المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : سؤال أهل الذكر 10من رمضان 1427هـ، 3/10/2006م


أبو زياد
17/10/2006, 04:51 PM
فهرس حلقات برنامج سؤال أهل الذكر (http://om.s-oman.net/showthread.php?t=143955)

سؤال أهل الذكر 10 من رمضان 1427هـ ، 3/10/2006م

الموضوع : عام

السؤال (1)
هناك جدل مثار حول القاعدة الشرعية ( سد الذرائع ) ، فهناك من يرى أن هذه القاعدة يسلكها العلماء ليعبروا من خلالها إلى القول بالحرمة فيما لم يكن فيه كمال تصور كأن يكون أمراً حادثاً ، فمن ذلك ما حُرّم من أطباق استقبال البث والمذياع في بدايته والتلفاز في بدايته أيضاً ، فهم يرون أن مثل هذه القاعدة المرنة يسلكها العالم ليصل إلى التحريم فيه نوع من الشطط .
ما هو رأيكم سماحة الشيخ في هذا الموضوع ؟

الجواب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :

( فالحلال بيّن والحرام بيّن ، وبينهما أمور مشتبهات لا يعرفهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى الله محارمه ) ، هذه الكلمات من حديث أخرجه الشيخان من طريق النعمان بن بشير عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وهي تدل على أن المحارم واضحة كما أن الأمور المحللة واضحة ، وأن الأمور المشتبهة واقعة بين الحلال الصريح والحرام الصريح .

ومن المعلوم أن الإنسان ليس له أن يتجرأ من تلقاء نفسه فيقول بالحل أو الحرمة لأن التحليل والتحريم أمرهما راجع إلى الله سبحانه وتعالى ، فالله سبحانه وتعالى يقول ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ ) ( النحل :116) .

فالعالم عندما يفتي بالحرمة إما أن يكون مستنداً إلى دليل ظاهر أي إلى نص ، والنص يكون قطعي الدلالة .

وإما أن يكون مستنداً إلى اجتهاد يعوّل فيه على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ، وهو على كلا الأمرين لم يُحرّم من تلقاء نفسه .

وإذا نظرنا إلى الانتفاع بموجودات هذا الكون فإن الأصل الانتفاع الحل ، لأن القرآن الكريم يدل على أن هذه الموجودات خُلقت لنا إلا ما دل الدليل على تحريمه ، فلذلك نحن نرى أن المحرمات محصورة بينما المباحات غير محصورة كما قول الله تعالى ( قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ) ( الأنعام من الآية 145) ، ونجد أيضاً المحرمات في النكاح هن محصورات واتبعها الله بقوله ( وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ) ( النساء : من الآية 24) ، وكذلك بالنسبة إلى ما يحرم في اللباس كلبس الحرير والذهب على الرجال ، فإن هذه الأشياء محصورة ، وكذلك لبسة الخيلاء ، لبسة الخيلاء محرمة سواء على الرجال أو على النساء .

فالمحارم هي محصورة ، ولكن مع هذا قد يُمنع الشيء الذي هو في الأصل مباح ، وقد يكون في الأصل مرغباً فيه بل واجباً ، ولكن يُمنع لسد ذريعة من ذرائع الفساد .

فنحن نرى في كتاب الله تعالى منع أشياء هي في الأصل مباحة ولكن خشية اتخاذها وسيلة لمحارم الله سبحانه وتعالى مُنعت من ذلك ما نجده من قوله سبحانه وتعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ( البقرة : 104) ، مُنع المسلمون أن يقولوا لرسول الله صلى الله عليه وسلّم راعنا لأن اليهود اتخذوا هذه الكلمة وسيلة لتنقيص الرسول صلى الله عليه وسلّم لأنها عندهم مشتقة من الرعونة ، فلأجل سد طريق التنقيص الذي كانوا يرمون إليه مُنعوا من أن يقولوا ذلك .

كذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز يقول ( وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ) ( الأنعام : من الآية 108) ، لا ريب أن دعوة أي أحد أو أي شيء من دون الله سبحانه وتعالى هي من الأمور المحرمة بل من الشركيات التي تتنافى مع العقيدة ، فسب ما اتخذه المشركون من آلهة من دون الله تعالى أمر مفروض على المسلمين في الأصل ، ولكن لماذا مُنعوا من سب آلهتهم التي يدعونها من دون الله ؟ لئلا يسبوا الله عدواً بغير علم . فنرى أن ما كان محبباً بل ما كان واجباً مُنع حتى لا يكون ذريعة من ذرائع الفساد ، لئلا يكون سبباً لسب الله سبحانه وتعالى بغير علم .

كذلك نرى في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلّم كثيراً ما يُمنع الشيء وهو في الأصل غير ممنوع ، بل لعله يُمنع حق في الأصل هو مشروع إلا أن هذا المنع لأجل سد ذرائع الفساد ، فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلّم ( لا يرث القاتل المقتول عمداًً كان القتل أو خطأ ) . الأصل أن الوارث له حق في مال موروثه ، يرث نصيبه منه ( لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ) ( النساء : 7) ، هذه حقوق مشروعة ، شرعها الله سبحانه وتعالى ، والله بنفسه قسّم المواريث بعدله بين عباده لم يكلها إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل ، وقال بعد قسمتها ( تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) ( النساء : 13-14) ، إلا أنه مع ذلك مُنع القاتل ولو كان هذا القتل خطأ ، والمخطئ لا يتحمل وزراً لأن الخطأ معفو غير محمول على صاحبه اللهم إلا تبعة الضمان ، فلذلك شرع الله سبحانه وتعالى ما شرع من الدية في قتل الخطأ ، وشرع أيضاً الكفارة لمحو أثر هذا الخطأ ، ولكن مع ذلك كله يُمنع هذا القاتل عمداًً كان القتل أو خطأ أن يرث مقتوله ، لماذا المنع ؟ حتى لا يتخذ الناس رفع حكم الخطأ وسيلة للقتل مع ادعائهم أن هذا القتل خطأ . فقد يتجرأ الإنسان على أن يقتل موروثه ليتوصل إلى تركته بطريقة توهم أن هذا القتل خطأ ، ولكن سُدّ هذا الباب بمنع الإرث ، إرث القاتل من المقتول سواء كان قتله عمداً أو خطأ .

فإذن سد الذرائع باب واسع من أبواب الفقه الإسلامي ، وقد أخذ به الفقهاء ، وله شواهد كثيرة في الفقه الإسلامي من آيات الله تعالى التي دلت على ذلك ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم ومن الآثار المروية عن السلف الصالح .

أبو زياد
17/10/2006, 04:52 PM
السؤال (2)
هناك من يرى بأن المرأة كانت موطناً خصباً لهذه القاعدة فكثيراً ما مُنعت سداًً للذريعة لئلا يصل الأمر إلى الفتنة ، فمُنعت من قيادة السيارة على رأي بعض العلماء ومُنعت من أمور أخرى لأنها توصل إلى الفتنة مع أن أمر الفتنة بنفسه ينظر إليه أنه أمر عائم يتفاوت من مجتمع إلى آخر ومن امرأة أخرى ، فما هو رأيكم سماحة الشيخ ؟

الجواب :
على أي حال نحن نقول بسد ذرائع الفساد على أن يكون ذلك أمراً مؤطراً في الإطار المعقول ، لا أن يكون خارجاً عن حدود المعقول .

لا ريب أن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة ، فإن المصلحة لا توازي المفسدة ، هذا مع كون الأمور يجب أن تكون فيها معادلات ، حتى قضية مراعاة المصالح والمفاسد ودفع المضار وتحقيق المنافع كل من ذلك يجب أن تكون فيه معادلات ، فقد يكون ضرر طفيف ، هذا الضرر الطفيف لا يساوي شيئاً بجانب المنفعة الكبيرة ، قد يتضرر شخص أو يكون الضرر ضرراً طفيفاً بجانب ما يتحقق من المنفعة الكبيرة ، فهذه المضرة القليلة لا يقام لها وزن .

نحن نجد في شريعة الله في كثير من الأمور قد يكون هنالك تضرر للبعض ولكن مع تحقق منفعة أكبر ، فتراعى هذه المنفعة وتراعى هذه المصلحة التي تتحقق بجانب ذلكم الضرر الطفيف ، فهذه الأمور لا بد من أن يؤخذ بها في الاعتبار .

السؤال (3)
هناك من ينظر إلى مسألة سد الذرائع وما يقابلها من مراعاة المصلحة على أنهما جانبان يمثلان التطرف في المنع والتطرف في الإباحة ، فتحت غطاء المصلحة يقال أن هذا الأمر جائز لمراعاة المصلحة وأن النصوص الشرعية ما جاءت صريحة فيه مقابل النصوص الأخرى التي جاءت تدلل على أن المصلحة مراعاة وإلى غير ذلك ، ما هو المنهج الأمثل في الخروج من هذه الأزمة ؟

الجواب :
مراعاة المصلحة يجب أن لا تكون متصادمة مع النصوص الشرعية ، لا ريب أن المصالح تراعى ، ولكن من الذي يحدد المصلحة ؟

نحن علينا أن نسلّم لأمر الله ، وأن نسلّم لأمر رسوله صلى الله عليه وسلّم ، لو رجعنا إلى عقولنا وحاولنا أن نحكمها في جزئيات الأحكام لوجدنا كثيراً من الأمور المنصوص عليها شرعاًً تتنافى مع عقولنا وذلك لقصر عقولنا ، نحن عقولنا قاصرة مهما بلغت ، عقل الإنسان هو عقل محدود كسائر طاقاته ، طاقات الإنسان محدودة ، بصره محدود ، سمعه محدود ، جميع طاقاته محدودة ، كذلك فكره محدود ، فالعقل الذي هو منبع الفكر هو محدود ، لا يمكن لهذا العقل أن يخترق الحجب فيبصر ما ورائها ، كما أنه لا يمكن للبصر أن يخترق الحجب المادية فيبصر ما ورائها .

وكما قلت أكثر من مرة بأن العقل يتأثر بمؤثرات كثيرة منها نفسي ومنها اجتماعي ، فلذلك عند ورود النص الشرعي يجب أن يسلّم للنص الشرعي ، وأن لا يتلفت إلى ما ترشد إليه العقول .

والنظر في المصالح إنما هو راجع إلى عقول البشر .

لو نظرنا نحن فيما تستحسنه العقول وتستقبحه العقول لوجدنا أن من جملة ما تستقبحه أن يقوم أحد إلى حيوان فيذبحه ثم يتنعم بأكل لحمه ، هذا لو حكّمنا فيه العقل من غير نظر والتفات إلى الشرع الشريف لوجدنا أن ذلك لا يستساغ عقلاً ، هذا حيوان فيه روح ، وفيه إحساس كمثلك ، لا فرق بينه وبين الإنسان من هذه الناحية ، يحس كما يحس الإنسان ، ويعيش كما يعيش الإنسان ، ويتألم كما يتألم الإنسان ، ويحب الحياة ، ويكره الفناء كما هو في طبيعة الإنسان ، فلماذا يقوم الإنسان عليه ويقضي على حياته وبعد ذلك ينتفع به ويأكل لحمه مع أنه لم يقم بعدوان على الإنسان ، ليس تصرف الإنسان تجاه عدوان قام به هذا الحيوان ، فلو رجعنا إلى العقل من غير خضوع للشرع الشريف لوجدنا أن العقل لا يستحسن ذلك ، ولكن بما أن الشرع أباح ذلك فمعنى ذلك أن هذا الحيوان ملك لله ، والله سبحانه وتعالى هو الذي أباح أن يقضى على حياته وأباح أن ينتفع بأكله ، لأنه خلقه فيما خلقه من مصلحة الإنسان ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ) ( البقرة : من الآية 29) ، ولذلك كانت مشروعية ذكر اسم الله مع الذبح ، لأن الذبح هو في الأصل حسب ظاهره عدوان على هذا الحيوان ، ولكن لما كان ذلك الذبح بحكم من الله وبإباحة من الله فإنه يقدم عليه باسم الله ، ولذلك حَرم أكل ما لم يذكر اسم الله عليه ( وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ) ( الأنعام : من الآية 121) ، ( فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ ) ( الأنعام : من الآية 118) ، هذا لأن الحيوان هو ملك الله ، فنحن إذا رجعنا إلى كون كل الكائنات ملكاًً لله والله سبحانه وتعالى لا يُسئل عما يفعل وإنما العباد هم الذين يُسئلون وجدنا أنه لا يمكن أن يكون شيء من أحكام الله تعالى خارجاًً عن الحكمة ، لكن هذه الحكمة قد تخفى علينا ، قد لا نبصرها ، قد يَكلّ بصرنا عن رؤيتها ويعجز فكرنا عن تصورها ، فلذلك علينا أن نسلّم لأمر الله تجاه هذه الأمور ( لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) ( الأنبياء : 23) ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً ) ( الأحزاب :36) .

لأجل هذا أبيح ما أبيح ، ولكن معنى هذا أن الاستصلاح لا يمكن أن تطلق حباله على الغارب ويقال للإنسان أن يقول وفق المصلحة ، وأن يحاول أن يحمل النصوص على ما يتراءى له من المصلحة ، المصلحة قد يتصورها هو وقد تكون هي في الحقيقة بعيدة عن تصوره ، وقد يكون هناك من يتصورها بخلاف ما يتصورها هو ، فلذلك هذه الأمور لا بد من أن يكون الإنسان فيها حذراً ، ما دام هناك نص أو مادام هناك حكم شرعي فعلينا أن نخضع لهذا الحكم الشرعي .

نعم قد نستخدم فهم المصلحة وسيلة من وسائل فهمنا للحكم الشرعي ، عندما ننظر إلى الأدلة ونقارن بين مدلولات الأدلة وبين ما تقتضيه المصلحة قد نرجح دلالة على دلالة رعاية لما تقتضيه المصلحة ، مثال ذلك ما ذكرته من تحريم أكل ما لم يذكر اسم الله عليه ، هناك من العلماء من لم ير هذا الشرط أي شرط ذكر اسم الله ، ولكن نحن لو رجعنا إلى النصوص ورجعنا إلى أصل الإباحة إباحة ذبح هذا الحيوان لوجدنا أن ذكر اسم الله تعالى لا بد منه لأن أكله إنما كان بحكم من الله ، وذبحه كان بحكم من الله ، فلذلك كان لا بد من إعلان أن الإقدام على هذا الذبح إنما هو بحكم الله سبحانه وتعالى .

أبو زياد
17/10/2006, 04:54 PM
السؤال (4)
ما المقصود بالنسيان في قوله تعالى في سورة طه (قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ) ( طه : 125-126) ؟

الجواب :
النسيان هنا إنما هو الإعراض كما في قوله تعالى ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ) ( طه : 124-126) ، فالنسيان يعني الإعراض بدليل ما تقدم ، فما تقدم يدل على أن النسيان المراد به الإعراض وهو عدم التطبيق وعدم العمل ، لأن الذكر جاء من الله سبحانه وتعالى ليُعمل به وليؤخذ به ، ما جاء هذا الذكر لمجرد التلاوة .

ولا ريب أن الإنسان مأمور بأن يتعهد القرآن ، وأن لا ينساه ، مأمور بأن يتعهد القرآن بالعمل ، ومأمور بأن يتعهد القرآن بالحفظ أيضا لأن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم ( من تعلم القرآن ثم نسيه حشر يوم القيامة أجذم ) ، وجاء في تفسير الأجذم بأنه مقطوع اليد أي مقطوع الأطراف .

واختلف العلماء في المراد بالنسيان منهم من قال المراد بالنسيان هو نسيان حفظ القرآن بأن يتفصل القرآن منه حتى ينساه بحيث لا يستطيع أن يتلوه كما كان يتلوه من قبل ، فهذا النسيان يتوعد عليه هذا الوعيد .

وقيل المراد بالنسيان هو ترك العلم به بدلالة الآية الأخرى .

ومنهم من قال بأنه إن نسيه من غير ترك لتلاوته وإنما كان نسيانه لمرض طرأ عليه فلا حرج .
ومنهم من قال بأنه إن كان يفرّق بينه وبين الشعر فلا حرج . وقال قطب الأئمة رحمه الله بأن الأولى أن يقال بأنه يفرّق بينه وبين غيره .

على أي حال العلماء بين مشدّد وبين مرخّص في هذا ، لكن من غير قصد لترك تلاوة القرآن .

إذا تقادم حفظه للقرآن الكريم فنسي شيئاً منه لا يحمل نسيانه على هذا الوعيد ، ولكن مع ذلك يؤمر بأن يحاول جهده بأن يستذكر ما نسي من القرآن ، وأن يستمر على تلاوته .

نسيان القرآن لا ينبغي لأنه يعد إعراضاً عن القرآن عن كتاب الله سبحانه ، وإنما الإعراض بترك العمل به هو أعظم من الإعراض بترك تلاوته فحسب ، والله تعالى أعلم .

السؤال (5)
ما معنى الورود في قول الله تعالى ( وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً) ( مريم :71) ؟

الجواب :
في الورود كلام لأهل العلم ، منهم من قال الورود لا يعني الدخول كما في قول الله سبحانه وتعالى (وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ) ( القصص : من الآية 23) ، ليس معنى ذلك دخول ماء مدين وإنما المقصود بذلك الإشراف .

وقيل بأن الورود هنا هو بمعنى الدخول ، ولكن ذلك إنما هو للكافرين لا للمؤمنين بدليل سياق الآيات ، وهذا القول هو من القوة بمكان ذلك لأن الله سبحانه وتعالى قال في هذه الآيات ( وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً * أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً * فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً * ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً * وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا ) ( مريم : 66-70) ، أصل السياق ( وإن منهم ) ، ولكن التفت من الغيبة بعدما كان يتحدث عن هؤلاء حديث الغيبة صار الحديث معهم حديث الخطاب ، ذلك لأن الخطاب في مثل هذا المقام يكون أقوى .

( وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً) ، أي ( وإن منهم ) ، وإنما وُجّه هذا الخطاب ، والالتفات معروف في كلام العرب ، يكون الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ، ومن الخطاب إلى الغيبة ، ومن التكلم إلى الغيبة أو الخطاب ومن الغيبة أو الخطاب إلى التكلم ، قد يكون الالتفات بهذه الصورة كما هو معروف عند علماء البلاغة ، وله مزية وهي تطرية الكلام وتجديده ، وهذه مزية عامة للالتفات .
وقد يكون الالتفات لأسباب أخرى منها اقتضاء المقام ذلك كما في قوله تعالى ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ( الفاتحة : 5) حيث وُجّه الخطاب إلى الله سبحانه وتعالى بعد وصفه بصفاته العظيمة وآخر تلكم الصفات قوله ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ( الفاتحة : 4) ، فإن ذلك الوصف يقتضي توجه الإنسان بكليته إلى الله فلذلك كان توجيه الخطاب إلى الله سبحانه وتعالى هنا .

وكذلك قوله ( وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا ) ، هنا أُريد توكيد هذا الوعيد بتوجيه الخطاب إلى هؤلاء الذين أعرضوا عن الله سبحانه وتعالى وجادلوا في البعث ، وقالوا كيف يُبعث الإنسان بعد موته ، واحتج الله عليهم بما احتج به من خلقهم من عدم وإخراجهم من العدم إلى الوجود .

وقوله بعد ذلك ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً ) ( مريم :72) ، ينبغي أن نفهم بأن ( ثم ) هنا ليست هي للمهلة الزمنية وإنما هي للمهلة الرتبية .

فالأصل في ( ثم ) أن تكون للمهلة الزمنية ، ولكن عندما تعطف الجمل بعضها على بعض غالباً ما تكون للمهلة الرتبية ، حتى أن من النحويين من قال بأنها في عطف الجمل بعضها على بعض لا تكون إلا للمهلة الرتبية فحسب .

والمهلة الرتبية هي أنّ ما بين الكلامين بُعداً ، فالربط ما بين هذين الكلامين يقتضي أن يكون بثم التي تدل على المهلة ، ولهذا أمثلة كثيرة من ذلك قوله سبحانه وتعالى ( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ ) ( الأعراف : من الآية 11) ، فإننا لو نظرنا إلى ( ثم ) وحملناها على المهلة الزمنية لقلنا بأن قول الله سبحانه وتعالى (اسْجُدُواْ لآدَمَ) إنما كان بعد الخلق وبعد التصوير ، بينما ما في سورة الحجر وما في سورة ص يدل على أن الأمر بالسجود كان قبل الخلق ، فالله سبحانه وتعالى يقول في سورة الحجر ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ ) ( الحجر : 28-29) ، هذا الأمر كان قبل تسويته وقبل النفخ فيه من روح الله ، وكذلك في سورة ص ( إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) ( ص : 71-72 ) .

ومن شواهد كون ( ثم ) تأتي للمهلة الرتبية قول الله سبحانه وتعالى ( فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ )( البلد 11- 17 ) ، فكونه من الذين آمنوا لا بد من أن يكون سابقاً على ما تقدم ، لكن ذُكر متأخراً معطوفاً بثم التي تقتضي المهلة ، ولكن المهلة هنا ليست مهلة زمانية وإنما هي مهلة رتبية ، لأن هذا الأمر أمر عظيم ، أمر جلل اقتضى أن يُعطف على ما قبله بثم للدلالة على عظم شأنه ومكانته وقدره ، والله تعالى أعلم .

أبو زياد
17/10/2006, 04:55 PM
السؤال (6)
من لا يستطيع أن يصلي قائماً هل يصلي قاعداً كيف يكون أمر استقبال القبلة إن شق ذلك عليهم ؟

الجواب :
إن شق عليهم فالمشقة مرفوعة ، أما إن كان قادراً على استقبال القبلة سواءً كان قاعداًً أو كان مضطجعاً فإنه لا بد من أن يستقبل القبلة لأن الله تعالى أمرنا باستقبالها ( وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ ) ( البقرة : من الآية 144) ، أينما كنا علينا أن نولّي وجوهنا شطر المسجد الحرام ، هذا أمر من الله تعالى ولا بد سواءً كانت الصلاة قياماً أو كانت قعوداً أو كانت اضطجاعاً ، لكن عندما يشق ذلك على المريض ولا يجد من يعينه حتى يستقبل القبلة المشرفة فلا مانع من أن يستقبل أي جهة كانت التي هي أسمح له ، والله تعالى يتقبل منه ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ ) ( البقرة من الآية 115) .

السؤال (7)
إذا قال الفلكيون بأنه لا يمكن رؤية الهلال إلا بواسطة التلسكوب وجاء أحد وقال بأنه رأى الهلال هل يؤخذ بشهادته ؟

الجواب :
أولاًً الرؤية بواسطة التلسكوب ينبغي أن يُنظر فيها ، إذ هل هذا يقول بأنه رآه بالعين المجردة ، أو يقول بأنه رآه بواسطة الآلة ، فإن كان زعم أنه رآه بالعين المجردة مع أن الفلك يدل على استحالة أن يُرى بالعين المجردة فإنه لا يؤخذ بشهادته هذه ، لا يعوَّل على هذه الشهادة .

وإن كان قال بأنه رآه بواسطة الآلة وهو ثقة فإنه يُعتبر قوله مع من اعتُبر ، ولكن يُنظر في أمر الآلة .
نظر الهلال بالآلة مما اختلف فيه العلماء منذ أكثر من قرن ونصف من الآن ، بحث العلماء هذه المسألة ، فنجد قطب الأئمة مثلاً من علمائنا بالمغرب يقول بأن الآلة لا يُعوَّل عليها ، وإنما يعول على العين المجردة ، ونجد أن المحقق الخليلي من علمائنا بالمشرق يقول بأنه إن كانت هذه الآلة لا تُخيّل للإنسان ما لم يكن واضحاًً فإنه يعول عليها ويؤخذ بها ، فإذن يُنظر من هذه الناحية ، والله تعالى أعلم .

السؤال (8)
ما حكم الانتفاع بالميتة والانتفاع بسمها وبيعه وشرائه ؟

الجواب :
أما الميتة فهي في الأصل محرمة ، ولكن ما يمكن أن ينتفع به منها انتفاعاً محللاً شرعاًً لا يمنع ، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم : هلا انتفعتم بإهابها . في شاة ميمونة رضي الله تعالى عنها .
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلّم : أيما إهاب دبغ فقد طهر .
ولئن جاز الانتفاع بأجزاء من الميتة انتفاعاًً شرعياً مأذناً به غير محرم فإنه يباح أن يباع ذلك الذي أذن بالانتفاع به في الوجوه التي أبيح الانتفاع بها .
أما بالنسبة إلى السم فتناول السم حرام وإطعام السم حرام لأنه وسيلة من وسائل القتل .
فينبغي أن ينظر في هذا السم هل يُتخذ للقتل أو أن هذا السم يُنتفع به انتفاعاً طبي مؤطراً في إطار علمي دقيق بحيث لا يتجاوز حدود ما ينفع إلى ما يضر ، فإن كان الأمر كذلك وكان من الضرورة اتخاذ هذه السموم لأجل دفع الضرر فلا مانع .
وأنا قلت سابقاً في جواب تقدم بأن إباحة الله تبارك وتعالى في الانتفاع بالمحرمات لا تنحصر بها في الانتفاع بالأكل في حال الاضطرار فقط بل يمكن أن ينتفع بها أيضاً في العلاج على أن يكون العلاج بها أمراً ضرورياً بحيث لا يوجد علاج آخر ، عندما يتعذر أن يوجد أي علاج آخر أو عندما يكون من الضرورة بمكان أن يخلط ما بين الدواء الحاصل وأجزاء من الميتة مثلاً ولا بد من ذلك ويتوقف العلاج على ذلك فلا مانع منه .

السؤال (9)
هل يُعطى الشريط أو قرص الحاسب الآلي نفس حكم القرآن الكريم إذا كان هذا الشريط معبئاً بالقرآن الكريم ؟

الجواب :
حقيقة الأمر هذه المسألة لعلماء العصر نظر فيها وأخذ ورد ، ولكن ما استطعت أن أجد دليلاً يقتضي تحريم أن يمس الجنب أو أن تمس الحائض شريطاً فيه تسجيل للقرآن الكريم ، ذلك لأنه لا تبدو هناك حروف ، لا تنطبع في آلة التسجيل أو في هذا الشريط حروف من القرآن الكريم ، وإنما يبقى هذا الشريط بمثابة الذاكرة ، وكما أن الجنب له أن يمس من هو حافظ للقرآن ، وكذلك الحائض لها أن تمس من كان حافظاً للقرآن فإنني أعتبر هذا الشريط بمثابة الإنسان الحافظ للقرآن ما دامت لا ترتسم فيه حروف مكتوبة للقرآن الكريم .

السؤال (10)
ما المقصود بكلمة دابة في قول الله عز وجل ( وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء ) ( النور : من الآية 45) ؟

الجواب :
الدابة كل ما يدب على الأرض ، كل ما يدب الأرض فهو دابة ، من دب يدب دبيباً .

تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه

الرستمي
17/10/2006, 06:46 PM
يثبت للإطلاع

سليمان بن موسى
18/10/2006, 09:19 AM
تقبل الله الصيام والقيام
أسأل الله تعالى أن يبارك في جهود الأستاذ الفاضل أبي زياد في نقل حلقات الشيخ أحمد الخليلي من برنامج " سؤال أهل الذكر "
بالإمكان سماع هذه الحلقة أو تحميل الملف الصوتي لها من هــــــــــنا (http://www.waleman.com/modules.php?name=Downloads&d_op=viewdownloaddetails&lid=484&ttitle=سؤال_أهل_الذكر_الحلقات_� �لرمضانية_لسنة_1427_الحلقة_<b>العاشرة</b>)
وأسأل الله تعالى أن يبارك في الإخوة الأفاضل العاملين بموقع واحة الإيمان على جهودهم الطيبة