المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : الاستراتيجية الكورية الشمالية، والتراجع الأمريكي!!!


hajaj79
06/11/2006, 11:04 PM
الإعلان الكوري الشمالي عن العودة للمفاوضات السداسية صُوّر أمريكيًا باعتباره تراجعًا من كوريا الشمالية عن برنامجها النووي، كما ظهر من تصريحات الخارجية الأمريكية ومن ترحيب الرئيس الأمريكي جورج بوش، بينما الحقيقة أن هذا الإعلان لم يكن إلا إعلانًا بتراجع الولايات المتحدة عن شروطها، وكذا هو جاء تثبيتًا للموقع الجديد الذي باتت تحتله كوريا في المعادلة الإقليمية باعتبارها دولة نووية.

الموقف الكوري الشمالي في سببه المباشر واللحظي، جاء استثمارًا "للضائقة" الانتخابية التي يمر بها الحزب الجمهوري بإعطائه تصريحًا شكليًا سبق انطلاقه عشرات المرات من قبل في مناسبات الانتقال من التصعيد إلى التهدئة، في مقابل الحصول على تنازل أمريكي أول بالتفاوض الثنائي المباشر مع كوريا، وهي التي كانت ترفض أي تفاوض ثنائي وتصر على أن تكون اللقاءات بين البلدين في إطار المفاوضات السداسية (أمريكا ـ الصين ـ روسيا ـ اليابان ـ كوريا الجنوبية ـ كوريا الشمالية)، كما حصلت بمقتضاه كوريا على تنازل أمريكي ثانٍ: بأن تعهدت الولايات المتحدة ببحث العقوبات المالية التي فُرضت على كوريا في أعقاب تجربتها النووية.

أي أن كوريا في مقابل هذا التصريح حصلت على اتفاق ببدء مفاوضات على نتائج تجربتها النووية، لا حول برنامجها النووي وهذا ما كانت تسعى إليه بالدقة.

والخطوة الكورية حققت إنجازات لا تعد ولا تحصى، من هذا التصريح الشكلي الذي تلقفته الولايات المتحدة متلهفة "لتطير به فرحًا لأسباب داخلية"، بما يُذكّر بالمفاوضات التي دخلها الديموقراطيون والجمهوريون مع الثوار الفيتناميين كلٌ على حدة ـ قبل إعلان الهزيمة الكاملة للقوات العسكرية الأمريكية هناك ـ هذا يطلب منهم قبول التفاوض قبل الانتخابات الرئاسية لإعطاء الرئيس المرشح دفعة في الانتخابات، ويعد الثوار بتنازلات في المفاوضات مقابل هذا "الكرم"، والطرف الآخر يطلب من الثوار تأخير إعلان قبولهم بالمفاوضات إلى ما بعد الانتخابات لإسقاط مرشح الحزب الآخر، مقابل تنازلات أكبر بعد نجاح مرشحهم.

بهذه الخطوة أعادت كوريا تثبيت الموقف الصيني (الحليف الرئيس لكوريا) كقائد للمفاوضات وأقصت المحاولة الأمريكية الساعية إلى السيطرة على المفاوضات، وقد جرى ذلك من خلال أن الاتفاق الأمريكي الكوري الشمالي جاء برعاية صينية. كما أعطت كوريا للصين، أداة ضغط أعلى على مواقف الأطراف الأخرى إقليميًا ودوليًا، بما يسمح لها بالسيطرة على القرار الذي أصدره مجلس الأمن بفرض العقوبات على كوريا الشمالية، حيث الصين تعمل من الأصل على تطويق القرار وإفشال تطبيقه على الأرض، كما ضمنت كوريا من هذا الإعلان والرد الأمريكي عليه بالنظر في العقوبات المالية، تطويقًا للموقف الياباني المتشدد، إن لم تكن قد نجحت تكتيكيًا في خلخلة توحّد المواقف بين أمريكا وكوريا الجنوبية في مواجهتها، وهو ما ظهر من أن اليابان في تعليقها على الموقف الأخير، قد تشددت في لهجتها ضد رفع العقوبات في الوقت الذي رحّبت كوريا الجنوبية بالتطورات الأخيرة، بما يشير إلى أن كوريا الشمالية أحسنت استغلال التردد والقلق في الموقف الكوري الجنوبي تجاه الدفع الياباني الأمريكي لها لإنهاء كل الإنجازات التي تحققت من خلال سياسة الشمس الساطعة الرامية إلى تسريع التقارب بين الكوريتين، وهو تردد وقلق ظهر من خلال حالة الاستقالات التي جرت في كوريا الجنوبية وشملت قائد المخابرات ووزير الدفاع وغيرهما.

لكن تطورات الموقف ما بعد التصريح الصادر عن اللقاء الأمريكي الصيني الكوري الشمالي – دون إعلان رسمي من كوريا الشمالية على لسان أحد مسئوليها ـ ولهذا دلالة دبلوماسية هامة تشير إلى أن كوريا قد نجحت في تمرير تجربتها النووية على الصعيد الإستراتيجي، وأكرهت القوى الدولية على الدخول في مفاوضات حول نتائج تلك التجربة على صعيد العقوبات لا على صعيد تحوّل كوريا إلى دولة نووية، بما يعيد إلى الأذهان مجددًا النمط الكوري في المراوغة التكتيكية مع ثبات الهدف الإستراتيجي بتحوّل كوريا إلى دولة ذات وزن إستراتيجي في الإقليم ودوليًا.

الإستراتيجية الكورية

إذا فتشنا فيما جرى منذ التجربة النووية الكورية الشمالية في 9 سبتمبر الماضي، سنجد أن كوريا لم تخرج عن نطاق إستراتيجيتها المعتمدة منذ فترة طويلة، والتي بفعلها باتت تحقق النجاح تلو النجاح. وتقوم الإستراتيجية الكورية على نمط مدروس من التقدّم الإستراتيجي والتراجع التكتيكي في لعبة الكر والفر مع الولايات المتحدة ومع دول الإقليم، خاصة اليابان وكوريا الجنوبية وعلى أساس من مراعاة المصالح الصينية إقليميًا ودوليًا باعتبارها حليفًا. والإستراتيجية الكورية ترتكن ببساطة على أن كوريا دولة غير قادرة على حسم الصراع مع الولايات المتحدة وفق نمط الضربة الإستراتيجية الحاسمة أو المعركة الإستراتيجية الواحدة، ومن ثَم هي استبدلت ذلك بالمعارك المتعددة أو بالنصر بالنقاط لا بالضربة القاضية. وفي ذلك هي لعبت بمهارة فائقة لاستثمار حالات الانشغال الأمريكي في أطراف المعمورة وعدم قدرة الولايات المتحدة على التحرك الإستراتيجي في اتجاهات متعددة في وقت واحد.

وفي الموقف الأخير لكوريا لا جديد في هذا الاتجاه ـ سوى أن كوريا قد رفعت من سقف مناورتها وشروطها في مقابل تراجع أمريكي أمامها. لقد أعلنت كوريا من قبل عن استعدادها للتخلي عن برنامجها النووي، ولم يكن الأمر إعلانًا على لسان أحد آخر أو حتى إعلان رسمي على لسان مسئولين كوريين فقط، بل كان قبولاً بخطة ذات طابع عملي مرتبط بتوقيتات محددة، قبلت كوريا فيها بالتفتيش على منشآتها النووية كما قبلت بتشميع أهم مفاعلاتها النووية بالشمع الأحمر على يد خبراء من الولايات المتحدة تحديدًا. لكن ماذا كانت النتيجة؟

النتيجة أنها استثمرت الانشغال الأمريكي في التحضير للعدوان على العراق؛ لتنهي كل ذلك دفعة واحدة. ففي ديسمبر 2002 وحين تيقنت كوريا من أن الولايات المتحدة قد حسمت خيارها باتجاه العدوان، وباتت تحشد قواتها وأساطيلها باتجاه العراق، وعلى أساس تقدير إستراتيجي ثبت صحته بعدم قدرة الولايات المتحدة الدخول في حربين في وقت واحد ـ على خلاف ما هو معلن أمريكيًا على الصعيد الإعلامي الأمريكي ـ قامت كوريا بطرد المفتشين الدوليين وأزالت كل ما فعله الخبراء الأمريكيين بمنشآتها، وصارت تطوّر موقفها بالإعلان عن الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، إلى أن وصلت إلى التفجير النووي الأول لها، وسط ذروة الانشغال الأمريكي في العراق وأفغانستان وفي ظل الاهتمام الكثيف للرأي العام الأمريكي بقضية الملف النووي الإيراني .. إلخ.

والحادث الآن هو أن كوريا وبعد أن أنجزت خطوتها الإستراتيجية بالتحوّل إلى دولة نووية دون قدرة من أحد على مواجهتها، عادت إلى لعبة امتصاص الضغوط وإفشال العقوبات من أجل تهيئة الأوضاع إلى معركة أخرى جديدة، وهي في ذلك قد سرّبت أنباء عن أقدامها على تجربة نووية ثانية، بما جعل الآخرين يكرسون جهدهم على منع التجربة الثانية، وتحت هذا التهديد حققت تقدّمها الأخير على صعيد فرض شروطها في عقد مباحثات ثنائية مع الولايات المتحدة ـ بما يُمثل اعترافًا أمريكيًا واقعيًا بكوريا الشمالية ـ وبما حقق لها اختراقًا للجبهة التي حاولت الولايات المتحدة إحكامها حول كوريا الشمالية ..إلخ.

وفي المرحلة الراهنة ورغم أن الإستراتيجية الكورية في أهدافها ظلت على ثباتها، بالرغم من أن الإعلان الصادر عن اللقاء الثلاثي الكوري الشمالي الأمريكي الصيني قد جاء موحيًا بأن كوريا عادت إلى "لعبتها" القديمة. إلا أن المدقق يلحظ أن كوريا في تكتيكاتها الراهنة باتت أكثر هجومية في تحقيق أهدافها، إذ هي لم تعلن فقط عن تجربة نووية ثانية فور الأولى وإنما هي أيضًا سعت لاستثمار تقدّمها في البرنامج النووي على صعيد تطوير وضعها الإقليمي إلى أبعد مدى، وهي في ذلك تنتقل بخطواتها التكتيكية من استثمار حالات الانضغاط الأمريكي في المناطق الأخرى، إلى استثمار الانضغاط الأمريكي في محيطها الإقليمي، الذي أحدثته هي بتجربتها النووية. فهي وبعد أن أصبحت دولة نووية ومالكة لقدرات صاروخية قادرة على توصيل المقذوفات النووية إلى الأراضي الأمريكية باتت تتبع خطوات هجومية بغض النظر عن المظهر المخادع من حيث الشكل للتصريحات واللقاءات.

الولايات المتحدة.. إلى تراجع

لقد أثبتت التجربة النووية الكورية كذب خرافة سيطرة الولايات المتحدة على إدارة الوضع الدولي وعدم قدرة "الدولة الصغرى" على تحدي الولايات المتحدة وإذلالها، كما أثبتت توفر إمكانية تحقيق الدول الصغرى لأهدافها الوطنية رغم سطوة الوضع الدولي من خلال إتباعها إستراتيجيات وطنية مدعومة بقوة الإرادة. كما هي وضعت الولايات المتحدة أمام خطر مباشر باعتبار الفتى الكوري المشاكس يملك إرادة حاسمة، ظهرت من خلال التهديدات الكورية الواضحة باعتبار فرض العقوبات إعلان حرب.

غير أن التجربة الكورية لم تكن مجرد تفجير نووي في مواجهة السطوة الأمريكية، وإنما كانت بالأساس تغييرًا خطيرًا في موازين القوى وإثارة للاضطراب في التحالفات القديمة في المنطقة، والتي يعود تاريخها إلى الحرب العالمية الثانية وإلى الحرب الكورية، وما نتج عنهما من انقسام كوريا ومن وقوع كوريا الجنوبية واليابان وتايوان تحت الهيمنة الأمريكية. في الوضع الإقليمي وضعت التجربة الكورية النووية الوجود الأمريكي في مأزق حاد في هذا الإقليم من العالم؛ إذ كشفت عن عدم قدرة الولايات المتحدة على تحقيق حماية للدول المتحالفة معها ـ كوريا الجنوبية واليابان وتايوان ـ كما هي طرحت خيارات إستراتيجية مختلفة عما كان سائدًا قبل إجرائها على الطرفين (الدول المتحالفة ـ الولايات المتحدة).

لقد أصبح الحلفاء أمام خيارين إستراتيجيين كلاهما مر:

ـ إما ولوج طريق إنتاج الأسلحة النووية، بما يعني أساسًا تحقيق استقلاليتها عن الولايات المتحدة والخروج من تحت هيمنتها؛ إذ الشرط الرئيس والهدف الأول من التحالف (العسكري) للولايات المتحدة من قِبل تلك الدول: هو تشكيل مظلة حماية لها من كل من الصين وكوريا الشمالية، وهي إذا دخلت النادي النووي فإن ذلك يعني ببساطة أنها لم تعد في حاجة إلى الوجود الأمريكي على أرضها عسكريًا وسياسيًا؛ باعتبار أن هذا الوجود هو أحد أسباب مشكلاتها الإقليمية.

ـ وإما تفعيل الحماية النووية الأمريكية لهذه الدول مباشرة، بما يعني حدوث مشكلات سياسية ضخمة داخل هذه الدول، كما هو يعني دخول تلك الدول ضمن إستراتيجية الولايات المتحدة عند حدوث نزاعات دولية.

كما أصبحت الولايات المتحدة أيضًا أمام خيارين كلاهما مر:

ـ إما أن تقبل بتحوّل كوريا إلى دولة نووية وتتعامل مع الأمر الواقع؛ وهو أمر ينهي كل تحكم من بعد في اتفاقية حظر الانتشار النووي، ويفتح كل الأبواب أمام جميع الدول الراغبة في التحوّل إلى قوة نووية، وهي تقدر حاليًا بنحو 18 دولة في العالم على الأقل، حسب تقديرات هيئة الطاقة الذرية. وهو بالدقة إنهاء شامل لمعالم القوة الأمريكية دوليًا.

ـ وإما الدخول في معركة "كسر عظم" قصيرة المدى أو طويلة المدى مع كوريا والصين، وهو ما يعني انتهاء حلم السيطرة الأمريكية على الشرق الأوسط ـ لتركيز القوة والقدرة الأمريكية في جنوب شرق أسيا ـ كما يعني أن الولايات المتحدة إذا ما انتصرت في تلك المعركة فإنها ستعود منها لتجد أوروبا قد أصبحت هي القوة الدولية، كما ليس ببعيد أن تجد أمريكا اللاتينية قد انسلخت من تحت هيمنتها كليًا.

إستراتيجيتان.. صينية وأمريكية

وفي كل ذلك فإن التحرّك الصيني والكوري بات يستهدف تفكيك الجبهة الأمريكية، والسعي للوصول إلى حالات من التفاهم الإقليمي على حساب الوجود الأمريكي بالدرجة الأولى، وهو ما يتحقق حاليًا بالفعل.

ذلك أن ما يجري في تلك المنطقة من العالم هو بالدقة صراع بين إستراتيجيتين:

أولهما: الإستراتيجية الأمريكية التي تستهدف استمرار وتعزيز الوجود الأمريكي في المنطقة ـ باستمرار وتصاعد حاجة الحلفاء إليه ـ ومحاصرة التفوّق والتقدّم الصاعد على المستوى الدولي كمنافس للولايات المتحدة، بحصره في الوضع الإقليمي أو بإدخاله في مشكلات داخل الإقليم، ضمن إطار مبادئ النظرة الأمريكية الثابتة في العالم بأن الولايات المتحدة هي المتفردة في العالم بعدم وجود جوار إقليمي منافس أو مصارع لها، وأن واجبها الإستراتيجي الدولي الذي يضمن استمرار تفوقها هو في إدخال خصومها في مشكلات في محيطهم الجغرافي لإنهاك وإضعاف قدراتهم.

وثانيهما: هو الإستراتيجية الصينية التي تعمل بدأب على تطوير قدراتها الداخلية وتطوير أوضاعها حثيثًا في الإقليم بتحقيق سيطرة واضحة وحالات من التعاون، انتقالاً إلى بناء وضع دولي جديد يتناسب مع تقدّمها ونموها الاقتصادي والعسكري، ويحقق لها توسّع مصالحها.

للكاتب/ طلعت رميح
م ن ق و ل http://www.almokhtsar.com/html/news/1355/30/62281.php