المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : مناهضة النفوذ الأجنبي بين الدعوة والادّعاء


jtn_j
16/10/2006, 06:57 PM
د.أيمن القادري

نشرت في جريدة اللواء، 27-9-2006
لعل العرب لم تخطئ، حين جعلت لفظة الأجنبي مشتقة مما اشتق منه لفظ التجنّب! فالأجنبي غريب يُتَّخَذُ في حقّه الحذرُ.
نقول هذا في التمهيد لدراستنا عن الأطراف الأجنبية التي صارت تسرح وتمرح في لبنان، سراً وعلانية، عسكرياً ودبلوماسياً.
إن كل أمة من الأمم تحرص على ثبات هيبتها، ومنع ذوبان قرارها السياسي، في وعاء القرارات الدولية، ولا سيما أن تلك القرارات مسخّرة لدول موسومة، لا تحرص على صالح البشرية، بل لا تضع هذا لا في سلّم أولوياتها، ولا في خانة ما تتندّر به!
فأين نحن في لبنان، من سلوك الأنفة والعزّة، ومن مفردات الكبرياء والسيادة، ومن مقاييس القرار المستقل عن التدخلات الغربية؟؟
ها هي ذي الأمم تتداعى علينا تداعي الأكلة على قصعتها، ونحن كالأيتام على مأدبة اللئام!! وقّع "أصحاب القرار" في لبنان، إذا سمحت لنا الدول الكبرى باستخدام هذا المصطلح، على وثائق تسمح بل تطلب وتتوسل، لقدوم قوات أجنبية، تفصل بين لبنان وفلسطين المحتلة، ضمن ما يعرف بالقرار 1701. وعلى رغم فداحة هذا الإجراء، وجدنا موافقة أبرز الأطراف السياسية في لبنان، سواء أكانوا في سدة الحكم، أو في خندق المعارضة، وسواء أكانوا ممن يمسّهم الأمر مباشرة، أو كانوا ممّن يمسّهم من وراء حجاب! ولا يعنيني كثيراً أن يقال: وافقوا بتحفّظ، أو وافقوا مكرهين. إن مسألة السيادة لا تتجزّأ، ولا تخضع للمساومات!
وفي نظرة عميقة إلى الأمر، لتبيان ضرره، نجد المعطيات التالية:
أولاً: لقد أثبت التاريخ المعاصر أن العلاقات بين شعوب المنطقة، وأكثر الدول التي تنتظم حالياً قوات الطوارئ العاملة في لبنان، هي كالعلاقات بين الشاة والذئب، أو العسل والدبّ. إن بلاد المنطقة، رغم مرور عقود كثيرة، ما زالت ترسف في أغلال الأعباء المالية والاجتماعية الناشئة عن أحقاب الاستعمار، المسمّاة انتداباً، بقرارات دولية! فكيف، وقبل أن يتمّ التعويض أو الاعتذار، وبعد أن طرد أجدادنا فلول المستعمرين بمعاناة بالغة، نستدعيهم على أنهم منقذون!!؟؟
ثانياً: لقد أثبت التاريخ المعاصر أيضاً، أن هذه الدول ساندت ولا تزال تساند كيان إسرائيل الغاصب، على كل الأصعدة، في حين أن غاية ما يأمله المتسكّعون على أبواب السفارات الغربية، التي يدخلونها بإحناء الرأس، أن تعترف حكوماتها، مجرّد اعتراف، ببعض حقوق الشعب الفلسطيني! وإن مجرد قدوم هذه القوات لتتركّز على جانب واحد من الجبهة، لدليل واضح، بل فاضح، بل فادح، على أن وظيفة هذه القوات حماية أمن إسرائيل، الأمر الذي صرح به بعض المسؤولين الألمان، دون مواربة، أو خجل! ولمَ الخجل، وليس في مواقع القرار عندنا، من يثأر لمثل هذا التصريح الأرعن!؟
ثالثاً: لقد أثبت التاريخ المعاصر أيضاً، أن هذه الدول هي التي تفتعل الحجج للتدخّل العسكري، وهي التي تبتكر الفتن، وتوقد النار في هذا الجانب وذاك، حتى تأتي سيارات "الإطفاء" الدولية، لتكون الحكم. وقديماً قال المتنبي:
يا أعدل الناس إلاّ في معاملتي === فيك الخصامُ، وأنت الخصمُ والحكَمُ
رابعاً: علاوة على ما سبق ذكره، لا ننسى أن هذه القوات ثنائية الأذى، فهي من جهة تمثّل حكومات لم تنل منها شعوب المنطقة إلا الإهانات المتتالية، ومن جهة أخرى تمثل "الإرادة الدولية" النابعة من مؤسسات تسبغ الشرعية على الاحتلال، حين يكون الأمر متعلّقاً بقضايا أمتنا، وتصرّ على تنفيذ القرارات الدولية، حين تكون في صالح إسرائيل أو أميركا، بوصفهما محتلّتين! أما حين تمنّ علينا هذه الأندية، بقرارات يشمّ فيها البعض رائحة العدل، فإنها تبقى حبراً على ورق، بل حبراً على صفحة البحر! وتظل الشعوب تحت تأثير المخدِّر، ويتغنى الشعراء والخطباء بهذه القرارات، ويحلم بها المغفّلون، وهم في العراء، بعد أن شرِّدوا من بيوتهم!!
ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
وهنا، لا بد أن نتساءل عن الأسباب التي جعلت الأمة لا تثور الثورة الكافية، لإحباط هذه التدخلات الأجنبية، على اختلاف أشكال هذه التدخلات:
أما السبب الأول، فهو الخواء الفكري، أو لنقل: نقص الإعداد الفكري، في بنية المجتمعات القائمة في المنطقة، فقلّما يتمّ تركيز وسائل الإعلام، وإن تكن رسمية، أو دور العلم، وإن تكن عالية، أو المؤسسات العريقة، وإن تكن سياسية أو تشريعية أو دينية، على المفاصلة الحاسمة بين أمتنا ودول الغرب، نحن لا نرجو إعلان حالة العداء تجاه شعوب الغرب، وإنما تجاه حكوماتها التي تحرص على تدمير مقوّمات القوّة في أمتنا، واستنـزافها حتى الثمالة، منذ أجيال وأجيال.
وأما السبب الثاني فهو غياب القيادات المخلصة عن مسرح الأحداث. إن أكثر هذه القيادات المرجوّة، معرّض للملاحقة، محلياً ودولياً، فهم بين شهيد وسجين وطريد. وفي حال أنه سلم من كل ألوان التنكيل هذه، لا قدرة له على أن يصل إلى موضع القرار، ليكون قيادة فعلية، تشفع المفاهيم إجراءات عملية، من شأنها أن تقصم ظهر الدول الغربية، إن لم يكن في عقر دارها، ففي بلادنا المستباحة. وليس واقع الاضطهاد للقيادات المخلصة، العامل الوحيد لغيابها أو تغييبها. ثمة عامل آخر، هو انقطاع الصلة الزمنية بين المقتدي والمقتدى به، فالقيادة الناجحة غالباً ما تتربّى فعلياً في أكناف قيادة ناجحة، تتعهّدها بالتنشئة، كما تربّى جيل الصحابة في كنف المصطفى، صلى الله عليه وسلم. واليوم، تجد الطامح إلى أن يكون قيادة مخلصة فعلية تمارس السياسة، يعجز عن محاكاة نموذج جاهز، لأن سلفه القريب كان من رجالات الاستعمار، فلا يرضي طموحه، ولأن سلفه البعيد، الذي يرضي طموحه، كان محكوماً بظروف عصره، التي مهما همّشنا دورها، تبقى تفرض كلمتها. وهكذا تتخبط القيادات الحالية، على فرض إخلاصها، في تجارب، وتجعل الرعية والأتباع حقول تجارب! ويا لها من حقول! ويا لها من تجارب!
وأما السبب الثالث فهو الخشية المتجدّدة من المواجهات الهزيلة، وتوظيف النصر في أرصدة خارجية، ضمن سياقات لا تمتّ إلى مصلحة الأمة بصلة. والأدهى الأمرّ أن تُسخَّر الانتصارات العسكرية في المواجهة مع أعداء الأمة، وإن كانت محدودة، لأجل تسريع عجلة المفاوضات الخيانية، كما حصل بعد حرب 1973، إذ بدأ اللهاث خلف كامب ديفيد، وكما عاجل أحد "زعماء" العرب، بعد صمود المقاومة في صيف 2006، فتحدّث عن تلازم مساري المقاومة والتسوية! أو أن تُسخَّر لتعويم أنظمة كانت على وشك السقوط، عبر الإيحاء بأنها هي سبب هذا النصر أو ذاك، مع أن الجميع يعلم حقيقة هذه الأنظمة كلّها، وأنها لا تجسر أن ترفع رؤوسها فوق سقف مدريد، وأن أجزاء من بلادها محتلة، منذ عقود، وأصوات المقاومة هناك خامدة، لأن من يجرؤ عليها يقبع في السجن!!
ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
إن على دعاة المناهضة الحقيقية للنفوذ الغربي، أن لا يكونوا انتقائيين في التعاطي مع الاستعمار، وأذرعه اللئيمة، فمن الخطأ أن يفتحوا النار على فريق سياسي ممالئ للاستعمار، ثم يغضوا النظر عن فريق آخر ممالئ، لا لشيء إلاّ أن الأخير دخل في حلف معهم، بسبب ورقة عمل داخلية مشتركة! إن مجرد وجود مثل هذه الورقة يثير الاستغراب، فلا عاشت ورقة داخلية على حساب قضايا الأمة المصيرية!!
نشهد ذلك في لبنان، حين يُنزل فريق سياسي، آلاف المُظاهِرين، ممن شجبوا استقبال بلير في لبنان، لأنه ساند عدوان إسرائيل الأخير على لبنان، حتى إذا استقبل بعضُ أركان الفريق نفسِه، سفيرَ أميركا في لبنان، على مدى ساعتين، سكت الغيورون على الأمة المنحورة بالأسلحة الأميركية! وأمّا حين تبجّح أحد الداعمين الإقليميين للفريق نفسَه، بأنه أحبط، ببراعة، محاولة لاقتحام السفارة الأميركية لديه، فإن أحداً من حلفائه لم يسأله: ألا يكفي أن ترضى بذلّ أن تكون هذه السفارة في كنف حكمك، حتى تفاخر بذلّ أن تقمع من يثأر من أعداء الأمة!!؟؟
ونشهد ذلك في لبنان، أيضاً، حين يقوم فريق آخر بتأديب قائد أمني بارز، لأنه تلقّى هدية من وكالة الاستخبارات الأميركية، متجاوزاً الأصول، ولا يقوم هذا الفريق بتأديب من أهدى البلد كلَّه للسفير الأميركي، وسائر سفراء الدول الاستعمارية، ليسرحوا فيه، خلاف الأصول!! وكان على الفريق المناوئ، أن ينتقد الإجراء التأديبي في حقّ القائد الأمني المذكور، لأنه "في خندقهم"، ولم يشرحوا لنا كيف يكون في خندقهم من يكون ذا حظوة لدى وكالة الاستخبارات الأميركية!!
ولقد كان مثيراً للضحك، أو البكاء، فلا فرق، أن يدّعي فريق سياسي، أنه رأس الحربة في مواجهة المشروع الأميركي، في لبنان، ثمّ إذا به يروّج في إعلامه لكلّ الحثالة التي وصلت إلى سدّة الحكم في العراق، لا على الدبابة الأميركية، بل تحت أحذية الجنود الأميركيين، حيث سيبقون! وإذا به، أيضاً، يفاخر بأنه حليف دولة إقليمية، ساهمت بجيوشها في مهاجمة العراق، عام 1991، تحت راية أميركا!! وإذا به أيضاً، يفاخر بأنه حليف دولة إقليمية أخرى، اعترف أحد كبار قادتها بأن أميركا ما كانت لتدخل أفغانستان، لولا مساعدة دولته!!!
إن الحق لا يتجزأ، وإن المشروع الأميركي ينبغي أن يُواجَه على امتداد العالم الإسلامي. أمّا أن أعَضَّ يده مرّة، وأقبل رجله مرّة، أو مرّات، فهذا تخبّط واضح، يدعو إلى الشكّ في أن عضّ اليد حقيقة، لا...خدعة!
وإن على الثلل المؤمنة بقضايا الأمة، الثُلل التي نذرت أنفسها لإصلاح الخلل في التصوّرات الناس، أن لا تتراخى أمام أعاصير الاتهامات، لأن البِدعة الحديثة هي وصم كل من يشير إلى دوائر الغرب، قائلاً: "هؤلاء أذلّونا"، بالإرهاب والخشبيّة والجمود والعيش في أدغال الماضي وكهوف العصر الحجري. لا بد من أن يبرز للناس، من يصدق عليهم أنهم دعاة المواجهة، ليلتف الناس خلف قيادتهم. أمّا أدعياء المواجهة، فلا حاجة لنا بهم، بل لنا حاجة في فضحهم.
فتباً لأرباب النفاق.