المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : علي قبرِ ليلي فخرو ..... سما عيسى


سويري
05/10/2006, 02:10 AM
علي قبرِ ليلي فخرو

سما عيسى

أسمعُهم يتحدَّثون يا ليلي
عن انكساراتِ البحرِ
وزحفِ الصَّحراءِ
وكأنَّ ألماً يَعْتَصِرُكِ
حتَّي الصَّمت.

لم نكنْ نُدْرِكُ
أنَّكِ في الصَّمتِ المقدَّسِ ترحلين
ترحلين...
نحو الشَّمسِ
التي تُقْتِ لرؤيتِها
صافيةً عذبةً
تُشْرِقُ علي وجناتِ
أطفالِ الجبلِ البعيد.

ـ 2 ـ
وكأنَّ ريحاً حملتْ
ما يُشْبِهُ الألمَ
ويَعْتَصِرُ القلبَ
أو ما يَأخُذُ من الحياةِ
اللَّبب.

وكأنَّ مَنْ أضاءَ في اللَّيلِ
نارَ الرَّاحلين
ومن البحارِ البعيدةِ
جاء صوتُكِ
كآلهةِ الغروبِ يذوي
وكان ما اعتقدَ أنَّه الحبُّ
يفتح لكِ باباً لوطنٍ آخرَ
لنْ نراه.

ـ 3 ـ
تحدَّثي يا شمسُ
أين اختبأتْ ظلالُها؟
تحدَّثي يا نارُ
أين تناثر رمادُها؟
تحدَّثي يا ريحُ
أين رحل نداؤها؟
وأنتِ أيَّتها الكهوفُ تحدَّثي
أين خبأتِ الوحوشُ عظامَها؟.

ـ 4 ـ
كان فجرٌ أمامي
يَشُقُّ طريقاً إلي الحُبِّ
كان فجرٌ أمامي
يَشُقُّ طريقاً
إليكِ
وكانتْ مياهٌ
من النَّدمِ المُرِّ تُغرِقُني
حين التقيتكِ
وكنتُ أبكي.

ـ 5 ـ
وماذا يَأخُذُ الموتُ منكِ؟
صدي الغائبين
وأوراقَ حبِّ قديم.

خذي إلي القبرِ
ما يأخذه الطِّفل
من البحرِ
وخذيني....

ـ 6 ـ
متي تُزهر الشَّجرة
متي تسقط الثَّمرة
ونبقي معًا
كطيورٍ صغيرةٍ
نُهاجِرُ
في ألمٍ وغياب؟
شاعر من عُمان

3/10/2006
القدس العربى

أنتهينا
05/10/2006, 05:14 AM
دائماً سما عيسى متألق، وكلماتة عذبة.
اشكر نقلك اخي العزيز، وجهدك.

صمت الحليم
06/10/2006, 12:14 AM
سماء عيسى أحد أعلام الأدب العربي الحديث ... تقدمه عمان بلد الاشعاعات الأدبية العربية على مدى التاريخ.

البسيوي
06/10/2006, 01:01 AM
ولعبدالله حبيب في القدس العربي أيضا :

وداعاً ليلي فخرو (هدي سالم أو ماما هدي): التي مشت علي صخور الجبل بحدَّةِ وخِفَّةِ قلمِ رصاص

لكنَّك لم تموتي يا معلِّمتي العزيزة. كل ما في الأمر أنكِ غفوت، وكل ما في الأمر أنني أحرسكِ، وسأظلُّ أحرسكِ دوماً، فلا تخافي أبداً من التَّأخُّرِ في الاستيقاظ. يحقُّ لكِ أنْ تنامي قليلاً بعد كلِّ ما أتيتِ به من أفعالٍ خارقةٍ طَوال ذلك اليوم الصَّعب في حياتنا .
ـ فلاحة بوليفيّة في تأبين معلمتها ـ
ـ 1 ـ
كان الزمن مختلفاً جداً، واختلافياً جداً، ومتخلفاً جداً، ومتقدماً جداً، وكانت هناك مدرسة بدائية مكوَّنة من خيام قديمة متشقِّقة تعصف بها الرِّيح، وسبُّوراتٌ سوداء شبه مهشَّمة لفرط الاستعمال، وصناديق خشبية (كانت أصلاً صناديق ذخيرة، وعتاد، وأغذية معلَّبة بعضُها منتهي الصَّلاحية، وملابس، وأدوية اسعاف أوَّليّ)، يجلس عليها بالتَّناوب الاضطراري الصَّارم الصِّبية والصَّبايا المتوشِّح بعضُهم بالـ كلاشينكوفات والـ سيمينوفات ، والمتوشح جميعُهم بالضَّني والارهاق، والمتوشِّح كلُّهم باللهفة لتلقي العلم والمعرفة، من أبناء وطني، والذين حصل المئات منهم لاحقاً، في رحلتهم التعليمية التي ابتدأت في تلك الخيام المتواضعة تحديداً، علي شهادات البكالوريوس، والماجستير، والدكتوراه، من مختلف الأكاديميات العربية، والشرقية، والغربية، وفي مختلف المجالات، فأسهموا بذلك، ولا يزالون يسهمون، في بناء بلادي، كل في مجاله. انها المدرسة التي أنشأتها في جبال ظفار في ستينيات القرن الماضي ليلي فخرو التي عُرفت باسمها الحركي هدي سالم، وعرفت لدي أبناء الجبل وبناته باسم ماما هدي تحبباً، وعرفاناً، وتقديراً؛ بحيث انك تجد اليوم أطباء، ومهندسين، وفنيين، ومدرسين عمانيين ممن لا يزالون يتذكرونها باسم ماما هدي علي الرغم من تقدم العمر، ومرور كل هذا الزمن، بل وتغير المواقع والقناعات كما يحدث كثيراً في سنن التاريخ ونواميسه ومخاتلاته؛ انها المدرسة التي علّمت ليلي فخرو فيها- وفي فروعها لاحقاً، والتي أقيم بعضها في الهواء الطلق كلما سنحت الظروف- أكثر من ألف ومئتي عماني وعمانية؛ المدرسة التي شكلت ما عرف لاحقاً، وفي سياق ظروف وقاموس تلك المرحلة، بمدارس الثورة التي وضعت ليلي فخرو مناهجها بما يلائم أولويات، وامكانات، وحساسية تلك الفترة، وأدخلت اليها نظام قيام طلبة الصفوف الأعلي بتدريس اخوتهم وأخواتهم من طلبة الصفوف الأدني ليس فقط من أجل تعويض النقص الحاد في الطاقم التدريسي وتكاثر أعداد الطلبة، بل كذلك من أجل اشاعة مناخ ديمقراطية وشعبية التعليم والمعرفة، وغرس بذور الاحساس بالمسؤولية والواجب والمشاركة والتكافل والتضافر لدي الجيل اليافع- لقد كان ذلك وحده درساً كبيراً بحد ذاته؛ انها المدرسة التي بسبب ظروف تلك المرحلة لم تكن بمنأي عن نيران الحرب المشتعل أتونها في ذلك الجزء الغالي من الوطن العزيز، وفي هذه الحالة كانت ليلي فخرو تعمد الي تقسيم طلبتها وطالباتها الي مجموعات صغيرة تجنباً للخسائر أو تقليلها، ثم تخبئهم في أماكن آمنة (أو ما يبدو أنها آمنة قدر الامكان) في الأحراش، وفي الجروف والمنحدرات والفجوات الصخرية، كما يفعل أي قائد عسكري محنّك في الميدان حفاظاً علي أرواح جنوده الذين يواجهون هجوماً أكبر من امكانياتهم. ألا تستحق بعد هذا لقب ماما هدي؟!.
لم أكن تلميذاً في تلك المدرسة، بل كنت في وقت التفكير بانشائها أرضع ثدي أمي علي بعد مئات الكيلومترات هانئاً، هادئاً، رائقاً، مستريحاً، غافياً عن العالم، وأفكاره، وفلسفاته، وحروبه الحارة والباردة، وصراعاته، وانقساماته بين رأسمالية واشتراكية ونمط انتاج آسيوي أو غير ذلك من أنماط الانتاج، في الوقت الذي كانت فيه ليلي فخرو- القارئة النهمة، وخريجة قسم العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية في بيروت والحاصلة علي ماجستير في علم الاحصاء من بغداد، وعضو تنظيم القوميين العرب المجايلة لجورج حبش ونايف حواتمه وأحمد الخطيب، ثم عضو تنظيم الحركة الثورية الشعبية في الخليج العربي، ثم عضو تنظيم الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل- تنكبّ علي قراءة ودراسة بعض من أهم الكتب والأدبيات التي شكلت تاريخ البشرية وأحوال المجتمعات والشعوب. كانت، وهي تعيش قمة الترف الاجتماعي والمادي في حياتها العائلية الصغيرة، تنظر الي الواقع الأكبر الذي لا يرضيها فتري امكانية تغييرمجري التاريخ، وكانت تحلم بتحويل البلدان الصغيرة، المتناثرة والمتطاحنة في هذه الرقعة من العالم، الي وطن كبير واحد باسم الجميع، وللجميع، ومن أجل الجميع ـ لا بديل، اذاً، عن تحويل المنطقة الكبيرة نسبياً الممتدة من الكويت حتي جبال مْسَنْدَم الي بلاد واحدة ( كخطوة أولي علي الأقل وبَعْديْنْ عاد نشوف الباقي مع بقية الشباب في الوطن العربي والعالم الثالث! ).
كما أنني لم ألتق بليلي فخرو، حتي بعد سنوات طويلة من ذلك، الا عبر سلامات شفهية متبادلة في الثمانينيات والتسعينيات تراسلناها في فترات متباعدة، من دون وجود معرفة شخصية مباشرة، عبر بعض أحبابنا المشترَكين كلما سنحت المصادفة، وأحاديث، وذكريات عنها تفيض نبلاً، وكرامة، وانسانية، وتفانياً، واخلاصاً، وتضحية، ونكران ذات، من خلال بعض من كانوا تلاميذها، وزملاءها، ومن خلال أصدقاء مشتركين، بعضهم ممن قضي نحبه، وبعضهم ممن ينتظر، وما بدّلت ليلي فخرو طوال حياتها الاستثنائية الثرية من شأنها تبديلا.
حكي لي الزميل سماء عيسي، مثلاً، عن أغرب لقاء يمكن أن يحدث بين شخصين كان الزمن ينتظر كلاً منهما ليقوده الي وجهته الفريدة الخاصة به. انه لقاء لا يمكن أن يحدث بذلك الشكل وهذا المضمون الا في الروايات، أو الأشعار، أو اللوحات، أو المسرحيات، أو الأساطير والخرافات، أو الأفلام (التي نعلم جميعاً أن الحياة المبدعة الخلاقة للبشر الاستثنائيين يمكن أن تتقدم عليها جميعاً سحراً، ونبلاً، وصدقاً، وشفافية، وجمالاً). ولعلني أود الاقتراح هنا أن ذلك اللقاء، بكل مدلولاته، يقدم مفتاحاً رئيسياً لقراءة تجربة ليلي فخرو في الحياة، والتاريخ، والثقافة، والوعي، والعمل.
لا بأس لي أن أفشي، اذاً، أن سماء عيسي ـ الشاعر العماني الصامت، والخجول، والجوّاني، والمهذب هذا ـ كان شقيّاً بعض الشيء في صباه الذي قضي ردحاً منه في البحرين التي كانت توجد بها، كما نعرف، جالية عمانية غير صغيرة في الخمسينيات والستينيات. ولذلك فقد كان شاعرنا هذا، الوقور والمتّزن اليوم، يعمد مع أقرانه الي تسلق سور البيت الكبير الكائن في منطقة القضيبيّة، والعائد لأسرة المرأة الخارقة التي ستكون مناضلة صلبة، وكاتبة صفحة مضيئة واستثنائية في تاريخ التعليم في عُمان، وشخصية ثقافية وانسانية عتيدة ستحتفظ المنطقة بذكراها الي الأبد، وذلك من أجل الظفر بما تجود به أشجار الحديقة الغنّاء من ثمار لذيذة، وفواكه شهيّة.
لكن ما حدث في احدي تلك السرقات- أو محاولتها- أن ليلي فخرو كانت موجودة في غرفتها الوثيرة ذات النافذة المزاحة الستارة في الوقت الذي تقدم فيه المجرم الصغير الي مسرح الجريمة بعد أن قفز فوق السور علي سلّم بشري مكوّن من أجساد رفاقه ليسقبله برميل محاذ للجدار من الداخل، وكانت الفتاة المتأملة ترقب محاولة السرقة من أولها. غير أن ما حدث هو أنه حين التقت عيون السارق الصغير وضحية الســــرقة الأكبر سناً، وتجربة، ووعياً، لم تأت ليلي فخرو بما كان متوقعاً من فزع، أو استياء، أو دفاع، أو ولولة واستغاثة بالخدم، بل ابتسمت للص الصغير بكل هدوء وتعاطف، وأشارت له بيدها وعينيها بالبقاء لاكمال مهمّته الشقيّة، ليس كمن يسامحه فحسب، بل كذلك كمن يقول انه يفهم جيداً أن الطعام يجب أن يكون ملكاً ومتاحاً للجمـــــــيع، بما في ذلك الخضار والفاكهة اللذيذة التي تتوافر في حديقة بيت أسرتها الثرية، وكمن يغرس درساً أخلاقياً، وانسانياً، وابداعياً، وسياسياً مهماً في تربة غضّة لا يزال شاعرنا الذي دخل النصف الثاني من عمره الآن ـ أطال الله في عمره ـ يحفظه ويحتفظ به. وهكذا هدأ روع صاحبنا الصغير الذي سيكون له لاحقاً أن يكتب أول قصيدة نثر في عُمان، فخرج من البيت الفاخر خروج الضيف المكرّم المعزّز، لا اللص المجرم الخطير. خرج من البيت الاسمنتي، لكنه لم يغادر الذكري الانسانية الفاتنة والآســرة، ولن يغادرها أبداً، وذلك ليلتقي بليلي فخرو (هدي سالم هذه المرة) بعد عشر سنوات كاملة من ذلك في عدن. يقول سماء عيسي ان تلك المرأة الأسطورية وجدت متسعاً من الوقت في زحمة انشــــغالاتها ومواعيدها ومسؤولياتها الكثــــــيرة لتسأله عن حاله بحنان أمومي حقيقي واخلاص، وليس كمن يلقي السؤال عن الحال والصحة من باب المجاملة الانسانية الروتينية والمألوفة.
وفي محاولة الاجابة عن السؤال أراد شاعرنا أن يبكي لكنه ما استطاع، وأراد أن يذكّر السائلة بلقائهما الأول قبل عشر سنوات في منزل أسرتها بمنطقة القضيبية البعيدة عن عدن فما استطاع أيضاً. لكن، وكما حدث في اللقاء الأول، هدأت نفس الشاعر الوجلة عندما قالت له الشجرة المثمرة الكبيرة مبتسمة: أرجوك اذا بدت لك أي حاجة أو غرض تواصل معي علي طول . انتهي اللقاء الثاني، اذاً، كما انتهي اللقاء الأول لأن التاريخ يمكن أن يعيد نفسه بهذه الطريقة أحياناً. لقد اعتقدت دوماً، بعد اطلاعي نوعاً ما علي تجربة بازوليني في الفكر والسياسة والسينما، بامكانية التقاء المسيح وكارل ماركس (فيلمه الانجيل وفقاً لمتّي مثلاً)، وها هي حكاية سماء عيسي عن ليلي فخرو (هدي سالم) تؤكد لي ذلك مرتين. وفي هذا ما يكفي دماء مؤمن مثلي مِنْ لَدْغٍ مِنْ نفس الجحر!.
لم ألتق بليلي فخرو، اذاً، الا عبر هكذا قصص، ويا لها من قصص. لكني وأنا أحبو علي الباكر المبكر من مدارج الحياة والوعي، حيث لم أكن أخلو من بعض أنواع الشقاوة بدوري، من قبيل مقاومة تعب العمل في المزرعة، والنعاس، ولدغات السماسيم المؤلمة اصراراً علي الاستماع الي آخر خطاب رعدي عاصف ألقاه جمال عبدالناصر، والذي وصل شريطه ذو البكرتين المنفصلتين المحتاجتين الي أحاييل عبقرية وتضبيط تقني دقيق في جهاز تسجيل من النوع القديم جلبه أحد أقاربي من البحرين تحديداً حيث كان يعمل هناك.. سمعت، اذاً، باسم هدي سالم، فخطر لي فوراً أنها معلّمتي التي تدرّسني عن بُعْد، ان لم يكن لأي سبب أكثر وجاهة فلأني كنت أتمني دوماً في صباي الباكر أن يكون معلميّ من الاناث بدل الذكور الذين كانوا يندلقون تعنتاً، وقسوة، وفظاظة، وسماجة. وكانت ليلي فخرو (ماما هدي) تقوم بهذا الدور من غير أن تدري. هكذا، اذاً، يطيب لي أن أدعي أنني أحد تلاميذها، وان يَكُ بعدد قليل للغاية من الأدلة والقرائن!.
في برهة مفصلية من تاريخ البلاد هذي، وهذه المنطقة، جاءت تلك الشابة الحالمة، والمثقفة، والجميلة الي أبعد الحدود، سليلة العائلة الثرية التي تضرب جذورها في التاريخ الثقافي والوطني والاقتصادي البحريني، من بيتها المرفّه الكبير المزوّد بكل ما له علاقة بالرغد وبحبوحة العيش الي عدن المتقشفة، والمحاصَرة، والمضطربة، والمرتبكة في سياق الدور الذي كانت تريد القيام به علي الرغم من امكانياتها الصغيرة، ثم الي ظفار المعزولة عهدذاك عن التاريخ، وذلك ضمن مكابدات وأهوال سيجد بعضنا صعوبة كبيرة في تصديق بعض تفاصيلها. ونظراً للظروف الصحية، والمناخية، والغذائية، والحربية الصعبة في الجبل، والتي كانت تفت عضد الأكثر بأساً وشدّة من الرجال الصناديد، أصيبت ليلي فخرو بمرض السل الذي لازمها بقية حياتها. لا أريد أن أقول هنا ان من أراد نشر العلم والمعرفة يكافأ بالسل، ولكني أريد الجزم بأن كل من يتلبسه التاريخ الي ذلك الحد يصاب بأوجاع الانسان ـ صانع التاريخ ـ جميعها (كان ماركس في المخطوطات قد أطلق صيحته ان الناس هم من يصنعون التاريخ وليس التاريخ هو من يصنع الناس ، ومن الواضح أن ليلي فخرو وافقته علي ذلك). وليس من باب المفارقة هنا أن هدي سالم أخذت دروساً مكثَّفة في التمريض والاسعاف الأولي قبيل انشاء تلك المدرسة التاريخية، فقد كانت تدرك مدي الحاجة الي الطبابة المبدئية في مثل تلك الظروف. ثم استمرت الرحلة العمانية لليلي فخرو (هدي سالم أو ماما هدي) لاحقاً عبر تواصلها مع أبناء مرحلتها، وزواجها من عماني لبعض الوقت، واضطرارها للذهاب الي مدن كالجزائر العاصمة، ودمشق، وبيروت التي عاشت فيها مع الفلسطينيين واللبنانيين أهوال حرب 1982 وخرجت منها مع خروج المقاومة التي ارتبطت بها روحاً وأشخاصاً، وذلك قبل أن تسمح لها سلطات بلادها في 1995 بالعودة أخيراً من قبرص ـ التي أسست فيها دار نشر وكانت تفكر باصدار مجلة سياسية ثقافية ـ الي البحرين، لتستأنف نضالها، من أجل المستقبل الأفضل والأكثر اشراقاً الذي حلمت به دوماً، بطريقة أخري هي انخراطها الدؤوب بالعمل في حقل الانترنت والمعلوماتية (شركة النديم)، وفي مجال حقوق المرأة عبر الجمعيات النسائية البحرينية مثل جمعية أوال التي كانت هي من أسسها أصلاً قبل توجهها الي ظفار وكانت تنفق علي الكثير من أنشطتها من جيبها، و جمعية نهضة فتاة البحرين ، وذلك علي الرغم من تدهور صحتها، مما أجبرها علي البقاء في المستشفيات المحلية والأجنبية لفترات طويلة نسبياً، فكانت الحجرات التي تضطجع فيها في المشافي والمصحّات تتحول فوراً الي غرف عمليات لا مجال فيها للاسترخاء والدعة والنقاهة، بل يخرج منها الزوّار القادمون بباقات الورود، والزهور، وعلب الحلويات مكلَّفين بالقيام بأعمال وتنفيذ مهمّات!. انها امرأة من ذلك الصنف النادر من البشر الذين ترتبط لديهم فكرة الحياة والوجود بالعمل، والعطاء، والمثابرة، والتضحية، والاخلاص الذي لا حدود له حتي حين يقترب العمر من هزيعه الأخير.
لقد فعلت ليلي فخرو ذلك كله وأكثر مما سيظهر للأجيال بعد رحيلها، وقاست كل المقاساة، لتشارك في محاولة تحقيق حلم طوباوي جامح، بحيث ان أفكار ومطامح بعض أفراده دعت في أدبياتها صراحة وبثقة مطلقة الي التصنيع الثقيل، تماماً وبالضبط كما حدث في الاتحاد السوفييتي السابق والصين وليس أقل من ذلك، ولو بقليل، في بلاد لا تتوافر فيها المواد الأولية اللازمة لصناعة أقلام الرصاص!، وذلك مع جيل متعطش للتغيير والمستقبل الأفضل، جيل كان مقطع من احدي الأغنيات التي يرددها يقول: العلم نور القلوبِ.. والجهل أَخر شعوبي... حتّي لْصْغَيِّر تَعَلَّم.. والقلم بِيْدَهْ تكلّم . وفي هذا المطمح، علي الأقل، أسهمت ليلي فخرو أيما اسهام. وفي هذا أيضاً ما يكفيها دوراً، ويغنيها فخراً، ويعفيها حجماً ووزناً من فكرة التصنيع الثقيل الثقيلة، هي التي كانت تسير علي صخور الجبل الحادة بحدَّة وخفّة قلم رصاص!
ومع أن ليلي فخرو ـ المرأة الكتومة التي تمقت الشهرة والأضواء والنرجسية قدر كراهيتها للجهل والتخلف والظلام ـ تحضر في أفلام سينمائية وثائقية روسية وفرنسية عن تجربة الستينيات والسبعينيات في الخليج (تظهر في احدي اللقطات صوتاً وصورة وهي تكتب علي السبورة في خيمة الصف)، الا أنها رفضت، في أواخر حياتها، فكرة اصدار كتاب يوثق مسيرتها الغنية الحافلة، قائلة انها لم تقدم سوي القليل، وان هناك غيرها ممن هم وهن أكثر جدارة بهكذا توثيق. أما الروائي المصري المعروف صنع الله ابراهيم فقد استوحي محطات وتفاصيل من السيرة الحياتية والكفاحية لليلي فخرو (هدي سالم) في رسم شخصية وردة في روايته التي تحمل هذا العنوان، ويقال انها وبّخته لأنها اعتقدت ـ كعادتها السخيّة دوماً ـ أنه ضخّم دورها وأعطاها أكثر من حقها!.

ـ 2 ـ
في يوم الخميس، 21من ايلول (سبتمبر) الماضي، قضي السرطان علي جسد ليلي فخرو عن ستين عاماً أمضت معظمها في المنافي العربية والأجنبية، وفي مدن عربية متنورة تزدهر فيها الثقافة لكنها تتعرض للاجتياح الهمجي للغزاة الذين كان احراق الكتب والمخطوطات الموجودة في مخازن بعض مراكز البحوث والدراسات من مآثرهم العظيمة، وفي جبال عربية بعيدة معزولة تحت نيران القصف. ماتت هدي سالم في آخر مكان أرادت أن تموت فيه، هو عاصمة الامبراطورية العتيدة التي كانت تشاكسها بكل ما أوتيت من انسانية، واصرار، وأمل، وغضب، وعنفوان، وقوة ـ لندن. لكن ماما هدي دفنت، بعد يومين من ذلك، في أحد المكانين اللذين أرادت دوماً أن ترقد في أحدهما رقدتها الأخيرة- المحرّق أو ظفار، حيث شيعتها الي مثواها الأخير البحرين بمختلف أطيافها السياسية والثقافية، اضافة الي كثير ممن قدموا الي هناك من عمان وبقية دول الخليج، والذين فاض بهم مسجد كانو ومقبرة المحرّق، ولهذا أثق أنها نامت سعيدة بعد كل تلك الرحلة الواعية، والتوعويّة، والشاقة بصورة استثنائية. وفي يوم الوداع الأخير خرجت احدي الصحف البحرينية بمانشيت تقتبس فيه ما قاله عبدالله مطيوع، عضو اللجنة المركزية بجمعية وعد : تحتاج البحرين الي أكثر من جيل لكي تُخرج امرأةً مثل ليلي فخرو . وهذه الكلمات تقول الكثير في القليل.

ـ 3 ـ
يا ماما هدي: هـــــذا وداع من أحد تلاميـــــذك الذين درّستهم عن بُعْدِ، قبل وقت طويل من استحداث نظام التعليم عن بعد.
وداعا أًيتها القريبة من القلب الي حد زواله لفرط الحزن والشجن في محاولته للقفز من بين ضلوعي الصغيرة الي صدرك الكبير، وصنيعك الجليل الأكبر.
وداعاً...

Strings
08/10/2006, 10:29 PM
شكرا جزيلا على النقل للمادتين

نبض الفقراء
09/10/2006, 07:07 AM
وكـم تـحتاج الأمـة الآن إلى رجـال ونـساء يـضحـون من أجل قـضايـا حـقيـقية لمـستقبل هـذا الـكائن الـعربي الـذي لا يـكاد يـستوعب نـكسة إلا ويـصدم بأخرى..كـل الـتيارت الـفكرية والـسياسية الآن تـفتـقر - إلا مـا نـدر- إلى شـخصيات بـقامة (ماما هـدى)، وتـعاني من مـراهـقي الـفكر والـدين والـسياسة أو لـنقل مـرتـزقة، بـيد يـرفعون شـعارات النـظال وبالـيد الأخـرى يـقبضون ثـمن خـياناتهم...