سويري
10/10/2006, 01:30 PM
الزمزمية
علي الصوافي
كان الولد يجلس في الطابق العلوي في الفصل الثالث الذي على يمين علم المدرسة بعد أن دخل الحصة الأولى وسط كومة الأطفال الذين انحشروا من الباب الضيق للفصل وهو يحمل أدواته المدرسية الجديدة التي أقسم أنه لن يضيع أو ينسى واحدة منها ولن يعير أيا منها لأحد ولن يسمح للأيادي التي تطول في الفسح واستراحات الحصص أن تلمسها ، جلس الولد في الفصل الذي التهم جميع الطلبة بالرغم من أن عددهم كان يزيد مرتين على مساحة الفصل وأمضى يومه كله من الحصة الأولى إلى الحصة التي تليها إلى التي تليها مرورا بالفسح إلى الحصة الأخيرة في مراقبة أدواته (الممحاة التي تفوح منها رائحة الفواكه، قلم أبو بريه، المسطرة الزرقاء الشفافة، برايه بو منظره، ......... ، .......... وألوان مائية من النوع الغزير).
ركض الولد من غرفة الفصل مندفعا باتجاه بوابة المدرسة بعد أن قرع الجرس، وجمع الولد الذي كان قبل دقيقتين في زاوية الفصل كتبه وأقلامه المتناثرة على سطح الطاولة أو المتدحرجه بين أحذية زملائه على أرضية الفصل ثم حشرها في الجيوب المختلفة لحقيبته الحافظة الأمامية لما تبقى من الفطيرة وبعض رقائق البطاطس، الجيب الذي على اليمين لعلبة الألوان، الجيب الخلفي العريض لكراسة الرسم الأقلام المشكلة حبرا ورصاصا وممحاة بطعم الفاكهة ومسطرة 15 سنتيمترا بلون أزرق شفاف ورسومات على الأطراف فقد صففها جميعها في الجيب المعلق على أذن الحقيبة ، شد الولد رباط الحقيبة وأحكمها جيدا على ظهره الصغير واندفع شالحا دشداشته الجديدة نحو الخارج قافزا من كرسيه الذي على الركن الأبعد عن فم الفصل ركض الولد على الأرضية الأسمنتية الساخنة عبر الممرات المتوزعة للمدرسة باتجاه البوابة الخارجية ليلحق بالحافلة الواقفة بانتظاره في الخارج حيث تكدس الطلبة الذين سبقوه على بوابة الحافلة وفي داخلها وقوفا أو جلوسا كما أن بعضهم تعلق على النوافذ المسيجة بأسياخ حديدية محكمة مخرجين رؤوسهم من بين الأسياخ كالمساجين .
وفي زحمة الأجساد الصغيرة الطّرية التي تتجمع بالقرب من مواقف الحافلات تقف معلمات المنوابة اليومية بأفواههن المشروخة وعصيهن المرفوعة كالسيوف يركضن بين أفواج الطلبة المتدافعين باتجاه الحافلات .
وصل الولد نازلا السلم من الطابق العلوي بعد أن تجاوز علم المدرسة المنصوب وسط السّاحة وغرفة المدير التي كانت بمقابل العلم تماما إلى الممر القريب من المقصف حيث تذكر أنه قد نسي زمزمية الماء المعلقة على رقبته في غرفة الفصل فأنزل حقيبته من على ظهره وأسندها بجانب المقصف ثم تركها وركض مسرعا باتجاه الفصل وهو يتذكر خصومات من المصروف ومن الفسح ويتذكر العصا المعلقة بجانب مطبخ المنزل، وقبل أن يصل إلى الفصل على آخر سلمة من الدّرج انتبه إلى أن حقيبته ليست على ظهره فعاد إلى السّاحة ولم يجد الحقيبة، فتش سريعا وهو يرتعش بجانب غرفة المدير وعلى المساحة القريبة من العلم ولكنه لم يجد الحقيبة، ركض مجددا باتجاه الفصل فتش هناك وجد زمزمية الماء معلقة على المقبض الجانبي للطاولة.
عاد الولد مسرعا بزمزمية الماء وعند نزوله الدرج نسي أن يشلح دشداشته الجديدة فسقط بعد أن ضغط حذاءه الأبيض على طرف الدشداشة من فوق الدرج وسقطت النقود المعدنية خمسين بيسة وخمسة وعشرين بيسة وعشر بيسات لامعة من المحفظة التي كان يضعها في جيبه، وسقطت زمزمية الماء التي كان يعلقها على رقبته سال الماء على الدرج ثم على أرضية الممر وسال الدم من أنف الولد بعد أن ارتطم بالعمود الجانبي للسلم، سال الدم والماء باتجاهين منفصلين ثم اختلطا عندما اصطدما بحائط غرفة المدرسين، دعص السائق على بنزين الحافلة بعد أن غطا الدخان الأبيض المنفلت من عادم الحافلة البوابة وغرفة الحارس، ذهبت الحافلة بعيدا ونام الطفل بين الدم والماء وأدواته المهشمة .جريدة الوطن
101/10/2006
علي الصوافي
كان الولد يجلس في الطابق العلوي في الفصل الثالث الذي على يمين علم المدرسة بعد أن دخل الحصة الأولى وسط كومة الأطفال الذين انحشروا من الباب الضيق للفصل وهو يحمل أدواته المدرسية الجديدة التي أقسم أنه لن يضيع أو ينسى واحدة منها ولن يعير أيا منها لأحد ولن يسمح للأيادي التي تطول في الفسح واستراحات الحصص أن تلمسها ، جلس الولد في الفصل الذي التهم جميع الطلبة بالرغم من أن عددهم كان يزيد مرتين على مساحة الفصل وأمضى يومه كله من الحصة الأولى إلى الحصة التي تليها إلى التي تليها مرورا بالفسح إلى الحصة الأخيرة في مراقبة أدواته (الممحاة التي تفوح منها رائحة الفواكه، قلم أبو بريه، المسطرة الزرقاء الشفافة، برايه بو منظره، ......... ، .......... وألوان مائية من النوع الغزير).
ركض الولد من غرفة الفصل مندفعا باتجاه بوابة المدرسة بعد أن قرع الجرس، وجمع الولد الذي كان قبل دقيقتين في زاوية الفصل كتبه وأقلامه المتناثرة على سطح الطاولة أو المتدحرجه بين أحذية زملائه على أرضية الفصل ثم حشرها في الجيوب المختلفة لحقيبته الحافظة الأمامية لما تبقى من الفطيرة وبعض رقائق البطاطس، الجيب الذي على اليمين لعلبة الألوان، الجيب الخلفي العريض لكراسة الرسم الأقلام المشكلة حبرا ورصاصا وممحاة بطعم الفاكهة ومسطرة 15 سنتيمترا بلون أزرق شفاف ورسومات على الأطراف فقد صففها جميعها في الجيب المعلق على أذن الحقيبة ، شد الولد رباط الحقيبة وأحكمها جيدا على ظهره الصغير واندفع شالحا دشداشته الجديدة نحو الخارج قافزا من كرسيه الذي على الركن الأبعد عن فم الفصل ركض الولد على الأرضية الأسمنتية الساخنة عبر الممرات المتوزعة للمدرسة باتجاه البوابة الخارجية ليلحق بالحافلة الواقفة بانتظاره في الخارج حيث تكدس الطلبة الذين سبقوه على بوابة الحافلة وفي داخلها وقوفا أو جلوسا كما أن بعضهم تعلق على النوافذ المسيجة بأسياخ حديدية محكمة مخرجين رؤوسهم من بين الأسياخ كالمساجين .
وفي زحمة الأجساد الصغيرة الطّرية التي تتجمع بالقرب من مواقف الحافلات تقف معلمات المنوابة اليومية بأفواههن المشروخة وعصيهن المرفوعة كالسيوف يركضن بين أفواج الطلبة المتدافعين باتجاه الحافلات .
وصل الولد نازلا السلم من الطابق العلوي بعد أن تجاوز علم المدرسة المنصوب وسط السّاحة وغرفة المدير التي كانت بمقابل العلم تماما إلى الممر القريب من المقصف حيث تذكر أنه قد نسي زمزمية الماء المعلقة على رقبته في غرفة الفصل فأنزل حقيبته من على ظهره وأسندها بجانب المقصف ثم تركها وركض مسرعا باتجاه الفصل وهو يتذكر خصومات من المصروف ومن الفسح ويتذكر العصا المعلقة بجانب مطبخ المنزل، وقبل أن يصل إلى الفصل على آخر سلمة من الدّرج انتبه إلى أن حقيبته ليست على ظهره فعاد إلى السّاحة ولم يجد الحقيبة، فتش سريعا وهو يرتعش بجانب غرفة المدير وعلى المساحة القريبة من العلم ولكنه لم يجد الحقيبة، ركض مجددا باتجاه الفصل فتش هناك وجد زمزمية الماء معلقة على المقبض الجانبي للطاولة.
عاد الولد مسرعا بزمزمية الماء وعند نزوله الدرج نسي أن يشلح دشداشته الجديدة فسقط بعد أن ضغط حذاءه الأبيض على طرف الدشداشة من فوق الدرج وسقطت النقود المعدنية خمسين بيسة وخمسة وعشرين بيسة وعشر بيسات لامعة من المحفظة التي كان يضعها في جيبه، وسقطت زمزمية الماء التي كان يعلقها على رقبته سال الماء على الدرج ثم على أرضية الممر وسال الدم من أنف الولد بعد أن ارتطم بالعمود الجانبي للسلم، سال الدم والماء باتجاهين منفصلين ثم اختلطا عندما اصطدما بحائط غرفة المدرسين، دعص السائق على بنزين الحافلة بعد أن غطا الدخان الأبيض المنفلت من عادم الحافلة البوابة وغرفة الحارس، ذهبت الحافلة بعيدا ونام الطفل بين الدم والماء وأدواته المهشمة .جريدة الوطن
101/10/2006