سويري
20/09/2006, 10:01 PM
كلنا ولد زعيط
حسن العبرى
يتقدمُ ولد زعيط من سور المزرعة بحذر، ينظر يمنة ويسرة، ثم فجأةً يقفز السور، ويُدلي له أخوه بالمخرافة. يظل الأخ هناك بعيدا يحرس المكان بينما يتوجه ولد زعيط لتنفيذ خطته، يُحوِّم حول النخلة الأولى ويلتقط حبات البلح بسرعة ثم يذهب إلى النخلة الثانية الأقصر طولا، يدقق فيما حوله، يشاهد طرف نخلة يابس، يجزُّ خوص الطرف بيديه ويوجه العصا إلى الأعذاق ويبدأ في ضربها..
لا. ثمة خطأ ما؛ لا يبدو ولد زعيط هنا رازحا تحت وطأة نظام اجتماعي ثقيل وظالم، إنه يبدو كلص، يتسلل هو وأخوه في جنح صباحات القرية الباردة ويقفز من على سور المزرعة ويحاول أن يسرق رطب النخلة. المخرافة، بالمناسبة، وعاء يصنع من خوص النخيل، وخوص النخيل هي الأوراق التي تنتظم على جانبي طرف النخلة. لكن لا. لا يجب أن يظهر ولد زعيط في القصة بهذه الفظاظة...
يتقدمُ ولد زعيط من سور المزرعة، لم يكن أخوه معه، كان أخوه قد تبقى لرعي الماشية في الوادي المجاور بينما طلبتْ الأم من ولدها الثاني، ولد زعيط، أن يلتقط حبات الرطب الساقطة من النخلات، يتقدم ولد زعيط من السور، ويقفز إلى مزرعة الشيخ ويقوم بالتقاط ما تساقط في الليل من رطب نخيل المزرعة، ثم تخطر في باله الضربات التي مُنيَ بها في مرة ماضية حين استطاع بيدار المزرعة أن يمسك به قبل أن يقفز من على السور خارجا من المزرعة. آنذاك تجول في باله فكرة أن يقتص لنفسه، فيشاهد طر ف النخلة اليابس، وينزع عنه الخوص، ويوجه العصا إلى الاعذاق، ويبدأ في هشها والتقاط البلح المتساقط.
لا. لم يكن ولد زعيط قادرا على النفاذ إلى السور، كان يحلم فقط أن يتجاوز السور؛ فالبيدار، الذي هو بالمناسبة، المزارع الذي يوكله الشيخ، الذي لا يعني هنا شيخ دين ولا شيخ علم ولا كبير سن إنما شيخ القبيلة، أو أحد أخوانه، أو أحد أبناء عمومته الذين تأصلت المشيخة في سلالتهم. فالبيدار إذن، هو ذلك الشخص المظلوم والتابع والذي يقوم بكل العمليات اللازمة في المزرعة من غير أن يقول لا أو يتأفف؛ فلقمة العيش قاهرة، ومن أين سوف يأتي برزقه إن هو أحجم عن فعل ما يعرفه؟ ولد زعيط لم تكن مشكلته بالتالي مع البيدار إنما مع الشيخ لكي تَدخُلَ في الأمر مسألة الطبقية والظلم؛ فالبيدار لم يضرب ولد زعيط لأنه يحس أن ولد زعيط ولد غبي أو لص أو لا يستأهل أن يأخذ الرطب أو أن يجول في مزرعة الشيخ كيفما شاء، وإنما مكمن القصة هنا أن البيدار كان يريد فقط أن يتجنب هو نفسه عقاب الشيخ، فهو المسؤول عن المزرعة، وفي حال تعرضت لتخريب الأولاد فإنه لن يتوانى عن طرده أو تخفيض أجرته: إنه الشيخ بعد كل شيء، الظالم الأكبر بحكم السلالة والذي تواطأت الأعراف والنقود لجعله حاكما أعلى في القرية.
لا، لا. بالطبع لا يملك البيدار كل هذا الفكر حتى يعرف أنه إنما كان يوجه ظلما باسم الشيخ إلى ولد زعيط حين أمسك به وهو يحاول أن يقفز خارجا من سور المزرعة وفي يده مخرافة مملوءة رطبا، ولا يملك ولد زعيط القدرة على التمييز بعدُ على أن ما حصل له كان بمقتضى أوامر الشيخ وليس البيدار، فكلاهما، ولد زعيط والبيدار، سنان في دولاب الشيخ الظالم وفي منظومته الاجتماعية الشرسة.
أخرجُ من البنك كسيراً، فالواجهات تعلن عن كل ما أريد: إنها تُعلنُ عن بيت كبير أمتلكه أنا وأسرتي، وعن زوجة رائعة تلبس ذهبا أصفر لامعا على جبينها وتختال في لباس عماني تقليدي مطرز على جوانبه بخيوط بيضاء وصفراء رمزين أبديين للذهب والفضة. لا. لا ينبغي أن نُحمل شركة الاعلانات التي تعمل لحساب البنك كل هذا الذكاء الاجتماعي، إنها فقط رأت ما تلبسه المرأة العمانية في الزفات ثم أخذت الزي وألبسته فتاة تعمل في البنك ربما، وقلدت رجلا سيفا مغمودا في جرابه، وأحاطته بخنجر فضي لامع بمسكة مصنوعة من قرن عاج أفريقي، ثم التقط المصور الصورة فحسب. لا ينبغي ان يظهر العميل راكبا فرسا؛ فلا أفراس في عمان، ولا ينبغي أن يركب دراجة نارية أو سيارة؛ فنحن لسنا في اليابان حتى نستطيع أن نتبجح بأن هذه تمس تراثنا؛ فالولد، الذي يمثلني أنا طبعا، في الصورة يتزوج، وهذه نستطيع بكل بساطة أن نقولها، إنها من حياتنا؛ فنحن نتزوج، وفي تراثنا كنا نتزوج أيضا: إن الصورة التقاطة ذكية لتراث عريق من مصور بارع..
يتقدمُ ولد زعيط في حياته، ويبدأ في البحث عن عمل، حين يكبر طبعا، ويتوجه إلى مسقط، ويعمل صباحا ساعيا في وزارة ما، وفي المساء يعمل في فندق قريب، إنه غريب بعض الشيء؛ فهو يبدو غائما وغائبا لكنه مع هذا يبدو طيبا ومهذبا، لكنه يحاول قدر الإمكان أن يرفض بعض الأشياء بعناد غريب.
لا. يجب ان يظهر ولد زعيط فتى مهذبا لأننا يجب ان نقترن به ونتوحد معه لكنّه مع هذا لا بد أن يكون بخيلا، ويجب أن يقوم بعدِّ نقوده ليلا ونهارا، إنه وراء أمر ما، ولا ينبغي له أن يهدأ: إنه يعملُ ويعدّ نقوده، لكنه ليس بخيلا؛ فالبخل صفة سيئة، وولد زعيط، رغم أنه انسان يخطئ ويصيب، إلا أنه مع هذا بطل قصة من التراث، ويجب أن يُمنح لمحة بطولية: إنه حريصٌ على المال، لكنه ليس بخيلاٍ، قادرٌ على التصرف بحكمة فيما يخص النقود، مستثمرٌ جيد ربما، لكنّه أبدا يقفُ أعلى من البخل وأسفل بكثير من الإسراف.
يتقدمُ ولد زعيط بسيارته، لم تكن سيارة كبيرة، كانت بيك أب بحجرة واحدة، لأنك لا تستطيع ان تعيش من دون سيارة بيك أب في بلدة نائية؛ من سوف يجلب الأشياء من السوق؟ أين ستُركِب الأغنام؟ أين ستضع حُزَم البرسيم؟ إنها السيارة المثالية إذن.
أخرجُ بسيارتي من مواقف البنك، وأتقدم في الشارع، وتخرجُ صورة الفتاة العاملة في البنك من رأسي، وتترائ لي خليطا من صورة ممزقة على الشارع الأسفلتي أمامي. طبعاً ليست الفتاة هي الظالمة هنا، إنه البنك؛ فهو من يرفض أن يقرضني المبلغ لأقوم ببناء البيت؛ فالإشارات كلها تقول: «من ملك داره عز مقداره»، تحاول شركة الاعلانات التي تعمل لحساب البنك أن تجعل الإنسان يفكر بصدق في أن العالم عبارة عن امتلاك بيت، طبعا ليس بيتا كما يبدو للأوربي حين يُقدِّم أحدُنا نفسَه قائلا: «من عمان، الساحل الشرقي للخليج. نعم، الخيلج الفارسي بعينه أو العربي. لا بأس. الذي به النفط، نعم، هو، الذي تتكالب عليه الأمم، لكن لا، ليس في بيتنا يا سيدي بئر نفط! أنت تفهم الأمر بشكل سطحي تماما يا سيدي، لا توجد آبار نفط في البيوت، ثم إنكم تأخذون نسبة كبيرة يا سيدي؛ فانتم تنقّبون عن النفط وتستخرجونه وتبيعونه ونحن نأخذ الجزء الأقل، فتصور يا سيدي أين أقف أنا بعد كل هذا الدرب الأسود! هل تظن أنني سوف أحصل على شيء؟ آه! أنتم أيها الأوربيون تضحكونني! صدقني! ليس الأمر هكذا أبدا، أقسمُ لك، لا آبار نفط لديّ، ولا عند والدي أيضا، وأنا لا أملك الدار التي تظهر في الإعلان؛ فالبنك يحجب عني القرض الذي أريدُه حتى أكون مواطنا حقيقيا، مواطنا بقرض من البنك يحتلب البنك ضرع جهدي وعملي ويسقيني وبال قلق دائم.
لا، لا. إن القصة مشوشة جدا؛ فهناك ولد زعيط متقدما من مزرعة الشيخ والبيدار والشيخ، وهناك أنا بالطبع خارجا من البنك وفتاة البنك وشركة الاعلانات التي تعمل لحساب البنك، وهناك الفتى والفتاة في الصورة الاعلانية، وأخيرا يظهر أوروبي غريب في المشهد؟!.
لا. لا بد أن يكون شيخ البنك ظالما أيضا لكي تتسق الحكايات مع بعضها: يظلمُ شيخُ القبيلة ولدَ زعيط بواسطة البيدار، ويظلمُ شيخُ البنك أو مالكه شخصي أنا بحجب القرض عني وإعلاني خارجا عن مُواطَنتي لأنني لا استحق ان أملك بيتا ودَينا لدى البنك، ويتمُ الظلم بواسطة الفتاة. عصا البيدار رمز، والابتسامة على شفة فتاة البنك رمز هي الآخر، وأنا الآن إنما أقف تائها بين رمزين قاهرين.
يتقدمُ ولد زعيط من البلدة، لم يعد الآن طفلا، ولا فتى، بل بالغا كبيرا، يتقدمُ إلى بلدته، ويعلنُ أخيرا عن سره الكبير: إنه هو من سيقوم بشراء المزرعة، مزرعة الشيخ طبعا، لقد كان هذا هو الحلم الذي راود ولد زعيط منذ ذلك الصباح البارد الذي كان يهب على البلدة النائية، ها هو يعلن أمام الجميع: «أنا سأشتري المزرعة». يطلبُ أخو الشيخ من الشيخ أن يتريث؛ إذ ما الذي يمكن أن يقال «يبيعُ الشيخُ مزرعتَه لمن؟ لواحد من طبقة أقل؟ من قبيلة لا نعرف حتى أصلها؟ هامشية، بعيدة، نائية؟ لكنّ الشيخ يقول: «ما دام ولد زعيط يملك المال فلا يهم، دعوني أؤدبه! سوف أبيع له المزرعة بسعر غال». أخو ولد زعيط الذي يجب أن يكون في المشهد الآن؛ فالأم قد توفّت منذ أمد، ولا يوجد بعدُ عذرٌ يمنعنا من أن ندخله في المشهد، يقول لأخيه: «لا تتجنن!» لكن ولد زعيط يرد أمام أخيه والآخرين: «ليأخذ كل مالي، ألن يُقال بعد كل شيء أن ولد زعيط هو من اشترى مزرعة الشيخ؟!».
لا، لا يجبُ أن نُدخل ولد زعيط في الموضوع الذي بين أيدينا هنا، الظالم هو البنك، والمظلوم هو أنا، بلا لف ولا مواربات، لا داعي لدخول العناصر المشوقة في القصة، سوف أستبعدُ الأوربي لكنني سأبقي على الفتاة، وعلى شركة الاعلانات، أنا اعرف أن الفتاة ليست ظالمة، إنما هي رمز لسلطة البنك عليّ وعلى أخواني، وأنا أعرف أنني لا اكتب قصة قصيرة هنا، لكنني يجب أن أحقِقَ حلمي، يجب ان أذهب وأضع خططي لمستقبل البنك: أنا سأقوم بشراء البنك ودعهم يقولون ما يقولون، وسوف أُذكِّر الفتاة، التي لن تكون قد ماتت بعدُ، في مشهد مستقبليٍ آتٍ لا محالة، أنني أنا ولد زعيط الذي أصبحت المالك الوحيد والشرعي لبئر النفظ المسماة البنك!.
المصدر شرفات
20/9/9/2006
حسن العبرى
يتقدمُ ولد زعيط من سور المزرعة بحذر، ينظر يمنة ويسرة، ثم فجأةً يقفز السور، ويُدلي له أخوه بالمخرافة. يظل الأخ هناك بعيدا يحرس المكان بينما يتوجه ولد زعيط لتنفيذ خطته، يُحوِّم حول النخلة الأولى ويلتقط حبات البلح بسرعة ثم يذهب إلى النخلة الثانية الأقصر طولا، يدقق فيما حوله، يشاهد طرف نخلة يابس، يجزُّ خوص الطرف بيديه ويوجه العصا إلى الأعذاق ويبدأ في ضربها..
لا. ثمة خطأ ما؛ لا يبدو ولد زعيط هنا رازحا تحت وطأة نظام اجتماعي ثقيل وظالم، إنه يبدو كلص، يتسلل هو وأخوه في جنح صباحات القرية الباردة ويقفز من على سور المزرعة ويحاول أن يسرق رطب النخلة. المخرافة، بالمناسبة، وعاء يصنع من خوص النخيل، وخوص النخيل هي الأوراق التي تنتظم على جانبي طرف النخلة. لكن لا. لا يجب أن يظهر ولد زعيط في القصة بهذه الفظاظة...
يتقدمُ ولد زعيط من سور المزرعة، لم يكن أخوه معه، كان أخوه قد تبقى لرعي الماشية في الوادي المجاور بينما طلبتْ الأم من ولدها الثاني، ولد زعيط، أن يلتقط حبات الرطب الساقطة من النخلات، يتقدم ولد زعيط من السور، ويقفز إلى مزرعة الشيخ ويقوم بالتقاط ما تساقط في الليل من رطب نخيل المزرعة، ثم تخطر في باله الضربات التي مُنيَ بها في مرة ماضية حين استطاع بيدار المزرعة أن يمسك به قبل أن يقفز من على السور خارجا من المزرعة. آنذاك تجول في باله فكرة أن يقتص لنفسه، فيشاهد طر ف النخلة اليابس، وينزع عنه الخوص، ويوجه العصا إلى الاعذاق، ويبدأ في هشها والتقاط البلح المتساقط.
لا. لم يكن ولد زعيط قادرا على النفاذ إلى السور، كان يحلم فقط أن يتجاوز السور؛ فالبيدار، الذي هو بالمناسبة، المزارع الذي يوكله الشيخ، الذي لا يعني هنا شيخ دين ولا شيخ علم ولا كبير سن إنما شيخ القبيلة، أو أحد أخوانه، أو أحد أبناء عمومته الذين تأصلت المشيخة في سلالتهم. فالبيدار إذن، هو ذلك الشخص المظلوم والتابع والذي يقوم بكل العمليات اللازمة في المزرعة من غير أن يقول لا أو يتأفف؛ فلقمة العيش قاهرة، ومن أين سوف يأتي برزقه إن هو أحجم عن فعل ما يعرفه؟ ولد زعيط لم تكن مشكلته بالتالي مع البيدار إنما مع الشيخ لكي تَدخُلَ في الأمر مسألة الطبقية والظلم؛ فالبيدار لم يضرب ولد زعيط لأنه يحس أن ولد زعيط ولد غبي أو لص أو لا يستأهل أن يأخذ الرطب أو أن يجول في مزرعة الشيخ كيفما شاء، وإنما مكمن القصة هنا أن البيدار كان يريد فقط أن يتجنب هو نفسه عقاب الشيخ، فهو المسؤول عن المزرعة، وفي حال تعرضت لتخريب الأولاد فإنه لن يتوانى عن طرده أو تخفيض أجرته: إنه الشيخ بعد كل شيء، الظالم الأكبر بحكم السلالة والذي تواطأت الأعراف والنقود لجعله حاكما أعلى في القرية.
لا، لا. بالطبع لا يملك البيدار كل هذا الفكر حتى يعرف أنه إنما كان يوجه ظلما باسم الشيخ إلى ولد زعيط حين أمسك به وهو يحاول أن يقفز خارجا من سور المزرعة وفي يده مخرافة مملوءة رطبا، ولا يملك ولد زعيط القدرة على التمييز بعدُ على أن ما حصل له كان بمقتضى أوامر الشيخ وليس البيدار، فكلاهما، ولد زعيط والبيدار، سنان في دولاب الشيخ الظالم وفي منظومته الاجتماعية الشرسة.
أخرجُ من البنك كسيراً، فالواجهات تعلن عن كل ما أريد: إنها تُعلنُ عن بيت كبير أمتلكه أنا وأسرتي، وعن زوجة رائعة تلبس ذهبا أصفر لامعا على جبينها وتختال في لباس عماني تقليدي مطرز على جوانبه بخيوط بيضاء وصفراء رمزين أبديين للذهب والفضة. لا. لا ينبغي أن نُحمل شركة الاعلانات التي تعمل لحساب البنك كل هذا الذكاء الاجتماعي، إنها فقط رأت ما تلبسه المرأة العمانية في الزفات ثم أخذت الزي وألبسته فتاة تعمل في البنك ربما، وقلدت رجلا سيفا مغمودا في جرابه، وأحاطته بخنجر فضي لامع بمسكة مصنوعة من قرن عاج أفريقي، ثم التقط المصور الصورة فحسب. لا ينبغي ان يظهر العميل راكبا فرسا؛ فلا أفراس في عمان، ولا ينبغي أن يركب دراجة نارية أو سيارة؛ فنحن لسنا في اليابان حتى نستطيع أن نتبجح بأن هذه تمس تراثنا؛ فالولد، الذي يمثلني أنا طبعا، في الصورة يتزوج، وهذه نستطيع بكل بساطة أن نقولها، إنها من حياتنا؛ فنحن نتزوج، وفي تراثنا كنا نتزوج أيضا: إن الصورة التقاطة ذكية لتراث عريق من مصور بارع..
يتقدمُ ولد زعيط في حياته، ويبدأ في البحث عن عمل، حين يكبر طبعا، ويتوجه إلى مسقط، ويعمل صباحا ساعيا في وزارة ما، وفي المساء يعمل في فندق قريب، إنه غريب بعض الشيء؛ فهو يبدو غائما وغائبا لكنه مع هذا يبدو طيبا ومهذبا، لكنه يحاول قدر الإمكان أن يرفض بعض الأشياء بعناد غريب.
لا. يجب ان يظهر ولد زعيط فتى مهذبا لأننا يجب ان نقترن به ونتوحد معه لكنّه مع هذا لا بد أن يكون بخيلا، ويجب أن يقوم بعدِّ نقوده ليلا ونهارا، إنه وراء أمر ما، ولا ينبغي له أن يهدأ: إنه يعملُ ويعدّ نقوده، لكنه ليس بخيلا؛ فالبخل صفة سيئة، وولد زعيط، رغم أنه انسان يخطئ ويصيب، إلا أنه مع هذا بطل قصة من التراث، ويجب أن يُمنح لمحة بطولية: إنه حريصٌ على المال، لكنه ليس بخيلاٍ، قادرٌ على التصرف بحكمة فيما يخص النقود، مستثمرٌ جيد ربما، لكنّه أبدا يقفُ أعلى من البخل وأسفل بكثير من الإسراف.
يتقدمُ ولد زعيط بسيارته، لم تكن سيارة كبيرة، كانت بيك أب بحجرة واحدة، لأنك لا تستطيع ان تعيش من دون سيارة بيك أب في بلدة نائية؛ من سوف يجلب الأشياء من السوق؟ أين ستُركِب الأغنام؟ أين ستضع حُزَم البرسيم؟ إنها السيارة المثالية إذن.
أخرجُ بسيارتي من مواقف البنك، وأتقدم في الشارع، وتخرجُ صورة الفتاة العاملة في البنك من رأسي، وتترائ لي خليطا من صورة ممزقة على الشارع الأسفلتي أمامي. طبعاً ليست الفتاة هي الظالمة هنا، إنه البنك؛ فهو من يرفض أن يقرضني المبلغ لأقوم ببناء البيت؛ فالإشارات كلها تقول: «من ملك داره عز مقداره»، تحاول شركة الاعلانات التي تعمل لحساب البنك أن تجعل الإنسان يفكر بصدق في أن العالم عبارة عن امتلاك بيت، طبعا ليس بيتا كما يبدو للأوربي حين يُقدِّم أحدُنا نفسَه قائلا: «من عمان، الساحل الشرقي للخليج. نعم، الخيلج الفارسي بعينه أو العربي. لا بأس. الذي به النفط، نعم، هو، الذي تتكالب عليه الأمم، لكن لا، ليس في بيتنا يا سيدي بئر نفط! أنت تفهم الأمر بشكل سطحي تماما يا سيدي، لا توجد آبار نفط في البيوت، ثم إنكم تأخذون نسبة كبيرة يا سيدي؛ فانتم تنقّبون عن النفط وتستخرجونه وتبيعونه ونحن نأخذ الجزء الأقل، فتصور يا سيدي أين أقف أنا بعد كل هذا الدرب الأسود! هل تظن أنني سوف أحصل على شيء؟ آه! أنتم أيها الأوربيون تضحكونني! صدقني! ليس الأمر هكذا أبدا، أقسمُ لك، لا آبار نفط لديّ، ولا عند والدي أيضا، وأنا لا أملك الدار التي تظهر في الإعلان؛ فالبنك يحجب عني القرض الذي أريدُه حتى أكون مواطنا حقيقيا، مواطنا بقرض من البنك يحتلب البنك ضرع جهدي وعملي ويسقيني وبال قلق دائم.
لا، لا. إن القصة مشوشة جدا؛ فهناك ولد زعيط متقدما من مزرعة الشيخ والبيدار والشيخ، وهناك أنا بالطبع خارجا من البنك وفتاة البنك وشركة الاعلانات التي تعمل لحساب البنك، وهناك الفتى والفتاة في الصورة الاعلانية، وأخيرا يظهر أوروبي غريب في المشهد؟!.
لا. لا بد أن يكون شيخ البنك ظالما أيضا لكي تتسق الحكايات مع بعضها: يظلمُ شيخُ القبيلة ولدَ زعيط بواسطة البيدار، ويظلمُ شيخُ البنك أو مالكه شخصي أنا بحجب القرض عني وإعلاني خارجا عن مُواطَنتي لأنني لا استحق ان أملك بيتا ودَينا لدى البنك، ويتمُ الظلم بواسطة الفتاة. عصا البيدار رمز، والابتسامة على شفة فتاة البنك رمز هي الآخر، وأنا الآن إنما أقف تائها بين رمزين قاهرين.
يتقدمُ ولد زعيط من البلدة، لم يعد الآن طفلا، ولا فتى، بل بالغا كبيرا، يتقدمُ إلى بلدته، ويعلنُ أخيرا عن سره الكبير: إنه هو من سيقوم بشراء المزرعة، مزرعة الشيخ طبعا، لقد كان هذا هو الحلم الذي راود ولد زعيط منذ ذلك الصباح البارد الذي كان يهب على البلدة النائية، ها هو يعلن أمام الجميع: «أنا سأشتري المزرعة». يطلبُ أخو الشيخ من الشيخ أن يتريث؛ إذ ما الذي يمكن أن يقال «يبيعُ الشيخُ مزرعتَه لمن؟ لواحد من طبقة أقل؟ من قبيلة لا نعرف حتى أصلها؟ هامشية، بعيدة، نائية؟ لكنّ الشيخ يقول: «ما دام ولد زعيط يملك المال فلا يهم، دعوني أؤدبه! سوف أبيع له المزرعة بسعر غال». أخو ولد زعيط الذي يجب أن يكون في المشهد الآن؛ فالأم قد توفّت منذ أمد، ولا يوجد بعدُ عذرٌ يمنعنا من أن ندخله في المشهد، يقول لأخيه: «لا تتجنن!» لكن ولد زعيط يرد أمام أخيه والآخرين: «ليأخذ كل مالي، ألن يُقال بعد كل شيء أن ولد زعيط هو من اشترى مزرعة الشيخ؟!».
لا، لا يجبُ أن نُدخل ولد زعيط في الموضوع الذي بين أيدينا هنا، الظالم هو البنك، والمظلوم هو أنا، بلا لف ولا مواربات، لا داعي لدخول العناصر المشوقة في القصة، سوف أستبعدُ الأوربي لكنني سأبقي على الفتاة، وعلى شركة الاعلانات، أنا اعرف أن الفتاة ليست ظالمة، إنما هي رمز لسلطة البنك عليّ وعلى أخواني، وأنا أعرف أنني لا اكتب قصة قصيرة هنا، لكنني يجب أن أحقِقَ حلمي، يجب ان أذهب وأضع خططي لمستقبل البنك: أنا سأقوم بشراء البنك ودعهم يقولون ما يقولون، وسوف أُذكِّر الفتاة، التي لن تكون قد ماتت بعدُ، في مشهد مستقبليٍ آتٍ لا محالة، أنني أنا ولد زعيط الذي أصبحت المالك الوحيد والشرعي لبئر النفظ المسماة البنك!.
المصدر شرفات
20/9/9/2006