذلك لما في أرضه من خصوبة واتساع. [اقتصاديات العالم الإسلامي ص71 لمحمود شاكر].

هذا مثال لما يمكن أن تقوم به بعض الشعوب الإسلامية متعاونة، فيغنيها عن سيطرة الأعداء عليها، وإخضاعهم لها، بسبب حاجتها إلى استيراد المواد الضرورية من بلادهم، وتهديدها بقطع إمدادها بلقمة العيش عنها فضلاً عما سوى ذلك.

وها هي الدول الكافرة تعقد الأحلاف، وتتجمع في سبيل الحصول على مصالحها السياسية والاقتصادية والحربية، وتتفاوض مع غيرها مجتمعة من مركز قوة في كل شؤونها، والحال أن كل دولة قادرة على تنفيذ كثير من مآربها مفردة، ولكنها تشعر أنها لا تقدر على الحصول على أكبر قدر مما تريد، إلا إذا تعاونت مع غيرها، وأقرب مثال لهذا التعاون السوق الأوروبية المشتركة، التي تحاول بجد توحيد جهود دولها اقتصادياً وحربياً وسياسياً، للوصول إلى الوحدة الأوروبية الكاملة. [وهي اليوم على أبواب الولايات المتحدة الأوربية].

تفريط في الخبْرات والخيرات

والعالم الإسلامي الغني بثرواته ومعادنه وإمكاناته البشرية، قادر على التنسيق والتعاون الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والعسكري، ولو تم له ذلك لاستطاع أن يقيم المصانع، ويستقدم الخبراء والعلماء المسلمين الذين هاجروا إلى الدول الكافرة، لعدم وجود الإمكانات المتاحة لاختصاصاتهم في البلدان الإسلامية التي هاجروا منها.

ولو هيئت لهم الفرص في بلادهم، لنصحوا لأمتهم واجتهدوا في تحقيق مصالحها، لا سيما المتمسكين بدينهم الراغبين في إعلاء كلمة الله في الأرض، فإنهم سيسعون جادين في استغلال جميع ثروات بلادهم ومعادنها، معتبرين القيام بذلك عبادة لربهم، كل في اختصاصه.

وسيرى عندئذ المسلمون، أنهم حرموا من جهود أبنائهم مدة طويلة من الزمن، وأن أعداء الله وأعداءهم من أهل الكفر استفادوا من تلك الجهود وتلك الخبرات دونهم، وأن الخسارة التي منوا بها بسبب ذلك عظيمة، يتحمل وزرها من فرط فيهم وهو قادر على الاستفادة منهم، وأن ذلك التفريط كان مقصوداً لإرضاء أعداء المسلمين، بتأخر شعوب العالم الإسلامي، وإتاحة الفرصة لأولئك الأعداء للاستفادة من خيرات هؤلاء العلماء وخبراتهم، لأن أبناء الشعوب الإسلامية لو عادوا إليها وهم قادرون على استغلال خيراتها ومكنوا من ذلك، لما نال منهم أعداؤهم كل ما نالوه من تهديد مصالحها، ولخضعوا لجميع مطالب المسلمين، أو غالبها، من بذل خبراتهم وبيع المعدات والآلات التي يحتاج إليها المسلمون، مما لم يكن قد صنعوه لأنفسهم، وأهمه الأسلحة الهجومية التي يجب توافرها عند المسلمين ليرهبوا بها عدو الله وعدوهم.

ولكن المسلمين فرطوا في خبرائهم - كتفريطهم في خيراتهم – وأهملوهم، لا بل حالوا بينهم وبين عودتهم إلى بلادهم واستقرارهم بها وقيامهم بما يجب أن يقوموا به، واهتموا بتوطيد علاقاتهم مع الكافرين، متنازلين عن كثير من حقوق شعوبهم، باذلين لأولئك الكفار أَضعاف أضعاف ما يستحقونه. ففتحوا لهم المجال للتنقيب عما يحتاجون إليه، من الطاقة والمعادن التي لا توجد في بلادهم أو توجد بكميات ليست كافية لهم، أو أنها تكفي ولكنهم يخزنونها في أرضهم، ليستنزفوا ما في أرض المسلمين بأثمان زهيدة، ويصنعوا من بعضه مشتقات لا تحصى، فيستعملون أحسنه وأجوده وأكثره فائدة لهم، ويبيعون ما لا يحتاجونه بأعلى الأسعار للشعوب الإسلامية التي استنزفوا منها تلك الخيرات. ك ما يبيعون المعدات والأشياء التي كانت تلك الطاقة وتلك المعادن أصلاً لصناعتها أو سبباً فيها، يبيعونها بأثمان باهظة، فيستنزفون تلك الطاقة والمعادن من جهة، ويمتصون أموال الشعوب الإسلامية بتلك الصفقات الجائرة من جهة أخرى.

وما بقي من أموال المسلمين من النقود تصرفوا فيه ونالوا به أرباحاً هائلة، بحجة إيداعه في بنوكهم واسثماره في بلادهم، مقابل نسبة تافهة تسجل للمودعين والمستثمرين، يغلب عليها الربا والتعامل الحرام في الشريعة الإسلامية. و على الرغم من ذلك كله، فإن أعداء الله لا يبيعون للمسلمين أي سلاح هجومي يرهبون به مقاتليهم، بل يبعيون ذلك السلاح الهجومي بكميات هائلة من أرقى الأنواع وأحدثها، لعدو المسلمين المقاتل المباشر، وبخاصة اليهود، ليرهبوا به، المسلمين، لأن اليهود وأعوانهم من الصليبيين يشتركون في عدائهم الشديد لهذه الأمة.

لا تتخذوا بطانة من دونكم

ولا يليق بحكومات الشعوب الإسلامية، الركون إلى الدول الغربية، التي تتظاهر لها بالصداقة الكاذبة والتحالف الخادع، وبخاصة الحكومة الأمريكية، التي انحازت انحيازا كاملا إلى صف اليهود، ضد المسلمين كلهم، وبخاصة الدول العربية.

وبذلك تضاعفت خسارة المسلمين واستمر ذلهم وتأخرهم، على رغم وجود محاولات ضعيفة لإنشاء مصانع للسلاح وغيره.

والأدهى من ذلك أن المستشارين الذين يخططون لحكومات الشعوب الإسلامية المخططات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية، هم من أولئك الأعداء الذين يضعون آلاف الصعاب والعقبات، أمام أي مشروع يرون فيه مصلحة راجحة للشعوب الإسلامية، لا سيما المشروعات الصناعية، وبخاصة المشروعات الجهادية.

فإذا قدم أي مشروع من تلك المشروعات درسوه، وأخذوا يحذرون من تنفيذه، معللين ذلك بعدم الإمكانات التي تجعله ناجحاً، ويثبتون بالأرقام الكاذبة لذوي العقول البليدة أو الضمائر الخائنة، خسارة ذلك المشروع، لأنهم يعلمون أن في تنفيذه فتحاً للأبواب والمنافذ لولوج الشعوب الإسلامية، في أعماق حضارتهم المادية المحتكرة المبنية - عندهم - على الكفر- ويعلمون أن المسلمين لو أحرزوها لبنوها على الإيمان والدين والخلق، وأن في ذلك تحطيماً لحضارتهم الفلسفية المبنية على الكفر والإلحاد.

وإذا لمسوا من المسلمين تصميماً على إقامة المصانع، حسنوا لهم إنشاء مصانع لا تضرهم كثيراً، مثل صناعة الزجاج والورق والغزل والنسيج وبعض الأواني والأثاث، وتجميع القطع المصنوعة في بلادهم، لتركيبها في بلاد المسلمين كالسيارات وبعض الأسلحة الخفيفة، ليخدروا المسلمين بذلك فيرضوا بالدون ويختاروا الأدنى على الأعلى.

والمؤسف أن المسلمين لم ينتبهوا لهذا الكيد السافر والاستنزاف الكثير، وهذا الصد عن الوصول إلى العزة والكرامة والاستغناء عنهم، بل لا زال أولئك الكفار هم بطانة كثير من حكام المسلمين، والله تعالى قد حذرهم منهم في كتابه وتحذيره يتلى منذ أربعة عشر قرناً من الزمان.

كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119)} [آل عمران].

{وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ (113)} [هود] والمؤسف حقاً أن يجد المسلم من يرفع صوته في بلاد المسلمين، حاضاً لهم -صراحة أو ضمنا - على تقليد الغرب في نبذ الإيمان بالله ورسله والوحي والخلق وفي كل تَحُلُّل قبيح، وقد استجاب لذلك كثير من المنتسبين إلى الإسلام، بل أكثرهم وعلى رأسهم كثير من حكام الشعوب الإسلامية، الذين أعلنوا عداءهم السافر للإسلام وأقصوه عن حياة المسلمين، ولا يجد المسلم من يستجيب منهم لنداء المصلحين بالتمسك بالإسلام، والسعي الجاد في الاستفادة من السبق المادي الذي أحرزه أعداء هذا الدين، لإعلاء كلمة الله، إلا ما شاء ربك وقليل ما هم.

ولهذا أخذ المصلحون يرددون، قول الشاعر: لقد أسمعت لو ناديت حياً،،،،،،، ولكن لا حياة لمن تنادي ولو ناراً نفخت بها أضاءت،،،،، ولكن أنت تنفخ في رمادِ ما المانع من إقامة المصانع الجهادية؟

ما الذي يمنع المسلمين من إنشاء المصانع واستقطاب الخبراء من علماء المسلمين وغير المسلمين - إذا دعت الحاجة - إلا ضعف الإيمان والأنانية، وعدم تعاونهم على ما فيه مصالح بلدانهم، مخالفين بذلك أمر الله تعالى لهم في قوله: {وتعاونوا على البر والتقوى} وعدم ثقة بعضهم في بعض، كما أن غالبهم جعلوا بينهم وبين أهل الحل والعقد من شعوبهم، حواجز تمنعهم من اتخاذ القرارات الجماعية في الأمور المهمة التي يعود نفعها أو ضررها على الجميع، وإلا الخلافات المستحكمة بين أولئك الزعماء بسبب أغراضهم الشخصية، والحفاظ على كراسي حكمهم الذي يستعينون على بقائه بأعداء شعوبهم، الذين يدعمونهم بالسلاح الهجومي على شعوبهم، ويقال عنه: إنه دفاعي بالنسبة للعدو المحارب، كما يمدونهم بالخبراء والمستشارين الذين يمنونهم بطول الزعامة على تلك الشعوب المحكومة، ويزينون لهم سياسة الانفصام النكد عن شعوبهم، حتى يشعروا بأن شعوبهم ضدهم، وأنه لا بد من قهرها بقوة خارجية، فيبقى أولئك الزعماء خاضعين لتلك القوى الأجنبية توجههم وتخطط لهم، وهم ينفذون ما يكون فيه ظلم شعوبهم وظلم أنفسهم في النهاية.

فهل ترى أمثال هؤلاء يهتمون بتقدم بلادهم وإقامة المصانع فيها وهم بهذه الحال؟ ولو أنهم التحموا بأهل الحل والعقد في شعوبهم، وكان تعاملهم معهم مبنياً على الحب والنصح والشورى، وتعاونوا جميعا على صيانة شعوبهم من العقائد الفاسدة والأخلاق السيئة، وعبئوهم تعبئة جهادية بالمال والنفس، لأحرزوا من القوة في وقت غير طويل، ما أحرزه غيرهم في وقت أطول.

وتلك اليابان - وهي دولة كافرة - ولكن لها أخلاقها وتقاليدها التي لم تخضع للتخلي عنها، فجدت - بعد أن كاد شعبها يدمر تدميراً – وكابدت، وبدأت من الصفر في الصناعة، حتى أصبحت تنافس دول الشرق والغرب، وملأت الأسواق بصناعاتها، ولو أعطيت الفرصة في صناعة الأسلحة المدمرة، لفاقت غيرها من الدول الكبرى التي أصبحت خائفة تترقب من قفزاتها الهائلة.

وهذه دولة اليهود الذين احتلوا بلاد المسلمين ومسجدهم الثالث وانتهكوا حرماتهم، قد أحرزت السبق في السلاح النووي، وأصبحت تصدر أسلحتها، بعد أن ملأت مخازنها، إلى خارج بلادها، ولم يمض على إقامة هذه الدولة اللعينة الدخيلة التي اجتمع زعماؤها من آفاق الدنيا، إلا خمسون عاما تقريبا، [يراجع كتاب العسكرية الإسرائيلية لمحمود شيت خطاب].

وساسة اليهود وقادة جيوشهم وزعماء دينهم، يصرحون كلهم بوجوب تمسكهم بدينهم وعقيدتهم، ويسمون أسلحتهم ومواقع قتالهم بأسماء دينية عندهم. ما سبب هذا التقدم السريع في مجال الصناعة والإدارة عند أعداء الله؟ وما سبب هذا التأخر والموت الطويل عند المسلمين؟

أليس سبب تقدم أعداء الله: الإرادة والعمل واستغلال الطاقات ومعاملة الآخرين بالمثل مصلحة بمصلحة وضغطاً بضغط؟

وسبب تأخر المسلمين فقد الإرادة، والموت الطويل الأمد، والخنوع لأعداء الله الذين يأخذون منهم ولا يعطونهم؟.

وما الفائدة التي جناها المسلمون من تلك الجيوش التي هاجرت إلى الغرب باسم طلب العلم، ثم عاد كثير منهم ببضاعة مزجاة كاسدة في تخصصهم، ناقلين عفن الغرب إلى بلادهم؟!

ومن نجح في عمله احتجز في الغرب، ليقدم لهم ما عنده من خبرة وطاقة وحرم منه أهل بلاده.

والذي يعود من هؤلاء الناجحين، يصابون بخيبة الأمل، بسبب عدم تمكينهم من العمل المثمر لتخصصاتهم التي قضوا فيها غالب عمرهم فيها. صرخات لا تسمع و استمع أيها المسلم لصرخة أحد إخوانك الذين لا يملكون إلا النداء، وقل بعد سماعك: هل من مجيب؟ "وأما هؤلاء الذين نعتمد عليهم في دراسة أراضينا فإن مصالحهم – مما لا شك فيه – هي المقدمة ولا غرابة في ذلك، فكل إنسان يسعى وراء مصلحته، وليس هناك من يفتش على مصلحة الآخرين ويدع شأنه الذي فيه صلاح أمره.

إنهم ينقبون خارج أراضيهم عن المعادن والثروات التي لا تتوفر في بلادهم، ولا يهتمون بما عدا ذلك. فالبترول الذي تذخر أراضينا فيه، تتنافس الشركات في سبيل الحصول على امتيازات للتنقيب عنه وتسرع لحفر الآبار واستثمارها، بل إن السياسة الدولية لا يمكن فهمها جيداً، إلا إذا وضعنا بعين الاعتبار مصالح الدول البترولية وحركة شركاتها من خلال تلك المصالح، وكثير من الانقلابات العسكرية كانت الشركات البترولية من ورائها تخطط لها وتحركها، لتحقق غايتها وتؤمن أرباحها، وتحصل على أوسع منطقة لامتيازاتها وبالتالي تؤمن الفوائد لدولها.

أما الثروات المعدنية الدفينة الأخرى ومصادر الطاقة الثانية التي تزخر فيها أراضيهم، فلا ينقب عنها خارج حدودهم، ولا يهتمون فيها إلا من خلال مصالحهم وما يرون من ذلك من فائدة لهم، كأن يأخذوا المعلومات الكاملة عنها ويتركوها، وتبقى تلك الدراسات سرية للغاية وبيد الدارسين فقط، حتى إن هذه المعلومات لتجهلها الدولة صاحبة الأرض بالذات.

فالرصاص والكروم والمنغنيز والقصدير والأورانيوم، لا تزال ثروات منها كبيرة مدفونة في جوف أرضنا ولا يهتم بها أحد، بل لا نعرف الاحتياطي منها، لأنهالم تدرس بعد، ما دام الأجانب يؤمنون هذه الثروات من بلادهم وتزخر أراضيهم بها، فيكتفون بما يستخرجون منها وتقنع صناعتهم بما يحصلون عليه، إذ الحاجة غير ملحة لهم بالذي في أرضنا، وتبقى ذخراً يمكنهم التنقيب عنه في الوقت الذي يرون فيه ضرورة لهم ولصناعتهم، إذ يرون الآن أنهم ليسوا بحاجة إلى استخراجه حتى لا تزداد ثروتنا أو تقوم لنا صناعة. وقد تكون الظروف السياسية غير مناسبة لهم لاستثمار الثروات الباطنية من منطقة من المناطق، كان يكون الوضع السياسي في غير مصلحتهم، أو حتى لا تلفت المنطقة نظر بقية المؤسسات الاستعمارية والشركات الاستعمارية و.

وقد يستخرجون بعض الثروات ليبقى ما في بلادهم احتياطياً لهم، ما دام مضموناً في أيديهم، كما يعلمون أن نهوضنا سيبقى متأخرا ما دامت رقابنا في أيديهم أو نتبع إشارتهم، وهذا ما يخططون له ليبقى الوضع على حاله، فيتخذون من الحراس صوراً ظاهرة وهم في الواقع من القش وسيوفهم من خشب عليهم، ولكنها علينا بتارة ولتظهر كذلك على غيرنا". [اقتصاديات العالم الإسلامي ص153ـ154]. فقد إرادة القتال لرد عدوان الأعداء

إن المتأمل في تصرف زعماء المسلمين بالنسبة للصناعة - وغيرها كذلك من مصالح شعوبهم - يتضح له أنهم لا يريدون القتال، بل يودون من قرارة نفوسهم أن يتركوا وشأنهم، وليكن ما يكون بعد ذلك، من احتلال الأعداء للأراضي الإسلامية وتشريد شعوبها وقتلهم وتعذيبهم وانتهاك حرماتهم، والسيطرة على بلادهم اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وعسكرياً.

كل ذلك لا يعنيهم في شيء ما بقوا زعماء ولو صورة، والموجه الحقيقي في تصرفاتهم هو العدو الكافر، ولا يغرنك تحرك كثير من الزعماء ونداءاتهم بين حين وآخر للصمود والتصدي كما يقولون، فإن ذلك صمودٌ وتصدٍّ لشعوبهم لا لعدو شعوبهم وإنما هو من ذر الرماد في العيون.

وإلا فلو أرادوا القتال حقاً لأعدوا له عدته، ومنها إنشاء المصانع الجهادية، وقضوا على الترف والاسترخاء اللذين فرضوهما على شعوبهم فرضاً، بتبديد الأموال في متع الدنيا وأثاثها وشهواتها، فأماتوا بذلك الجندية والرجولة في نفوس المسلمين.

وإرادة القتال - كما حددها بعض العسكريين، هي -: "الرغبة الأكيدة في الصمود والثبات في ميدان القتال، من أجل مثل عليا وأهداف سامية وإيمان لا يتزعزع بهذه المثل والأهداف، وثقة بأنها أحب وأعز وأغلى من كل شيء في الحياة، وتحمل أعباء الحرب ببذل الأموال والأنفس، واستهانة بالأضرار والشدائد وصبر في البأساء والضراء وحين البأس، حتى يتم تحقيق تلك المثل العليا والأهداف السامية، مهما طال الأمد وبعد الشوط وكثر العناء وازدادت المصاعب وتضاعفت التضحيات". [إرادة القتال، لمحمود شبت خطاب ص16]. تحذير أعداء الإسلام من النهوض الصناعي لأهله

ولقد أخاف أعداءَ الله أن تتمكن إرادةُ القتال من نفوس المسلمين، فذهبوا يتخذون كل الوسائل الممكنة للحوْل بين المسلمين وبين هذا التمكن، وأخذوا يحذر بعضهم بعضاً، ويتناصحون بما يمكن أن يبعد المسلمين عن مجال إرادة القتال، التي هي أساس الجهاد الصناعي القائم على إعلاء كلمة الله في الأرض. وتأمل هذه التحذيرات والنصائح التي وجهها أحد المسئولين في وزارة الخارجية الفرنسية في منتصف هذا القرن: [القرن العشرون الميلادي].

"ليست الشيوعية خطراً على أوروبا فيما يبدو لي، فهي حلقة لاحقة لحلقات سابقة، وإذا كان هناك خطر فهو خطر سياسي عسكري فقط، ولكنه ليس خطراً حضارياً تتعرض معه مقومات وجودنا الفكري والإنساني للزوال والفناء.

إن الخطر الحقيقي الذي يهددنا تهديداً مباشراً عنيفاً هو الخطر الإسلامي، فالمسلمون عالَمٌ مستقل كل الاستقلال عن عالمنا الغربي، فهم يملكون تراثهم الروحي الخاص، ويتمتعون بحضارة تاريخية ذات أصالة، فهم جديرون أن يقيموا بها قواعد عالم جديد، دون حاجة إلى الاستغراب، أي دون حاجة إلى إذابة شخصيتهم الحضارية والروحية بصورة خاصة في الشخصية الحضارية الغربية. فرصتهم في تحقيق أحلامهم، هي في اكتساب التقدم الصناعي الذي أحرزه الغرب، فإذا أصبح لهم علمهم،

وإذا تهيأت لهم أسباب الإنتاج الصناعي في نطاقه الواسع، انطلقوا في العالم يحملون تراثهم الحضاري الغني، وانتشروا في الأرض يزيلون منها قواعد الروح الغربية، ويقذفون رسالتها إلى متاحف التاريخ. وقد حاولنا خلال حكمنا الطويل في الجزائر، أن نتغلب على الشخصية التاريخية لشعب هذا البلد، فلم نألوا جهداً في صوغ شخصية غربية له، فكان الإخفاق الكامل نتاج مجهودنا الضخم الكبير.

إن العالم الإسلامي يقعد اليوم فوق ثروة خيالية من الذهب الأسود والمواد الأولية الضرورية للصناعة الحديثة، ولكنه في حاجة إلى الاستقلال في استغلال هذه الإمكانيات الضخمة الكامنة في بطون سهوله وجباله وصحاريه.

إنه في عين التاريخ عملاق مقيد، عملاق لم يكتشف نفسه بعد اكتشافاً تاماً، فهو حائر، وهو قلق كاره لماضيه في عصر الانحطاط، راغب رغبة يخالطها شيء من الكسل أو بعبارة أخرى من الفوضى في مستقبل أحسن وحرية أوفر.

فلنعط هذا العالم ما يشاء، ولنقو في نفسه عدم الرغبة في الإنتاج الصناعي والفني، فإذا عجزنا عن تحقيق هذه الخطة وتحرر العملاق من قيود جهله وعقدة الشعور بعجزه عن مجاراة الغرب في الإنتاج، فقد بؤنا بالإخفاق الذريع، وأصبح خطر العالم العربي وما وراءه من الطاقات الإسلامية الضخمة، خطراً داهما يتعرض به التراث الحضاري الغربي لكارثة تاريخية ينتهي بها الغرب وتنتهي معه وظيفته القيادية". [جند الله ثقافة وأخلاقاً، لسعيد حوا ص20ـ21].

وللباحث تنبيهات:

التنبيه الأول: أن الخطر الذي يخيف الغرب هو الإسلام والمسلمون، وأن كل خطر غير الإسلام هين، ومعنى هذا أن المسلم عندما يترك إسلامه ويتحول إلى دين آخر، أو مذهب غير مذهب الإسلام، لا خطر منه يخافه الأعداء مهما كانت قوته المادية.

التنبيه الثاني: أن الخطر الحقيقي على الغرب، إنما هو من المسلمين الملتزمين بإسلامهم المستقلين عن الأمم الأخرى، أما المدعون للإسلام الذين تذوب شخصيتهم في غيرهم، فإنهم غير خطرين على الغرب وحضارته.

التنبيه الثالث: أن سبب خطر الإسلام والمسلمين على الغرب، ما يملكه المسلمون من عقيدة إسلامية صادقة

وحضارة تاريخية أصيلة، ليست تقليدية للغرب أو غيره. ا لتنبيه الرابع: أن المسلمين الذين يخافهم الغرب، هم المسلمون الأقوياء في إيمانهم وأخلاقهم، وفي اقتصادهم وصناعاتهم، وليسوا الخاملين الكسالى الذين كدسوا وسائل الترف في بلدانهم وأخلدوا إلى الأرض.

التنبيه الخامس: أن المسلم الذي لم تنحرف فطرته عن الصراط السوي، يصعب على العدو إذابة شخصيته، على الرغم من المحاولات الكافرة الجادة في ذلك، لا سيما المسلم الذي يقف وجهاً لوجه في حرب سافرة مع ذلك العدو الماكر.

وبهذا يظهر وجوب سعي المسلمين للحصول على السلاح الكافي، من صنع أنفسهم، وأنهم آثمون إذا لم يسعوا في تحقيق ذلك أو قصروا في السعي.

فإن لم يقدروا على إنشاء المصانع الكافية، كان عليهم أن يسعوا إلى حصول ما يكفي عن طريق الغنيمة من جهاد العدو أو الشراء، وأن يستغلوا كل إمكاناتهم في الحصول على أجود أنواع الأسلحة، وأن يبقى سعيهم متواصلاً لإقامة المصانع التي تغنيهم عن أعدائهم الذين لا يؤمن مكرهم وكيدهم، ولا يجوز الركون إليهم. اكتفاء الجيش الذاتي شرط في صموده أمام العدو

"إن الأمة التي تستورد اللحوم التي تأكلها، وقطع الغيار لسياراتها، والأسلحة الخفيفة والثقيلة، فضلاً عن سائر ما تركبه ومعظم ما تشتريه أو تلبسه، إن مقومات جسمها مستورد، وإن مكونات عقلها مستورد، وإنها تكاد تكون عالة على حضارة أعدائها في كل صغيرة من عالم الأشياء، وفي كل كبير من عالم الفكر، فهل تكون مثل هذه الأمة قد عرفت الجهاد؟ وأي جهاد ذلك الذي سرى في كيان هذه الأمة؟ "مجلة الدعوة السعودية، عدد743، الاثنين 14/5/1400هـ".

نعم لم يقم الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه في أول الإسلام مصانع للسلاح، لأنه لم يكن ممكناً آنذاك، ولأنهم جاهدوا الكفار بما استطاعوا إعداده فغنموا سلاحهم، وعندما توسعت الفتوحات الإسلامية، أصبحت أسلحة أهل البلاد المفتوحة أسلحة لعامة المسلمين، وهكذا المصانع وغيرها.

أما الآن فالضرورة تحتم على المسلمين إنشاء مصانع تغنيهم عن عدوهم، وتحقق لهم الاستقلال والسيادة على شئونهم، والإمكانات متوافرة، ولا تنقص المسلمين إلا الإرادة الجازمة المبنية على الإيمان الراسخ، والتعاون الصادق فيما بينهم، والطاعة الكاملة لله سبحانه.

ويحسن هنا أن ننقل فقرات عن قائد عسكري من قادة المسلمين في هذا العصر، حيث قال: "إن الجيش الذي لا يكتفي ذاتيا بما يصنعه في معامله الوطنية من سلاح وذخيرة وتجهيزات، لا يستطيع أن يصمد طويلاً في الحرب، وبمعنى آخر إنه لا يستطيع أن يخوض حرباً طويلة الأمد، لأن الحرب تأكل السلاح أكلاً، وتبتلع الذخيرة ابتلاعاً، وتحطم الدروع والطائرات والعجلات تحطيما، وتستهلك التجهيزات استهلاكاً.

فإذا نفد سلاح الجيش فبماذا يقاتل؟ وإذا نفدت ذخيرة جيش فبماذا يحارب؟ وما يقال عن السلاح والذخيرة، يقال عن الدروع والطائرات والعجلات والتجهيزات العسكرية والوقود، والقضايا الإدارية الأخرى والأجهزة السلكية واللاسلكية، والمواد الاحتياطية للعجلات والطائرات والبواخر، وكل وسائط النقل البرية والبحرية والجوية.

إن للتسليح والتجهيز أثراً حاسماً من الناحيتين المادية والمعنوية في الجيوش، إذ أن التسليح الجيد بالإضافة إلى كونه قوة مادية للجيش، فهو في الوقت ذاته يزيد في معنويات ذلك الجيش، لأنه لا معنويات لجيش قليل السلاح أو فاسده أو رديئه، ولا معنويات لجيش لا يثق بسلاحه ولا يعتمد عليه، ولا معنويات لجيش يعتقد أن سلاحه محدود إذا لم ينفد اليوم فسينفد غدا....

إن لاستيراد السلاح والذخيرة والتجهيزات العسكرية والأجهزة العسكرية والمواد العسكرية الأخرى من الخارج، محاذير كثيرة يدركها العسكريون ويدركون أخطارها على نتيجة الحرب، وقد لا تغيب عن المدنيين أيضاً.

ومن أهم هذه المحاذير: أن سياسة الدول تتبدل من حين إلى آخر، خضوعاً لمصالحها أولاً، ورضوخها لتيارات خارجية قد لا تكون في الحسبان، فإذا كانت الدولة أو الدول الأجنبية التي تستورد منها السلاح والذخيرة والتجهيزات العسكرية اليوم معك لسبب أو لآخر، فقد تصبح غداً مع عدوك، كما حدث ذلك في كثير من الأحيان". [الوحدة العسكرية العربية، اللواء الركن محمود شيت خطاب ص46ـ47].

وقال - بعد ذلك -: "والدول التي تصدر السلاح والذخيرة والتجهيزات العسكرية، تستأثر لنفسها بالجيد منها، إذ لا يمكن وليس من المعقول أن تُؤْثِر غيرها من الدول بالأنواع المتميزة منها، وتفضل غيرها من الجيوش على جيشها الوطني.

كما أن السلاح والذخيرة والتجهيزات العسكرية المصدرة تكون ـ اعتياديا – من الأنواع المكشوف أمرها لا من الأنواع السرية. أما الأنواع غير المعروفة والسرية والمخترعات الجديدة، فلا تعرض في الأسواق ولا تصدر إلى الخارج حتى لا ينكشف أمرها". [المرجع السابق، ص150].

ثم قال - مبينا فوائد التنسيق العسكري للعرب: "يهدف هذا التنسيق إلى عدم إقامة معامل متشابهة تنتج سلاحاً أو ذخيرة أو تجهيزات عسكرية متشابهة دون جدوى، فإذا كان هناك مصنع ينتج سلاحاً خفيفاً، وكان بمقدور هذا المصنع تسليح الجيوش العربية بهذا السلاح، فليس من الاقتصاد أن يتكرر مثل هذا المصنع في بلد عربي آخر، بل يمكن إنشاء مصنع في ذلك البلد العربي ينتج سلاحاً آخر تحتاج إليه الجيوش العربية، وبذلك يتم للعرب إنتاج سلاحين مختلفين بدلاً من سلاح واحد... وهذا التنسيق يهدف إلى زيادة التعاون بين البلاد العربية في ناحية التسليح والتجهيز، فتكون متطلبات الجيوش العربية من السلاح والذخيرة والتجهيزات معروفة، ويكون معروفاً من أين يمكن تأمين تلك المتطلبات...

ويهدف التنسيق إلى عمل مخطط عربي دقيق لإنشاء المصانع الحربية، بحيث تؤمن في المدى القريب والبعيد على مراحل، كل حاجات العرب إلى السلاح والذخائر والتجهيزات... ويهدف هذا التنسيق إلى الإفادة من المصانع غير الحربية للأغراض الحربية، مثلاً المصانع الحربية التي تنتج الأجهزة اللاسلكية كالمرسلات والمستقبلات لسلاح الإشارة، يمكن أن تنتج المذياعات من الأنواع التي تعمل بالكهرباء، ومن الأنواع التي تعمل بالنضائد.

ويهدف التنسيق إلى توزيع المصانع الحربية على البلاد العربية واختيار المواضع المناسبة لها". [المرجع السابق، ص152 وما بعدها..].

ثم عقب في نهاية هذا المبحث قائلا: "وقد بذلت الجامعة العربية من جهة، وبذل قسم من الدول العربية من جهة أخرى، وبذلت القيادة العربية الموحدة من جهة ثالثة، جهوداً لتنسيق الصناعات العسكرية العربية، ولكن تلك الجهود لم تثمر الثمرة اليانعة في هذا المجال، لأن الوحدة العسكرية العربية لم تصبح حقيقة ملموسة وعملاً ملموساً وواقعاً ظاهراً للعيان". [المرجع السابق ص155].

وكيف تصبح الوحدة العسكرية العربية حقيقة ملموسة وعملاً ملموساً وواقعاً ظاهراً للعيان، والعالم العربي منقسم في ولاءاته هذا يتبع الغرب، وهذا يتبع الشرق، هذا ملحد، وهذا علماني هذا يدعو للقومية العربية، وذاك يدعو للحضارة الفرعونية، وهذا يبعث الوثنية الآشورية وذاك يمجد الفينيقية. وكلهم لا هم لهم إلا التربع على كراسي الحكم بأي وسيلة من الوسائل، يجمعهم ذلك ليقفوا ضد الإسلام الذي لا يمكن أن يتحدوا على أي مبدأ سواه.

ولقد مضى على اتفاقية الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي، التي وقع عليه أعضاء الجامعة العربية آنذاك، مضى عليها ست وخمسون عاما، إذ وضعت سنة 1950م ولم يظهر منها شيء في الواقع، بل كلما مضى عام على هذه الجامعة، اشتد الخلاف والنزاع بين أعضائها، حتى أصبحت مثلا يضرب للمؤسسات الفاشلة.

والمصانع القتالية شاملة لكل ما يحتاج إليه المجاهدون في سبيل الله، لخوض المعركة ضد العدو في أي وقت من الأوقات: السلاح الجوي والسلاح البري والسلاح البحري، بل والسلاح النووي، ووسائل النقل، والخبرات اللازمة كالأطباء والممرضين والمرشدين والخدم، وقطع الغيار، والملابس والأحذية، والغذاء وغير ذلك مما قد لا يخطر بالبال، مما تدعو إليه الحاجة، يجب أن يوفر توفيراً كاملاً، أو ما يستطاع منه. وجوب حفظ السلاح وحمايته.

ويجب على المجاهدين، ولا سيما القادة المسؤولين، حفظ السلاح ولوازمه وعدم بعثرته هنا وهناك، فلا يخرج منه شيء إلا لحاجة تدريب المقاتلين عليه، أو لفرق حماية أمن المسلمين، أو المجاهدين الذين يباشرون قتال العدو، لأن التبذير في السلاح يعتبر سفها غير لائق بالمسلم، وإذا حصل التبذير فيه وقت السلم، ندم على تبذيره المجاهدون وقت الحرب، التي قد تطول وتظهر عندئذ الحاجة إلى أنواع السلاح كلها الخفيف والثقيل، فلا يجدونه، وقد يجدونه ولكن الإمداد به يأتي متأخراً، لذلك يجب أن يحفظ المجاهدون السلاح لوقته.

بل ينبغي حفظه وعدم الإسراع في استعماله في بدء المعركة مع العدو، إذا لم تدع الحاجة لذلك، لا سيما إذا كان سلاح المجاهدين قليلاً، وسلاح العدو كثيرا، وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصح أصحابه باستبقاء سلاحهم وعدم العجلة في استعماله، حتى يلتحم الصفان - في معركة بدر، كما في حديث أبي أسيد رضي الله عنه قال: "قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: (إذا أكثبوكم فارموهم و اسْتَبْقُوا نبلكم). [البخاري رقم 3984، فتح الباري (7/306)].

قال الحافظ بن حجر رحمه الله: "فالمعنى استبقوا نبلكم في الحالة التي إذا رميتم لا يصيب غالباً، وإذا صاروا إلى الحالة التي يمكن فيها الإصابة غالباً فارموا". [فتح الباري (7/307)]. وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينصح المسلمين ألا يرموا بسلاحهم عدوهم إلا إذا أصاب غالباً، بحيث لو كانوا بعيدين عنهم يغلب على ظنهم ألا يصيبوهم به، فإن التفريط في السلاح وتبذيره في غير حالة الحرب أولى بالندم.

[يستثنى من ذلك ما يعد للتدريب في وقت السلم استعدادا لحالة الحرب]

وفي هذا دليل واضح على عدم جواز بيع السلاح للعدو من الكفار ولمن يعينهم به منهم أو ممن ينتسب إلى الإسلام، وقد نص الفقهاء على ذلك: (ولا ينبغي أن يباع السلاح من أهل الحرب ولا يجهز إليهم) قال الشارح: (وكذلك الحديد لأنه أصل السلاح). [شرح فتح القدير في الفقه الحنفي (5/460)].

ويظهر من هذا خيانة من يبيع السلاح أو أصله، كالحديد، وكل ما يحقق للعدو المحارب إحراز السلاح الذي يعتدي به على المسلمين أو يمد به من يعتدي عليهم، كما يظهر أنه يجب على المسلمين أن يحفظوا طاقتهم ومعادنهم، ولا يبيعوا منها إلا ما دعت إليه الضرورة، مما يجلب لهم نفعاً ومصلحة واضحة تنفعهم في حالة الحرب أكثر مما تنفعهم في حالة السلم.

وإلا فإن الأعداء سيستنزفون طاقة المسلمين ومعادنهم بأرخص الأثمان، ويستعيدون أضعاف تلك الأثمان، مما يصنعونه من تلك الطاقة وتلك المعادن ويعيدونه ليباع من أهله بأغلى الأثمان.

وسيأتي يوم من الأيام تنفد فيه طاقة المسلمين ومعادنهم التي يبذرونها الآن، ويكون كثير منها مخزونا عند الأعداء بالإضافة إلى مخزون أرضهم، وهنا يصبح المسلمون أسرى للأعداء لعدم وجود طاقة ومعادن عندهم، ووجود ذلك عند أعدائهم، وهذا ما يتمناه أعداء الإسلام والمسلمين ويسعون جاهدين لتحقيقه. وإذا كان المسلمون آثمين في تفريطهم في صناعة الأسلحة لإرهاب الأعداء ورفع كلمة الله، فإن صانع السلاح يدخل به الجنة، كما يدخل المقاتل به، وكذلك ناقله ومناوله إذا قصدوا جميعاً بذلك الجهاد في سبيل الله.

ففي حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله عـز وجل يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومُنْبِلُه. وارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا. ليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله. ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها) أو قال: (كفرها). [أبو داود (3/28) ومعنى قوله: "ليس من اللهو إلا ثلاث…" أنه لا يوجد لهو حق إلا هذه الثلاث، وما عداها فباطل كما فسر ذلك في حديث آخر: "كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق" راجع حاشية (1) من أبي داود (3/28) بتعليق عزت الدعاس].

وصناعة أسلحة الجهاد في سبيل الله من خير الأعمال وأفضلها، قال ابن تيمية رحمه الله: في سياق كلامه عن الجهاد وصناعة السلاح: "وتَعَلُّم هذه الصناعات هو من الأعمال الصالحة لمن يبتغي بذلك وجه الله عز وجل، فمن عَلَّم غيره ذلك كان شريكاً له في كل جهاد يجاهد به، لا ينقص أحدهما من الأجر شيئا، كالذي يقرأ القرآن ويعلم العلم". [الفتاوى (28/13)]. الحذر من غرور الكثرة والقوة

وإذا تفوق المسلمون في الإعداد والسلاح على عدوهم، فلا ينبغي لهم أن يغتروا بذلك التفوق، وعليهم أن يتواضعوا ويطلبوا النصر من الله، ألا ترى أن ناقة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت لا تسبق، فجاء أعرابي فسبقها بناقته، فشق ذلك على المسلمين، فقال صلى الله عليه وسلم: (حق على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه). [البخاري رقم 2872، فتح الباري (6/73)].

والإعجاب بالسلاح مثل الإعجاب بالكثرة، كلاهما ينافي التواضع ويضعف التوكل على الله والاعتماد عليه، قال تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)} [التوبة]. ولهذا كان للمؤمنين سلاحان لا بد منهما جميعاً:

سلاح الإيمان بالله وعبادته وقوة الصلة به في كل وقت، لا سيما وقت المعركة، وسلاح القوة المادية والحذر من العدو.

وقد أمر الله تعالى المؤمنين بإقامة الصلاة جماعة في وقت الحرب، مفصلاً لهم كيفية إقامتها التي لا يتمكن العدو معها من استغلال اشتغالهم بها للهجوم عليهم، وأمرهم بأخذ سلاحهم والحذر من عدوهم الذي يتمنى غفلتهم عن السلاح لينقض عليهم مباغتاً.

قال تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً (102)} [النساء]. قال سيد قطب رحمه الله: "وأول ما يلفت النظر، الحرص على الصلاة في ساحة المعركة، ولكن هذا طبعي، بل بدهي في الاعتبار الإيماني، إن هذه الصلاة سلاح من أسلحة المعركة، بل إنها السلاح، فلا بد من تنظيم استخدام هذا السلاح بما يتناسب مع طبيعة المعركة.

ولقد كان أولئك الرجال الذين تربوا بالقرآن وفق المنهج الرباني، يلقون عدوهم بهذا السلاح الذي يتفوقون فيه قبل أي سلاح، لقد كانوا متفوقين في إيمانهم بإله واحد يعرفونه حق المعرفة، ويشعرون أنه معهم في المعركة، متفوقين كذلك في إيمانهم بهدف يقاتلون من أجله ويشعرون أنه أرفع الأهداف جميعاً، متفوقين أيضاً في تصورهم للكون والحياة ولغاية وجودهم الإنساني تفوقهم في تنظيمهم الاجتماعي الناشئ من تفوق منهجهم الرباني، وكانت الصلاة رمزاً لهذا كله وتذكيراً بهذا كله، ومن ثم كانت سلاحاً في المعركة بل هي السلاح". [في ظلال القرآن (5/52)]