أبو زياد
21/10/2006, 10:44 AM
فهرس حلقات برنامج سؤال أهل الذكر (http://om.s-oman.net/showthread.php?t=143955)
سؤال أهل الذكر 16 رمضان 1427هـ،9/10/2006م
الموضوع : عام
السؤال (1)
هلا بيّنتم لنا الإعجاز التشريعي فيما يتعلق بالحفاظ على الأسرة ، والسعي لديمومتها في ظل الأمان والاستقرار ؟
الجواب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فإن التشريع القرآني من جميع وجوهه هو معجز ، هو معجز لأنه يأتي على المشكلة البشرية فيحلها حلاً جذرياً ، إذ يتغلغل في أعماقها فيبددها تبديداً بعلاجه الشرعي .
الإسلام أعطى الأسرة مكانتها لأنها نواة للمجتمع ، وكما قلنا أكثر من مرة الإنسان مدني بطبعه ، ومن مدنية الإنسان الترابط الأسري بحيث إن الأسرة الواحدة تكون أسرة مترابطة متداخلة يرعى كل طرف من أطرافها حقوقها .
وقيام الأسرة هو الزواج الشرعي الذي رغّب الله سبحانه وتعالى فيه وامتن به على عباده عندما قال ( وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً ) ( النحل : من الآية 72) ، وقال أيضا ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) (النساء :1) ، وامتنّ بهذه النعمة العظيمة وجعلها من آياته الدالة عليه عندما قال سبحانه ( ومن آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )( الروم : 21) .
نعم القرآن الكريم شجّع على هذه العلاقة الطاهرة المقدسة التي تكون بين الرجل والمرأة لئلا ينزل الإنسان الذي شرفه الله سبحانه وتعالى بالعقل ، وميّزه بما آتاه من الملكات الظاهرة والباطنة ، وبوّأه مبوأ التكريم إذ جعله خليفة في هذه الأرض لئلا ينزل هذا الإنسان منزل الحيوان الأعجم التي ينزو بعضها على بعض من غير نظام ومن غير رباط ، إذ جعل الله سبحانه وتعالى قضاء الوطر ما بين الرجل والمرأة مؤطراً في إطار الفضيلة ومؤطراً في إطار العلاقة الاجتماعية التي لا تشد الفرد إلى الفرد فحسب بحيث تشد الرجل إلى المرأة وتشد المرأة إلى الرجل ، وإنما بجانب ذلك تشد الأسرة إلى الأسرة إذ توجد الرباط بين أسرة الرجل وأسرة المرأة .
ونجد أن القرآن الكريم أعطى كل ذي حق حقه ، أعطى المرأة حقها كما أنه أعطى الرجل حقه .
أعطى المرأة حقها إذ جعلها مصونة مكرمة ، وجعل هذه العلاقة علاقة مقدسة على الرجل أن يرعاها وأن يحافظ عليها .
أولاً أعطى الإسلام المرأة في الحقوق الزوجية ما أعطاه الرجل من غير تمييز ما عاد القوامة التي تتناسب مع طبيعة الرجل وفطرته التي فطره الله عليها ، فالله تعالى يقول ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) ( البقرة : من الآية 228) ، فهن لهن من الحقوق على أزواجهن ما عليهن من الحقوق لأزواجهن بالمعروف ، وإنما هنالك درجة القوامة التي جعلها الله تعالى للرجل بسبب أنها هي التي تتناسب مع فطرته ، إذ المرأة مع تقلبات فكرها وتأثرات عاطفتها لا تستطيع أن تقوم بهذه القوامة المشروعة فلذلك كانت القوامة من شأن الرجل .
( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) ( البقرة : من الآية 228) ، الحقوق مشتركة ما بين الجانبين ، وليس ذلك فحسب بل الإسلام دل على أن هذه العلاقة ما بين الزوجين هي شركة يشتركان فيها ويمتزجان معاًً بحيث إن مشاعرهما تكون متوحدة ، وأحاسيسهما تكون متوحدة ، وأهدافهما تكون واحدة ، وبينهما التداخل والامتزاج الذي لا يحصل ما بين غيرهما ، فالله سبحانه وتعالى يقول ( وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً )( النساء : 21) ، نعم كيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض لم يقل ( وقد أفضيتم إليهن ) ، وإنما قال ( وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ) للإيماء إلى هذه الشركة التي تحصل ما بين الزوجين وتجمع ذواتهما حتى تكون كأنها ذات واحدة وتجمع الأحاسيس وتجمع المشاعر وتجمع الأهداف وتجمع التوجه بحيث يكونان بمثابة الشخص الواحد .
ومع هذا يشير إلى وجوب مراعاة ذلك الميثاق الغليظ . المرأة أخذت من الرجل ميثاقاً غليظا ، ما هو هذا الميثاق الغليظ ؟
لا ريب أن كثيراً من المفسرين قالوا بأن الميثاق الغليظ هو ما دل عليه قول الله سبحانه وتعالى ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ )( النساء : من الآية 19) ، أو ما دل عليه قول الله ( فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ) ( البقرة : من الآية 229) ، وأن ذلك مما يُذكر في عقد الزواج فيُجعل من الميثاق الذي مأخوذ على الرجل .
ولكن من المحققين من المفسرين من ذهب مذهباً آخر في تحديد هذا الميثاق الغليظ ، وهو أن هذا الميثاق هو ميثاق فطري ، ذلك لأن المرأة تنشأ أول ما تنشاً في كنف أسرة ، تنشأ بين أبوين حانيين رءوفين عطوفين يرعيانها ويحرصان على مصلحتها ، حتى إذا بلغت أشدها نازعتها فطرتها إلى الانتقال إلى كنف شخص آخر ، قد يكون ذلك الشخص لم تكن على معرفة به من قبل ، قد يكون من بلد غير بلدها ، وقد يكون من شعب غير شعبها ، وقد يكون من أهل لغة غير لغتها ، ولكن مع ذلك تؤثر الارتباط به ، وترى من الضرورة هذا الارتباط ، فتخرج من عشها الذي نشأت فيها ومن كنف ذلك الأبوين الحانيين الرءوفين الرءومين إلى كنف آخر ، إلى شخص آخر لم يكن لها بها عهد من قبل ، ما ذلك إلا لأجل نوازع الفطرة التي في نفسها ، فإسلاسها قيادها له واتباعها له وقبولها بأن تكون في كنفه وأن تنتقل إليه هو ميثاق فطري بينه وبنيها ، فيجب عليه أن يرعى هذا الميثاق وأن يحافظ عليه .
الإسلام من كل ناحية من النواحي نجد أنه راعى عواطف المرأة وأحاسيسها ومشاعرها ، فالله سبحانه وتعالى منع ولي المرأة أن يعضلها من أن تنكح الزوج الذي اختارته بنفسها ، فالله تعالى يقول ( فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ) ( البقرة : من الآية 232) ، والآية وإن كانت نزلت في المطلقات اللواتي يردن أن يرجعن إلى أزواجهن الذين طلقوهن بعد انقضاء العدة مع عضل أولياءهن لهن إلا أن هذا الحكم ينطبق على كل امرأة تزوجت من قبل أو لم تتزوج ، فهي لها الحق في أن تختار شريك حياتها ، ومع ذلك أيضاً فإن هذه المرأة لا تجبر على الزواج بمن لا تريده ، ليس لوليها أن يجبرها على الزواج بمن لا تريده ، إذ رضاها شرط من شروط صحة العقد لأنها هي التي تعاشر الزوج ، وهي التي تنتقل إلى كنفه ، وهي التي تشاركه الحياة ، وهي التي تشاركه الآمال والآلام فجدير بها أن تكون هذه الشركة عن رضا منها وعن طواعية لا أن تكون بإكراه ، ليس لوليها أن يجبرها على من لا تريده ، وإنما وليها يرعاها بحيث يمنعها من أن ترتبط بالشخص الذي ربما لا تحمد عاقبة الأمر عندما ترجع إليه ، ويرعى هذه المصالح لأن المرأة ذات عاطفة جياشة ، وقد تدفع بها عاطفتها إلى أن ترتبط بشخص لا تحمد عاقبة أمره في الحياة الزوجية ، فلذلك جُعل لوليها الحق في توجيهها وفي تسديدها من غير أن يقف في سبيل رغبتها .
وجُعل لها حق الصداق الذي هو رمز القوامة ، فالرجل يعطيها الصداق ، والصداق لها ليس لوليها ( وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ) ( النساء : 4) ، ليس للولي أن يتدخل في ذلك ، على أن يكون هذا الصداق يجب أن يكون أمراً ميسراً لا أمراً معسراً يثقل كواهل الذين يريدون الزواج حتى يقف حائلاً بينهم وبين تحقيق هذه الرغبة في نفوسهم ، وتحقيق هذه الرغبة أيضاً في نفوس الفتيات اللواتي يتطلعن إليهم بأن يكونوا شركاء حياتهن . فالصداق هو كما قلنا رمز القوامة التي للرجل ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) ( النساء : من الآية 34) ، وهذا الصداق ليس للرجل أن يرزأ المرأة شيئاً منها لو أراد أن يطلقها لسبب من الأسباب ، ليس له أن يرزأها شيئاً منه ، فالله تعالى يقول ( وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ) ( النساء : من الآية 19) ، ويقول سبحانه وتعالى ( وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً ) ( النساء : 20-21) ، ويقول تعالى ( وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ) ( البقرة : من الآية 22) ، وذلك بأن تكون المرأة كارهة للرجل كرهاً متغلغلاً في أعماق نفسها مع رغبة الرجل في استمرار العشرة الزوجية بينه وبينها ولكنه بسبب نكدها وبسبب شقاقها تعود الحياة بينهما جحيماً لا يطاق ففي هذه الحالة لئلا يفقد الرجل المرأة والمال معاًً أبيح له أن يأخذ ما آتاها أو بعض ما آتاها .
ونجد أن الله سبحانه وتعالى استجابة لداعي الفطرة واستجابة لحاجة الناس إلى حل مشكلاتهم أباح الطلاق ، ولكن مع ذلك أطّر هذا الطلاق في إطار من الأحكام التي تجعله لا يقع إلا في حالات الضرورة ، فنجد أن الله سبحانه وتعالى رغّب في عدم الطلاق ، أولاً رغّب في أن يكون الرجل هو الذي يحل المشكلة بينه وبين زوجه بحيث يوجهها ويعظها ويرشدها وإذا جاوز الأمر جميع الحدود فله حتى أن يعاقبها عقاباً بسيطاًً لا يضر بها ولكن ويوجهها إلى الخير ( وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ) ( النساء : من الآية 34) .
فإن لم يفد هذا العلاج وتعسر أن يكون بينهما وفاق فإن الأسرتين تتدخلان ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ) ( النساء : 35) ، فتحكيم الحكمين لأجل تفادي مشكلة الشقاق ما بين الزوجين حتى لا يؤدي هذا الشقاق إلى الطلاق .
فإن لم يُجد ذلك كله وتعذر الوفاق بينهما فهنا يُشرع الطلاق ، ولكن الطلاق المشروع ليس كما يتصرف الناس بحيث يطلقها بالثلاث أو يطلقها بالمئة أو يطلقها بالألف أو يطلقها بغير حساب ، إنما يطلقها واحدة ، طلقة رجعية ، على أن تكون هذه الطلقة في طهر لم يباشرها فيه ، ذلك لأن الطلاق إبّان الحيض قد يكون لدافع يدفع الإنسان إليه مع أنه في غير مصلحته ، لأنه في ذلك الوقت لا ينتفع من المرأة بمراده ، فلذلك مُنع من الطلاق ، وبعد أن يقضي وطره منها قد تكون نفسه شبعت منها فيطلقها أيضاً لأتفه الأسباب ، ولكن عندما تكون طاهراً ولم يباشرها نفسه تكون عادة تواقة إليها فلا يطلقها في هذه الحالة إلا لضرورة ، وعندما يطلقها لا ريب أنه يُعطى فسحة ، تكون هناك علاقة بينهما وهي فترة العدة الشرعية ، في هذه الفترة يراجع كل منهما نفسه ، ويجرب حياته منفرداً عن الآخر ، هل يطيق هذا الانفراد عن الآخر ، فإن كان الشقاق منها ربما تراجعت وطلب الزوج أن يرجعها إليها وتعهدت له بأن لا تشاقه ، وإن كان الشقاق من الزوج أيضاً راجع نفسه وجرب هذه الحياة حياة الوحدة عن هذه المرأة التي كانت شريكة حياته ، وأبيح له في فترة العدة أن يراجعها ، أما بعد العدة فبعقد شرعي مع جميع شروطه الشرعية ، وله أن يراجعها فإن طلقها بعد ذلك كان له أيضاً أن يراجعها ، أما إذا طلقها الثالثة فلئلا تصبح المرأة عرضة لتلاعب الرجل بحياتها وبمشاعرها وبمستقبلها مُنع هنا أن يرجع إليها إلا بأن تتزوج زوجاً آخر زواجاًً شرعياً لا لأجل التحليل ولكن لأجل الارتباط وربط المصير بالمصير كما هو شأن الزواج ، وإن طلقها أو خرجت منه بوفاة بان توفي عنها بعد أن باشرها ودخل بها تحل للأول بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية .
فنجد أن هذه الجوانب كلها ما جاءت من فراغ ، إنما جاءت من علم عليم خبير بفطر البشر وبمصالح البشر فلذلك أُطر الزواج بهذا الإطار ، لم ترق أي تشريعات بشرية على هذا المستوى حتى تحفظ كرامة المرأة وتحفظ العلاقة الزوجية ما بين الزوجين ، هذا على أي حال من إعجاز القرآن في التشريع .
سؤال أهل الذكر 16 رمضان 1427هـ،9/10/2006م
الموضوع : عام
السؤال (1)
هلا بيّنتم لنا الإعجاز التشريعي فيما يتعلق بالحفاظ على الأسرة ، والسعي لديمومتها في ظل الأمان والاستقرار ؟
الجواب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فإن التشريع القرآني من جميع وجوهه هو معجز ، هو معجز لأنه يأتي على المشكلة البشرية فيحلها حلاً جذرياً ، إذ يتغلغل في أعماقها فيبددها تبديداً بعلاجه الشرعي .
الإسلام أعطى الأسرة مكانتها لأنها نواة للمجتمع ، وكما قلنا أكثر من مرة الإنسان مدني بطبعه ، ومن مدنية الإنسان الترابط الأسري بحيث إن الأسرة الواحدة تكون أسرة مترابطة متداخلة يرعى كل طرف من أطرافها حقوقها .
وقيام الأسرة هو الزواج الشرعي الذي رغّب الله سبحانه وتعالى فيه وامتن به على عباده عندما قال ( وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً ) ( النحل : من الآية 72) ، وقال أيضا ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) (النساء :1) ، وامتنّ بهذه النعمة العظيمة وجعلها من آياته الدالة عليه عندما قال سبحانه ( ومن آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )( الروم : 21) .
نعم القرآن الكريم شجّع على هذه العلاقة الطاهرة المقدسة التي تكون بين الرجل والمرأة لئلا ينزل الإنسان الذي شرفه الله سبحانه وتعالى بالعقل ، وميّزه بما آتاه من الملكات الظاهرة والباطنة ، وبوّأه مبوأ التكريم إذ جعله خليفة في هذه الأرض لئلا ينزل هذا الإنسان منزل الحيوان الأعجم التي ينزو بعضها على بعض من غير نظام ومن غير رباط ، إذ جعل الله سبحانه وتعالى قضاء الوطر ما بين الرجل والمرأة مؤطراً في إطار الفضيلة ومؤطراً في إطار العلاقة الاجتماعية التي لا تشد الفرد إلى الفرد فحسب بحيث تشد الرجل إلى المرأة وتشد المرأة إلى الرجل ، وإنما بجانب ذلك تشد الأسرة إلى الأسرة إذ توجد الرباط بين أسرة الرجل وأسرة المرأة .
ونجد أن القرآن الكريم أعطى كل ذي حق حقه ، أعطى المرأة حقها كما أنه أعطى الرجل حقه .
أعطى المرأة حقها إذ جعلها مصونة مكرمة ، وجعل هذه العلاقة علاقة مقدسة على الرجل أن يرعاها وأن يحافظ عليها .
أولاً أعطى الإسلام المرأة في الحقوق الزوجية ما أعطاه الرجل من غير تمييز ما عاد القوامة التي تتناسب مع طبيعة الرجل وفطرته التي فطره الله عليها ، فالله تعالى يقول ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) ( البقرة : من الآية 228) ، فهن لهن من الحقوق على أزواجهن ما عليهن من الحقوق لأزواجهن بالمعروف ، وإنما هنالك درجة القوامة التي جعلها الله تعالى للرجل بسبب أنها هي التي تتناسب مع فطرته ، إذ المرأة مع تقلبات فكرها وتأثرات عاطفتها لا تستطيع أن تقوم بهذه القوامة المشروعة فلذلك كانت القوامة من شأن الرجل .
( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) ( البقرة : من الآية 228) ، الحقوق مشتركة ما بين الجانبين ، وليس ذلك فحسب بل الإسلام دل على أن هذه العلاقة ما بين الزوجين هي شركة يشتركان فيها ويمتزجان معاًً بحيث إن مشاعرهما تكون متوحدة ، وأحاسيسهما تكون متوحدة ، وأهدافهما تكون واحدة ، وبينهما التداخل والامتزاج الذي لا يحصل ما بين غيرهما ، فالله سبحانه وتعالى يقول ( وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً )( النساء : 21) ، نعم كيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض لم يقل ( وقد أفضيتم إليهن ) ، وإنما قال ( وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ) للإيماء إلى هذه الشركة التي تحصل ما بين الزوجين وتجمع ذواتهما حتى تكون كأنها ذات واحدة وتجمع الأحاسيس وتجمع المشاعر وتجمع الأهداف وتجمع التوجه بحيث يكونان بمثابة الشخص الواحد .
ومع هذا يشير إلى وجوب مراعاة ذلك الميثاق الغليظ . المرأة أخذت من الرجل ميثاقاً غليظا ، ما هو هذا الميثاق الغليظ ؟
لا ريب أن كثيراً من المفسرين قالوا بأن الميثاق الغليظ هو ما دل عليه قول الله سبحانه وتعالى ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ )( النساء : من الآية 19) ، أو ما دل عليه قول الله ( فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ) ( البقرة : من الآية 229) ، وأن ذلك مما يُذكر في عقد الزواج فيُجعل من الميثاق الذي مأخوذ على الرجل .
ولكن من المحققين من المفسرين من ذهب مذهباً آخر في تحديد هذا الميثاق الغليظ ، وهو أن هذا الميثاق هو ميثاق فطري ، ذلك لأن المرأة تنشأ أول ما تنشاً في كنف أسرة ، تنشأ بين أبوين حانيين رءوفين عطوفين يرعيانها ويحرصان على مصلحتها ، حتى إذا بلغت أشدها نازعتها فطرتها إلى الانتقال إلى كنف شخص آخر ، قد يكون ذلك الشخص لم تكن على معرفة به من قبل ، قد يكون من بلد غير بلدها ، وقد يكون من شعب غير شعبها ، وقد يكون من أهل لغة غير لغتها ، ولكن مع ذلك تؤثر الارتباط به ، وترى من الضرورة هذا الارتباط ، فتخرج من عشها الذي نشأت فيها ومن كنف ذلك الأبوين الحانيين الرءوفين الرءومين إلى كنف آخر ، إلى شخص آخر لم يكن لها بها عهد من قبل ، ما ذلك إلا لأجل نوازع الفطرة التي في نفسها ، فإسلاسها قيادها له واتباعها له وقبولها بأن تكون في كنفه وأن تنتقل إليه هو ميثاق فطري بينه وبنيها ، فيجب عليه أن يرعى هذا الميثاق وأن يحافظ عليه .
الإسلام من كل ناحية من النواحي نجد أنه راعى عواطف المرأة وأحاسيسها ومشاعرها ، فالله سبحانه وتعالى منع ولي المرأة أن يعضلها من أن تنكح الزوج الذي اختارته بنفسها ، فالله تعالى يقول ( فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ) ( البقرة : من الآية 232) ، والآية وإن كانت نزلت في المطلقات اللواتي يردن أن يرجعن إلى أزواجهن الذين طلقوهن بعد انقضاء العدة مع عضل أولياءهن لهن إلا أن هذا الحكم ينطبق على كل امرأة تزوجت من قبل أو لم تتزوج ، فهي لها الحق في أن تختار شريك حياتها ، ومع ذلك أيضاً فإن هذه المرأة لا تجبر على الزواج بمن لا تريده ، ليس لوليها أن يجبرها على الزواج بمن لا تريده ، إذ رضاها شرط من شروط صحة العقد لأنها هي التي تعاشر الزوج ، وهي التي تنتقل إلى كنفه ، وهي التي تشاركه الحياة ، وهي التي تشاركه الآمال والآلام فجدير بها أن تكون هذه الشركة عن رضا منها وعن طواعية لا أن تكون بإكراه ، ليس لوليها أن يجبرها على من لا تريده ، وإنما وليها يرعاها بحيث يمنعها من أن ترتبط بالشخص الذي ربما لا تحمد عاقبة الأمر عندما ترجع إليه ، ويرعى هذه المصالح لأن المرأة ذات عاطفة جياشة ، وقد تدفع بها عاطفتها إلى أن ترتبط بشخص لا تحمد عاقبة أمره في الحياة الزوجية ، فلذلك جُعل لوليها الحق في توجيهها وفي تسديدها من غير أن يقف في سبيل رغبتها .
وجُعل لها حق الصداق الذي هو رمز القوامة ، فالرجل يعطيها الصداق ، والصداق لها ليس لوليها ( وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ) ( النساء : 4) ، ليس للولي أن يتدخل في ذلك ، على أن يكون هذا الصداق يجب أن يكون أمراً ميسراً لا أمراً معسراً يثقل كواهل الذين يريدون الزواج حتى يقف حائلاً بينهم وبين تحقيق هذه الرغبة في نفوسهم ، وتحقيق هذه الرغبة أيضاً في نفوس الفتيات اللواتي يتطلعن إليهم بأن يكونوا شركاء حياتهن . فالصداق هو كما قلنا رمز القوامة التي للرجل ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) ( النساء : من الآية 34) ، وهذا الصداق ليس للرجل أن يرزأ المرأة شيئاً منها لو أراد أن يطلقها لسبب من الأسباب ، ليس له أن يرزأها شيئاً منه ، فالله تعالى يقول ( وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ) ( النساء : من الآية 19) ، ويقول سبحانه وتعالى ( وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً ) ( النساء : 20-21) ، ويقول تعالى ( وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ) ( البقرة : من الآية 22) ، وذلك بأن تكون المرأة كارهة للرجل كرهاً متغلغلاً في أعماق نفسها مع رغبة الرجل في استمرار العشرة الزوجية بينه وبينها ولكنه بسبب نكدها وبسبب شقاقها تعود الحياة بينهما جحيماً لا يطاق ففي هذه الحالة لئلا يفقد الرجل المرأة والمال معاًً أبيح له أن يأخذ ما آتاها أو بعض ما آتاها .
ونجد أن الله سبحانه وتعالى استجابة لداعي الفطرة واستجابة لحاجة الناس إلى حل مشكلاتهم أباح الطلاق ، ولكن مع ذلك أطّر هذا الطلاق في إطار من الأحكام التي تجعله لا يقع إلا في حالات الضرورة ، فنجد أن الله سبحانه وتعالى رغّب في عدم الطلاق ، أولاً رغّب في أن يكون الرجل هو الذي يحل المشكلة بينه وبين زوجه بحيث يوجهها ويعظها ويرشدها وإذا جاوز الأمر جميع الحدود فله حتى أن يعاقبها عقاباً بسيطاًً لا يضر بها ولكن ويوجهها إلى الخير ( وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ) ( النساء : من الآية 34) .
فإن لم يفد هذا العلاج وتعسر أن يكون بينهما وفاق فإن الأسرتين تتدخلان ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ) ( النساء : 35) ، فتحكيم الحكمين لأجل تفادي مشكلة الشقاق ما بين الزوجين حتى لا يؤدي هذا الشقاق إلى الطلاق .
فإن لم يُجد ذلك كله وتعذر الوفاق بينهما فهنا يُشرع الطلاق ، ولكن الطلاق المشروع ليس كما يتصرف الناس بحيث يطلقها بالثلاث أو يطلقها بالمئة أو يطلقها بالألف أو يطلقها بغير حساب ، إنما يطلقها واحدة ، طلقة رجعية ، على أن تكون هذه الطلقة في طهر لم يباشرها فيه ، ذلك لأن الطلاق إبّان الحيض قد يكون لدافع يدفع الإنسان إليه مع أنه في غير مصلحته ، لأنه في ذلك الوقت لا ينتفع من المرأة بمراده ، فلذلك مُنع من الطلاق ، وبعد أن يقضي وطره منها قد تكون نفسه شبعت منها فيطلقها أيضاً لأتفه الأسباب ، ولكن عندما تكون طاهراً ولم يباشرها نفسه تكون عادة تواقة إليها فلا يطلقها في هذه الحالة إلا لضرورة ، وعندما يطلقها لا ريب أنه يُعطى فسحة ، تكون هناك علاقة بينهما وهي فترة العدة الشرعية ، في هذه الفترة يراجع كل منهما نفسه ، ويجرب حياته منفرداً عن الآخر ، هل يطيق هذا الانفراد عن الآخر ، فإن كان الشقاق منها ربما تراجعت وطلب الزوج أن يرجعها إليها وتعهدت له بأن لا تشاقه ، وإن كان الشقاق من الزوج أيضاً راجع نفسه وجرب هذه الحياة حياة الوحدة عن هذه المرأة التي كانت شريكة حياته ، وأبيح له في فترة العدة أن يراجعها ، أما بعد العدة فبعقد شرعي مع جميع شروطه الشرعية ، وله أن يراجعها فإن طلقها بعد ذلك كان له أيضاً أن يراجعها ، أما إذا طلقها الثالثة فلئلا تصبح المرأة عرضة لتلاعب الرجل بحياتها وبمشاعرها وبمستقبلها مُنع هنا أن يرجع إليها إلا بأن تتزوج زوجاً آخر زواجاًً شرعياً لا لأجل التحليل ولكن لأجل الارتباط وربط المصير بالمصير كما هو شأن الزواج ، وإن طلقها أو خرجت منه بوفاة بان توفي عنها بعد أن باشرها ودخل بها تحل للأول بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية .
فنجد أن هذه الجوانب كلها ما جاءت من فراغ ، إنما جاءت من علم عليم خبير بفطر البشر وبمصالح البشر فلذلك أُطر الزواج بهذا الإطار ، لم ترق أي تشريعات بشرية على هذا المستوى حتى تحفظ كرامة المرأة وتحفظ العلاقة الزوجية ما بين الزوجين ، هذا على أي حال من إعجاز القرآن في التشريع .