أبو زياد
25/10/2006, 09:09 AM
فهرس حلقات برنامج سؤال أهل الذكر (http://om.s-oman.net/showthread.php?t=143955)
سؤال أهل الذكر 21 من رمضان 1427هـ، 14/10/2006م
الموضوع : عام
السؤال (1)
تتوالى الإساءات عن الإسلام مرة على شخص النبي صلى الله عليه وسلّم وأحياناً على القرآن الكريم وأحيانا على الإسلام نفسه بوصمه بالإرهاب ونحو هذه من السمات التي لا ترتضى ، أياًً كان ذلك الفكرة المطروحة أننا نتعامل مع أناس لا يعتبرون لهذه الأمور قداسة ، فكيف يمكن للمسلم أن يواجه مثل هذه الثقافة بحيث يوصل الفكرة إليها سليمة بعيداً عن التشنجات بعيداً عن ردود الفعل غير المدروسة التي قد يتضرر منها المسلمون خاصة أولئك الذين يختلطون بهذه البيئات ، فالجاليات الإسلامية تدفع ثمناً باهظاً نتيجة تصرفات من لا يسكن معهم في تلك الأماكن ؟
الجواب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فالإسلام دين الحكمة ، والحكمة هي وضع الشيء في موضعه ، وإن أحكم الحاكمين هو الله سبحانه وتعالى ، فهو الذي يضع الأشياء في مواضعها ولذلك كان من وصفه الحكيم ، لأن الحكمة هي في كل جزئية من جزئيات هذه المصنوعات التي صنعها الله المادية والمعنوية ، كل فعل من أفعال الله سبحانه وتعالى لا يخلو من حكمة تعالى عن أن تخلو أفعاله من الحكم سواء علم العباد ذلك أو جهلوه .
ولا ريب انه من منطلق كون الإسلام دين الحكمة يأمر بأن تعالج القضايا بحكمة ، فالذي يأتي مجادلاً من غير أن يكون متعدياً ومتجنياً يعامل بالحسنى ، وفي هذا يأتي قول الله سبحانه وتعالى ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) ( النحل : 125) ، وكذلك قوله ( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) ( فصلت :34 ) ، وهذا إنما هو في الفريق الذين يجهلون الحق ولكنه لا يعادونه ، فإذا ما وجده قبلوه أو على الأقل سالموه . بينما هنالك فريق آخر متعنت ، ولو جاءه الإنسان بالحق أبلح كالشمس في رابعة النهار فإنه يماري في ذلك ويجادل ، بل في حال إشراق النهار يقول هذا ليل ، هؤلاء هم الذين يعاملون بحسب صنيعهم ، وهذا الذي يدل عليه قول الله تعالى ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) ( العنكبوت : من الآية 46) ، فالذين ظلموا هم الذين يتجنون على دين الله تعالى الإسلام أو على حرمات النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام أو على كتاب الله أو على شريعة الله سبحانه وتعالى ، هؤلاء الذين يتجنون متعمدين قاصدين هم الذين يُعدون ظالمين ، فهم مجادلتهم لا تكون كمجادلة الذين يجهلون الحق ولا يعادونه لو أبصروه ، وإنما معاداتهم له بسبب جهلهم إياه .
فالإسلام على أي حال دين دعوة ، هذه الدعوة عند جميع فئات الناس ، الإنسان مطالب بأن يدعو الناس جميعاً ويبصرهم بالحقيقة لتقوم الحجة بذلك على الناس سواء قبلوا هذا الحق أو رفضوه وسواء سالموه أو عادوه .
الإسلام دين الدعوة ، نحن نرى في كتاب الله سبحانه وتعالى كيف يبين الله سبحانه أن هناك من الذين يدعوهم النبي صلى الله عليه وسلّم وهو مأمور بدعوتهم ومأمور بتبليغهم ومأمور بإرشادهم ومأمور بنصحهم أن من هؤلاء من لا يمكن أن يؤمن قط فالله تعالى يقول ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ ) ( البقرة : 6-7) ، هؤلاء مع هذه الحالة النبي صلى الله عليه وسلّم مأمور بأن يدعوهم ، ويقول تعالى ( لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ * وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) ( يس : 6-10) ، هؤلاء على أي حال مهما كان الأمر يُنذَرون بإقامة حجة الله تعالى عليهم ، ولأن الإنسان الداعي في الحقيقة لا يدري هل هذا يمكن أن تؤثر عليه الدعوة ، قد ينقلب الإنسان بين حين وآخر ، فأمر الخاتمة أو أمر نهاية المطاف في أمر الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ، على الإنسان مهما كان سواء يئس من هؤلاء المدعوين أو لم ييأس عليه أن يدعوهم ويقيم حجة الله تعالى عليهم ، لذلك نحن نرى أن الله سبحانه وتعالى يرفع عن النبي صلى الله عليه وسلّم ***** الهموم الذي كان مخيماًً عليه بسبب أن قومه كانوا عرضين عن الدعوة ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ) ( الكهف : 6 ) ، ( لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) ( الشعراء :3 ) ، فالنبي صلى الله عليه وسلّم مأمور بأن يترفق وأن يتلطف بنفسه أن لا يبخعها أي يهلكها بما يُحمّلها من أوزار الهموم والأحزان بسبب إعراض قومه لأن هذه هي سنة الله ، ولكن لماذا دعوة هؤلاء ؟ دعوة هؤلاء لإقامة الحجة عليهم كما يُؤذن بذلك قول الله سبحانه وتعالى في بيان ما كان عليه بنو إسرائيل من الانقسام في أمر السبت إلى ثلاث طوائف ، طائفة اعتدت في السبت ولم تبال بأمر الله سبحانه وتعالى ونهيه وحكمه ، وطائفة قامت بالتغيير ، وطائفة وقفت موقف سلبياً موقف المتفرج على هذا الاعتداء مع أنها كانت تعذل أولئك الذين كانوا يغيّرون ويقولون لهم ( لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً ) ، وقد ذكر الله تعالى أمر الطوائف الثلاث عندما قال سبحانه وتعالى( وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ) ( الأعراف : 164-165 ) ، أكثر المفسرين وقفوا موقف غير من يجزم في قضية أولئك الذين لم يقدموا على النهي وإنما وقفوا موقفاً سلبياً ، في موقف أولئك السلبيين لم يقولوا شيئاً ، بل قالوا لا ندري كيف كانت عاقبتهم ، وقد روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ليت شعري ما فعلت الطائفة الثالثة . أي الواقفة التي سكتت عن المنكر ولم تغيره .
والحق إذا جئنا إلى الأدلة القرآنية نجد أن هؤلاء الذين من جملة الذين ظلموا ، فهم داخلون في وعيدهم ، وداخلون في نفس الوقت في عقابهم لأن الله تعالى ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ) ( المائدة : 78-79) ، فعلى أي حال مهما يكن من أمر ، هؤلاء الذين يقفون موقفاً صارماًً متصلباً أمام الإسلام ، ويحاولون أن يشوهوا صورته لا بد من أن تكون الوقفة أمامهم وقفة حازمة ، أن تكون وقفة إيجابية ليست فيها مداهنة وليست فيها مسالمة ، لأن هؤلاء من أول الأمر هم ما قصدوا أبداً التوصل إلى الحقيقة أو البحث عن الحق أو ، وإنما قصدوا تشويه الحقيقة وطمس الحق ، فلذلك يكون الموقف أمامهم موقفاً صارماًً متصلباً ، بينما الموقف أمام الآخرين إنما يكون هو موقفاً فيه مرونة وفيه حكمة في المعاملة وفيه لطف في القول ، لا يُرد عليهم بالقول الخشن ، ولا ينفّرون ، وإنما يُرد عليهم بالقول اللين ، ويبين لهم الحق ويبصرون بالحق كما بيّن سبحانه وتعالى أسلوب ذلك عندما قال ( قُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) ( العنكبوت : من الآية : 46) ، هذا موقف مرن في منتهى المرونة ، أن يجادلوا هذه المجادلة .
وعلى أي حال نحن لا نستنكر أن يكون هنالك مثل هذا التصرف الأرعن ، وأن يكون من هناك مثل هذا الانتقاد الشديد للإسلام ، وأن يكون هذا التجني على حرمات الإسلام وعلى نبي الإسلام وعلى القرآن الذي أنزله الله سبحانه وتعالى وعلى هدي رسوله صلى الله عليه وسلّم ، ذلك لأن هؤلاء شرِقوا ، وهذه سنة الله في خلقه ، عادة الذي كون حاقداً على أمر ما أو على طائفة ما عندما يرى ذلك الأمر يظهر فإنه لا بد من أن يحنق ، وعندما يرى تلك الطائفة تظهر لا بد أيضاً من أن يحنق ، فهؤلاء حنقوا وحقدوا على الإسلام ، وهم يرون الإسلام رغم هذا الحقد ورغم هذا التشويه ينتشر ، فالإسلام ييكتسح الساحة ويظهر ، وفي كل يوم تدخل أمم فيه في العالم المتحضر ، ومع هذه التحديات ومع هذه الوقفة الصلبة منهم أمام الإسلام ، الإسلام يجتذب بسماحته وبيسره وبفطرته بحسب الفطرة التي فطر الله تعالى العباد عليها يجتذب الناس فيدخلون في هذا الدين أفواجا ، وهذه إحدى معجزات هذا الدين الحنيف وذلك مما يدخل في وعد الله لأن الله سبحانه وتعالى وعد بذلك ، ففي سورة التوبة يقول الله سبحانه ( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) ( التوبة 32-33) ، ويقول في سورة الصف ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) ( الصف : 8-9 ) ، وهذا كان من قبل عندما بدأت الدعوة الإسلامية حاول أعداء الإسلام أن يخنقوا هذه الدعوة وأن يخنقوا صوتها وأن يخفتوه ، وحاولوا بكل طريقة أن يشوهوا الدعوة إلى الإسلام فكانوا يصفون النبي صلى الله عليه وسلّم بالسحر ويصفونه بالجنون ويصفونه بالكذب كانوا وراء النبي صلى الله عليه وسلّم عندما كان يدعو الناس ، ولكن هذا لم يمنع الناس أن يدركوا الحقيقة وأن يتبعوا الحقيقة ، فقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم يتزايدون باستمرار ، في كل مرة تدخل أمة في الإسلام ، في كل مرة تدخل طائفة في الإسلام ، وإن كنتا في بداية الأمر كانوا أفراداًً إلا أنهم كانوا يتكاثرون كما قال هرقل في سؤاله لأبي سفيان عن هذا الأمر وقال له : هل يزيدون أو أنهم ينقصون ؟ قال له : بل يزيدون . فرد عليه بأن ذلك هو شأن دعوة الأنبياء ودعوة الحق الذي يأتي به الأنبياء من عند الله سبحانه وتعالى حتى يظهر في الأرض ، فهكذا سنة الله سبحانه وتعالى .
وكما أن أولئك تشويه أولئك السابقين لدعوة الإسلام لم تحُل بين الناس واتباع الإسلام وقبوله والإذعان له واتباع النبي صلى الله عليه وسلّم ، فكذلك تشويه هؤلاء للإسلام ، وما يحملونه من حملات مسعورة إنما هذه الحملات تمهد الطريق لدارسي الإسلام حتى يبحثوا عن هذا الإسلام ، فكم من أناس بسبب هذه الحملات المسعورة على الإسلام أخذوا يبحثون عن هذا الدين حتى عرفوا حقيقته واكتشفوا جوهره واتبعوه بمشيئة الله سبحانه وتعالى ، وهذا الذي نرجوه بعون الله ، وإنما على المسلمين أن يقوموا بواجب إبلاغ الدعوة ، وعلى المسلمين أن يجسدوا الإسلام ، وعليهم أن يكونوا صابرين محتسبين مع هذه التحديات الكثيرة ، والله تعالى المستعان .
سؤال أهل الذكر 21 من رمضان 1427هـ، 14/10/2006م
الموضوع : عام
السؤال (1)
تتوالى الإساءات عن الإسلام مرة على شخص النبي صلى الله عليه وسلّم وأحياناً على القرآن الكريم وأحيانا على الإسلام نفسه بوصمه بالإرهاب ونحو هذه من السمات التي لا ترتضى ، أياًً كان ذلك الفكرة المطروحة أننا نتعامل مع أناس لا يعتبرون لهذه الأمور قداسة ، فكيف يمكن للمسلم أن يواجه مثل هذه الثقافة بحيث يوصل الفكرة إليها سليمة بعيداً عن التشنجات بعيداً عن ردود الفعل غير المدروسة التي قد يتضرر منها المسلمون خاصة أولئك الذين يختلطون بهذه البيئات ، فالجاليات الإسلامية تدفع ثمناً باهظاً نتيجة تصرفات من لا يسكن معهم في تلك الأماكن ؟
الجواب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فالإسلام دين الحكمة ، والحكمة هي وضع الشيء في موضعه ، وإن أحكم الحاكمين هو الله سبحانه وتعالى ، فهو الذي يضع الأشياء في مواضعها ولذلك كان من وصفه الحكيم ، لأن الحكمة هي في كل جزئية من جزئيات هذه المصنوعات التي صنعها الله المادية والمعنوية ، كل فعل من أفعال الله سبحانه وتعالى لا يخلو من حكمة تعالى عن أن تخلو أفعاله من الحكم سواء علم العباد ذلك أو جهلوه .
ولا ريب انه من منطلق كون الإسلام دين الحكمة يأمر بأن تعالج القضايا بحكمة ، فالذي يأتي مجادلاً من غير أن يكون متعدياً ومتجنياً يعامل بالحسنى ، وفي هذا يأتي قول الله سبحانه وتعالى ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) ( النحل : 125) ، وكذلك قوله ( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) ( فصلت :34 ) ، وهذا إنما هو في الفريق الذين يجهلون الحق ولكنه لا يعادونه ، فإذا ما وجده قبلوه أو على الأقل سالموه . بينما هنالك فريق آخر متعنت ، ولو جاءه الإنسان بالحق أبلح كالشمس في رابعة النهار فإنه يماري في ذلك ويجادل ، بل في حال إشراق النهار يقول هذا ليل ، هؤلاء هم الذين يعاملون بحسب صنيعهم ، وهذا الذي يدل عليه قول الله تعالى ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) ( العنكبوت : من الآية 46) ، فالذين ظلموا هم الذين يتجنون على دين الله تعالى الإسلام أو على حرمات النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام أو على كتاب الله أو على شريعة الله سبحانه وتعالى ، هؤلاء الذين يتجنون متعمدين قاصدين هم الذين يُعدون ظالمين ، فهم مجادلتهم لا تكون كمجادلة الذين يجهلون الحق ولا يعادونه لو أبصروه ، وإنما معاداتهم له بسبب جهلهم إياه .
فالإسلام على أي حال دين دعوة ، هذه الدعوة عند جميع فئات الناس ، الإنسان مطالب بأن يدعو الناس جميعاً ويبصرهم بالحقيقة لتقوم الحجة بذلك على الناس سواء قبلوا هذا الحق أو رفضوه وسواء سالموه أو عادوه .
الإسلام دين الدعوة ، نحن نرى في كتاب الله سبحانه وتعالى كيف يبين الله سبحانه أن هناك من الذين يدعوهم النبي صلى الله عليه وسلّم وهو مأمور بدعوتهم ومأمور بتبليغهم ومأمور بإرشادهم ومأمور بنصحهم أن من هؤلاء من لا يمكن أن يؤمن قط فالله تعالى يقول ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ ) ( البقرة : 6-7) ، هؤلاء مع هذه الحالة النبي صلى الله عليه وسلّم مأمور بأن يدعوهم ، ويقول تعالى ( لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ * وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) ( يس : 6-10) ، هؤلاء على أي حال مهما كان الأمر يُنذَرون بإقامة حجة الله تعالى عليهم ، ولأن الإنسان الداعي في الحقيقة لا يدري هل هذا يمكن أن تؤثر عليه الدعوة ، قد ينقلب الإنسان بين حين وآخر ، فأمر الخاتمة أو أمر نهاية المطاف في أمر الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ، على الإنسان مهما كان سواء يئس من هؤلاء المدعوين أو لم ييأس عليه أن يدعوهم ويقيم حجة الله تعالى عليهم ، لذلك نحن نرى أن الله سبحانه وتعالى يرفع عن النبي صلى الله عليه وسلّم ***** الهموم الذي كان مخيماًً عليه بسبب أن قومه كانوا عرضين عن الدعوة ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ) ( الكهف : 6 ) ، ( لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) ( الشعراء :3 ) ، فالنبي صلى الله عليه وسلّم مأمور بأن يترفق وأن يتلطف بنفسه أن لا يبخعها أي يهلكها بما يُحمّلها من أوزار الهموم والأحزان بسبب إعراض قومه لأن هذه هي سنة الله ، ولكن لماذا دعوة هؤلاء ؟ دعوة هؤلاء لإقامة الحجة عليهم كما يُؤذن بذلك قول الله سبحانه وتعالى في بيان ما كان عليه بنو إسرائيل من الانقسام في أمر السبت إلى ثلاث طوائف ، طائفة اعتدت في السبت ولم تبال بأمر الله سبحانه وتعالى ونهيه وحكمه ، وطائفة قامت بالتغيير ، وطائفة وقفت موقف سلبياً موقف المتفرج على هذا الاعتداء مع أنها كانت تعذل أولئك الذين كانوا يغيّرون ويقولون لهم ( لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً ) ، وقد ذكر الله تعالى أمر الطوائف الثلاث عندما قال سبحانه وتعالى( وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ) ( الأعراف : 164-165 ) ، أكثر المفسرين وقفوا موقف غير من يجزم في قضية أولئك الذين لم يقدموا على النهي وإنما وقفوا موقفاً سلبياً ، في موقف أولئك السلبيين لم يقولوا شيئاً ، بل قالوا لا ندري كيف كانت عاقبتهم ، وقد روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ليت شعري ما فعلت الطائفة الثالثة . أي الواقفة التي سكتت عن المنكر ولم تغيره .
والحق إذا جئنا إلى الأدلة القرآنية نجد أن هؤلاء الذين من جملة الذين ظلموا ، فهم داخلون في وعيدهم ، وداخلون في نفس الوقت في عقابهم لأن الله تعالى ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ) ( المائدة : 78-79) ، فعلى أي حال مهما يكن من أمر ، هؤلاء الذين يقفون موقفاً صارماًً متصلباً أمام الإسلام ، ويحاولون أن يشوهوا صورته لا بد من أن تكون الوقفة أمامهم وقفة حازمة ، أن تكون وقفة إيجابية ليست فيها مداهنة وليست فيها مسالمة ، لأن هؤلاء من أول الأمر هم ما قصدوا أبداً التوصل إلى الحقيقة أو البحث عن الحق أو ، وإنما قصدوا تشويه الحقيقة وطمس الحق ، فلذلك يكون الموقف أمامهم موقفاً صارماًً متصلباً ، بينما الموقف أمام الآخرين إنما يكون هو موقفاً فيه مرونة وفيه حكمة في المعاملة وفيه لطف في القول ، لا يُرد عليهم بالقول الخشن ، ولا ينفّرون ، وإنما يُرد عليهم بالقول اللين ، ويبين لهم الحق ويبصرون بالحق كما بيّن سبحانه وتعالى أسلوب ذلك عندما قال ( قُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) ( العنكبوت : من الآية : 46) ، هذا موقف مرن في منتهى المرونة ، أن يجادلوا هذه المجادلة .
وعلى أي حال نحن لا نستنكر أن يكون هنالك مثل هذا التصرف الأرعن ، وأن يكون من هناك مثل هذا الانتقاد الشديد للإسلام ، وأن يكون هذا التجني على حرمات الإسلام وعلى نبي الإسلام وعلى القرآن الذي أنزله الله سبحانه وتعالى وعلى هدي رسوله صلى الله عليه وسلّم ، ذلك لأن هؤلاء شرِقوا ، وهذه سنة الله في خلقه ، عادة الذي كون حاقداً على أمر ما أو على طائفة ما عندما يرى ذلك الأمر يظهر فإنه لا بد من أن يحنق ، وعندما يرى تلك الطائفة تظهر لا بد أيضاً من أن يحنق ، فهؤلاء حنقوا وحقدوا على الإسلام ، وهم يرون الإسلام رغم هذا الحقد ورغم هذا التشويه ينتشر ، فالإسلام ييكتسح الساحة ويظهر ، وفي كل يوم تدخل أمم فيه في العالم المتحضر ، ومع هذه التحديات ومع هذه الوقفة الصلبة منهم أمام الإسلام ، الإسلام يجتذب بسماحته وبيسره وبفطرته بحسب الفطرة التي فطر الله تعالى العباد عليها يجتذب الناس فيدخلون في هذا الدين أفواجا ، وهذه إحدى معجزات هذا الدين الحنيف وذلك مما يدخل في وعد الله لأن الله سبحانه وتعالى وعد بذلك ، ففي سورة التوبة يقول الله سبحانه ( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) ( التوبة 32-33) ، ويقول في سورة الصف ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) ( الصف : 8-9 ) ، وهذا كان من قبل عندما بدأت الدعوة الإسلامية حاول أعداء الإسلام أن يخنقوا هذه الدعوة وأن يخنقوا صوتها وأن يخفتوه ، وحاولوا بكل طريقة أن يشوهوا الدعوة إلى الإسلام فكانوا يصفون النبي صلى الله عليه وسلّم بالسحر ويصفونه بالجنون ويصفونه بالكذب كانوا وراء النبي صلى الله عليه وسلّم عندما كان يدعو الناس ، ولكن هذا لم يمنع الناس أن يدركوا الحقيقة وأن يتبعوا الحقيقة ، فقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم يتزايدون باستمرار ، في كل مرة تدخل أمة في الإسلام ، في كل مرة تدخل طائفة في الإسلام ، وإن كنتا في بداية الأمر كانوا أفراداًً إلا أنهم كانوا يتكاثرون كما قال هرقل في سؤاله لأبي سفيان عن هذا الأمر وقال له : هل يزيدون أو أنهم ينقصون ؟ قال له : بل يزيدون . فرد عليه بأن ذلك هو شأن دعوة الأنبياء ودعوة الحق الذي يأتي به الأنبياء من عند الله سبحانه وتعالى حتى يظهر في الأرض ، فهكذا سنة الله سبحانه وتعالى .
وكما أن أولئك تشويه أولئك السابقين لدعوة الإسلام لم تحُل بين الناس واتباع الإسلام وقبوله والإذعان له واتباع النبي صلى الله عليه وسلّم ، فكذلك تشويه هؤلاء للإسلام ، وما يحملونه من حملات مسعورة إنما هذه الحملات تمهد الطريق لدارسي الإسلام حتى يبحثوا عن هذا الإسلام ، فكم من أناس بسبب هذه الحملات المسعورة على الإسلام أخذوا يبحثون عن هذا الدين حتى عرفوا حقيقته واكتشفوا جوهره واتبعوه بمشيئة الله سبحانه وتعالى ، وهذا الذي نرجوه بعون الله ، وإنما على المسلمين أن يقوموا بواجب إبلاغ الدعوة ، وعلى المسلمين أن يجسدوا الإسلام ، وعليهم أن يكونوا صابرين محتسبين مع هذه التحديات الكثيرة ، والله تعالى المستعان .