طماطم
07/10/2006, 01:44 AM
سيدي العزيز
وصلتني رسالتك للحظات مضت، وإنني لأشكرك عليها لما تضمنته من كبير ثقة أعتزّ بها. إنما ليس بإمكاني المزيد. لن أتطرق إلى صيغة أشعارك، فكل اهتمام نقدي غريب عني؛ إذ لا أسوأ من كلمات النقد لإدراك أبعاد عمل فني. فهي لا تؤدي إلا إلى ألوان من سوء التفاهم قد تُرضي أو لا ترضي. فالأشياء لا يحسن تناولها أو قولها كلها، كما يُحاول البعض أن يُقنعنا. يكاد كل ما يحدث أن يستعصي على التعبير ويتمّ إنجازه في منطقة لم "تطأها" قط كلمة. والأقل انقياداً للتعبير هي الأعمال الفنية، تلك الكائنات الخفيّة التي لانهاية لحياتها والتي تحاذيها حياتنا العابرة.
هذا ولا يمكنني إلا أن أضيف أن أشعارك لا تتسم بطابع شخصي. إلا أنها لا تخلو من براعم شخصية خجولة لا تزال مغمورة. وقد أحسست بذلك في قصيدتك الأخيرة "نفسي". ثمة شيء خاص يحاول البروز واتخاذ شكل. وفي مجمل القصيدة الجميلة "إلى تيوباردي" يبرز نوع من القرابة مع هذا الأمر، هذا المتوحد. ومع ذلك ليس لقصائدك وجود ذاتي، واستقلال، حتى الأخيرة، وحتى تلك الموجَّهة إلى "تيوباردي". ورسالتك الطيبة التي ترافقها ولم يفتها أن تشرح لي عدة هنات شعرت بها وأنا أقرأك، ولكن دون أن أتمكن من إطلاق اسم عليها.
تسأل عما إذا كانت أشعارك جيدة. تسألني أنا وقد سبقت أن سألت آخرين. تبعث بها إلى المجلات، وتقارن بينها وبين قصائد أخرى، وتقلق كثيراً عندما ترفض بعض مكاتب التحرير محاولاتك الشعرية. ولكن، (بما أنك سمحت لي بأن أنصحك)، أرجوك أن تقلع عن ذلك من الآن فصاعداً. فنظرك مُوجه إلى الخارج، وهذا بخاصة ما ينبغي الآن أن تكفّ عنه؛ إذ ليس بمقدور أحد أن يأتيك بنصيحة أو مساعدة. ثمة طريق واحدة؛ لج أعماق نفسك بحثاً عما يدفعك إلى الكتابة: تَبيّن إذا كان يُنبت جذوره في أعماق أعماق قبلك. اعترف لنفسك: هل يُميتك أن يُحال بينك وبين الكتابة؟ وذلك بخاصة: تساءل في أكثر ساعات الليل سكوناً: "هل أنا مُرغم على الكتابة"؟ احضر في ذاتك بحثاً عن الجواب الأعمق. فإذا كان الجواب نعم، إذا كان بإمكانك أن تُجابه سؤالاً خطيراً كهذا بكلمة قوية وبسيطة: "يجب عليّ أن اكتب"، عندئذ ابنِ حياتك وفق هذه الضرورة: فحياتك، حتى الساعة الأكثر سكينة، التي لا تثير اهتمامك مطلقاً، عليها أن تصبح دليلاً وشاهداً على دافع كهذا. إذّاك، اقتربْ من الطبيعة.
حاول أن تقول، كما لو كنتَ الإنسان الأول، ما ترى، وما تحيا وتحب وتخسر. لا تكتب قصائد حب. تجنّب في البدء هذه المواضيع المطروقة جداً: إنها الأكثر صعوبة. فحيث تعرض للشاعر وبكثرة أعمال تراثية أكيدة، وأحياناً لامعة، فلا يستطيع تقديم عمل شخصي إلا في أوج نضوج قوته. تحوّل من المواضيع الكبيرة إلى التي تعرضها عليك الحياة اليومية. قل أحزانك ورغباتك، والأفكار التي تخطر ببالك، إيمانك بجمال ما. قل كل هذا بصدق حميمي، هادئ ومتواضع. واستخدم، للتعبير عن ذلك، الأشياء التي تُحيط بك، صور أحلامك، وأشياء ذكرياتك. وإذا بدت حياتك اليومية فقيرة فلا تتهمها بل نفسك اتهم لتقصير كيانك الشعري عن اجتذاب غناها. إذ لا شيء فقير بالنسبة إلى الخلاّق؛ ولا وجود لأماكن فقيرة لا تسترعي الانتباه. حتى لو كنت في سجن تخنق جدرانه ضجيج العالم، أَلا يبقى لكَ طفولتك، هذا الغنى الثمين الملوكي، هذا الكنز من الذكريات؟ فإلى هذا وجّهْ تفكيرك.
حاول أن تُحيي الانطباعات المغمورة في ذلك الماضي الفسيح؛ إذّاك ستتقوّى شخصيتك وتأهل وحدتك وتصبح كسكن لك في ساعات النهار الحائرة، في منأى عن ضجيج الخارج. وإذا نجم عن هذه العودة إلى الذات، عن هذا الغوص في عالمك الشخصي أبيات من الشعر، عندئذ لن تفكر في أن تسال عما إذا كانت هذه الأبيات جيدة. ولن تُحاول أن تلفت انتباه المجلات إلى هذه الأعمال، لأنك ستتمتع بها تَمتُعك بمُلك طبيعي يكون عزيزاً على قلبك، أو بأحد أساليب حياتك وتعبيرك. فجودة العمل الفني تقوم على حدوده عن ضرورة. وطبيعة المصدر أساس تقويمه. لذا يا سيدي العزيز لم أتمكن من إسداء نصيحة لك سوى هذه: غُص في ذاكرتك أسبرْ الأعماق التي تنبع منها حياتك. ففيها تجد الجواب عن السؤال: هل يجب عليك أن تبدع؟ ومن هذا الجواب تلقّ الصوت دون أن تُحمّل المعنى فوق طاقته. وقد يصدر عن ذلك أن الفن يدعوك. عندئذ خُذ هذا المصير واحمله، بثقله وعظمته دون أن تطالب بمكافأة قد تأتيك من الخارج. إذ على الخلاّق أن يكون عالماً كاملاً لنفسه، وأن يتجدد كل شيء في ذاته وفي ذلك الجزء من الطبيعة الذي انضمّ إليه.
قد تعدل، بعد هذا الغوص في ذاتك، في عزلة كيانك، عن صيرورتك شاعراً. (ويكفي في اعتقادي، أن يُحس المرء بأنه يستطيع العيش بدون أن يكتب، لكي تُحظّر عليه الكتابة. وحتى في هذه الحالة لن يذهب سُدى ذلك الغوص الذي أطلبه منك. وستدين له حياتك بدروب خاصة بها. وأن تكون هذه الدروب جيدة، سعيدة وواسعة، فهذا ما أتمناه لك أكثر مما أستطيع التعبير عنه.
ما عساي أن أستطيع أن أضيف؟ يبدو لي أنني أكّدت كل ذي أهمية. وفي الواقع لم أسعَ إلا إلى نصحكَ بالنِموّ وفّق ناموسك، بجد وهدوء. ولا تستطيع أن تُعكّر صفو تطوّرك إلا بتوجيه نظرك إلى الخارج، وبانتظار أجوبة من ذلك الخارج قد لا يستطيع أن يعطيكَ إياها إلا شعورك الأعمق، وفي الساعة الأكثر سكوناً.
سرّني أن أجد في رسالتك اسم الأستاذ هوراس. وقد خصصتُ هذا العالم المحب باحترام كبير وعرفان جميل لم يتوقف. أ بإمكانك إخباره بذلك؟ لطف منه أن لا يزال يفكر فيّ، وأنا مدين له بذلك.
أُعيد إليك الأشعار التي لُفظّتَ بأسمائك لي عليها، وأكرر لك شكري على مشاعرك القلبية وعلى ثقتك. حاولت في هذا الجواب الصادق الذي بذلت طاقتي في تحبيره، أن أكون أكثر جدارة من ذلك الشخص الذي لا تعرفه.
بإخلاص وود
ريلكه
:)
وصلتني رسالتك للحظات مضت، وإنني لأشكرك عليها لما تضمنته من كبير ثقة أعتزّ بها. إنما ليس بإمكاني المزيد. لن أتطرق إلى صيغة أشعارك، فكل اهتمام نقدي غريب عني؛ إذ لا أسوأ من كلمات النقد لإدراك أبعاد عمل فني. فهي لا تؤدي إلا إلى ألوان من سوء التفاهم قد تُرضي أو لا ترضي. فالأشياء لا يحسن تناولها أو قولها كلها، كما يُحاول البعض أن يُقنعنا. يكاد كل ما يحدث أن يستعصي على التعبير ويتمّ إنجازه في منطقة لم "تطأها" قط كلمة. والأقل انقياداً للتعبير هي الأعمال الفنية، تلك الكائنات الخفيّة التي لانهاية لحياتها والتي تحاذيها حياتنا العابرة.
هذا ولا يمكنني إلا أن أضيف أن أشعارك لا تتسم بطابع شخصي. إلا أنها لا تخلو من براعم شخصية خجولة لا تزال مغمورة. وقد أحسست بذلك في قصيدتك الأخيرة "نفسي". ثمة شيء خاص يحاول البروز واتخاذ شكل. وفي مجمل القصيدة الجميلة "إلى تيوباردي" يبرز نوع من القرابة مع هذا الأمر، هذا المتوحد. ومع ذلك ليس لقصائدك وجود ذاتي، واستقلال، حتى الأخيرة، وحتى تلك الموجَّهة إلى "تيوباردي". ورسالتك الطيبة التي ترافقها ولم يفتها أن تشرح لي عدة هنات شعرت بها وأنا أقرأك، ولكن دون أن أتمكن من إطلاق اسم عليها.
تسأل عما إذا كانت أشعارك جيدة. تسألني أنا وقد سبقت أن سألت آخرين. تبعث بها إلى المجلات، وتقارن بينها وبين قصائد أخرى، وتقلق كثيراً عندما ترفض بعض مكاتب التحرير محاولاتك الشعرية. ولكن، (بما أنك سمحت لي بأن أنصحك)، أرجوك أن تقلع عن ذلك من الآن فصاعداً. فنظرك مُوجه إلى الخارج، وهذا بخاصة ما ينبغي الآن أن تكفّ عنه؛ إذ ليس بمقدور أحد أن يأتيك بنصيحة أو مساعدة. ثمة طريق واحدة؛ لج أعماق نفسك بحثاً عما يدفعك إلى الكتابة: تَبيّن إذا كان يُنبت جذوره في أعماق أعماق قبلك. اعترف لنفسك: هل يُميتك أن يُحال بينك وبين الكتابة؟ وذلك بخاصة: تساءل في أكثر ساعات الليل سكوناً: "هل أنا مُرغم على الكتابة"؟ احضر في ذاتك بحثاً عن الجواب الأعمق. فإذا كان الجواب نعم، إذا كان بإمكانك أن تُجابه سؤالاً خطيراً كهذا بكلمة قوية وبسيطة: "يجب عليّ أن اكتب"، عندئذ ابنِ حياتك وفق هذه الضرورة: فحياتك، حتى الساعة الأكثر سكينة، التي لا تثير اهتمامك مطلقاً، عليها أن تصبح دليلاً وشاهداً على دافع كهذا. إذّاك، اقتربْ من الطبيعة.
حاول أن تقول، كما لو كنتَ الإنسان الأول، ما ترى، وما تحيا وتحب وتخسر. لا تكتب قصائد حب. تجنّب في البدء هذه المواضيع المطروقة جداً: إنها الأكثر صعوبة. فحيث تعرض للشاعر وبكثرة أعمال تراثية أكيدة، وأحياناً لامعة، فلا يستطيع تقديم عمل شخصي إلا في أوج نضوج قوته. تحوّل من المواضيع الكبيرة إلى التي تعرضها عليك الحياة اليومية. قل أحزانك ورغباتك، والأفكار التي تخطر ببالك، إيمانك بجمال ما. قل كل هذا بصدق حميمي، هادئ ومتواضع. واستخدم، للتعبير عن ذلك، الأشياء التي تُحيط بك، صور أحلامك، وأشياء ذكرياتك. وإذا بدت حياتك اليومية فقيرة فلا تتهمها بل نفسك اتهم لتقصير كيانك الشعري عن اجتذاب غناها. إذ لا شيء فقير بالنسبة إلى الخلاّق؛ ولا وجود لأماكن فقيرة لا تسترعي الانتباه. حتى لو كنت في سجن تخنق جدرانه ضجيج العالم، أَلا يبقى لكَ طفولتك، هذا الغنى الثمين الملوكي، هذا الكنز من الذكريات؟ فإلى هذا وجّهْ تفكيرك.
حاول أن تُحيي الانطباعات المغمورة في ذلك الماضي الفسيح؛ إذّاك ستتقوّى شخصيتك وتأهل وحدتك وتصبح كسكن لك في ساعات النهار الحائرة، في منأى عن ضجيج الخارج. وإذا نجم عن هذه العودة إلى الذات، عن هذا الغوص في عالمك الشخصي أبيات من الشعر، عندئذ لن تفكر في أن تسال عما إذا كانت هذه الأبيات جيدة. ولن تُحاول أن تلفت انتباه المجلات إلى هذه الأعمال، لأنك ستتمتع بها تَمتُعك بمُلك طبيعي يكون عزيزاً على قلبك، أو بأحد أساليب حياتك وتعبيرك. فجودة العمل الفني تقوم على حدوده عن ضرورة. وطبيعة المصدر أساس تقويمه. لذا يا سيدي العزيز لم أتمكن من إسداء نصيحة لك سوى هذه: غُص في ذاكرتك أسبرْ الأعماق التي تنبع منها حياتك. ففيها تجد الجواب عن السؤال: هل يجب عليك أن تبدع؟ ومن هذا الجواب تلقّ الصوت دون أن تُحمّل المعنى فوق طاقته. وقد يصدر عن ذلك أن الفن يدعوك. عندئذ خُذ هذا المصير واحمله، بثقله وعظمته دون أن تطالب بمكافأة قد تأتيك من الخارج. إذ على الخلاّق أن يكون عالماً كاملاً لنفسه، وأن يتجدد كل شيء في ذاته وفي ذلك الجزء من الطبيعة الذي انضمّ إليه.
قد تعدل، بعد هذا الغوص في ذاتك، في عزلة كيانك، عن صيرورتك شاعراً. (ويكفي في اعتقادي، أن يُحس المرء بأنه يستطيع العيش بدون أن يكتب، لكي تُحظّر عليه الكتابة. وحتى في هذه الحالة لن يذهب سُدى ذلك الغوص الذي أطلبه منك. وستدين له حياتك بدروب خاصة بها. وأن تكون هذه الدروب جيدة، سعيدة وواسعة، فهذا ما أتمناه لك أكثر مما أستطيع التعبير عنه.
ما عساي أن أستطيع أن أضيف؟ يبدو لي أنني أكّدت كل ذي أهمية. وفي الواقع لم أسعَ إلا إلى نصحكَ بالنِموّ وفّق ناموسك، بجد وهدوء. ولا تستطيع أن تُعكّر صفو تطوّرك إلا بتوجيه نظرك إلى الخارج، وبانتظار أجوبة من ذلك الخارج قد لا يستطيع أن يعطيكَ إياها إلا شعورك الأعمق، وفي الساعة الأكثر سكوناً.
سرّني أن أجد في رسالتك اسم الأستاذ هوراس. وقد خصصتُ هذا العالم المحب باحترام كبير وعرفان جميل لم يتوقف. أ بإمكانك إخباره بذلك؟ لطف منه أن لا يزال يفكر فيّ، وأنا مدين له بذلك.
أُعيد إليك الأشعار التي لُفظّتَ بأسمائك لي عليها، وأكرر لك شكري على مشاعرك القلبية وعلى ثقتك. حاولت في هذا الجواب الصادق الذي بذلت طاقتي في تحبيره، أن أكون أكثر جدارة من ذلك الشخص الذي لا تعرفه.
بإخلاص وود
ريلكه
:)