المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : سلامة تحب ربها .... بقلم : رحمة المغيزوية


سويري
05/10/2006, 01:06 AM
سلامة تحب ربها
رحمة المغيزوية

إهداء:
حمدان... كلماتك في الصفحة
الأخيرة من دفتري القديم
تغرقني شدوا وشجنا
في كل ليلة عيد يبسط «حمدان» رداءه ويرفع صوته
- من يشتري؟ من يشتري؟ من يورث ورث ما يبلى ولا يزول؟ من يشتري؟أنا بياع، من يشتري؟، اللي يشتري يمد ايده.
نظرنا جميعا إلى الرداء المبسوط أمامنا لم يكن به ما يباع ويشترى.
مرة أخرى قال حمدان:
- قولوا لا اله إلا الله وصلوا على الرسول.
ردت عليه الأصوات
- لا اله إلا الله. اللهم صلي وسلم على رسولك.
-من يشتري؟ من يشتري؟ من يورث ورث ما يبلى ولا يزول؟ سلامة تحب ربها.
ردت عليه الأصوات
- ربها يحب سلامة.
في كل ليلة عيد تنزح الفتيات الصغيرات نحو بيت «أمي شيخة»، تختلط الخطوات بالضحك بكلمات العيد وملابسه برائحة الآس المنبعثة من الطاسة الصغيرة في يد كل واحدة منا، بينما نعلق في اليد الأخرى كيس الحناء ومشط الخشب وحلقة الفضة وشعرا مفرودا سيغزل عما قريب جدائل رفيعة تجمع في حلقة الفضة بيد «أمي شيخة» الماهرة في صف الآس في الشعر. باليد المخضبة بالحناء نطرق الباب، بالقدم المخضبة بالحناء ندخل بيت «أمي شيخة» مرددين بصوت أقرب للضحك:
- بسم الله.... سلامة تحب ربها
- فترد علينا «أمي شيخة» بصوت العيد
- وربها يحب سلامة.
في كل ليلة عيد وعندما يتحلق الناس حول حمدان يسمع صوته
- الخير بالخير يعرف، والخبر بالخبر يكمل، انتف شعرة من حاجبك وارمها صوب المقبرة، أهل المقابر ما يطيقون حد يشاور عليهم، وسلامة تصلي بأهلها وما تحب من يقطع صلاتها، سلامة تحب ربها وربها يحب سلامة.انتف شعرة وخلي مية بيسة في الطاسة يكون لك من أجر سلامة شيء، يعمر بيتك ويكثر خيرك.
ليست المرة الأولى التي سيحكي فيها «حمدان « حكايته وليست المرة الأخيرة التي سيتجمع فيها الناس حوله ليستمعوا إلى قصة تمتد المنتصف ليلة العيد.
جميلة «أمي شيخة» بطلتها في الثوب المصبوغ بمنقوع ماء شجرة الفلس وعروق الورس، جميلة بشعرها الملفوف في رائحة الآس والحناء، جميلة في غرفتها التي تشبه طقوس العيد، الحصير المغسول من آثار سنة مضت على عيد قد مر وبصينية العطور في زاوية الغرفة، جميلة في بداية حكايتها ليلة العيد «1»
- عن صبيرة وبنتها؟
- كم تحتها؟
- تحتها يا حبيب العين ستة، ثلاث بنات وثلاثة صبيان.
تطير أفكارنا مع روائح العيد تبحث عن امرأة من أهل القرية أنجبت أبناءها بالمناصفة ولا يعيدنا من شرود الأفكار إلا صوت «أمي شيخة» وهي تتناول الآس من الإناء الكبير عن يمينها وتقول:
- سلامة تحب ربها. انتف شعرة وارميها على مقبرة «شعر التيس».
وتبدأ بشعر أولى الفتيات الصغيرات.
حرك «حمدان» أنفه يشم روائح التوابل العابقة في المكان وقال للوجوه الناظرة اليه
- من خبر ناس أول ومن كلام الشياب القبليين أن هذي الحارة، حارة «شعر التيس» ما موجودة لا بحر ولا شجر ولا ناس ولا بيوت.
من سوالف حريم أول إن المكان كان صحرا يمشي الواحد يصيح بموت من العطش وبموت من الجوع، حارة لا من جدامها ولا من وراها. حتى سكنها غريب مع حرمته وبنته.
أنهت «أمي شيخة» غزل آخر جدائل الفتاة الصغيرة ووضعت لها «2»
الصندل والكاذي والمخلوط والقليل من الزباد خلف أذنها وأكملت
- ذيك البنت كان اسمها «سلامة»، وسلامة سبحان خالقها، دينار في قصتها وخلخال في ساقها، قمر من بنات الحور. الضروس حب الرمان والريحة من الرحمن. وكان سلامة تغني بصوتها الحلو «3»
(أنا التين أنا التين أنا المشمش أنا التفاح أنا وريقة الياسمينة سالبة الأرواح)
من ريحة سلامة نبت شجر الحارة ومن طيبتها وطيبة أمها سكنت بيوت كثيرة قرب الحارة.
تحرك «حمدان» من مكانه وقال:
من يشتري؟! أنا أبيع، من يشتري؟! وأبو سلامة يا جماعة ريال كان الله يرزقه من فضله، ريال غريب. والغريب في ضيافة دربه ومتوكل على ربه. عاش مرتاح البال حتى أخذ الموت زوجته وبقت له سلامه، صار لك «4» أبو سلامة لا من جليب ولا من حليب، الخبر بالخبر يكمل حتى شاروا عليه الناس يتزوج وحدة تربي سلامة.
عجنت «أمي شيخة» كرات الحناء الصغيرة لتصبح كتلة كبيرة متماسكة ووضعتها في إناء على يسارها كما صبت سابقا طاسات الآس التي أحضرنها في إناء كبير ووضعته عن يمينها
- يا بنياتي الله يبتلي الإنسان بالخير والشر في هذي الدنيا. وسلامة ابتلت بشر حرمة أبوها. كل يوم تضربها وتشغلها شغل أكبر من سنها، أبو سلامة لاهي عنها ومصدق كلام حرمته حتى جات ليلة عيد طلبت منها طلب غريب قالت لسلامة
- أريد منك حطب لا من ظل ولا من شمس.
وسلامة تسألها:
- اذا جبته بتحنيني؟
وهي تزيد
÷ لا من جنة ولا من نار
وسلامة تسأل:
-إذا جبته بتسوي في شعري آس؟
وهي تزيد
- لا شافه جن ولا انس.
سلامة تسأل:
- إذا جبته بتلبسيني لبس العيد؟
قال «حمدان»: «5»
- الحطابات رجعن وسلامة ما رجعت، الراعيات رجعن وسلامة ما رجعت، الخبازات رجعن وسلامة ما رجعت. من وين يا جماعة حطب لا من ظل ولا من شمس. سلامة وقفت بعدما انتفخت رجولها من المشي وجسدها صار تعبان وهي تدور الحطب من أول الحارة لآخرها تضرب بيت هذا (عمي أكلني أنا جوعانة) وتضرب بيت ذاك (خالي اسقيني أنا عطشانة) وتمسك ثوب هذي (خالتي عطيني حنا باكر العيد وأنا ما تحنيت) وتبكي جدام ذيك (عمتي عندك ثوب العيد أنا عريانة). لا فلانة و لاعلانة ردت عليها وهذا ولا ذاك ساعدها، وقفت سلامة عند الرمل وقالت بصوت وهي تبكي
- سلامة تحب ربها
ويرد عليها الصوت
- وربها يحب سلامة
سوت «أمي شيخة» ثوبها وأكملت
-يا حبيبات عيني الرمل صار بحر، يوم شاف سلامة تبكي من الجوع والعطش،من التعب والخوف. صار بحر غرق كل واحد في الحارة يوم صاحت سلامة
- سلامة تحب ربها
صاح البحر بالناس وغرقهم وبقى جسد صاحي سلامة بين الناس
قلب «حمدان» رداؤه الخالي وصاح مرة أخرى
- قولوا لا اله إلا الله، والله على العادي والظالم.
فصاح أكثر من صوت
- لا اله إلا الله.
- ملك البلاد يا جماعة يوم سمع بسالفة سلامة تحب ربها قال سلامة ما تدفن مع الظالمين والكفار والنجسين، اربط الحمار مع الحمار يعلمه من شهيقه ونهيقه، وسلامة جابت البحر والشجر لهذي البلاد
لسلامة مقبرة طاهرة مثلها
أنهت «أمي شيخة» جدل شعرنا وقالت
- عن صبيرة وبنتها وسلامة مقبرتها مسورة من شجر القرط وقبرها
«6»
مظلل بالغاف ريحه تفوح من المشموم « مقبرة شعر التيس «ما تقبل غير الأطفال وفي ليلة العيد تسمع ضحك منها ذيك سلامة تلعب مع بنات الحور. انتف شعرة من حاجبك وارميها صوب المقبرة، سلامة تتحنى للعيد وبنات الحور يمشطن شعرها.
حملت «أمي شيخة» ما تبقى من إناء الآس على رأسها ووضعت كيس الحناء في يدها ومرت تسأل عن كل محتاجة لحناء العيد وجدائل الفرح.
لملم «حمدان» ردائه وقال:
- سلامة تحب ربها، والملك صلى على سلامة وأمر خادمه بدفن من شعر كل تيس في الحارة في راس المقبرة. أمر كل إنسان يدفن في «7» المقبرة ياخذ شي من شعر الميت يدفنه تحت وحدة من شجر القرط.
أكمل «حمدان» بعد أن جمع النقود التي وضعت في الطاسة وحمل قطعة اللحم الكبيرة التي تعود أخذها كل ليلة عيد
- خسران البيع معكم والكلام ضايع فيكم ليوم الدين.. بس سلامة تحب ربها وربها يحب سلامة.








جريدة عمان
ملحق شرفات
4/10/2006

محمد العنزي
07/10/2006, 05:30 PM
شكرا ايها العزيز

أمير فارس
09/10/2006, 05:00 PM
الله


قصة رائعة




كنا نتهامس بها في ايام الصبا



لي عودة الى هذه الحياض