PRAWLER
13/10/2006, 03:35 PM
كيف تَحَسَّبَ "حزب الله" للحرب
بقلم : د. عبدالإله بلقزيز
لم يكن "حزب الله" يتوقع ان تقود عملية أسْر الجنديين "الاسرائيليين" الى حرب شاملة على لبنان تحرق الاخضر واليابس، وتحدث هذا الحجم المروع من القتل الجماعي للمدنيين ومن التدمير الشامل للبنى التحتية في لبنان.
وقد اعترف السيد حسن نصر الله أمين عام "حزب الله"، في مقابلة تلفزيونية بعد اسبوعين من وقف العمليات الحربية، بأن قيادة الحزب لم تكن تقدّر ان تقود عملية الأسْر الى ذلك كله، وانها لو توقعت ذلك - ولو بنسبة ضئيلة من الاحتمال - لما أقدمت على عملية الأسْر تلك.
إذا كان اعتراف الأمين العام منصرفاً الى دحض الرواية السياسية القائلة إن الحزب افتعل عملية الأسْر لاستدراج "إسرائيل" الى حرب، وان ذلك إنما جرى في سياق تنفيذ "أمر يومي" ايراني - سوري بالتصعيد على جبهة جنوب لبنان لأهداف اقليمية، فإن في هذا الاعتراف ما قد يوحي بأن "حزب الله" لم يكن جاهزاً للحرب: ألم تكن قد فاجأته من حيث لم يتوقعها! غير أن أداءه في الحرب، واستبسال مقاتليه في صد العدوان، وعظيم نجاحاتهم في إلحاق خسائر بشرية ومادية بالجيش "الإسرائيلي" وبالعمق السكاني "الإسرائيلي"، جميعها يوحي بأنه أعد العُدَّة جيدا لهذه الحرب، وقد يُغري بعض معارضيه في لبنان بأخذ ذلك قرينة على أن الحزب أعد عُدته لحرب توقعها.
لنخرج من تضارب الدليلين الى إعادة بناء السؤال على نحو آخر: هل كانت فرضية حرب "إسرائيلية" على لبنان غائبة عن ذهن قيادة "حزب الله"؟ لنسجل بداءة ان اي جيش، كائنة ما كانت طبيعته "نظامي، شعبي"، لا يمكنه إلا ان يكون جاهزاً للقتال في اية لحظة، وذلك لسبب بسيط: لأن عدوه لن يعلمه بساعة الصفر التي سيهاجمه فيها، ثم لسبب بديهي هو انه لا يمكن ان يكون جيشا - بالمعنى الحرفي للكلمة - إلا متى كانت له خطط وخطط طوارئ. ويزيد هذا الامر بداهة كلما كان "الجيش" في حالة حرب مثلما هو الامر بين "اسرائيل" و"حزب الله". بل ان "اسرائيل" في هذه الحال ستكون أقل استنفاراً من "حزب الله" لأنها الأقوى تسليحاً وعدداً ولأن قدرتها على الإيذاء أشد.
فلا معنى، إذن، للتساؤل عما اذا كان مقاتلو المقاومة الإسلامية جاهزين للقتال في حال نشوب حرب، أو قادرين على تحقيق انجازات دفاعية في المعارك. ولكن ثمة حاجة الى فهم السؤال فهماً سياسياً وليس عسكريا ومقاربته من حيث هو كذلك، أي سياسي.
يتعلق الأمر هنا، إذن، بالتساؤل عن التقدير السياسي الذي كان لدى قيادة "حزب الله" عن احتمالات الحرب قبل اندلاعها، بعيداً عما إذا كان لهذا التقدير السياسي - سلباً أو إيجابا - ترجمة على صعيد الجاهزية العسكرية: رفعاً أو خفضا. وفي هذا الوجه من طرح السؤال، نميل الى الاعتقاد بأن "حزب الله" كان يملك تقديراً سياسياً بأن الحرب قادمة. ليس مهماً توقيتها بالتحديد بالمعنى العسكري، وإنما توقيتها السياسي، أو قل - على نحو أدق - ظرفها السياسي الموضوعي. وثمة قرائن عدة على هذه الفرضية لدينا.
أ - متغيرات منذرة
آذن صدور القرار 1559 قبل عامين بميلاد مرحلة عد تراجعي سياسي في لبنان سيكون على "حزب الله" ان يدفع فيها الثمن الكبير. لم يكن الحزب يحتاج الى دليل على ذلك، فالدليل هو نص القرار نفسه الذي يدعو الى تجريد الحزب من سلاحه. وإذا كان مثل هذا الهدف قد تردد في لبنان همساً ثم في صورة مطلب لدى بعض الجماعات السياسية والمراجع الروحية، خاصة بعد العام ،2000 تارة بدعوى وجوب تطبيق "اتفاق الطائف" القاضي في جملة مقتضيات أخرى، بنزع سلاح "المليشيات"، وتارة تحت عنوان انتفاء الحاجة اليه بعد تحرير الجنوب، وأخرى بدعوى ان احتكار فريق للسلاح دون غيره يثير هواجس هذا الغير من الفريق المسلح، ورابعة تحت عنوان ان لا سلاح شرعياً إلا سلاح الدولة وجيشها، ثم خامساً من وراء القول ان الحاجة باتت تقتضي نشر الجيش في الجنوب اللبناني - بعد زوال الاحتلال عنه - وبسط سيطرة الدولة عليه.. الخ. (إذا كان ذلك كله قد تردد لبنانينا عشية صدور القرار 1559)، فإن الهدف هذا أخذ جرعة زائدة وقدرة إلزامية أكبر حين تحول الى قرار دولي، وبالتالي وضع في حوزة المطالبين به في الداخل أوراق قوة لم تكن في ملك أيديهم قبلاً.
جوهر القرار إزاحة "حزب الله" من ساحة الصراع العربي - "الاسرائيلي" وإقفال جبهة جنوب لبنان على هذا الصراع أولاً، وحتى على مطالب لبنان في مزارع شبعا المحتلة ثانياً. وكان الحزب مدركا ان هذه الإزاحة غير ممكنة إلا بعملية عسكرية من الخارج تقوم بها "اسرائيل" أو الولايات المتحدة، أما الرهان على قوى داخلية لبنانية للقيام بها - متسلحة هذه المرة ب "الشرعية الدولية" - فممتنع وخاسر وإن كان مؤذياً للداخل اللبناني الذي سيزيد انقساماً. ولقد كان على "حزب الله" منذ ذلك الحين، أي قبل سنتين، ان يتوقع عملية عسكرية "اسرائيلية" يجري بها إنفاذ أحكام القرار 1559.
ترافق هذا المتغير الأول مع متغير ثان ارتبط به هو خروج الجيش السوري من لبنان في أعقاب أحداث كبيرة دشنها اغتيال الرئيس رفيق الحريري وائتلاف معارضة واسعة ضد الوجود السوري في ما بات يعرف منذ ذلك الحين باسم "حركة 14 آذار".
ولقد أتى ذلك الخروج، معطوفاً على الاصطفاف السياسي الذي سبقه ورافقه، محدثاً انقلاباً في التوازن السياسي الداخلي أتت تترجمه نتائج انتخابات المجلس النيابي التي منحت قوى الرابع عشر من آذار أكثرية نيابية. وما كان ممكنا ل"حزب الله" أمام هذا الخروج العسكري السوري إلا ان يرى فيه إنذاراً بوشوك انطلاق عملية عسكرية خارجية ضده تستكمل ما بدأه ضغط القرار 1559 من نجاح في إجبار الجيش السوري على المغادرة.
لكن "حزب الله" أبدى قدرآً ناجحاً من التكيف مع هذين المتغيرين، ومن التماسك في وجه النتائج التي ولداها في الساحة اللبنانية وعليه بخاصة، فلم يلبث ان خرج من حالة الدفاع السلبي عن نفسه - بوصفه مقاومة لا مليشيا - إلى إطلاق مجموعة من المبادرات السياسية أعاد بها أخذ زمام المبادرة، من جهة، وتحصين نفسه في وجه اي احتمال عسكري "اسرائيلي" ضده.
ب - الاستيعاب والاستباق
أقدم "حزب الله" على ثلاث خطوات سياسية تبينت فائدتها في ما بعد، أي حين بدأ العدوان "الاسرائيلي" على لبنان في الثاني عشر من يوليو/تموز 2006.
قرر في خطوة أولى المشاركة في ائتلاف انتخابي - هو وحركة "أمل" - مع قوى من حركة الرابع عشر من آذار (خاصة "الحزب التقدمي الاشتراكي" وتيار "المستقبل") على ما بينه - و"أمل" - وبينها من خلاف حول الموقف من سوريا ومن اتهامها بالضلوع في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، والموقف من سلاح المقاومة، والموقف من رئيس الجمهورية ومن قادة الاجهزة الأمنية. وعلى قاعدة هذا "التحالف الرباعي" قرر "حزب الله" المشاركة، لأول مرة، في الحكومة التي شكّلها فؤاد السنيورة.
وقرر في خطوة ثانية القبول بمبدأ مناقشة مسألة سلاحه في سياق حوار وطني، هو الذي تمخض عن صيغة "هيئة الحوار الوطني" التي رعاها رئيس المجلس النيابي، والتي التأمت على مائدة حوار في جلسات متعاقبة قبل العدوان.
ثم قرر في خطوة ثالثة توقيع "وثيقة تفاهم" مع "التيار الوطني الحر" بزعامة العماد ميشيل عون على الرغم من ان ثمنها السياسي كان فك "التحالف الرباعي".
بدأت تستبين الفوائد السياسية لهذه الخطوات الثلاث مبكراً. فقد ساعدت الخطوة الأولى على تنفيس الاحتقان الداخلي وترميم بعض شروخ الانقسام السياسي اللبناني الذي انطلقت نذره في ساحتي رياض الصلح والشهداء (8 و14 مارس/آذار 2005)، مثلما ساعدت في إدخال "حزب الله" شريكاً في القرار مع إسباغ الشرعية الرسمية على المقاومة في "البيان الوزاري" الذي حصلت بموجبه الحكومة على الثقة في المجلس النيابي. وساعدت الخطوة الثانية في إخراج موضوع المقاومة من التجاذب السياسي الداخلي واستنفار الجمهور في الشارع الى مائدة حوار وطني مغلق ومسؤول، مثلما ساعدت في تصويب النظر الى موضوع هذا السلاح وإعادة تقديمه بعيداً عن عنوانه المستفز: "نزع سلاح حزب الله"، وتحت عنوان جديد هو البحث في استراتيجية دفاعية وطنية يكون لسلاح المقاومة موقع فيها. أما الخطوة الثالثة، فأعطت "حزب الله" إمكانية خروج من حيز الجمهور الخاص به للتفاعل مع محيط اجتماعي وسياسي كبير يعاني من الاقصاء نتيجة شعاراته الراديكالية التي اطلقها في وجه النخبة السياسية الحاكمة.
لكن هذه الفوائد السياسية (لتلك الخطوات) بدأت تبدو أوضح بكثير مع انطلاق العدوان. فقد تبين ان مشاركة الحزب في الحكومة جعلته في قلب القرار وفرضت على هذا ان يترجم نفسه على نحو يأخذ مواقف الحزب في الاعتبار اثناء بحث القضايا المصيرية. فقد فرملت عملية التنازلات السياسية التي كانت الحكومة تدفع اليها دفعا بسبب الضغط الأمريكي، بل صلبت موقفها السياسي والتفاوضي، وفرضت العمل بمقتضى آلية التوافق عند اتخاذ القرار. وبالإجمال، بدت تلك المشاركة خطوة محسوبة من "حزب الله" ومصروفة لتأدية وظيفتها في الوقت المناسب، أي حين يقع ضغط كبير أو عدوان على لبنان.
وتبين ان مشاركة الحزب في الحوار الوطني وفرت له إمكانية لاستيعاب الضغط الدولي والداخلي على سلاحه، ووفرت لهذا السلاح غطاء لبنانيا من خلال التعامل معه كسلاح قابل لأن يأخذ وظيفة وطنية ضمن اطار استراتيجية دفاعية للبنان لا كسلاح يراد نزعه، أي تفكيك بنيته القتالية، الأمر الذي نزع من السياسة الأمريكية ذريعة لبنانية داخلية من نوع الخوف اللبناني من هذا السلاح أو الاعتراض عليه، وأرسل الرسالة المطلوبة: لن ينزع سلاح المقاومة بالقوة، ولن يكون موضع نزاع داخلي بل موضع توافق وطني على مستقبله.
ثم تبين الى أي حد كان توقيع "وثيقة التفاهم" مع "التيار الوطني الحر" مفيداً وناجعاً. إذ أتى التفاهم يحيط المقاومة بشبكة أمان اجتماعي، ويدرأ عنها خطر العزل اثناء مواجهتها العدوان، ويوفر لها غطاء لبنانيا (مسيحيا بالتحديد). وهو دور أداه التفاهم على نحو بدا فيه علاقة صادقة وشفافة بين الحزب والتيار، ليست مغشوشة ولا مبنية على حسابات انتهازية (لأنها ببساطة امتحنت في أكبر اختبار: الحرب). ومن باب الأمانة والانصاف هنا يجب ان يقال ان الجنرال ميشيل عون نهض بمهمة حماية التفاهم اثناء الحرب وتزويده بالمعنى العميق الذي تحمله تسميته تفاهما وتعبر عنه نقاطه الواردة في الوثيقة الموقعة.
من استعراض تلك الخطوات الثلاث التي اقدم عليها "حزب الله" منذ ربيع العام ،2005 في اعقاب الخروج السوري من لبنان، ومن خلال إعادة قراءتها في سياق حدث العدوان على لبنان، يتبين على نحو شديد الوضوح مدى ما كان للحزب من تقدير للمآلات التي ستنتهي اليها الأوضاع في لبنان والمنطقة بعد صدور القرار 1559 وخروج الجيش السوري من لبنان، وسرعة التقاطه لتلك التحولات والجواب عنها سياسيا بما يستوعب صدمتها على البلد وعليه ويستبق تداعياتها. وإذ يقودنا ذلك الى الاستنتاج بأن الحزب كان يملك تقديرا سياسيا بأن الحرب قادمة لا محالة، ما يدفعنا الى الاعتقاد بأنه هيأ نفسه جيدا لتلك الحرب، ليس بالمعنى العسكري لأن هذا من تحصيل الحاصل وإنما بالمعنى السياسي، وذلك من خلال استراتيجية التحصين الذاتي التي سلكها متفاديا السقوط في الفخاخ المنصوبة له تحت عناوين مختلفة.
بقلم : د. عبدالإله بلقزيز
لم يكن "حزب الله" يتوقع ان تقود عملية أسْر الجنديين "الاسرائيليين" الى حرب شاملة على لبنان تحرق الاخضر واليابس، وتحدث هذا الحجم المروع من القتل الجماعي للمدنيين ومن التدمير الشامل للبنى التحتية في لبنان.
وقد اعترف السيد حسن نصر الله أمين عام "حزب الله"، في مقابلة تلفزيونية بعد اسبوعين من وقف العمليات الحربية، بأن قيادة الحزب لم تكن تقدّر ان تقود عملية الأسْر الى ذلك كله، وانها لو توقعت ذلك - ولو بنسبة ضئيلة من الاحتمال - لما أقدمت على عملية الأسْر تلك.
إذا كان اعتراف الأمين العام منصرفاً الى دحض الرواية السياسية القائلة إن الحزب افتعل عملية الأسْر لاستدراج "إسرائيل" الى حرب، وان ذلك إنما جرى في سياق تنفيذ "أمر يومي" ايراني - سوري بالتصعيد على جبهة جنوب لبنان لأهداف اقليمية، فإن في هذا الاعتراف ما قد يوحي بأن "حزب الله" لم يكن جاهزاً للحرب: ألم تكن قد فاجأته من حيث لم يتوقعها! غير أن أداءه في الحرب، واستبسال مقاتليه في صد العدوان، وعظيم نجاحاتهم في إلحاق خسائر بشرية ومادية بالجيش "الإسرائيلي" وبالعمق السكاني "الإسرائيلي"، جميعها يوحي بأنه أعد العُدَّة جيدا لهذه الحرب، وقد يُغري بعض معارضيه في لبنان بأخذ ذلك قرينة على أن الحزب أعد عُدته لحرب توقعها.
لنخرج من تضارب الدليلين الى إعادة بناء السؤال على نحو آخر: هل كانت فرضية حرب "إسرائيلية" على لبنان غائبة عن ذهن قيادة "حزب الله"؟ لنسجل بداءة ان اي جيش، كائنة ما كانت طبيعته "نظامي، شعبي"، لا يمكنه إلا ان يكون جاهزاً للقتال في اية لحظة، وذلك لسبب بسيط: لأن عدوه لن يعلمه بساعة الصفر التي سيهاجمه فيها، ثم لسبب بديهي هو انه لا يمكن ان يكون جيشا - بالمعنى الحرفي للكلمة - إلا متى كانت له خطط وخطط طوارئ. ويزيد هذا الامر بداهة كلما كان "الجيش" في حالة حرب مثلما هو الامر بين "اسرائيل" و"حزب الله". بل ان "اسرائيل" في هذه الحال ستكون أقل استنفاراً من "حزب الله" لأنها الأقوى تسليحاً وعدداً ولأن قدرتها على الإيذاء أشد.
فلا معنى، إذن، للتساؤل عما اذا كان مقاتلو المقاومة الإسلامية جاهزين للقتال في حال نشوب حرب، أو قادرين على تحقيق انجازات دفاعية في المعارك. ولكن ثمة حاجة الى فهم السؤال فهماً سياسياً وليس عسكريا ومقاربته من حيث هو كذلك، أي سياسي.
يتعلق الأمر هنا، إذن، بالتساؤل عن التقدير السياسي الذي كان لدى قيادة "حزب الله" عن احتمالات الحرب قبل اندلاعها، بعيداً عما إذا كان لهذا التقدير السياسي - سلباً أو إيجابا - ترجمة على صعيد الجاهزية العسكرية: رفعاً أو خفضا. وفي هذا الوجه من طرح السؤال، نميل الى الاعتقاد بأن "حزب الله" كان يملك تقديراً سياسياً بأن الحرب قادمة. ليس مهماً توقيتها بالتحديد بالمعنى العسكري، وإنما توقيتها السياسي، أو قل - على نحو أدق - ظرفها السياسي الموضوعي. وثمة قرائن عدة على هذه الفرضية لدينا.
أ - متغيرات منذرة
آذن صدور القرار 1559 قبل عامين بميلاد مرحلة عد تراجعي سياسي في لبنان سيكون على "حزب الله" ان يدفع فيها الثمن الكبير. لم يكن الحزب يحتاج الى دليل على ذلك، فالدليل هو نص القرار نفسه الذي يدعو الى تجريد الحزب من سلاحه. وإذا كان مثل هذا الهدف قد تردد في لبنان همساً ثم في صورة مطلب لدى بعض الجماعات السياسية والمراجع الروحية، خاصة بعد العام ،2000 تارة بدعوى وجوب تطبيق "اتفاق الطائف" القاضي في جملة مقتضيات أخرى، بنزع سلاح "المليشيات"، وتارة تحت عنوان انتفاء الحاجة اليه بعد تحرير الجنوب، وأخرى بدعوى ان احتكار فريق للسلاح دون غيره يثير هواجس هذا الغير من الفريق المسلح، ورابعة تحت عنوان ان لا سلاح شرعياً إلا سلاح الدولة وجيشها، ثم خامساً من وراء القول ان الحاجة باتت تقتضي نشر الجيش في الجنوب اللبناني - بعد زوال الاحتلال عنه - وبسط سيطرة الدولة عليه.. الخ. (إذا كان ذلك كله قد تردد لبنانينا عشية صدور القرار 1559)، فإن الهدف هذا أخذ جرعة زائدة وقدرة إلزامية أكبر حين تحول الى قرار دولي، وبالتالي وضع في حوزة المطالبين به في الداخل أوراق قوة لم تكن في ملك أيديهم قبلاً.
جوهر القرار إزاحة "حزب الله" من ساحة الصراع العربي - "الاسرائيلي" وإقفال جبهة جنوب لبنان على هذا الصراع أولاً، وحتى على مطالب لبنان في مزارع شبعا المحتلة ثانياً. وكان الحزب مدركا ان هذه الإزاحة غير ممكنة إلا بعملية عسكرية من الخارج تقوم بها "اسرائيل" أو الولايات المتحدة، أما الرهان على قوى داخلية لبنانية للقيام بها - متسلحة هذه المرة ب "الشرعية الدولية" - فممتنع وخاسر وإن كان مؤذياً للداخل اللبناني الذي سيزيد انقساماً. ولقد كان على "حزب الله" منذ ذلك الحين، أي قبل سنتين، ان يتوقع عملية عسكرية "اسرائيلية" يجري بها إنفاذ أحكام القرار 1559.
ترافق هذا المتغير الأول مع متغير ثان ارتبط به هو خروج الجيش السوري من لبنان في أعقاب أحداث كبيرة دشنها اغتيال الرئيس رفيق الحريري وائتلاف معارضة واسعة ضد الوجود السوري في ما بات يعرف منذ ذلك الحين باسم "حركة 14 آذار".
ولقد أتى ذلك الخروج، معطوفاً على الاصطفاف السياسي الذي سبقه ورافقه، محدثاً انقلاباً في التوازن السياسي الداخلي أتت تترجمه نتائج انتخابات المجلس النيابي التي منحت قوى الرابع عشر من آذار أكثرية نيابية. وما كان ممكنا ل"حزب الله" أمام هذا الخروج العسكري السوري إلا ان يرى فيه إنذاراً بوشوك انطلاق عملية عسكرية خارجية ضده تستكمل ما بدأه ضغط القرار 1559 من نجاح في إجبار الجيش السوري على المغادرة.
لكن "حزب الله" أبدى قدرآً ناجحاً من التكيف مع هذين المتغيرين، ومن التماسك في وجه النتائج التي ولداها في الساحة اللبنانية وعليه بخاصة، فلم يلبث ان خرج من حالة الدفاع السلبي عن نفسه - بوصفه مقاومة لا مليشيا - إلى إطلاق مجموعة من المبادرات السياسية أعاد بها أخذ زمام المبادرة، من جهة، وتحصين نفسه في وجه اي احتمال عسكري "اسرائيلي" ضده.
ب - الاستيعاب والاستباق
أقدم "حزب الله" على ثلاث خطوات سياسية تبينت فائدتها في ما بعد، أي حين بدأ العدوان "الاسرائيلي" على لبنان في الثاني عشر من يوليو/تموز 2006.
قرر في خطوة أولى المشاركة في ائتلاف انتخابي - هو وحركة "أمل" - مع قوى من حركة الرابع عشر من آذار (خاصة "الحزب التقدمي الاشتراكي" وتيار "المستقبل") على ما بينه - و"أمل" - وبينها من خلاف حول الموقف من سوريا ومن اتهامها بالضلوع في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، والموقف من سلاح المقاومة، والموقف من رئيس الجمهورية ومن قادة الاجهزة الأمنية. وعلى قاعدة هذا "التحالف الرباعي" قرر "حزب الله" المشاركة، لأول مرة، في الحكومة التي شكّلها فؤاد السنيورة.
وقرر في خطوة ثانية القبول بمبدأ مناقشة مسألة سلاحه في سياق حوار وطني، هو الذي تمخض عن صيغة "هيئة الحوار الوطني" التي رعاها رئيس المجلس النيابي، والتي التأمت على مائدة حوار في جلسات متعاقبة قبل العدوان.
ثم قرر في خطوة ثالثة توقيع "وثيقة تفاهم" مع "التيار الوطني الحر" بزعامة العماد ميشيل عون على الرغم من ان ثمنها السياسي كان فك "التحالف الرباعي".
بدأت تستبين الفوائد السياسية لهذه الخطوات الثلاث مبكراً. فقد ساعدت الخطوة الأولى على تنفيس الاحتقان الداخلي وترميم بعض شروخ الانقسام السياسي اللبناني الذي انطلقت نذره في ساحتي رياض الصلح والشهداء (8 و14 مارس/آذار 2005)، مثلما ساعدت في إدخال "حزب الله" شريكاً في القرار مع إسباغ الشرعية الرسمية على المقاومة في "البيان الوزاري" الذي حصلت بموجبه الحكومة على الثقة في المجلس النيابي. وساعدت الخطوة الثانية في إخراج موضوع المقاومة من التجاذب السياسي الداخلي واستنفار الجمهور في الشارع الى مائدة حوار وطني مغلق ومسؤول، مثلما ساعدت في تصويب النظر الى موضوع هذا السلاح وإعادة تقديمه بعيداً عن عنوانه المستفز: "نزع سلاح حزب الله"، وتحت عنوان جديد هو البحث في استراتيجية دفاعية وطنية يكون لسلاح المقاومة موقع فيها. أما الخطوة الثالثة، فأعطت "حزب الله" إمكانية خروج من حيز الجمهور الخاص به للتفاعل مع محيط اجتماعي وسياسي كبير يعاني من الاقصاء نتيجة شعاراته الراديكالية التي اطلقها في وجه النخبة السياسية الحاكمة.
لكن هذه الفوائد السياسية (لتلك الخطوات) بدأت تبدو أوضح بكثير مع انطلاق العدوان. فقد تبين ان مشاركة الحزب في الحكومة جعلته في قلب القرار وفرضت على هذا ان يترجم نفسه على نحو يأخذ مواقف الحزب في الاعتبار اثناء بحث القضايا المصيرية. فقد فرملت عملية التنازلات السياسية التي كانت الحكومة تدفع اليها دفعا بسبب الضغط الأمريكي، بل صلبت موقفها السياسي والتفاوضي، وفرضت العمل بمقتضى آلية التوافق عند اتخاذ القرار. وبالإجمال، بدت تلك المشاركة خطوة محسوبة من "حزب الله" ومصروفة لتأدية وظيفتها في الوقت المناسب، أي حين يقع ضغط كبير أو عدوان على لبنان.
وتبين ان مشاركة الحزب في الحوار الوطني وفرت له إمكانية لاستيعاب الضغط الدولي والداخلي على سلاحه، ووفرت لهذا السلاح غطاء لبنانيا من خلال التعامل معه كسلاح قابل لأن يأخذ وظيفة وطنية ضمن اطار استراتيجية دفاعية للبنان لا كسلاح يراد نزعه، أي تفكيك بنيته القتالية، الأمر الذي نزع من السياسة الأمريكية ذريعة لبنانية داخلية من نوع الخوف اللبناني من هذا السلاح أو الاعتراض عليه، وأرسل الرسالة المطلوبة: لن ينزع سلاح المقاومة بالقوة، ولن يكون موضع نزاع داخلي بل موضع توافق وطني على مستقبله.
ثم تبين الى أي حد كان توقيع "وثيقة التفاهم" مع "التيار الوطني الحر" مفيداً وناجعاً. إذ أتى التفاهم يحيط المقاومة بشبكة أمان اجتماعي، ويدرأ عنها خطر العزل اثناء مواجهتها العدوان، ويوفر لها غطاء لبنانيا (مسيحيا بالتحديد). وهو دور أداه التفاهم على نحو بدا فيه علاقة صادقة وشفافة بين الحزب والتيار، ليست مغشوشة ولا مبنية على حسابات انتهازية (لأنها ببساطة امتحنت في أكبر اختبار: الحرب). ومن باب الأمانة والانصاف هنا يجب ان يقال ان الجنرال ميشيل عون نهض بمهمة حماية التفاهم اثناء الحرب وتزويده بالمعنى العميق الذي تحمله تسميته تفاهما وتعبر عنه نقاطه الواردة في الوثيقة الموقعة.
من استعراض تلك الخطوات الثلاث التي اقدم عليها "حزب الله" منذ ربيع العام ،2005 في اعقاب الخروج السوري من لبنان، ومن خلال إعادة قراءتها في سياق حدث العدوان على لبنان، يتبين على نحو شديد الوضوح مدى ما كان للحزب من تقدير للمآلات التي ستنتهي اليها الأوضاع في لبنان والمنطقة بعد صدور القرار 1559 وخروج الجيش السوري من لبنان، وسرعة التقاطه لتلك التحولات والجواب عنها سياسيا بما يستوعب صدمتها على البلد وعليه ويستبق تداعياتها. وإذ يقودنا ذلك الى الاستنتاج بأن الحزب كان يملك تقديرا سياسيا بأن الحرب قادمة لا محالة، ما يدفعنا الى الاعتقاد بأنه هيأ نفسه جيدا لتلك الحرب، ليس بالمعنى العسكري لأن هذا من تحصيل الحاصل وإنما بالمعنى السياسي، وذلك من خلال استراتيجية التحصين الذاتي التي سلكها متفاديا السقوط في الفخاخ المنصوبة له تحت عناوين مختلفة.