الدغيم
20/09/2006, 05:32 PM
مختصر التاريخ العثماني منذ سليمان شاه حتى محمد الفاتح، ويقع المختصر في خمس واحات
الواحة العثمانية الأولى
د . محمود السيد الدغيم
تحوّل العثمانيون من أمراء مهجرين منفيين إلى أمراء إمارة متنقلة، إلى إمارة ملحقة، ثم إمارة مستقرة مستقلة، ثم سلطنة محلية على طريق السلطنة العالمية الأولى، وتتضمن هذه الواحة البدايات حتى النصر العثماني البارز في معركة كوسوفو في 15 شعبان سنة 791هـ/ 1389م.
آل عثمان
هاجمت قوات جنكيز خان المغولي بلاد آسيا الغربية فرحلت قبيلة سليمان شاه بن قايا ألب المنسوبة إلى سبط قايي خان الملكي التركي، وغادرت وسط آسيا إلى أذربيجان وبعد ست سنوات قرّر سليمان شاه العودة إلى وطنه، ولكنه غرق حينما كانوا يعبرون نهر الفرات، فأخرجه قومه ودفنوه قرب قلعة جعبر التي تقع حاليا في بحيرة سد الطبقة في الجزيرة السورية نحو سنة 630هـ/ 1233م، وأطلق عليه الأتراك اسم (تُرْك مَزاري) وتولت الجيوش العثمانية والتركية حراسته عبر التاريخ، وأقرت اتفاقية لوزان للأتراك حراسته، ورفع العلم التركي عليه .
وبعدما غرق سليمان شاه عاد أولاده الثلاثة إلى وطنهم في وسط آسيا، وهم سنقور زنكي، وكون طوغدي، وكوندوز آلب، وعادت معهم أعداد كثيرة من القبائل، ولكن الأمير أرطغرل (بن كُوندُز آلب بن قايا آلب بن كوك آلب بن صارقوق آلب بن قايا آلب) قَصَدَ بلاد الأناضول مع أربعمائة خيمة يحميها ما يقرب من خمس مائة فارس، واقتربوا من قونية عاصمة سلاجقة الأناضول، وبينما كان أرطغرل يتجول مع فرسان قبيلته صادفوا جيشين يتحاربان، فانضم أرطغرل بقومه إلى جيش السلطان علاء الدين كيقباد بن كيخسرو السلجوقي، فانتصر جيشه على جيش من جيوش هولاكو قان من أعقاب جنكيز خان ملك المغول، وأسفرت المعركة عن انتصار السلاجقة بمساعدة أرطغرل وعشيرته سنة 663 هـ/ 1264م، وكافأ السلطان السلجوقي أرطغرل وعشيرته، وأقطعهم الأراضي الواقعة بجهات قره جه طاغ، وطومانيج، واسكيشهر.
أرطغرل وعلاء الدين السلجوقي
حارب أرطغرل إلى جانب علاء الدين السلجوقي في أكثر وقائعه الحربية ضد المغول والدولة البيزنطية، فمنح السلطان علاء الدين أراض واسعة لأرطغرل وقومه، وفتح أرطغرل بلدة (صيراجق) التابعة للقسطنطينية، وسميت: سلطانية، وفتح بلدة سكود التي تعتبر مهّد الدولة العثمانية في الأناضول، وحرر قلعة كوتاهية السلجوقية من المغول، وظل أرطغرل يجاهد ضد المغول والروم البيزنطيين إلى جانب علاء الدين السلجوقي حتى تجاوز سنّ الثانية والتسعين، وقيل السادسة والتسعين، وقيل أنه ولد سنة 587 هـ/ 1191م، وتوفي سنة 680هـ/ 1281م، فدفن في بلدة سُغُوْت (Sügüt).
نهاية سلاجقة الأناضول
بعد وفاة أرطغرل قام السلطان علاء الدين السلجوقي بتنصيب الأمير عثمان مكانه، فتابع طريق الجهاد بشجاعة خارقة، فكافأه السلطان علاء الدين، وكرّمه بإعطائه شارات السلاجقة، وهي الراية البيضاء والخلعة والطبل، ومنحه استقلالاً، ولقب بك، وقرر منحه ما يفتحه من أرضي البيزنطيين وغيرهم ابتداء من سنة 688 هـ/ 1289م، وسمح له بأن يضرب السكة النقدية باسمه، وبذكر اسمه بعد اسم السلطان علاء الدين من على منابر المساجد والجوامع السلجوقية.
ونشأت صداقة بين عثمان الأول، والقائد البيزنطي كوسه ميخائيل حاكم قلعة (خرمن قايا) الذي أسلم، وأنقذ عثمان من مؤامرة بيزنطية دُبرت له في وليمة عرس بيزنطي، وفي تلك الأثناء هاجم الخبيث قازان المغولي المدن السورية، ومدينة قونية، فاحتلها سنة 699هـ/ 1299م، وأنهى دولة سلاجقة الأناضول.
السلطان عثمان الأول
تسلطن سنة (699-726) هـ/ 1299 - 1326م
وُلد السلطان عثمان الأول في بلدة سُغُوْت (Sogüt) التابعة إلى مدينة (يني شهر) سنة 656 هـ/ 1258م، وأعلن إنشاء إمارته بعد موت علاء الدين السلجوقي، وأتاه أمراء الدولة السلجوقية، ودخلوا تحت حمايته، ونصبوه سلطانا على الأناضول، فاتخذ مدينة يني شهر عاصمة له، ورفع راية الجهاد مدة سبع سنوات، وفتح العديد من قلاع الروم البيزنطيين، وانضم الكثير من الروم إلى جيشه، وأعجبوا بعدالته، ففتح مدينة كبري حصار، وقلعة أزنيق الشهيرة، وهاجت الجيوش البيزنطة يني شهر عاصمة العثمانيين، فتصدى لهم السلطان عثمان على رأس جيشه بجوار قلعة قيون حصار وهزمهم ثم اقتفى أثرهم حتى موقع ديمبوز، فقتل أمير مدينة كستل البيزنطي، وهرب بقية الأمراء البيزنطيين نحو بورصة والقسطنطينية،
وشيد السلطان عثمان قلعتين بالقرب من مدينة بروسه سنة 717 هـ/ 1317م
وعَيَّن في إحداهما ابن أخيه آق تيمور، وفي الأخرى البطل بلبانجق أحد مماليكه، وحاصر بروسه، وترك ولده السلطان أورخان وكوسه ميخال وصالتق ألب للمحافظة على البلاد وأنزلهم بقلعة قره حصار، ثم فتح السلطان عثمان قلعة لبلبنجي، وقلعة جادرلق، ويكينجه حصار، وآق حصار، وتكفور، ثم أرسل الغازي أورخان والغازي عبد الرحمن وغيرهما إلى قلعة قره جيش، ففتحوها، وتابع السلطان فتوحاته نحو مدينة أزميد،(قوجة إيلّي) وحينذاك فتح الغازي عبد الرحمن مدينة أزنيق ( نيقيا).
وعزم السلطان عثمان غازي على فتح بروسه سنة 726 هـ/ 1326م، وعين ابنه أورخان بك قائداً لجيوش الفتح، ففتح القلاع، واستولى على جبل أولمبة (أولو داغ) قرب بورصة (بروسة) ثم فتح بورصة، وبعد الفتح مرض السلطان عثمان، فهرع لزيارته ابنه الغازي أورخان، ولما صار بين يديه نصحه والده بنصائح عظيمة، وأوصاه بالجهاد في سبيل الله، وحُسن المحافظة على الرعية وسياستهم بالعدل والإنصاف، ثم توفي السلطان عثمان الأول في 17 أو 20 رمضان سنة 726هـ/ 1326م، وكان سنه 70سنة، ومدة سلطنته 27 سنة، ودفن في تربته الخاصة في بروسة (بورصة) وتسلطن بعده ابنه الغازي في سبيل الله أورخان فأوكل إدارة شؤون الإدارة لأخيه علاء الدين، ووُلد لأورخان في تلك السنة ابنه مراد الأول الذي استشهد في معركة كوسوفو فيما بعد.
السلطان أورخان
726-761هـ/1326 - 1360م
ولد السلطان أورخان غازي سنة 680 هـ/ 1281م، وشارك في معارك الجهاد في سلطنة أبيه، وآلت إليه السلطنة العثمانية بعد وفاة أبيه، فنقل العاصمة من مدينة (يني شهر) إلى مدينة بورصة، وبدأ مسيرة توحيد الأناضول، بضم الأراضي التي كانت خاضعة لأمراء الطوائف التي كانت تسمى: قرمان، وآيدين، وصاروخان، ومنتشا، وكرميان، وحميد، وتكه، وقره سى، وأسفنديار، ومرعش، وذو القدرية، وباطنة، ورمضان، وأنشأ الجيش الجديد (يني جيري) الإنكشارية، وأوجد منصب الوزارة، وعين فيه أخاه علاء الدين باشا، فكان أول وزير في الدولة العثمانية، وقسم أراضي البلاد المفتتحة إلى قسمين وهما: خاص تصرف إيراداته للخزينة السلطانية، ولأمراء العائلة الملوكية ولأعيان الحكومة، وأرض تيمار تذهب إيراداتها إلى رجال الحرب، وقد ساعد النظام العادل على قوة السلطنة، وتمكن من فتح مدينة أزميد مركز إقليم قوجه إيلي بنفسه في سنة 728هـ/ 1327 م، وصارت حدود السلطنة العثمانية من الغرب قريبة من خليج القسطنطينية المسمى البوسفور، والذي يفصل بين آسيا شرقا، وأوروبا غربا، وفي سنة 731هـ فتح الأمير سليمان ابن السلطان أورخان مدينة أزنيق أو أزنيك (نيقية المقدسة) واتخذها السلطان أورخان عاصمة له.
ولما توفي الوزير علاء الدين سنة 732 هـ صار الأمير سليمان باشا وزيراً للدولة، وعقدت هدنة بين روم القسطنطينية، والسلطنة العثمانية لمدّة عشرين سنة، وتضمنت اعتراف الروم بالحدود الجديدة للسلطنة، وضمت جهات مانياس وأيدنجق وباليكسري وبرغمه وقره سي وميخاليج وكرماستي، وأثناء فترة الهدنة تفرّغت السلطنة للإصلاحات الداخلية، ثم تمَّ تجديد الهدنة سنة 746 هـ/ 1345م، وبعد ذلك بسنة واحدة عقد السلطان أورخان وقيصر الروم مؤتمر قمة عثمانية رومية، وبدأت مرحلة تقديم الحماية العثمانية للروم الأرثوذكس البيزنطيين من أعدائهم الأوروبيين الطامعين بالقسطنطينية، ولكن بيزنطة نقضت الهدنة الثانية بعد عشر سنوات، وتآمرت من البنادقة على غزو السلطنة من نواحي السواحل الغربية سنة 757هـ/ 1356 م، فأصدر السلطان أورخان أمراً إلى ابنه الغازي سليمان باشا بالهجوم على بلاد الرومللي، فعبر مضيق الدردنيل من مضيق بلدة أيد نجق أبيدوس قرب جنق قلعة ووصلت قواته العثمانية إلى قلعة جينبة Tzympe سنة 758هـ/ 1357 م، وأثبتت البحرية العثمانية قدرتها على المشاركة بالحروب إلى جانب القوات البرية، وتمَّ فتح كليبولي في الأراضي الأوروبية.
التحالف الأوروبي
وبعد ذلك اتفق الروم والمجر والصرب والبلغار والأفلاق والبغدان، وشكلوا تحالفا عسكريا، وحشدوا جيوشهم، فانقض عليهم الأمير سليمان بقواته العثمانية من جبال البلقان، وهزمهم، ووصل الأراضي البلغارية، ولكن الجيوش المتحالفة اجتمعت، وقررت الاستيلاء على القسطنطينية، فطلب قيصر الروم الحماية العثمانية، فأمده السلطان أورخان بقوة عسكرية بقيادة الأمير سليمان باشا، انتشرت تحت أسوار القسطنطينية، وحينذاك حصلت زلازل قوية سنة 759هـ/ 1358م، فدمرت الكثير من المدن والقلاع التي تحيط بالقسطنطينية في غربي آسيا، وشرق أوروبا، وفي أواخر سنة 760 هـ/ 1358 م، فتح الغازي سليمان باشا قلعة كليبولي البحرية، ثم فتح بولاير وخيره بولي وتكفور طاغ، واتسعت الفتوحات في أراضي الرومللي، وسقط الأمير سليمان عن جواده في رحلة صيد فمات سنة 760 هـ/ 1359م،ودفن بالجامع الذي شيده بمدينة بولاير، ومازال جامعه وضريحه محل احترام الأتراك، وحزن، والده السلطان أورخان حزناً مفرطاً، وتوفي سنة 761 هـ/1360م، ودفن في مدينة بروسه (بورصة) وقد بلغ إحدى وثمانين سنة، وحكم 35 سنة هجرية، وآلت السلطنة إلى ولده مراد الأول.
السلطان مراد الأول
وُلِد السلطان مراد الأول بن أورخان ونيلوفر سنة 1326م، وورث سلطنة ثابت الأركان تمتد من الأناضول شرقا إلى بلغاريا غربا، فاستمرت سلطنة مراد ثلاثين سنة من سنة 761هـ/ 1359م حتى استشهد في قوصوة (كوسوفو) سنة 791 هـ/ 1389م، وسار على طريق والده وأجداده، فتابع الفتوحات، ولما باشر توحيد إمارات الطوائف التركمانية في الأناضول شن البنادقة حملة بحرية على العثمانيين في قلعة كليبولي وغيرها من المواقع البحرية العثمانية، فتصدى لهم العثمانيون، وردوهم على أعقابهم، وغنموا الكثير من الذخائر.
وبعد تلك المعركة اهتم السلطان مراد بتجهيز البحرية العثماني، وتمكن من فتح جملة بلاد وقلاع منها بيطور و جورلي ومدللي وبرغوس وبرغاز وديموتوقه، ثم فتح مدينة أدرنة المعظمة عند الروم، وفتح مدينة صوفية عاصمة بلغاريا حاليا بعد أن حاصروها مدّة ثلاث سنوات783 - 785 هـ/ 1381-1383 م، ثم فتح الصدر الأعظم خير الدين باشا مدينة سلانيك اليونانية، وفي سنة 788 هـ/ 1386م فتح السلطان مراد الأول مقدونيا و ألبانيا، وأسند الصدارة العظمى لقاضي العسكر علي باشا بن خير الدين بعد وفاة والده.
واقعة قوصوة (كوسوفو) (Cossova)
دقت أوروبا نواقيس الخطر، ودعا البابا أوربانوس الخامس جيوش أوروبا إلى الحرب ضد العثمانيين، فلبى دعوته ملك الصرب لازار سنة 790هـ/ 1389 م، واتفق مع ملوك الأفلاق، وأمراء دلماسيا، والبوسنة والهرسك، وألبانيا، وملك المجر، وملك البلغار، ودارت المعركة في سهول قوصوة، فكانت من أشهر معارك التاريخ، وهربت الجيوش الأوروبية بعد مصرع الملك لازار وغيره من الملوك والأمراء، وبعد الانتصار كان السلطان مراد يتفقد الجرحى في ساحة المعركة، ونهض من بين الجرحى عسكري وطعن السلطان مراد الأوّل في أحشائه فاستشهد في 15 شعبان سنة 791هـ/ 1389م، وذلك بعدما ثبت حدود السلطنة العثمانية على ضفاف نهر الطونة (الدانوب) شمالا، وأوصى بالسلطنة إلى ولده (يلدرم): الصاعقة أبايزيد الأول.
ملاحظة : نشرت هذه الواحة في ملحق التراث في جريدة الحياة، الصفحة : 15، وذلك يوم السبت 30 نيسان/ إبريل 2005م
الواحة العثمانية الثانية
د . محمود السيد الدغيم
باحث أكاديمي سوري جامعة لندن
كلية الدراسات الشرقية والإفريقية
SOAS
1
سلطنة آل عثمان
استوطن أرطغرل بك وأبناء قبيلته في شمالي غربي الأناضول، ومنحه السلطان علاء الدين السلجوقي منطقة تتراوح مساحتها من ألف إلى ألفين كيلومتر مربع سنة 628 هـ/ 1231م ولكنه وسع منطقة فتوحات إمارته في الأراضي البيزنطية حتى بلغت ما يقرب من خمسة آلاف كيلو متر مربع عند وفاته سنة 680 هـ/ 1281م، وجاء بعده ابنه عثمان الذي توسعت الفتوحات في زمانه على حساب البيزنطيين حتى بلغت ستة عشر ألف كيلومتر غداة وفاته سنة 724 هـ/ 1324م، وخلفه ابنه أورخان الذي تابع الفتوحات في الأراضي التي كانت خاضعة للبيزنطيين، وأمراء الطوائف التركمان المخالفين للعثمانيين مذهبياً حتى بلغت مساحة السلطنة في الأراضي الآسيوية والأوروبية خمسة وتسعين ألف كيلومتر سنة 763هـ/ 1362م، وخلفه ابنه الشهيد مراد الأول، فخاض شخصياًّ سبعاً وثلاثين معركة كبرى، ووسع فتوحاته الأوروبية حتى يوم استشهاده في نهاية معركة قوصوة (كوسوفو) سنة 791 هـ/ 1389م، فبلغت مساحة أراض السلطنة في البر الآسيوي والبر الأوروبي نصف مليون متر مربع، 291 ألف كيلومتر في أوروبا الشرقية، و208 آلاف كيلومتر مربع في آسيا.
2
السلطان يلديرم أبا يزيد الأول
خاض الأمير أبا يزيد الأول الكثير من المعارك إلى جوار والده مراد، وفي معركة كوسوفو كان يقود جناح الميمنة، وكان أخوه يعقوب يقود جناح الميسرة، وفي تلك المعركة استخدم العثمانيون المدفعية بنجاح، وكان أبا يزيد على جانب عظيم من الشجاعة والإقدام، ولهذا لقبوه يلديرم، أي: الصاعقة، وقد بويع له في ميدان قوصوة (كوسوفو) بوصية من أبيه يوم موته 791هـ/ 1389م، وكان عمره 30 سنة، ثم عاد إلى بروسه (بورصة) ونقل معه جنازة والده فدفنت في تربته، ثم تابع السلطان أبا يزيد الجهاد في سبيل الله، فأخضع اسطفان ملك الصرب، ثم فتح البوسنة، ومملكة الأفلاق.
وفي سنة 792هـ/ 1390م قاد السلطان أبا يزيد جيوشه بنفسه وفتح مدينة وقلعة آلاشهر الآسيوية المسماة (فيلاد لفيا) وكانت آخر مدينة مهمة بقيت للقسطنطينية في آسيا، ثم ضمّ مملكة آيدين صلحاً، ثم ضمّ سنجق صاروخان (مانيسا)، وتابع ضمّ إمارات الطوائف، فضمّ جهات آمد (ديار بكر) وآق سراي، وإزمير، وموغلا (منتشة) وأوشاق ودنيزلي، وبعدما أخضع المتمردين والمنافقين والمتآمرين زحف بجيشه على نواحي الرومللي واستولى على مدينة سلانيك اليونانية مرة ثانية، ثم اتفقت البندقية وفرانسا وجنوة وإسبانيا سنة 796هـ/ 1394م، وأرسلت أساطيلها لإخراج العثمانيين من سلانيك فقاومتهم الجيوش العثمانية وألزمتهم الرجوع عنها خاسرين.
3
حصار القسطنطينية وغيرها
عاد السلطان أبا يزيد إلى بروسه، وعلم أن الإمبراطور البيزنطي عمانويل الثاني باليولوغوس اتفق مع ملوك المجر والصرب وفرنسا ضد العثمانيين، فحاصر السلطان أبا يزيد القسطنطينية سنة 793 هـ/ 1391م مدة سبعة أشهر، واستغل الفرصة ملك المجر، فهاجم صوفية وودين ونيكوبولي، فتراجع السلطان عن القسطنطينية، وقصد الجيوش الأوروبية في البلقان، وهزمهم شر هزيمة، وهرب ملك المجر في زورق بنهر الطونة (الدانوب) وأخذ العثمانيون عدّة آلاف من الأسرى، واجتاز السلطان نهر الدانوب شمالاً، وفتح رومانيا، وتابع إخضاع الإمارات البلغارية واليونانية، ثم عاد إلى الأناضول فضم إمارات قسطموني وزونغل داغ وجانقري وجوروم، وسيواس.
4
أول جامع داخل القسطنطينية
حاصر السلطان أبا يزيد مدينة القسطنطينية للمرة الثانية طوال صيف سنة 1395م، وفي سنة 798 هـ/ 1396م أنشأ السلطان قلعة (كوزالجه) أناضول حصار الشهيرة على الضفة الشرقية لمضيق البوسفور، وخضع إمبراطور القسطنطينية وتعهد بدفع الجزية للسلطان، ورضي بأن يسكن المسلمون القسطنطينية وأن يكون لهم بها مسجد هو مسجد داود باشا، ويكون لهم قاض يحكم في نوازلهم.
5
معركة نيغوبولي 25 أيلول 1396م
تصدى العثمانيون للاتين الكاثوليك في جزر وسواحل بحر إيجة، فتداعت الدول الأوروبية إلى تشكيل حملة صليبية جديدة لإخراج العثمانيين من الأراضي الأوروبية، وشاركت في الحملة جيوش بابوية روما، ومملكة فرنسا، ومملكة المجر، ومملكة إنكلترة، ومملكة بولونيا، وجمهورية البندقية، ومملكة قشتالة الإسبانية، ومملكة أراغون، وفرسان القديس يوحنا من جزيرة رودوس، وفرسان توتون، ومملكة النروج، ومملكة اسكتلندة، وجمهورية جنوة، والإمبراطورية الألمانية، واجتمع المجلس الحربي الصليبي في بودابست، وانتخب ملك المجر سيغموند الأول قائدا عاما للجيوش، وقرروا خوض المعركة ضد العثمانيين، كما قرروا أن يتابعوا زحفهم على القدس لطرد المماليك منها، وتحركت الجيوش المحتشدة من المجر، وعددها مائة وثلاثون ألفاً، في شباط سنة 1396م ، ووصلت إلى قلعة نيغوبولي على الضفة الجنوبية لنهر الطونة (الدانوب) وصمدت القلعة نصف شهر بقيادة دوغان بك حتى وصلتها الإمدادات بقيادة السلطان أبا يزيد الأول الذي كان يقود سبعين ألف مجاهد، وأسفرت المعركة عن هلاك مائة ألف من الجيش الصليبي، ووقع عشرة آلاف في الأسر، وهرب عشرون ألف، و من الذين هربوا الملك سيغموند، وملك بريطانيا هنري الرابع، وأمير البندقية، وقائد فرسان طولون، وأسر سبعة وعشرون قائدا أوروبياً منهم قائد الجيوش الفرنسية، وجين الجسور، والأمير هنري دى لورين.
وفي سنة 799 هـ/ 1397م فتح السلطان أبا يزيد الأول شخصيا مدينة أثينا عاصمة اليونان، وبعدها توجه إلى قونيا في الأناضول، وأخضع إمارة قره مان، وفي سنة 1398م أخضع صمصون، وسواحل البحر الأسود، وقضى على المبتدع القاضي برهان الدين، وأخذ من المماليك سنة 1399م حصن منصور (آدي يمان) ومدينة ملاطية، والبستان، ووصل إلى الفرات، وأخضع خربوط وأرزنجان.
ونظرا لما أحرزه السلطان أبا يزيد من انتصارات لقبه الخليفة العباسي المتوكل بن المعتضد بلقب: سلطان أقاليم الروم.
6
حصار القسطنطينية
بعدما حقق السلطان أبا يزيد الأول انتصارا عظيما في معركة نيغوبولي حاصر القسطنطينية للمرة الثالثة سنة 799 هـ/ 1397م، ثم رفع الحصار، ولكن الإمبراطور البيزنطي عمانويل الثاني تجول في أوروبا مدة 13 شهرا طلبا للنجدة، ولذلك حاصر السلطان أبا يزيد القسطنطينية للمرة الرابعة سنة 1401هـ/ 1399م، وجاء هجوم تيمور لنك على الأناضول، فرفع السلطان الحصار عن القسطنطينية.
7
معركة أنقرة
أغار الخبيث تيمورلنك على السلطنة العثمانية بالتعاون مع البيزنطيين في طرابزون والقسطنطينية، وأمراء الطوائف الباطنية في الأناضول، فتصدى له السلطان أبا يزيد الأول قريباً من مدينة أنقرة سنة 804 هـ/ في 28 تموز سنة 1402م، وفي الميدان تخاذلت جيوش آيدين ومنتشا وصاروخان، وانضم أمراء التركمان الخونة إلى الجيش المعادي بقيادة تيمورلنك، وهرب جنود الصرب، ولم يبق مع السلطان إلا الانكشارية وعددهم عشرة آلاف وبعض عساكر الرومللي. وأسفرت المعركة غير المتكافئة عن مصرع أربعين ألفاً من جنود تيمور لنك، وعن هزيمة العثمانيين، ووقع السلطان أبا يزيد مع ابنه موسى جلبي أسيراً في يد تيمورلنك بمنطقة جطل تبة، فوضعه في قفص مدة سبعة أشهر و12 يوماً حتى مات أسيراً في مدينة آق شهر قرب قونية في الثالث من آذار سنة 805 هـ/ 1403م ، ويقال: أن الخبيث المرتد تيمور لنك دسّ له السمّ، ونقلت جنازته إلى بروسة، ودفن بالجامع الذي شيده فيها.
وكانت مساحة السلطنة العثمانية قد بلغت في عهده تسع مائة واثنين وأربعين ألف كيلو متر مربع، يوجد منها أربع مائة وواحد وأربعون ألف كيلو متر مربع في القارة الأوروبية، ونحو نصف مليون كيلو متر مربع في آسيا.
8
مرحلة الفترة، وتمزق السلطنة
ترك السلطان أبا يزيد تسعة أولاد هم حسب تسلسل أعمارهم: سليمان الأول (1375 - 1410م) وولاية عهده من سنة 1489م حتى 1402م، ومدة سلطنته سبع سنوات، وعيسى جلبي في بورصة وتوقات وسيواس (1378 - 1405) ومصطفى جلبي (1380 - 1422م) ومحمد الأول في أماسيا (1382 - 1421م) وموسى جلبي (1388 - 1413م) وشهزاده قاسم (1397 - 1417م) وشهزاده حسن وفاته سنة 1403م، وقد حرض تيمور لنك أبناء السلطان أبا يزيد على الاختلاف، وأعاد الاعتبار إلى أمراء الطوائف، ولاسيما أتباع نحلته الفاسدة، ولذلك تمزقت السلطنة العثمانية، وصارت إمارات، فاستمرت إمارة سليمان الأول في أدرنة في البلقان من سنة 1402 حتى سنة 1410م، وإمارة موسى جلبي في البلقان من سنة 1410 حتى سنة 1413م، ودامت مرحلة التمزق العثماني مدة عشر سنوات وأحد عشر شهرا وثمانية أيام، ثم اعترف الخاقان شاه رخ بن تيمورلنك بسلطنة محمد جلبي بن أبا يزيد في آماسيا، وبذلك انتهى عهد الفترة الخالية من سلطان موحد للسلطنة العثمانية.
9
السلطان محمد الأول
بعد أن ترك تيمورلنك بلاد الأناضول استمرت الحروب بين مَن بقي من أولاد السلطان أبا يزيد، وقتل الأخوة إخوانهم إلى أن خلصت جميع آسيا الصغرى للأمير محمد جلبي بلا منازع، ثم ضم البلقان سنة 826 هـ/ 1423م، وبذلك انفرد الأمير محمد بالسلطنة العثمانية بلا منازع، وأتته رسل ملوك أوروبا والروم مقدّمين له التهاني بالنيابة عن ملوكهم، فرحب بهم وأكرمهم ثم شرع في إصلاح الأمور، وكان الخلل تطرق إلى جميع الإدارات، ولذلك عقد الصلح مع الدول الأوروبية المجاورة له، وقوّى معهم روابط المحبة والمصافاة، وتكللت مساعيه بالنجاح، وهو أوّل من شرع في ترتيب العساكر البحرية وبناء السفن في أزميد وغاليبولي وبعض السواحل، ونقل كرسي السلطنة من مدينة بورصة إلى مدينة أدرنة، وأعاد للسلطنة هيبتها بعد أن تداعت إلى السقوط.
10
فتوحات محمد جلبي الأول
خرج حاكم الأفلاق عن دائرة الطاعة العثمانية سنة 819هـ/ 1416م، فتقدم السلطان محمد بجيشه وعبر نهر الطونة (الدانوب) فأخضع ملك الأفلاق، ثم تقدم الجيش العثماني إلى داخل بلاد المجر لتعرض سيغموند لأمور بلاد الأفلاق، وفتح قلعة سورين، وعقد السلطان محمد معاهدة صلح مع ملك المجر، ثم عاد السلطان إلى أدرنة منصوراً، وقضى على الاضطرابات الداخلية وعلى رأسها فتنة القاضي بدر الدين الذي ابتدع بدعة الاشتراكية في الأموال وسائر المقتنيات بلا فرق بين مسلم وغيره لاعتباره الكل سواء، فتبعه خلق كثير من أرباب البطالة والكسل من جميع الملل والنحل حتى خيف على البلاد منه، فأرسل عليه السلطان محمد الجيوش وبعد أن دارت رحى الحرب زمناً بين الطرفين تمكن الوزير أبا يزيد باشا من قهر جيش بدر الدين بضواحي أزمير، ثم إن السلطان تعقب بدر الدين إلى أن تمكن من القبض عليه ببلاد مقدونية، وأمر به فقتل سنة 820هـ/ 1417م، بفتوى من قاضي العسكر.
كانت مساحة الأراضي الخاضعة لسلطنة محمد جلبي الأول سنة 1413م ست مائة وأربع وتسعون ألف كيلومتر مربع، منها ثلاث مائة وثمان وستون ألف كيلو متر مربع في آسيا، وثلاث مائة وست وسبعون ألف كيلو متر مربع في البلقان، وبلغت مساحة السلطنة: ثمان مائة وسبعون ألف كيلو متر مربع، عند وفاة السلطان غياث الدين غازي جلبي السلطان محمد خان الأول سنة 824 هـ/ في الرابع من أيار/ مايو سنة 1421م، في مدينة أدرنة، بعدما دامت سلطنته منفردا مدة سبع سنوات وتسعة أشهر، وستة وعشرون يوما، وأوصى بالملك من بعده لابنه مراد الثاني، واعتبر المؤرخون السلطان محمد جلبي الأول هو المؤسس الثاني للسلطنة العثمانية.
وقد اشتهر محمد جلبي بمحبته للعلوم والفنون، وهو أوّل سلطان عثماني رتب الهدية السنوية التي ترسل إلى الحرمين الشريفين باسم الصرة، وترك خمسة أولاد وهم الأمير مراد والأمير مصطفى والأمير أحمد والأمير يوسف والأمير محمود.
ملاحظة : نشرت هذه الواحة العثمانية الثانية في الصفحة 15 من ملحق التراث بِجَريدة الحياة، العدد : 15383، يوم السبت 6 ربيع الآخر سنة 1426 هـ/ 14 أيار/ مايو سنة 2005 م
الواحة العثمانية الثالثة
د. محمود السيد الدغيم
باحث أكاديمي في جامعة لندن
كلية الدراسات الشرقية والإفريقية
1
السلطان مراد الثاني بن محمد الأول
وُلد مراد الثاني في مدينة آماسيا الأناضولية سنة 1404م، وأمُّه الأميرة أمينة خاتون بنت أمير إمارة ذي القدرية، وبويع مراد الثاني بالسلطنة في العاصمة العثمانية بورصة الآسيوية سنة 824 هـ/ 1421م بعد وفاة والده بواحد وأربعين يوما، وكان في الثامنة عشرة من عمره، واستمر في الحكم حتى وفاته في الخامس من محرم سنة 855 هـ/3 شباط/ فبراير سنة 1451م، وقد تنازل عن العرش لابنه محمد الثاني أكثر من مرة، وآثر العبادة والاعتكاف، ولكن أمور الحكم لم تكن خالية من المنغصات والمؤامرات الداخلية والخارجية.
2
تمرُّد دوزجة مصطفى
اهتم السلطان مراد الثاني بإصلاح شؤون السلطنة، ولذلك أبرم صلحاً مع أمير طائفة القره مان في الأناضول، وعقد هدنة مع ملك المجر "هنغاريا" لمدة خمس سنوات، ولكن عمانويل قيصر القسطنطينية حاول أن يفرض معاهدة على السلطان مراد كي لا يحاربه مطلقاً وأن يعطيه رهينتين من إخوته، وإلا سيثير الفتن، فرفض السلطان، وأطلق القيصر فتنة مصطفى "دوزجة" المزيف ابن أبا يزيد، وعززه بقوة بحرية بيزنطية بقيادة المدعو ديمتريوس لاسكاريس، فأتت القوة، وحاصرت مدينة غاليبولي حتى سقطت، ولكن قلعتها لم تسقط، فبقيت تحت الحصار، وتوجه مصطفى إلى مدينة أدرنة، واستولى على تخت السلطنة في منطقة الرومللي البلقانية، وقتل الوزير أبا يزيد باشا، وانضم إليه المرتزقة والمارقون والزنادقة، ثم توجه إلى ملاقاة السلطان مراد الثاني، ولكنه خسر المعركة، وارتد إلى مدينة غاليبولي، فقبض عليه الجنود، وسلموه إلى السلطان مراد، فأمر بشنقه لأنه استباح دماء العسكر والوزير، وانتهك حرمة السلطنة.
3
حصار القسطنطينية
تأكد السلطان مراد الثاني أن قيصر القسطنطينية هو الذي تسبب بالمذابح، ولذلك عزم السلطان على معاقبته القيصر، فقاد الجيش العثماني شخصيا، وحاصر القسطنطينية سنة 825هـ/ 1422م، وكان ذلك هو الحصار العثماني الرابع للقسطنطينية، وأثناء الحصار تحرك أمراء الطوائف الأناضولية المخالفة في قسطموني وصاروخان ومنتشا وبلاد القرمان بتحريض بيزنطي وتيموري تتري، ولكن السلطان مراد رفع الحصار عن القسطنطينية، وهجم على أمراء الطوائف، وأعاد إخضاعهم ثانية إلى السلطنة العثمانية، وأثناء ذلك تحركت الفتن في البلقان.
4
العودة إلى الرومللي البلقانية
أمّن السلطان مراد الثاني الجبهة الداخلية في الأناضول، ثم أدّب ملك المجر المتمرد، وألزمه توقيع معاهدة تخطيط الحدود، فأصبح نهر الطونة "الدانوب" حداًّ فاصلاً بين السلطنة العثمانية و المجر، وأخضع ملك الصرب جورج برانكوفيتش للحماية العثمانية، وشيّد قلعة عثمانية في مدينة الآجه حصار (كروشيفتس) في صربيا، واستردّ مدينة سلانيك اليونانية من تحالف البنادقة والبيزنطيين السري، وفي سنة 1425 م مات قيصر القسطنطينية عمانويل، وخلفه يوحنا باليولوغوس، وحينذاك فتح السلطان مراد الثاني جميع القلاع والحصون البيزنطية على شواطئ البحر الأسود وسواحل الرومللي، ولم يبق للقيصر الجديد سوى مدينة القسطنطينية التي قبلت بدفع الجزية للسلطان، وتمكن السلطان مراد الثاني من استرداد كل الأراضي التي كانت للعثمانيين في عهد السلطان أبا يزيد الأول، وزاد عليها، وانتصر الأسطول العثماني على أسطول البندقية في خليج غاليبولي نصرا مؤزرا سنة 832 هـ/ 1429 م.
5
السلطنة بين تآمر الداخل والخارج
أعاد القره مانيون المبتدعون تمردهم بقيادة إبراهيم بك الثاني القره ماني الذي اتفق سراًّ مع الملك الصليبي المجري لادسلاس، فصدهم ولي العهد العثماني علاء الدين بن مراد، وتراجعوا إلى مدينة قونية، وقاد السلطان مراد الثاني الجيش العثماني لقمع التمرد، وأفتى إمام الشافعية في القاهرة ابن حجر العسقلاني بوجوب قتل المتمرد إبراهيم القره ماني، ووافقه على الفتوى بذلك قاضي الأحناف في القاهرة سعد الدين الديري جزاء تآمره على العثمانيين، وبذلك نال العثمانيون تأييد الخلافة العباسية والمملكة المملوكية في القاهرة.
وحينذاك تحرك الحلف الصربي المجري تضامنا مع القره مانيين، ولكن حامية الجيش العثماني الموجودة في البلقان عبرت نهر الطونة "الدانوب" ودخلت بلاد المجر حتى بلغت بلاد طمشوار وهرمانشتاد في ترانسلفانيا، واستولت على مدينة سمندرة عاصمة صربيا القديمة، وحاصرت مدينة بلغراد، وفرَّ أمير الصرب، ولجأ إلى ملك المجر لادسلاس.
وحاول البابا الكاثوليكي أوجينيوس الرابع استغلال فرصة انشغال السلطان بحرب حلفائه القره مانيين، فدعا إلى تحالف كاثوليكي بين دول أوروبا المسيحية سنة 1439 م، ولبى دعوته أمير الأردل جان هونيادي، وجمهور من الفرنسيين والجرمانيين، ولادسلاس ملك المجر وبولونيا وبوهيميا ومولدافيا "البغدان"، وتقدمت الجيوش الأوروبية تحت قيادة القائد المجري جان هونيادي، وهاجمت الحامية العثمانية فقضت عليها بجوار هرمانشتاد سنة 845هـ/ 1442 م، فأرسل السلطان نجدة بقيادة شاهين باشا ففشلت، ووقع شاهين باشا أسيراً، واستطاعت الجيوش الأوروبية استرداد مدينة بلغراد ونيش الصربية، وأخضعوا مدينة فيليبة، ووصلوا إلى الشرق من صوفيا عاصمة بلغاريا سنة 847 هـ/24/12/ 1443م، وأصبحت مدينة أدرنة مهددة.
خاف السلطان من ضياع البلقان، فشدد هجومه على القره مانيين، وانتصر عليهم وأخضعهم، وعاهدوه على الطاعة، وقاد الجيش وتوجه نحو البلقان، وأسفرت المفاوضات عن توقيع معاهدة سِغدِين "segedin" التي نصّت على دفع الجزية للعثمانيين من قِبَل الصرب والبوسنة والهرسك، وعلى استقلال بلاد الأفلاق، وتبادل إخلاء سبيل الأسرى من الجانبين، وتقرر أن تكون الهدنة لمدة عشر سنوات.
6
وقعة وارنة "فارنا"
بعدما وقَّع السلطان مراد الثاني الهدنة مع التحالف الأوروبي، توفي ولي عهده الأمير علاء الدين في مدينة آماسيا الأناضولية في شهر ذي القعدة سنة 846 هـ/ آذار سنة 1443م، فدفن في بورصة، وحزن السلطان، وتنازل عن كرسي السلطنة لولده محمد الثاني الملقب بالفاتح، وكان عمره إحدى عشرة سنة، وشكل له ديوان حُكم ضم بعض أهل الحلِّ والعقد من خواصِّ الخاصّة، واعتكف السلطان مراد الثاني في مدينة مغنيسيا التركية، وتفرغ للعلم والعبادة.
علم الكردينال "cesarini" سيزاريني "جساريني" والبابا يوجين الرابع أن السلطان مراد قد اعتكف، وتنازل عن الحكم لولده، فظنّا أن الجو قد خلا لهما، فأمرا بنقض الهدنة، وقاد خامس حملات جيوش التحالف الأوروبية ملك المجر لادسلاس، وأغار على حدود السلطنة العثمانية، وسيطرت البحرية الأوروبية على مضيق الدردنيل "غاليبولي".
وزحفت جيوش التحالف الأوروبي المكونة من ثمانين ألف مقاتل من بولونيا وألمانيا وفرنسا والبندقية وبيزنطة والبابوية وبروغنديا والمجر بقيادة الملك لادسلاس وجان هونيادي، ونهبت الجيوش الكاثوليكية ممتلكات الأرثوكس وكنائسهم في طريقها، وعقدت العزم على احتلال القسطنطينية بعد النصر على العثمانيين، وتوجهت نحو مدينة وارنة "فارنا" على ساحل البحر الأسود في شرقي بلغاريا.
استنجد السلطان الفاتح بوالده، فقاد السلطان مراد الجيوش الآسيوية، وعبر مضيق البوسفور "بوغاز القسطنطينية" وكان بصحبته الصدر الأعظم خليل باشا الجاندرلي المخزومي، والقائد شهاب الدين باشا، ووصل أدرنة خلال يومين من المسير السريع، فاختار من الجيش أربعين ألفاً، وقصد قوات التحالف الكاثوليكي، وحصلت المعركة التصادمية أمام مدينة وارنة "فارنا" على سواحل البحر الأسود في 28 رجب سنة 848 هـ/ 10/ 11/ 1444م، وتبارز الملك الكاثوليكي لادسلاس، والسلطان مراد الثاني، وأسفرت المبارزة عن مصرع الملك لادسلاس، ومصرع الكردينال سيزاريني "جساريني" وكيل البابا يوجين الرابع ولما قُتِلا ولّت الجيوش الأوروبية الأدبار، وقاد فلولهم الهاربة جان هونيادي، وأسرت القوات العثمانية أكثر من خمسين ألف أوروبي، وغنمت غنائم كثيرة، وعادت إلى أدرنة غانمة ظافرة، وهكذا كان انتصار السلطان مراد الثاني في فارنة شبيه بانتصار جده يلدريم أبا يزيد الأول في معركة نيغوبولي قبل ذلك بمدة ثمان وأربعين سنة، وجاءت التهاني من الأقطار الإسلامية، وأمر سلطان المماليك جقمق بتلاوة اسم السلطان مراد الثاني بعد اسم الخليفة العباسي، والدعاء بالرحمة للشهداء في جوامع ومساجد القاهرة وتوابعها المملوكية.
7
عودة السلطان مراد الثاني
طلب السلطان الفاتح وقادة الجيوش العثمانية من السلطان مراد أن يكف عن اعتكافه، فجاملهم واعتلى العرش ثانية في كانون الثاني سنة 1445م، وبعد أحد عشر شهرا قرر الاعتكاف ثانية في 12/ 12/ 1445م، وأعاد العرش إلى السلطان محمد الثاني، وعاد إلى مسجده في مغنيسيا، ولكن أهل الحل والعقد أجمعوا على ضرورة عودته إلى العرش خشية التحالفات المضمرة بين أمراء الطوائف في الأناضول مع التيموريين في آسيا والبابوية ودول البلقان، ولذلك عاد السلطان من اعتكافه وجلس على عرش السلطنة ثالث مرة في 5/ 5/ 1446م، وبدأ إخضاع الإمارات البلقانية المتمردة في المورة، وبلاد الأرناؤوط ولا سيما بعدما ارتدوا عن الإسلام، واعتنق اسكندر بك الكاثوليكية وساندته البابوية والأوربيون، فزحف عليه السلطان مراد ومعه ولي العهد محمد الفاتح في ربيع سنة 1447م، وحينذاك مات ملك التتار شاه رخ بن تيمور لنك في 12/ 3/ 1447م، وتقاسم الوارثون سلطته، فأصبحت السلطنة العثمانية أقوى دول العالم.
8
واقعة قوصوة الثانية
بينما كان السلطان مراد يحارب المرتد إسكندر بك الأرناؤوطي تحرّك حلفاؤه الأوربيون، وأمر البابا بتجهيز الحملة الأوروبية السادسة ضد العثمانيين بقيادة جان هونيادي الذي قاد الحملة المكونة من مائة ألف مقاتل، وتوجه نحو مدينة صوفيا البلغارية، واصطدمت بالحاميات العثمانية، فتراجع السلطان عن حرب الأرناؤوط المرتدين وومن معهم من البكتاشيين، وقصد جيوش الحملة الأوروبية، وحصلت المعركة التصادمية بين المسلمين والكاثوليك في سهل قوْصَوة "كوسوفو" واستمرت المعركة ثلاثة أيام في شوال سنة 852 هـ/ 17 و18 و19 تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1448م، وحقق السلطان مراد الثاني انتصاراً يشبه انتصار مراد الأول الذي حصل في كوسوفو قبل ذلك بستين سنة، وفي الليلة الأخيرة من المعركة فرَّ القائد الأوروبي جان هونيادي من ميدان القتال تحت جنح الظلام، وفرَّ معه من نجا من القتل والأسر، ثم عاد السلطان إلى أدرنة، وبنى فيها جامع المرادية، واهتم بالعمران والعبادات.
9
أواخر سنوات السلطان مراد الثاني
قضى السلطان مراد الثاني على خطر التحالف الأوروبي المتآمر مع بقايا تتار المشرق والفُرس وأمراء الطوائف، وبعد ذلك توجه السلطان مراد وولده محمد الفاتح إلى حرب الأرناؤوط في صيف سنة 1449م، ولكنهم لم يعثروا على المرتد إسكندر بك حيث اختفى عن الأنظار، فعاد السلطان إلى أدرنة، وتزوّج محمد الثاني البالغ سنّ السابعة عشرة من الأميرة مكرمة خاتون بنت أمير بلاد ذي القدرية، وأقيمت الأفراح في أدرنة في ذي القعدة سنة 853 هـ/ الموافق لـ 15/ 12/ 1449م، ثم تولى محمد الثاني إمارة صاروخان، وأقام في مدينة مغنيسيا في الأناضول، وتوفي الخليفة العباسي المستكفي بالله في القاهرة سنة 854 هـ/ 1450م، وبويع أخوه القائم بأمر الله، فأرسل إليهم السلطان مراد معزيا بالخليفة الراحل، ومهنئا بالخليفة الجديد.
10
وفاة السلطان مراد الثاني
توفيت السلطانة هِمَّة خاتون والدة السلطان محمد الثاني "الفاتح" سنة في أيلول/ سبتمبر سنة 1449م، ودفنت في مدينة بورصة، ثم مرض السلطان مراد الثاني مدة قصيرة في مدينة أدرنة، فأوصى أن يدفن في قبر عادي مكشوف دون قبة يدل على تواضعه وتقواه، وأوصى أن يُخصَّص مكان لتلاوة القرآن بجانب قبره، ثم رحل إلى الدار الآخرة في الخامس من محرّم سنة 855 هـ/ 3 شباط/ فبراير سنة 1451م، وقد بلغ سنّ التاسعة والأربعين إلا أربعة أشهر بعدما تسلطن مدة 29 سنة وعشرة أشهر و26 يوماً، ونقلت جنازته إلى مثواه الأخير في مدينة بورصة، ودفن حسب وصيته في يوم الجمعة، وتمت البيعة لولده محمد الثاني الفاتح.
كان السلطان مراد الثاني رحمه الله شاعراً وموسيقياًّ ومجاهداً جليلاً صالحاً يعتني بالعلم والعلماء والصالحين، كريماً واسع العطايا، وقد خصص لصُرّة الحرمين الشريفين في كل عام مبلغ 3500 دينار، وقد اهتم بالعمران فشيد المساجد والجوامع والمدارس والتكايا والزوايا ودور الضيافة والخانات والجسور، وتمهيد الطرقات، ومن أشهر شيوخه ابن عرب شاه (1389 ـ 1450) م.
قال المؤرخ الألماني فون هامر "Van Hammer" : "حكم السلطان مراد الثاني في سلطنته بعدالة وشرف مدة ثلاثين سنة، وكان عادلا سليم النية مع رعيته دون تفريق بين الأديان، وكان وفياً بوعده في الحرب، وعهده في السلم، وكان يفضل الصلح، ولكنه لايتردد في الحرب إذا دعت الضرورة لذلك، وكان انتقامه شديداً من الذين يخونون عهودهم، ولم يفقد دهاءه حتى نهاية أيام حُكمه" وقال المؤرخ الفرنسي غرينارد "Grenard" : "إن كان مراد الأول معمار السلطنة العثمانية الأول، فإن مراد الثاني هو بانيها الثاني".
ملاحظة : نشرت هذه المادة في الواحة بملحق التراث في جريدة الحياة، الصفحة: 19، يوم السبت 13 ربيع الأول 1426 هـ/ 21 / 5/ 2005م
الواحة العثمانية الرابعة
بداية عهد السلطان محمد الثاني الفاتح
د. محمود السيد الدغيم
باحث أكاديمي في جامعة لندن
كلية الدراسات الشرقية والإفريقية
1
وفاة السلطان مراد الثاني
توفيت السلطانة هِمَّة خاتون والدة السلطان محمد الثاني "الفاتح" سنة في أيلول/ سبتمبر سنة 1449م، ودفنت في مدينة بورصة، ثم مرض السلطان مراد الثاني مدة قصيرة في مدينة أدرنة، ثم رحل إلى الدار الآخرة في الخامس من محرّم سنة 855 هـ/ 3 شباط/ فبراير سنة 1451م، وقد بلغ سنّ التاسعة والأربعين إلا أربعة أشهر بعدما تسلطن مدة 29 سنة وعشرة أشهر و26 يوماً، ودفن حسب وصيته في يوم الجمعة، وتمت البيعة لولده محمد الثاني.
2
ميلاد محمد الثاني وطفولته
وُلد محمد الثاني بن السلطان مراد الثاني في القصر السلطاني في العاصمة العثمانية أدرنة صبيحة اليوم الثلاثين من شهر آذار/ مارس سنة 1432 م، وكانت قابِلَتُه "إبه خاتون" ومربيته وأمه من الرضاعة أم كلثوم خاتون، وقد حظي برعاية والده السلطان، وأمّه السلطانة همّة خاتون، وأخيه الأكبر علاء الدين الذي كان في سن السابعة عند ولادة محمد الفاتح.
وبعدما تجاوز الفاتح سِنَّ الطفولة الأولى خصص له والده بعض المدرسين، ولكنهم فشلوا في تعليمه لأنه كان مشاكسا يرفض الانصياع لأوامرهم، ونظراً لذلك فقد أوكل السلطان مراد الثاني مهمة تربية ولده وتعليمه إلى العلامة المولى أحمد بن إسماعيل الكوراني، وأعطاه قَضِيبَاً ليضرب به محمداً إذا شاغب، ودخل الكوراني غرفة التدريس والقضيب بيده، وقال للأمير محمد الثاني: "أرسلني والدك للتعليم والضرب إذا خالفت أمري, فضحك الأمير محمد مِنْ ذلك الكلام، فضربه الشيخ الكوراني في ذلك المجلس ضرباً شديداً حتى خاف منه الأمير محمد، وختم القرآن في مدة يسيرة، ولم يبلغ الثامنة، ثم عَلَّمه العلوم الإسلامية المعتمدة عند جمهور العلماء المدرسين، وقرأ الفاتح على المولى الكوراني كتب التاريخ، وظهر نبوغه، وتفوقه على سائر الأمراء، وأتقن منذ طفولته اللغة التركية والفارسية والعربية قراءةً وكتابةً ومحادثةً وترجمة، وفي أيام شبابه تعلم اللغة اليونانية، واللغة الصربية، واللغة الإيطالية، واللغة اللاتينية.
واهتم الفاتح بمناظرات العلماء، وعُرفت عنه مباحثة البعثات الديبلوماسية الأجنبية دون الاستعانة بالمترجمين. وقد كلف السلطان مراد بتعلم ابنه محمد معلماً ثانياً هو الشيخ الروحيّ الشريف محمد بن حمزة الدمشقي، الملقب "أق شمس الدين" فاشترك مع الكوراني في تربية وتعليم وتهذيب الأمير محمد، وغرسا في نفسه منذ صغره بأنَّه الأمير المجاهد المقصود بالحديث النبوي الوارد في مسند الإمام أحمد بن حنبل "لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش" وأتقن الفاتح العلوم النقلية من علوم القرآن الكريم، وعلوم الحديث النبوي، والفقه وأصوله، وأصول الدين، ونبغ في التاريخ والجغرافيا والمنطق، والعلوم العقلية من رياضيات وفلك، وفنون السياسة الشرعية.
3
التعلم العالي
لم يقتصر الفاتح على تعلُّم العلوم الرائجة في زمانه بل تابع التحصيل في شبابه حينما كان أميرا، وتابع الدراسة عندما أصبح سلطانا، وبعد فتح القسطنطينية أنشأ جامع الفاتح، وأنشأ إلى جانبه كلية الفاتح، فكانت من أرقى جامعات زمانه، وجمعت بين العلوم النقلية والعقلية، ولم يعين الأساتذة اعتباطاً بل كان يجري المناظرات بين الأستاذ الجديد والعلماء، فإذا أفلح في المناظرة يتمّ تعينه، وكان السلطان يدرس الكتب مع مؤلفيها, ومن ذلك أنه درس كتاب المواقف في علم الكلام على مؤلفه الإيجي.
وتتلمذ على الكثير من العلماء المسلمين وغير المسلمين، فدرس على محمود بك قصاب زادة، وأخذ علم الرماية عن إبراهيم باشا النيشانجي، وأخذ العلوم العسكرية عن شهاب الدين شاهين باشا، ودرس على الصدر الأعظم سنان باشا، والملا سراج الدين محمد النيشانجي الذي توفي سنة 1482م.
ودرس على حسن جلبي الذي توفي سنة 1486م، والملا إياس، وعبد القادر أفندي قينالي، وجلبي زادة الإسبارطلي، ومحمد أفندي بن محيي الدين، وشيخ الإسلام منلا خسرو، والملا خير الدين الذي توفي سنة 1475 م، ومصطفى صالح أفندي بن الخواجة مصلح الدين الذي توفي سنة 1488 م، والملا زيرك، وابن التمجيد الذي توفي سنة 1451م، والملا الفقيه إلياس الأماسيالي، ودرس علوم القرآن الكريم على محمد ده ده الشيرواني.
ودرس الأدب على شاعر عصره حميد الدين بن الملا أفضل، وداهية العصر وشاعره الوزير أحد باشا البورصلي الذي توفي سنة 1497م، وأخذ الموسيقا والتاريخ عن شكر الله جلبي، كما أخذ الموسيقا عن ولي الدين أفندي الذي توفي سنة 1453م.
وأخذ اللغة اليونانية الكلاسيكية عن يورغيوس أميروتزس "yorgios Amirutzes" البيزنطي الطرابزني الذي مات سنة 1475م، وأخذ اللغة الإيطالية، واللغة اللاتينية والتاريخ القديم والجغرافيا وعلم الآثار عن سيرياكو أنكونيتاتو "Ciriaco Anconitato" الذي مات سنة 1455م، وأخذ التاريخ الإيطالي والأوروبي عن جيوفاني ماريو أنجيليللو "Giovani Mario Angielello" الذي مات سنة 1525م.
4
المشاريع المعادية للمسلمين
تعلم السلطان محمد الفاتح أساليب الحرب، ودرس كتب الحيل الميكانيكية، فاخترع منجنيقاً ضخماً، واخترع أربعة أبراج متحركة، واخترع أول مدفع هاون في التاريخ، وأشرف على صناعة المدافع العملاقة التي خرقت أسوار القسطنطينية، وغيرها من القلاع التي صمدت في العهود التي سبقت زمانه.
واهتم السلطان محمد الفاتح بدراسة التاريخ العسكري، وفنون السياسة، والمؤامرات المحلية والدولية، فقرأ نصوص المشاريع الأوروبية لتدمير السلطنة العثمانية، وما سبقها من ممالك المسلمين، وتوفرت له كتب الحروب الصليبية فدرسها
ودرس نصوص أربعة عشر مشروعاً من المشاريع التي أُعدَّت لتدمير الدول الإسلامية
وأول تلك المشاريع مشروع ملك صقلية كارلوس الثاني الذي قدمه إلى البابا نيقولا الرابع في 23 آب/ أغسطس سنة 1291م
والمشروع الثاني قُدم إلى البابا المذكور من الراهب فيدانس دوبار
والمشروع الثالث قدَّمه كارلوس دوفالو إلى البابا بونيغاس الثمن سنة 1301م
والمشروع الرابع الذي قدّمه بيير دبوا إلى البابا اكليمانضوس الخامس سنة 1300م
ومشروع ريمون دلول سنة 1306م
والمشروع السادس الذي قدمه مارينو سانوتو إلى البابا يوحنا الثاني والعشرين سنة 1321م
والمشروع السابع الذي قدمه هايتون، أو هيتوم الأرمني إلى البابا أكليمانضوس الخامس سنة 1307م
والمشروع الثامن الذي قدمه غليون دونو غاري إلى ملك فرنسا فيليب لوبيل سنة 1310م
والمشروع التاسع الذي قدمه الراهب الدومنيكي غليوم دادام سنة 1311م
والمشروع العاشر الذي قدمه ملك قبرص هنري دي لوزنيان إلى مجمع فيان المسكوني سنة 1311م
والمشروع الحادي عشر الذي قدمه الراهب الدومنيكي الألماني بروكارد إلى البابا يوحنا الثني والعشرين وملك فرنسا فيليب السادس سنة 1332م
والمشروع الثاني عشر الذي قدمه برتراندون دي لابروكيار سنة 1232م
والمشروع الثالث عشر الذي قدمه فيليب لوبون دوق بورغونيا سنة 1442م
والمشروع الرابع عشر الذي قدمه ملك فرنسا شارلس الثامن سنة 1459م
وبدراسة الفاتح لتلك المشاريع التآمرية لزم جانب الحذر في تعامله مع الدول الأوروبية طوال حياته، فعجزوا عنه في ميادين الجهاد، ولكنهم قتلوه غدرا بالسم.
5
ولي العهد
توفي ولي عهد السلطان مراد الثاني الشاه زادة علاء الدين في شهر ذي القعدة سنة 846 هـ/ آذار سنة 1443م، فدفن في بورصة، وشغل منصب ولي العهد أخوه الصغير الأمير محمد الثاني الذي كان في سنِّ الحادية عشرة، وتنازل السلطان مراد الثاني عن السلطنة لولده محمد الثاني الملقب بالفاتح، وتفرغ السلطان مراد للعبادة في جامعه بمدينة مغنيسيا التركية، ثم أعيدت السلطنة إلى السلطان مراد الثاني ثانية في كانون الثاني سنة 1445م، بعد معركة مدينة وارنة "فارنا" ولكنه قرر الاعتكاف ثانية في 12/ 12/ 1445م، وأعاد العرش إلى السلطان محمد الثاني، وعاد إلى مسجده في مغنيسيا، ثم تسلطن ثالث مرة في 5/ 5/ 1446م، وتولى محمد الفاتح إمارة "صاروخان" مانيسا، وأصبح الحاكم الفعلي، والقائد العسكري للقسم الآسيوي من السلطنة.
6
سلطنة الفاتح الفعلية
رحل السلطان مراد الثاني إلى الدار الآخرة في الخامس من محرّم سنة 855 هـ/ 3 شباط/ فبراير سنة 1451م، وكان آخر لقاء له مع ولده محمد في أدرنة في 15/12/ 1449م، وفور الوفاة عاد الفاتح من مدينة مانيسا مركز إمارة "صاروخان" وبويع بالسلطنة، وعمره 19 سنة، فكان تسلسله السلطان السابع من سلاطين آل عثمان، وبعد ذلك تحرك ضده كثير من أمراء الطوائف في بلاد الأناضول، وفي مقدمتهم أمراء إمارة قره مان المتآمرة مع البيزنطيين والأوروبيين، ولكن السلطان الفاتح قاد حملته الهمايونية الأولى في صيف سنة 1451م، وفتح بعض المناطق التي كانت خاضعة للقره مانيين في الأناضول، وبقيت خارجة عن طاعة السلطنة العثمانية بعض بلاد ابن قره مان ومدينة سينوب ودويلة طرابزون. واستمر الفاتح بقيادة الحملات الهمايونية.
7
بداية غزوات الفاتح
قاد السلطان محمد الفاتح شخصياً خمس وعشرين غزوة في سبيل الله، وعرفت تلك الغزوات عند المؤرخين الأتراك بالحملات الهمايونية، وتوفي مسموماً أثناء استعداده للحملة السادسة والعشرين، وقد اكتشف الفاتح بعبقريته العسكرية أهمية المضائق البحرية في الحروب، واستغل مضيق البوسفور الواصل بين البحر الأسود شمالاً، وبحر مرمرة جنوباً، ومضيق الدردنيل الواصل بين بحر مرمرة شمالاً، وبحر إيجة جنوباً، ومن أجل السيطرة على مضيق البوسفور بنى السلطان الفاتح ـ في النصف الأول من سنة 1452م ـ قلعة رومللي حصار إلى الغرب من المضيق بمواجهة قلعة آناضول حصار التي بناها السلطان أبا يزيد الأول إلى الشرق من المضيق، و تفصل بين موقعي القلعتين مسافة 660 متراً، وبذلك تمكنت المدفعية العثمانية من السيطرة التامة على المضيق، ووضعت البحرية العابرة في المضيق تحت السيطرة العثمانية، فاعتُبر السلطان الفاتح مؤسس نظام قتال المضائق البحرية بامتياز.
8
فتح القسطنطينية
رتب السلطان الفاتح القوات العسكرية العثمانية في قلعتي أناضول حصار، ورومللي حصار، وشحنهما بالمدفعية والذخائر، وعاد إلى العاصمة أدرنة القريبة من الحدود البلغارية الحالية، وعلم أن المؤامرات مازالت تحاك بين أمراء الطوائف المارقة في الأناضول، وبيزنطة وأوروبا، فباشر بتجهيز مشروع صناعة مدافع الهاون، والمدفعية العملاقة في مدينة أدرنة في شتاء سنة 1952 ـ 1953م، وشعر البيزنطيون بالخطر، فطلبوا النجدة الكاثوليكية، ولكن الكاثوليك طلبوا السماح لهم بإقامة الشعائر الكاثوليكية في كنيسة آياصوفيا الأرثوذكسية، فرضخ البيزنطيون، وأقيمت الشعائر بإشراف الكاردينال إيزدور مبعوث البابا في 12 كانون الثاني/ يناير سنة 1452م، وانتشر الإحباط بين البيزنطيين.
ثم قاد السلطان محمد الفاتح الحملة الهمايونية من مدينة أدرنة واتجه شرقاً في 23 آذار/ مارس سنة 1453م، وفتح القسطنطينية في يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى سنة 857 هـ/ 29 أيار/ مايو سنة 1453م، وأعلن أن إسلامبول أصبحت مقر العاصمة العثمانية، وأمر بإعمارها، ثم عاد إلى مدينة أدرنة في 21 حزيران/ يونيو 1453م، وبذلك أنهى مرحلة العصور الوسطى المظلمة، وابتدأ عصر النهضة.
وأصبحت السلطنة العثمانية أكبر وأهم دولة في العالم بعد فتح القسطنطينية، وأصبح الفاتح أهم رجل في العالم الذي عاصره، وكان يقدر عدد سكان العالم حينذاك بأربع مائة مليون نسمة، كان منها نحو 275 مليون نسمة في قارة آسيا، و70 مليونا في أوروبا، و40 مليونا في إفريقيا، و15 مليونا في أميركا.
نشرت هذه الواحة في جريدة الحياة يوم السبت 20 ربيع الأول 1426 م/ 28 أيار/ مايو 2005 م، العدد 15397 ، الصفحة : 19 . وهذه الواحة عن أواخر عهد السلطان مراد الثاني، وبداية عهد ولده السلطان محمد الثاني الفاتح
الواحة العثمانية الخامسة
د. محمود السيد الدغيم
باحث أكاديمي في جامعة لندن
كلية الدراسات الشرقية والإفريقية
ملاحظة : نشرت هذه الواحة في الصفحة 19 من ملحق التراث في جريدة الحياة بلندن، يوم السبت 27 ربيع الأول سنة 1426 هـ/ 4 حزيران 2005م
1
السلطان محمد الثاني الفاتح
وُلد محمد الثاني في العاصمة العثمانية أدرنة سنة 1432 م، وشغل منصب ولي العهد سنة 846 هـ/ آذار سنة 1443م، وآلت إليه السلطنة الفاتح الفعلية
بعد وفاة والده السلطان مراد الثاني سنة 855 هـ/ 3 شباط/ فبراير سنة 1451م، وقاد غزوات الفتح الهمايونية في سبيل الله تعالى، فكانت الغزوة الهمايونية الأولى ضد القره مانيين في الأناضول في صيف سنة 1451م، وفتح بعض المناطق التي كانت ، وفي الغزوة الثانية فتح القسطنطينية في يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى سنة 857 هـ/ 29 أيار/ مايو سنة 1453م، وأعلن إسلام بول عاصمة للسلطنة العثمانية، واستمر السلطان الفاتح بقيادة الغزوات الهمايونية.
2
حملات الفاتح الهمايونية
قرر الفاتح تأمين حدود بلاده الغربية، فقاد الغزوة الهمايونية الثالثة المعروفة بحملة مرفأ إنز الجنوي عند مصب نهر مريج في كانون الثاني/ يناير سنة 1453م، ثم قاد الغزوة الهمايونية الرابعة ضد صربيا سنة 1454م، ثم قاد الغزوة الخامسة ضد صربيا أيضا سنة 1455م، وأخضع إمارة مولدافيا "البغدان" ثم قاد الغزوة السادسة ضد صربيا سنة 1456م، فتمكن من اجتياحها ومعه 150 ألف مجاهد، و300 مدفع، و200 قطعة بحرية ـ نهرية.
ثم قاد الغزوة السابعة المعروفة بحملة المورة سنة 1458م، ففتح أثينا، وفتح 292 قلعة من قلاع القرون الوسطى اليونانية ـ البيزنطية، وبقيت بأيدي البيزنطيين ثمان قلاع، ثم قاد الغزوة الثامنة ضد صربيا، وأخضعها نهائيا في 8/11/ 1459م، ثم قاد الغزوة التاسعة سنة 1460م، فأخضع ما تبقى من بلاد المورة اليونانية، وبذلك أصبح البلقان الكبير خاضعا للسلطنة العالمية العثمانية.
3
التوسع العثماني في آسيا
بعد فتوحات البلقان الكبير، توجهت حملات الفاتح نحو جنوب البحر الأسود، ففي الغزوة العاشرة فتح ميناء وقلعة أماسرة في بداية سنة 1461م، وفي الغزوة الحادية عشرة ضم إمارة جندرلي أسفنديار في ربيع سنة 1461م.
ثم قاد الغزوة الثانية عشرة وفتح إمارة طرابزون البيزنطية في صيف سنة 1461م، واستسلم الإمبراطور دافيد كومين مُنهيًّا بذلك إمبراطوريتهم التي استمرت 257 سنة، وفتح العثمانيون لأول مرة في تاريخ الإسلام مدن وقلاع طرابزون وريزة وآرتوين، وسيطروا على الساحل الجنوبي للبحر الأسود بشكل كامل.
4
فتوحات البلقان
قاد الفاتح الغزوة الثالثة عشرة ففتح رومانيا "الأفلاق" سنة 1462م، وفي نفس السنة قاد الغزوة الرابعة عشرة، وفتح البوسنة بشكل تام، ثم قاد الغزوة الخامسة عشرة في البحر ضد اللاتين، وهي أول حملة بحرية يقودها سلطان عثماني شخصياً، وشيد قلعتين متقابلتين على طرفي مضيق الدردنيل "جنق قلعة".
وفي سنة 1463م قاد الغزوة السادسة عشرة، وقصد البوسنة ثانية، ولكنه وصل إلى صوفيا عاصمة بلغاريا ثم عاد إلى أدرنة، وضاعف التجهيزات، وقاد الغزوة السابعة عشرة، وتوجه إلى البوسنة سنة 1464م، ففتحها واعتنق أهلها الاسلام، ثم فتح ما جاورها من كرواتيا، وحاول ملك المجر استرداد البوسنة في ثلاث محاولات فاشلة سنة 1465، وسنة 1471م، وسنة 1479م.
وقاد الفاتح الغزوة الثامنة عشرة سنة 1466م، فألغى إمارة قره مان في قونيا، وولى عليها ابنه الأمير مصطفى، ثم قاد الغزوة التاسعة عشرة ضد المرتد إسكندر بك الأرناؤوطي سنة 1466م، وهرب إسكندر بك نحو الجبال، وبنى الفاتح قلعة الباسان، ثم قاد الغزوة العشرين ضد الأرناؤوط سنة 1467م، وبعد ذلك مات إسكندر بك سنة 1468م، وانتهى عصيان الأرناؤوط.
5
الفاتح في مواجهة الحلفاء
ترأس البابا بيوس الثاني اجتماع التحالف الذي عقد في مدينة ريجنس بورغ في نيسان/ إبريل سنة 1454م، وعاهدته على حرب العثمانيين ثلاثون دولة في أوروبا وآسيا، ففي آسيا تحالفت دولة "كرجستان" جورجيا، ودولة الخرفان البيض "آق قويونلو" التركمانية المخالفة للعثمانيين، والمسيطرة على إيران بزعامة حسن الطويل "أوزون حسن" ولكن الفاتح لم يهتز لذلك التحالف بل صمم على المواجهة، وعدم الخضوع للابتزاز، كان السلاجقة والعثمانيون قد قدموا أربعة ملايين شهيد حتى ذلك اليوم، للمحافظة على بيضة الإسلام.
وبدأت الحرب الكبرى في 3 نيسان/ إبريل سنة 1463م، فهجم الفرنجة من الغرب مع بقية الأوربيين والبابوية، فتصدى للهجوم الأوروبي الصدر الأعظم محمود باشا، ومات البابا في طريقه إلى الحرب سنة 1464م، وخاض السلطان معارك عديدة ضد البندقية، فأعدّت البندقية 14 مؤامرة لاغتيال السلطان حتى تموز سنة 1479م، ولم تنجح.
وقاد الفتح الغزوة الحادية والعشرين في صيف سنة 1470م، واجتاح قلاع ومواقع البندقية في بحر إيجة، وفتح جزيرة آغريبوز في بحر إيجة، وحرر الصدر الأعظم كديك أحمد باشا سواحل البحر الأبيض المتوسط.
6
التحالف الإيراني الأوروبي
برزت دولة غَنَّامَةِ الْخِرْفان البيض التركمانية المعروفة باللغة التركية: آغ قويونلو، أو آق قويونلو، أي: الخرفان البيض، وكان أول حكامهم قره إيلك عثمان (1389-1435 م) الذي تحالف ضد الخرفان السود والعثمانيين مع الخبيث تيمورلنك، فعيَّنَه حاكماً على ديار بكر وما حولها بعدما انتصر على العثمانيين سنة 1402 م، ثم بدأت حروب الخرفان البيض بالتعاون مع البيزنطيين ضد حكام أسرة غَنَّامَةِ الْخِرْفان السود -القره قويونلو، فقضوا عليها، واستولوا على مناطقها، وسيطر غَنَّامَةِ الْخِرْفان البيض على شرق الأناضول، وأذربيجان، وفارس، والعراق، وأفغانستان و تركستان، واتخذوا من تبريز الأيرانية عاصمة لها، وبلغوا أوج قوتهم في عهد حسن قوصون (أوزون) (1453-1478 م) الذي هزم التيموريين، وقتل ملكهم"أبو سعيد" سنة 1459 م، ثم قتل جهان شاه حاكم الخرفان السود "قره قويونلو" سنة 1467م، واستولى على عاصمته بغداد وتوابعها في كرمان وأصفهان، وفارس وهراة "هرات" وشنَّ حسن أوزون حملات على جورجيا، فاستولى على قلعة حسن كييف سنة 1462م. ثم خرتبرت (خربوط) سنة 1465 م، ثم تحالف مع الروم البيزنطيين والكاثوليك الأوروبيين ضد العثمانيين منذ سنة 1471 م، واتخذ من كرمان قاعدة عسكرية ليواجه العثمانيين من الشرق بالتعاون مع القوات المسيحية التي تهاجم من الغرب والشمال والجنوب، ومع ذلك هزم حسن أوزون أمام السلطان محمد الفاتح سنة 1473 م.
7
الفاتح على الجبهة الآسيوية
تعاهدت ثلاثون دولة أوروبية وآسيوية ضد العثمانيين في الثاني من شباط/ فبراير سنة 1468م، وحاولت قوات التحالف ضم مملكة المماليك المصرية السورية إليهم، ولكن دولة المماليك رفضت ذلك لاشتراكهم مع العثمانيين بالدين والمذهب،وعبأت دول التحالف قواها العسكرية، وخاضت ضد العثمانيين معارك فاشلة، ثم تعاهدت على خوض المعركة العمومية الكبرى بحراً وبراًّ، وبدأت المعارك البحرية ضد العثمانيين في سواحل البحر الأبيض المتوسط انطلاقاً قبرص، وتحرك أوزون حسن الآق قوينلو بجيش يتجاوز عدده الثلاث مائة ألف خيّال، وغادر خربوط قاصداً أرزنجان.
وترك السلطان الفاتح قوة كافية لحماية إسلامبول، وترك ابنه الأصغر جَمّ سلطان نائباً عنه أثناء غيابه، وتحرك السلطان الفاتح من إسلامبول في 11/4/ 1473م، ومعه مائة وتسعون ألف مجاهد يتوزعون في خمسة فيالق.
وكان السلطان الفاتح يقود فيلق المقدمة، ويقود فيلق الميمنة ابنه الأمير أبا يزيد الثاني، ويقود الفيلق الأيسر ابنه الأمير مصطفى، وترك في المؤخرة فيلقين للالتفاف على العدو، ووصل إلى سيواس، وقصد عدوه المتآمر، فوصل إلى الجنوب من غومش خانة التركية الشرقية في 11/8/ 1473م، وحصلت المعركة التصادمية في سُهُوب بلدة أوطلوق بلي "Otlukbeli" الواقعة شمال شرق مركز محافظة أرزنجان التركية.
وتحركت في البلقان قوات الحلفاء التابعة لملك المجر متياس، وإمبراطور ألمانيا فريدرك الثالث، وملك البندقية وتوابعه، وقرر الحلفاء تكرار هزيمة القوات العثمانية مثلما حصل قبل ذلك بإحدى وسبعين سنة في موقعة أنقرة بين السلطان العثماني أبا يزيد الأول، والمرتد تيمورلنك.
ودارت الحرب العالمين بين سلطان المسلمين محمد الفاتح وأعدائه الأوروبيين وعملائهم المرتدين الآسيويين، فهجمت أساطيل البندقية وغيرها على المواقع البحرية العثمانية، ولكنها صُدّت، ولم تحقق انتصاراً يُذكر، وفشلت القوات البرية في البلقان بقيادة الإمبراطور الألماني فريديرك، وملك المجر متياس، وتراجعت أمام هجمات فرسان الرومللي العثمانيين.
وبدأت المعركة البرية الكبرى بين قوات السلطان محمد الفاتح البالغ سنّ الحادية والأربعين، وقوات حسن الطويل التركماني البالغ سنّ الخمسين، وانطلقت قذائف المدفعية العثمانية، وبدأ حصاد فرسان العدوّ، وأوعز الفاتح لفيلقي الاحتياط بالالتفاف على العدو، فشكّلا فكي كماشة، ومنعا عساكر العدو من الفرار، وقَتَلَ الأمير العثماني مصطفى بن الفاتح قائدَ الجناح المعادي زينل ميرزا بن حسن الطويل، وأسر ثلاثة أمراء تيموريين، وهجم الأمير العثماني أبا يزيد الثاني على سرادق حسن الطويل، فهرب حسن الطويل، من ميدان المعركة، وقال لحليفه القره ماني أحمد بك: "يا قره مان أوغلو خرّب الله بيت سلالتك، سَبَّبْتَ خزيي وعاري، مالي وبني عثمان؟".
وأمر الفاتح بعدم ملاحقة الفارين، ومكث في الميدان مدة ثلاثة أيام يتفقد الجرحى والشهداء، وينظم أمور الأسرى، وطلب حسن الطويل الصلح، فأجابه الفاتح، ووقعا معاهدة صلح تضمنت اعتراف حسن الطويل بامتلاك العثمانيين لمملكتي طرابزون وقره مان، وأصبح حليفاً للعثمانيين في آسيا هو وأولاده من بعده.
8
الفاتح على الجبهة الأوروبية
خابت آمال التحالف الرومي البيزنطي - الكاثوليكي في أوروبا وآسيا بعد فشل عميلهم حسن الطويل "أوزون حسن" ومع ذلك قرروا الاستمرار بالتصدي للسلطنة العثمانية، واستمرت المواجهات العسكرية من سنة 1473م حتى سنة 1479م، وخلال تلك الفترة قاد قائد فرسان الصاعقة في رومللي المجاهد علاء الدين باشا ثلاث مائة وثلاثين معركة، عبر خلالها نهر الطونة "الدانوب" وأسر مهتاب خانم ابنة ملك المجر متياس وتزوجها، وفتح علي باشا فارادين المجرية سنة 1473م، ثم أخضع مملكة بودوليا سنة 1474م.
وقاد السلطان محمد الفاتح الغزوة الهمايونية الثالثة والعشرين في ربيع وصيف سنة 1476م، ففتح بلاد "البغدان" مولدوفيا. ثم قاد السلطان الفاتح الغزوة الهمايونية الرابعة والعشرين في أواخر سنة 1476م، وحاصر قلعة سمندرة، وتراجع عنها لسوء الأحوال الجوية. وتمكن الباشوات علي باشا، ومالقوج، وغازي اسكندر، وطرخان باشا أن يفتحوا زغرب عاصمة كرواتيا سنة 1476م.
وقاد السلطان محمد الفاتح الغزوة الهمايونية الخامسة والعشرين سنة 1478م، ونهد إلى بلاد الأرناؤوط في ألبانيا لتحريرها من البنادقة ففتح قلعة عاصمتهم أشقودرة في 26 كانون الثاني/ يناير سنة 1979م، وفتحت القوات العثمانية البندقية سنة 1478م، وفي سنة 1479م دخل داود باشا بلاد النمسا، وخضعت البندقية لتوقيع معاهدة سلام مع السلطان الفاتح في 25 كانون الثاني/ يناير سنة 1479م. وأرسل الفاتح حملة فتحت المجر سنة 1480م بقيادة الوزير علاء الدين باشا، ومعه 12 سنجق من فرسان المغاوير، وتوغلت الغزوة العثمانية في أراضي النمسا حتى وصلت إلىغراز "Graz".
9
فتح بلاد القرم
حكم أمراء تتار القبيلة الذهبية "آلطون أوردو" بلاد روسيا الشرقية وشبه جزيرة القريم، وجميع الجهات الواقعة شمالي البحر الأسود منذ زمن أميرهم جنكيز خان، وبلغت مساحة دولتهم مليوني كيلو متر مربع، وبلغ تعداد جيشهم مائتي ألف فارس، وخضعوا للطاغية تيمورلنك، وأبنائه وأحفاده من بعده في عاصمتهم سراي على نهر الفولغا، وتوابع بغجه سراي وقازان وأستره خان وسيبريا وشبه جزيرة القرم "مساحتها26 ألف كيلو متر مربع" وقبجاق آجاريا وباطوم وأكرانيا والكرج الجورجيون والأبخاز "الأباظية"، ثم خضعت تلك الدويلات للجنويين الإيطاليين الذين استولوا على ثغور آزاق وكفّه ومنكوب واتخذوها محطات للتجارة في البحر الأسود والعدوان على المسلمين العثمانيين.
وأرسل السلطان الفاتح حملة بحرية كبرى سنة 880هـ/ في 19 أيار/ مايو سنة 1475م بقيادة وزيره الصدر الأعظم كديك أحمد باشا إلى شبه جزيرة القرم ففتحها، وحرر سواحل البحر الأسود وبحر آزوف "آزاق" وطرد الجنويين، وحرر من أسرهم الأمير منكلي بن الحاج كراي، ونصَّبه السلطان الفاتح خاناً على بلاد القرم بالنيابة تلبية لطلب علماء القرم وأشرافها، وأرسله إلى بلاده، وصارت بلاد القرم ولاية ممتازة تابعة للدولة العثمانية، واستمرت تبعيتها للسلطنة العثمانية مدة ثلاث مائة سنة بعد ذلك التاريخ، وصار البحر الأسود بحيرة عثمانية وأصبحت حدود السلطنة العثمانية من الشمال عند خط العرض 55 جنوب موسكو.
10
الحملات على رودس
رحل فرسان القديس يوحنا من عكا سنة 1291م، ونزلوا في قبرص سنة 1301م، ثم استقروا كقراصنة في جزيرة رودس وما حولها من الجزر سنة 1308م، وشكلوا خطرا على الملاحة الإسلامية في البحر الأبيض المتوسط، وعجز عنهم المماليك، فأرسل السلطان ضدهم حملة بحرية سنة 885 هـ/ 1455م ففشلت، ثم أرسل حملة سنة 1467م ففشلت، ثم أرسل حملة سنة 1480م ففشلت بسبب الإمدادات الأوروبية، ولكنها فتحت في عهد السلطان سليمان القانوني، وهرب القراصنة إلى مالطة، واستقروا فيها.
11
الفاتح وإيطاليا
أدرك السلطان محمد الفاتح خطورة مركز إيطاليا الكاثوليكي، ودوره بالتحريض ضد المسلمين، فقرر غزوها، وأرسل حملة بحرية بقياد الصدر الأعظم كديك أحمد باشا في 26 تموز يوليو سنة 1480م، ففتح قلعة أوترانتو في جنوب إيطاليا، وصارت مركز لواء ـ سنجق عثماني، وبدأت المفاوضات لاستسلام نابولي قبل وصول الغزوة الهمايونية السادسة والعشرين في الربيع المقبل، ولكن نابولي لم تستسلم صلحاً، فغادر السلطان محمد الفاتح إسلامبول في 25 نيسان/ إبريل سنة 1481م، واتخذ من مرج السلطان "سلطان جايري" في منطقة أُسْكُدار الآسيوية البحرية قاعدة لتجهيز حملة إيطاليا.
12
وفاة السلطان الفاتح
رتبت البندقية خمس عشرة محاولة لاغتيال السلطان محمد الفاتح، ولكنها لم تنجح، ولذلك لجأت إلى الحيل السرية، فأرسلت الطبيب اليهودي البُندقي المدعو يعقوب باشا "Maestro Lacopo" فادعى الإسلام ظاهراً، وأسرّ اليهودية باطناً، ونظراً لسلامة طوية المسلمين فقد ترقى ذلك اليهودي حتى صار الطبيب الخاص للسلطان محمد الفاتح، وحينما كان يستعد للحملة السادسة والعشرين شعرت البندقية بخطر فظيع، فاتصلت سرًّا بالطبيب الخاص المدعو يعقوب باشا "Maestro Lacopo" ووعدته بمكافأة مالية مقدارها عشرون مليون دولار بأسعار زماننا، فدسّ السمّ للسلطان الفاتح، فتوفي في 3 أيار/ مايو سنة 1481م، ودُفن السلطان في قبره الخاص جنوب محراب جامع الفاتح في إسطنبول، وافتضح سرُّ الطبيب الخائن فتقاسمته سيوف الجنود، ولم يقبض ثمن خيانته من جمهورية البندقية.
ووصل نبأ وفاة النسر الكبير إلى أوروبا فأمر البابا بدق نواقيس الكنائس ابتهاجا مدة ثلاثة أيام، وكان عمر الفاتح 49 سنة وخمسة أيام، وكانت مدة سلطنته 13 سنة و21 يوما، ومدة آخر سلطنة له 30 سنة وشهران و28 يوماً، وترك ابنةً واحدة، وولدين هما: أبا يزيد الثاني، وجَمّ.
وحقق دولة عالمية واسعة بلغت مساحتها سنة 1453م 964000 كيلو متر مربع، منها 480000كيلو متر مربع في الأناضول، و 484000 كيلو متر مربع في الرومللي، ثم اتسعت حتى بلغت غداة وفاته 2214000 كيلو متر مربع منها 170000 كيلو متر مربع في آسيا، و511000 كيلو متر مربع في أوروبا، وعلى الصعيد القانوني وضع الفاتح وعلماء سلطنته دستور السلطنة المسمى: دستور الفاتح "فاتح قانون نامه سي" وخلف مكتبة حافلة بروائع المخطوطات المتنوعة وفيها ما أمر بترجمته من اللغات الأعجمية إلى اللغة العربية، وكتب عنه المؤرخ جيوفاني ماريا فيليلفو "Giovanni Maria Filelfo" قصيدة من أطول القصائد التي كتبت عنه وتقع في 4706 أبيات، وبعد وفاته آلت السلطنة إلى ابنه السلطان الغازي أبا يزيد خان الثاني.
يرحمهم الله جميعاً، ويرحم جميعا الشهداء والمجاهدين والصالحين المخلصين.
.
الواحة العثمانية الأولى
د . محمود السيد الدغيم
تحوّل العثمانيون من أمراء مهجرين منفيين إلى أمراء إمارة متنقلة، إلى إمارة ملحقة، ثم إمارة مستقرة مستقلة، ثم سلطنة محلية على طريق السلطنة العالمية الأولى، وتتضمن هذه الواحة البدايات حتى النصر العثماني البارز في معركة كوسوفو في 15 شعبان سنة 791هـ/ 1389م.
آل عثمان
هاجمت قوات جنكيز خان المغولي بلاد آسيا الغربية فرحلت قبيلة سليمان شاه بن قايا ألب المنسوبة إلى سبط قايي خان الملكي التركي، وغادرت وسط آسيا إلى أذربيجان وبعد ست سنوات قرّر سليمان شاه العودة إلى وطنه، ولكنه غرق حينما كانوا يعبرون نهر الفرات، فأخرجه قومه ودفنوه قرب قلعة جعبر التي تقع حاليا في بحيرة سد الطبقة في الجزيرة السورية نحو سنة 630هـ/ 1233م، وأطلق عليه الأتراك اسم (تُرْك مَزاري) وتولت الجيوش العثمانية والتركية حراسته عبر التاريخ، وأقرت اتفاقية لوزان للأتراك حراسته، ورفع العلم التركي عليه .
وبعدما غرق سليمان شاه عاد أولاده الثلاثة إلى وطنهم في وسط آسيا، وهم سنقور زنكي، وكون طوغدي، وكوندوز آلب، وعادت معهم أعداد كثيرة من القبائل، ولكن الأمير أرطغرل (بن كُوندُز آلب بن قايا آلب بن كوك آلب بن صارقوق آلب بن قايا آلب) قَصَدَ بلاد الأناضول مع أربعمائة خيمة يحميها ما يقرب من خمس مائة فارس، واقتربوا من قونية عاصمة سلاجقة الأناضول، وبينما كان أرطغرل يتجول مع فرسان قبيلته صادفوا جيشين يتحاربان، فانضم أرطغرل بقومه إلى جيش السلطان علاء الدين كيقباد بن كيخسرو السلجوقي، فانتصر جيشه على جيش من جيوش هولاكو قان من أعقاب جنكيز خان ملك المغول، وأسفرت المعركة عن انتصار السلاجقة بمساعدة أرطغرل وعشيرته سنة 663 هـ/ 1264م، وكافأ السلطان السلجوقي أرطغرل وعشيرته، وأقطعهم الأراضي الواقعة بجهات قره جه طاغ، وطومانيج، واسكيشهر.
أرطغرل وعلاء الدين السلجوقي
حارب أرطغرل إلى جانب علاء الدين السلجوقي في أكثر وقائعه الحربية ضد المغول والدولة البيزنطية، فمنح السلطان علاء الدين أراض واسعة لأرطغرل وقومه، وفتح أرطغرل بلدة (صيراجق) التابعة للقسطنطينية، وسميت: سلطانية، وفتح بلدة سكود التي تعتبر مهّد الدولة العثمانية في الأناضول، وحرر قلعة كوتاهية السلجوقية من المغول، وظل أرطغرل يجاهد ضد المغول والروم البيزنطيين إلى جانب علاء الدين السلجوقي حتى تجاوز سنّ الثانية والتسعين، وقيل السادسة والتسعين، وقيل أنه ولد سنة 587 هـ/ 1191م، وتوفي سنة 680هـ/ 1281م، فدفن في بلدة سُغُوْت (Sügüt).
نهاية سلاجقة الأناضول
بعد وفاة أرطغرل قام السلطان علاء الدين السلجوقي بتنصيب الأمير عثمان مكانه، فتابع طريق الجهاد بشجاعة خارقة، فكافأه السلطان علاء الدين، وكرّمه بإعطائه شارات السلاجقة، وهي الراية البيضاء والخلعة والطبل، ومنحه استقلالاً، ولقب بك، وقرر منحه ما يفتحه من أرضي البيزنطيين وغيرهم ابتداء من سنة 688 هـ/ 1289م، وسمح له بأن يضرب السكة النقدية باسمه، وبذكر اسمه بعد اسم السلطان علاء الدين من على منابر المساجد والجوامع السلجوقية.
ونشأت صداقة بين عثمان الأول، والقائد البيزنطي كوسه ميخائيل حاكم قلعة (خرمن قايا) الذي أسلم، وأنقذ عثمان من مؤامرة بيزنطية دُبرت له في وليمة عرس بيزنطي، وفي تلك الأثناء هاجم الخبيث قازان المغولي المدن السورية، ومدينة قونية، فاحتلها سنة 699هـ/ 1299م، وأنهى دولة سلاجقة الأناضول.
السلطان عثمان الأول
تسلطن سنة (699-726) هـ/ 1299 - 1326م
وُلد السلطان عثمان الأول في بلدة سُغُوْت (Sogüt) التابعة إلى مدينة (يني شهر) سنة 656 هـ/ 1258م، وأعلن إنشاء إمارته بعد موت علاء الدين السلجوقي، وأتاه أمراء الدولة السلجوقية، ودخلوا تحت حمايته، ونصبوه سلطانا على الأناضول، فاتخذ مدينة يني شهر عاصمة له، ورفع راية الجهاد مدة سبع سنوات، وفتح العديد من قلاع الروم البيزنطيين، وانضم الكثير من الروم إلى جيشه، وأعجبوا بعدالته، ففتح مدينة كبري حصار، وقلعة أزنيق الشهيرة، وهاجت الجيوش البيزنطة يني شهر عاصمة العثمانيين، فتصدى لهم السلطان عثمان على رأس جيشه بجوار قلعة قيون حصار وهزمهم ثم اقتفى أثرهم حتى موقع ديمبوز، فقتل أمير مدينة كستل البيزنطي، وهرب بقية الأمراء البيزنطيين نحو بورصة والقسطنطينية،
وشيد السلطان عثمان قلعتين بالقرب من مدينة بروسه سنة 717 هـ/ 1317م
وعَيَّن في إحداهما ابن أخيه آق تيمور، وفي الأخرى البطل بلبانجق أحد مماليكه، وحاصر بروسه، وترك ولده السلطان أورخان وكوسه ميخال وصالتق ألب للمحافظة على البلاد وأنزلهم بقلعة قره حصار، ثم فتح السلطان عثمان قلعة لبلبنجي، وقلعة جادرلق، ويكينجه حصار، وآق حصار، وتكفور، ثم أرسل الغازي أورخان والغازي عبد الرحمن وغيرهما إلى قلعة قره جيش، ففتحوها، وتابع السلطان فتوحاته نحو مدينة أزميد،(قوجة إيلّي) وحينذاك فتح الغازي عبد الرحمن مدينة أزنيق ( نيقيا).
وعزم السلطان عثمان غازي على فتح بروسه سنة 726 هـ/ 1326م، وعين ابنه أورخان بك قائداً لجيوش الفتح، ففتح القلاع، واستولى على جبل أولمبة (أولو داغ) قرب بورصة (بروسة) ثم فتح بورصة، وبعد الفتح مرض السلطان عثمان، فهرع لزيارته ابنه الغازي أورخان، ولما صار بين يديه نصحه والده بنصائح عظيمة، وأوصاه بالجهاد في سبيل الله، وحُسن المحافظة على الرعية وسياستهم بالعدل والإنصاف، ثم توفي السلطان عثمان الأول في 17 أو 20 رمضان سنة 726هـ/ 1326م، وكان سنه 70سنة، ومدة سلطنته 27 سنة، ودفن في تربته الخاصة في بروسة (بورصة) وتسلطن بعده ابنه الغازي في سبيل الله أورخان فأوكل إدارة شؤون الإدارة لأخيه علاء الدين، ووُلد لأورخان في تلك السنة ابنه مراد الأول الذي استشهد في معركة كوسوفو فيما بعد.
السلطان أورخان
726-761هـ/1326 - 1360م
ولد السلطان أورخان غازي سنة 680 هـ/ 1281م، وشارك في معارك الجهاد في سلطنة أبيه، وآلت إليه السلطنة العثمانية بعد وفاة أبيه، فنقل العاصمة من مدينة (يني شهر) إلى مدينة بورصة، وبدأ مسيرة توحيد الأناضول، بضم الأراضي التي كانت خاضعة لأمراء الطوائف التي كانت تسمى: قرمان، وآيدين، وصاروخان، ومنتشا، وكرميان، وحميد، وتكه، وقره سى، وأسفنديار، ومرعش، وذو القدرية، وباطنة، ورمضان، وأنشأ الجيش الجديد (يني جيري) الإنكشارية، وأوجد منصب الوزارة، وعين فيه أخاه علاء الدين باشا، فكان أول وزير في الدولة العثمانية، وقسم أراضي البلاد المفتتحة إلى قسمين وهما: خاص تصرف إيراداته للخزينة السلطانية، ولأمراء العائلة الملوكية ولأعيان الحكومة، وأرض تيمار تذهب إيراداتها إلى رجال الحرب، وقد ساعد النظام العادل على قوة السلطنة، وتمكن من فتح مدينة أزميد مركز إقليم قوجه إيلي بنفسه في سنة 728هـ/ 1327 م، وصارت حدود السلطنة العثمانية من الغرب قريبة من خليج القسطنطينية المسمى البوسفور، والذي يفصل بين آسيا شرقا، وأوروبا غربا، وفي سنة 731هـ فتح الأمير سليمان ابن السلطان أورخان مدينة أزنيق أو أزنيك (نيقية المقدسة) واتخذها السلطان أورخان عاصمة له.
ولما توفي الوزير علاء الدين سنة 732 هـ صار الأمير سليمان باشا وزيراً للدولة، وعقدت هدنة بين روم القسطنطينية، والسلطنة العثمانية لمدّة عشرين سنة، وتضمنت اعتراف الروم بالحدود الجديدة للسلطنة، وضمت جهات مانياس وأيدنجق وباليكسري وبرغمه وقره سي وميخاليج وكرماستي، وأثناء فترة الهدنة تفرّغت السلطنة للإصلاحات الداخلية، ثم تمَّ تجديد الهدنة سنة 746 هـ/ 1345م، وبعد ذلك بسنة واحدة عقد السلطان أورخان وقيصر الروم مؤتمر قمة عثمانية رومية، وبدأت مرحلة تقديم الحماية العثمانية للروم الأرثوذكس البيزنطيين من أعدائهم الأوروبيين الطامعين بالقسطنطينية، ولكن بيزنطة نقضت الهدنة الثانية بعد عشر سنوات، وتآمرت من البنادقة على غزو السلطنة من نواحي السواحل الغربية سنة 757هـ/ 1356 م، فأصدر السلطان أورخان أمراً إلى ابنه الغازي سليمان باشا بالهجوم على بلاد الرومللي، فعبر مضيق الدردنيل من مضيق بلدة أيد نجق أبيدوس قرب جنق قلعة ووصلت قواته العثمانية إلى قلعة جينبة Tzympe سنة 758هـ/ 1357 م، وأثبتت البحرية العثمانية قدرتها على المشاركة بالحروب إلى جانب القوات البرية، وتمَّ فتح كليبولي في الأراضي الأوروبية.
التحالف الأوروبي
وبعد ذلك اتفق الروم والمجر والصرب والبلغار والأفلاق والبغدان، وشكلوا تحالفا عسكريا، وحشدوا جيوشهم، فانقض عليهم الأمير سليمان بقواته العثمانية من جبال البلقان، وهزمهم، ووصل الأراضي البلغارية، ولكن الجيوش المتحالفة اجتمعت، وقررت الاستيلاء على القسطنطينية، فطلب قيصر الروم الحماية العثمانية، فأمده السلطان أورخان بقوة عسكرية بقيادة الأمير سليمان باشا، انتشرت تحت أسوار القسطنطينية، وحينذاك حصلت زلازل قوية سنة 759هـ/ 1358م، فدمرت الكثير من المدن والقلاع التي تحيط بالقسطنطينية في غربي آسيا، وشرق أوروبا، وفي أواخر سنة 760 هـ/ 1358 م، فتح الغازي سليمان باشا قلعة كليبولي البحرية، ثم فتح بولاير وخيره بولي وتكفور طاغ، واتسعت الفتوحات في أراضي الرومللي، وسقط الأمير سليمان عن جواده في رحلة صيد فمات سنة 760 هـ/ 1359م،ودفن بالجامع الذي شيده بمدينة بولاير، ومازال جامعه وضريحه محل احترام الأتراك، وحزن، والده السلطان أورخان حزناً مفرطاً، وتوفي سنة 761 هـ/1360م، ودفن في مدينة بروسه (بورصة) وقد بلغ إحدى وثمانين سنة، وحكم 35 سنة هجرية، وآلت السلطنة إلى ولده مراد الأول.
السلطان مراد الأول
وُلِد السلطان مراد الأول بن أورخان ونيلوفر سنة 1326م، وورث سلطنة ثابت الأركان تمتد من الأناضول شرقا إلى بلغاريا غربا، فاستمرت سلطنة مراد ثلاثين سنة من سنة 761هـ/ 1359م حتى استشهد في قوصوة (كوسوفو) سنة 791 هـ/ 1389م، وسار على طريق والده وأجداده، فتابع الفتوحات، ولما باشر توحيد إمارات الطوائف التركمانية في الأناضول شن البنادقة حملة بحرية على العثمانيين في قلعة كليبولي وغيرها من المواقع البحرية العثمانية، فتصدى لهم العثمانيون، وردوهم على أعقابهم، وغنموا الكثير من الذخائر.
وبعد تلك المعركة اهتم السلطان مراد بتجهيز البحرية العثماني، وتمكن من فتح جملة بلاد وقلاع منها بيطور و جورلي ومدللي وبرغوس وبرغاز وديموتوقه، ثم فتح مدينة أدرنة المعظمة عند الروم، وفتح مدينة صوفية عاصمة بلغاريا حاليا بعد أن حاصروها مدّة ثلاث سنوات783 - 785 هـ/ 1381-1383 م، ثم فتح الصدر الأعظم خير الدين باشا مدينة سلانيك اليونانية، وفي سنة 788 هـ/ 1386م فتح السلطان مراد الأول مقدونيا و ألبانيا، وأسند الصدارة العظمى لقاضي العسكر علي باشا بن خير الدين بعد وفاة والده.
واقعة قوصوة (كوسوفو) (Cossova)
دقت أوروبا نواقيس الخطر، ودعا البابا أوربانوس الخامس جيوش أوروبا إلى الحرب ضد العثمانيين، فلبى دعوته ملك الصرب لازار سنة 790هـ/ 1389 م، واتفق مع ملوك الأفلاق، وأمراء دلماسيا، والبوسنة والهرسك، وألبانيا، وملك المجر، وملك البلغار، ودارت المعركة في سهول قوصوة، فكانت من أشهر معارك التاريخ، وهربت الجيوش الأوروبية بعد مصرع الملك لازار وغيره من الملوك والأمراء، وبعد الانتصار كان السلطان مراد يتفقد الجرحى في ساحة المعركة، ونهض من بين الجرحى عسكري وطعن السلطان مراد الأوّل في أحشائه فاستشهد في 15 شعبان سنة 791هـ/ 1389م، وذلك بعدما ثبت حدود السلطنة العثمانية على ضفاف نهر الطونة (الدانوب) شمالا، وأوصى بالسلطنة إلى ولده (يلدرم): الصاعقة أبايزيد الأول.
ملاحظة : نشرت هذه الواحة في ملحق التراث في جريدة الحياة، الصفحة : 15، وذلك يوم السبت 30 نيسان/ إبريل 2005م
الواحة العثمانية الثانية
د . محمود السيد الدغيم
باحث أكاديمي سوري جامعة لندن
كلية الدراسات الشرقية والإفريقية
SOAS
1
سلطنة آل عثمان
استوطن أرطغرل بك وأبناء قبيلته في شمالي غربي الأناضول، ومنحه السلطان علاء الدين السلجوقي منطقة تتراوح مساحتها من ألف إلى ألفين كيلومتر مربع سنة 628 هـ/ 1231م ولكنه وسع منطقة فتوحات إمارته في الأراضي البيزنطية حتى بلغت ما يقرب من خمسة آلاف كيلو متر مربع عند وفاته سنة 680 هـ/ 1281م، وجاء بعده ابنه عثمان الذي توسعت الفتوحات في زمانه على حساب البيزنطيين حتى بلغت ستة عشر ألف كيلومتر غداة وفاته سنة 724 هـ/ 1324م، وخلفه ابنه أورخان الذي تابع الفتوحات في الأراضي التي كانت خاضعة للبيزنطيين، وأمراء الطوائف التركمان المخالفين للعثمانيين مذهبياً حتى بلغت مساحة السلطنة في الأراضي الآسيوية والأوروبية خمسة وتسعين ألف كيلومتر سنة 763هـ/ 1362م، وخلفه ابنه الشهيد مراد الأول، فخاض شخصياًّ سبعاً وثلاثين معركة كبرى، ووسع فتوحاته الأوروبية حتى يوم استشهاده في نهاية معركة قوصوة (كوسوفو) سنة 791 هـ/ 1389م، فبلغت مساحة أراض السلطنة في البر الآسيوي والبر الأوروبي نصف مليون متر مربع، 291 ألف كيلومتر في أوروبا الشرقية، و208 آلاف كيلومتر مربع في آسيا.
2
السلطان يلديرم أبا يزيد الأول
خاض الأمير أبا يزيد الأول الكثير من المعارك إلى جوار والده مراد، وفي معركة كوسوفو كان يقود جناح الميمنة، وكان أخوه يعقوب يقود جناح الميسرة، وفي تلك المعركة استخدم العثمانيون المدفعية بنجاح، وكان أبا يزيد على جانب عظيم من الشجاعة والإقدام، ولهذا لقبوه يلديرم، أي: الصاعقة، وقد بويع له في ميدان قوصوة (كوسوفو) بوصية من أبيه يوم موته 791هـ/ 1389م، وكان عمره 30 سنة، ثم عاد إلى بروسه (بورصة) ونقل معه جنازة والده فدفنت في تربته، ثم تابع السلطان أبا يزيد الجهاد في سبيل الله، فأخضع اسطفان ملك الصرب، ثم فتح البوسنة، ومملكة الأفلاق.
وفي سنة 792هـ/ 1390م قاد السلطان أبا يزيد جيوشه بنفسه وفتح مدينة وقلعة آلاشهر الآسيوية المسماة (فيلاد لفيا) وكانت آخر مدينة مهمة بقيت للقسطنطينية في آسيا، ثم ضمّ مملكة آيدين صلحاً، ثم ضمّ سنجق صاروخان (مانيسا)، وتابع ضمّ إمارات الطوائف، فضمّ جهات آمد (ديار بكر) وآق سراي، وإزمير، وموغلا (منتشة) وأوشاق ودنيزلي، وبعدما أخضع المتمردين والمنافقين والمتآمرين زحف بجيشه على نواحي الرومللي واستولى على مدينة سلانيك اليونانية مرة ثانية، ثم اتفقت البندقية وفرانسا وجنوة وإسبانيا سنة 796هـ/ 1394م، وأرسلت أساطيلها لإخراج العثمانيين من سلانيك فقاومتهم الجيوش العثمانية وألزمتهم الرجوع عنها خاسرين.
3
حصار القسطنطينية وغيرها
عاد السلطان أبا يزيد إلى بروسه، وعلم أن الإمبراطور البيزنطي عمانويل الثاني باليولوغوس اتفق مع ملوك المجر والصرب وفرنسا ضد العثمانيين، فحاصر السلطان أبا يزيد القسطنطينية سنة 793 هـ/ 1391م مدة سبعة أشهر، واستغل الفرصة ملك المجر، فهاجم صوفية وودين ونيكوبولي، فتراجع السلطان عن القسطنطينية، وقصد الجيوش الأوروبية في البلقان، وهزمهم شر هزيمة، وهرب ملك المجر في زورق بنهر الطونة (الدانوب) وأخذ العثمانيون عدّة آلاف من الأسرى، واجتاز السلطان نهر الدانوب شمالاً، وفتح رومانيا، وتابع إخضاع الإمارات البلغارية واليونانية، ثم عاد إلى الأناضول فضم إمارات قسطموني وزونغل داغ وجانقري وجوروم، وسيواس.
4
أول جامع داخل القسطنطينية
حاصر السلطان أبا يزيد مدينة القسطنطينية للمرة الثانية طوال صيف سنة 1395م، وفي سنة 798 هـ/ 1396م أنشأ السلطان قلعة (كوزالجه) أناضول حصار الشهيرة على الضفة الشرقية لمضيق البوسفور، وخضع إمبراطور القسطنطينية وتعهد بدفع الجزية للسلطان، ورضي بأن يسكن المسلمون القسطنطينية وأن يكون لهم بها مسجد هو مسجد داود باشا، ويكون لهم قاض يحكم في نوازلهم.
5
معركة نيغوبولي 25 أيلول 1396م
تصدى العثمانيون للاتين الكاثوليك في جزر وسواحل بحر إيجة، فتداعت الدول الأوروبية إلى تشكيل حملة صليبية جديدة لإخراج العثمانيين من الأراضي الأوروبية، وشاركت في الحملة جيوش بابوية روما، ومملكة فرنسا، ومملكة المجر، ومملكة إنكلترة، ومملكة بولونيا، وجمهورية البندقية، ومملكة قشتالة الإسبانية، ومملكة أراغون، وفرسان القديس يوحنا من جزيرة رودوس، وفرسان توتون، ومملكة النروج، ومملكة اسكتلندة، وجمهورية جنوة، والإمبراطورية الألمانية، واجتمع المجلس الحربي الصليبي في بودابست، وانتخب ملك المجر سيغموند الأول قائدا عاما للجيوش، وقرروا خوض المعركة ضد العثمانيين، كما قرروا أن يتابعوا زحفهم على القدس لطرد المماليك منها، وتحركت الجيوش المحتشدة من المجر، وعددها مائة وثلاثون ألفاً، في شباط سنة 1396م ، ووصلت إلى قلعة نيغوبولي على الضفة الجنوبية لنهر الطونة (الدانوب) وصمدت القلعة نصف شهر بقيادة دوغان بك حتى وصلتها الإمدادات بقيادة السلطان أبا يزيد الأول الذي كان يقود سبعين ألف مجاهد، وأسفرت المعركة عن هلاك مائة ألف من الجيش الصليبي، ووقع عشرة آلاف في الأسر، وهرب عشرون ألف، و من الذين هربوا الملك سيغموند، وملك بريطانيا هنري الرابع، وأمير البندقية، وقائد فرسان طولون، وأسر سبعة وعشرون قائدا أوروبياً منهم قائد الجيوش الفرنسية، وجين الجسور، والأمير هنري دى لورين.
وفي سنة 799 هـ/ 1397م فتح السلطان أبا يزيد الأول شخصيا مدينة أثينا عاصمة اليونان، وبعدها توجه إلى قونيا في الأناضول، وأخضع إمارة قره مان، وفي سنة 1398م أخضع صمصون، وسواحل البحر الأسود، وقضى على المبتدع القاضي برهان الدين، وأخذ من المماليك سنة 1399م حصن منصور (آدي يمان) ومدينة ملاطية، والبستان، ووصل إلى الفرات، وأخضع خربوط وأرزنجان.
ونظرا لما أحرزه السلطان أبا يزيد من انتصارات لقبه الخليفة العباسي المتوكل بن المعتضد بلقب: سلطان أقاليم الروم.
6
حصار القسطنطينية
بعدما حقق السلطان أبا يزيد الأول انتصارا عظيما في معركة نيغوبولي حاصر القسطنطينية للمرة الثالثة سنة 799 هـ/ 1397م، ثم رفع الحصار، ولكن الإمبراطور البيزنطي عمانويل الثاني تجول في أوروبا مدة 13 شهرا طلبا للنجدة، ولذلك حاصر السلطان أبا يزيد القسطنطينية للمرة الرابعة سنة 1401هـ/ 1399م، وجاء هجوم تيمور لنك على الأناضول، فرفع السلطان الحصار عن القسطنطينية.
7
معركة أنقرة
أغار الخبيث تيمورلنك على السلطنة العثمانية بالتعاون مع البيزنطيين في طرابزون والقسطنطينية، وأمراء الطوائف الباطنية في الأناضول، فتصدى له السلطان أبا يزيد الأول قريباً من مدينة أنقرة سنة 804 هـ/ في 28 تموز سنة 1402م، وفي الميدان تخاذلت جيوش آيدين ومنتشا وصاروخان، وانضم أمراء التركمان الخونة إلى الجيش المعادي بقيادة تيمورلنك، وهرب جنود الصرب، ولم يبق مع السلطان إلا الانكشارية وعددهم عشرة آلاف وبعض عساكر الرومللي. وأسفرت المعركة غير المتكافئة عن مصرع أربعين ألفاً من جنود تيمور لنك، وعن هزيمة العثمانيين، ووقع السلطان أبا يزيد مع ابنه موسى جلبي أسيراً في يد تيمورلنك بمنطقة جطل تبة، فوضعه في قفص مدة سبعة أشهر و12 يوماً حتى مات أسيراً في مدينة آق شهر قرب قونية في الثالث من آذار سنة 805 هـ/ 1403م ، ويقال: أن الخبيث المرتد تيمور لنك دسّ له السمّ، ونقلت جنازته إلى بروسة، ودفن بالجامع الذي شيده فيها.
وكانت مساحة السلطنة العثمانية قد بلغت في عهده تسع مائة واثنين وأربعين ألف كيلو متر مربع، يوجد منها أربع مائة وواحد وأربعون ألف كيلو متر مربع في القارة الأوروبية، ونحو نصف مليون كيلو متر مربع في آسيا.
8
مرحلة الفترة، وتمزق السلطنة
ترك السلطان أبا يزيد تسعة أولاد هم حسب تسلسل أعمارهم: سليمان الأول (1375 - 1410م) وولاية عهده من سنة 1489م حتى 1402م، ومدة سلطنته سبع سنوات، وعيسى جلبي في بورصة وتوقات وسيواس (1378 - 1405) ومصطفى جلبي (1380 - 1422م) ومحمد الأول في أماسيا (1382 - 1421م) وموسى جلبي (1388 - 1413م) وشهزاده قاسم (1397 - 1417م) وشهزاده حسن وفاته سنة 1403م، وقد حرض تيمور لنك أبناء السلطان أبا يزيد على الاختلاف، وأعاد الاعتبار إلى أمراء الطوائف، ولاسيما أتباع نحلته الفاسدة، ولذلك تمزقت السلطنة العثمانية، وصارت إمارات، فاستمرت إمارة سليمان الأول في أدرنة في البلقان من سنة 1402 حتى سنة 1410م، وإمارة موسى جلبي في البلقان من سنة 1410 حتى سنة 1413م، ودامت مرحلة التمزق العثماني مدة عشر سنوات وأحد عشر شهرا وثمانية أيام، ثم اعترف الخاقان شاه رخ بن تيمورلنك بسلطنة محمد جلبي بن أبا يزيد في آماسيا، وبذلك انتهى عهد الفترة الخالية من سلطان موحد للسلطنة العثمانية.
9
السلطان محمد الأول
بعد أن ترك تيمورلنك بلاد الأناضول استمرت الحروب بين مَن بقي من أولاد السلطان أبا يزيد، وقتل الأخوة إخوانهم إلى أن خلصت جميع آسيا الصغرى للأمير محمد جلبي بلا منازع، ثم ضم البلقان سنة 826 هـ/ 1423م، وبذلك انفرد الأمير محمد بالسلطنة العثمانية بلا منازع، وأتته رسل ملوك أوروبا والروم مقدّمين له التهاني بالنيابة عن ملوكهم، فرحب بهم وأكرمهم ثم شرع في إصلاح الأمور، وكان الخلل تطرق إلى جميع الإدارات، ولذلك عقد الصلح مع الدول الأوروبية المجاورة له، وقوّى معهم روابط المحبة والمصافاة، وتكللت مساعيه بالنجاح، وهو أوّل من شرع في ترتيب العساكر البحرية وبناء السفن في أزميد وغاليبولي وبعض السواحل، ونقل كرسي السلطنة من مدينة بورصة إلى مدينة أدرنة، وأعاد للسلطنة هيبتها بعد أن تداعت إلى السقوط.
10
فتوحات محمد جلبي الأول
خرج حاكم الأفلاق عن دائرة الطاعة العثمانية سنة 819هـ/ 1416م، فتقدم السلطان محمد بجيشه وعبر نهر الطونة (الدانوب) فأخضع ملك الأفلاق، ثم تقدم الجيش العثماني إلى داخل بلاد المجر لتعرض سيغموند لأمور بلاد الأفلاق، وفتح قلعة سورين، وعقد السلطان محمد معاهدة صلح مع ملك المجر، ثم عاد السلطان إلى أدرنة منصوراً، وقضى على الاضطرابات الداخلية وعلى رأسها فتنة القاضي بدر الدين الذي ابتدع بدعة الاشتراكية في الأموال وسائر المقتنيات بلا فرق بين مسلم وغيره لاعتباره الكل سواء، فتبعه خلق كثير من أرباب البطالة والكسل من جميع الملل والنحل حتى خيف على البلاد منه، فأرسل عليه السلطان محمد الجيوش وبعد أن دارت رحى الحرب زمناً بين الطرفين تمكن الوزير أبا يزيد باشا من قهر جيش بدر الدين بضواحي أزمير، ثم إن السلطان تعقب بدر الدين إلى أن تمكن من القبض عليه ببلاد مقدونية، وأمر به فقتل سنة 820هـ/ 1417م، بفتوى من قاضي العسكر.
كانت مساحة الأراضي الخاضعة لسلطنة محمد جلبي الأول سنة 1413م ست مائة وأربع وتسعون ألف كيلومتر مربع، منها ثلاث مائة وثمان وستون ألف كيلو متر مربع في آسيا، وثلاث مائة وست وسبعون ألف كيلو متر مربع في البلقان، وبلغت مساحة السلطنة: ثمان مائة وسبعون ألف كيلو متر مربع، عند وفاة السلطان غياث الدين غازي جلبي السلطان محمد خان الأول سنة 824 هـ/ في الرابع من أيار/ مايو سنة 1421م، في مدينة أدرنة، بعدما دامت سلطنته منفردا مدة سبع سنوات وتسعة أشهر، وستة وعشرون يوما، وأوصى بالملك من بعده لابنه مراد الثاني، واعتبر المؤرخون السلطان محمد جلبي الأول هو المؤسس الثاني للسلطنة العثمانية.
وقد اشتهر محمد جلبي بمحبته للعلوم والفنون، وهو أوّل سلطان عثماني رتب الهدية السنوية التي ترسل إلى الحرمين الشريفين باسم الصرة، وترك خمسة أولاد وهم الأمير مراد والأمير مصطفى والأمير أحمد والأمير يوسف والأمير محمود.
ملاحظة : نشرت هذه الواحة العثمانية الثانية في الصفحة 15 من ملحق التراث بِجَريدة الحياة، العدد : 15383، يوم السبت 6 ربيع الآخر سنة 1426 هـ/ 14 أيار/ مايو سنة 2005 م
الواحة العثمانية الثالثة
د. محمود السيد الدغيم
باحث أكاديمي في جامعة لندن
كلية الدراسات الشرقية والإفريقية
1
السلطان مراد الثاني بن محمد الأول
وُلد مراد الثاني في مدينة آماسيا الأناضولية سنة 1404م، وأمُّه الأميرة أمينة خاتون بنت أمير إمارة ذي القدرية، وبويع مراد الثاني بالسلطنة في العاصمة العثمانية بورصة الآسيوية سنة 824 هـ/ 1421م بعد وفاة والده بواحد وأربعين يوما، وكان في الثامنة عشرة من عمره، واستمر في الحكم حتى وفاته في الخامس من محرم سنة 855 هـ/3 شباط/ فبراير سنة 1451م، وقد تنازل عن العرش لابنه محمد الثاني أكثر من مرة، وآثر العبادة والاعتكاف، ولكن أمور الحكم لم تكن خالية من المنغصات والمؤامرات الداخلية والخارجية.
2
تمرُّد دوزجة مصطفى
اهتم السلطان مراد الثاني بإصلاح شؤون السلطنة، ولذلك أبرم صلحاً مع أمير طائفة القره مان في الأناضول، وعقد هدنة مع ملك المجر "هنغاريا" لمدة خمس سنوات، ولكن عمانويل قيصر القسطنطينية حاول أن يفرض معاهدة على السلطان مراد كي لا يحاربه مطلقاً وأن يعطيه رهينتين من إخوته، وإلا سيثير الفتن، فرفض السلطان، وأطلق القيصر فتنة مصطفى "دوزجة" المزيف ابن أبا يزيد، وعززه بقوة بحرية بيزنطية بقيادة المدعو ديمتريوس لاسكاريس، فأتت القوة، وحاصرت مدينة غاليبولي حتى سقطت، ولكن قلعتها لم تسقط، فبقيت تحت الحصار، وتوجه مصطفى إلى مدينة أدرنة، واستولى على تخت السلطنة في منطقة الرومللي البلقانية، وقتل الوزير أبا يزيد باشا، وانضم إليه المرتزقة والمارقون والزنادقة، ثم توجه إلى ملاقاة السلطان مراد الثاني، ولكنه خسر المعركة، وارتد إلى مدينة غاليبولي، فقبض عليه الجنود، وسلموه إلى السلطان مراد، فأمر بشنقه لأنه استباح دماء العسكر والوزير، وانتهك حرمة السلطنة.
3
حصار القسطنطينية
تأكد السلطان مراد الثاني أن قيصر القسطنطينية هو الذي تسبب بالمذابح، ولذلك عزم السلطان على معاقبته القيصر، فقاد الجيش العثماني شخصيا، وحاصر القسطنطينية سنة 825هـ/ 1422م، وكان ذلك هو الحصار العثماني الرابع للقسطنطينية، وأثناء الحصار تحرك أمراء الطوائف الأناضولية المخالفة في قسطموني وصاروخان ومنتشا وبلاد القرمان بتحريض بيزنطي وتيموري تتري، ولكن السلطان مراد رفع الحصار عن القسطنطينية، وهجم على أمراء الطوائف، وأعاد إخضاعهم ثانية إلى السلطنة العثمانية، وأثناء ذلك تحركت الفتن في البلقان.
4
العودة إلى الرومللي البلقانية
أمّن السلطان مراد الثاني الجبهة الداخلية في الأناضول، ثم أدّب ملك المجر المتمرد، وألزمه توقيع معاهدة تخطيط الحدود، فأصبح نهر الطونة "الدانوب" حداًّ فاصلاً بين السلطنة العثمانية و المجر، وأخضع ملك الصرب جورج برانكوفيتش للحماية العثمانية، وشيّد قلعة عثمانية في مدينة الآجه حصار (كروشيفتس) في صربيا، واستردّ مدينة سلانيك اليونانية من تحالف البنادقة والبيزنطيين السري، وفي سنة 1425 م مات قيصر القسطنطينية عمانويل، وخلفه يوحنا باليولوغوس، وحينذاك فتح السلطان مراد الثاني جميع القلاع والحصون البيزنطية على شواطئ البحر الأسود وسواحل الرومللي، ولم يبق للقيصر الجديد سوى مدينة القسطنطينية التي قبلت بدفع الجزية للسلطان، وتمكن السلطان مراد الثاني من استرداد كل الأراضي التي كانت للعثمانيين في عهد السلطان أبا يزيد الأول، وزاد عليها، وانتصر الأسطول العثماني على أسطول البندقية في خليج غاليبولي نصرا مؤزرا سنة 832 هـ/ 1429 م.
5
السلطنة بين تآمر الداخل والخارج
أعاد القره مانيون المبتدعون تمردهم بقيادة إبراهيم بك الثاني القره ماني الذي اتفق سراًّ مع الملك الصليبي المجري لادسلاس، فصدهم ولي العهد العثماني علاء الدين بن مراد، وتراجعوا إلى مدينة قونية، وقاد السلطان مراد الثاني الجيش العثماني لقمع التمرد، وأفتى إمام الشافعية في القاهرة ابن حجر العسقلاني بوجوب قتل المتمرد إبراهيم القره ماني، ووافقه على الفتوى بذلك قاضي الأحناف في القاهرة سعد الدين الديري جزاء تآمره على العثمانيين، وبذلك نال العثمانيون تأييد الخلافة العباسية والمملكة المملوكية في القاهرة.
وحينذاك تحرك الحلف الصربي المجري تضامنا مع القره مانيين، ولكن حامية الجيش العثماني الموجودة في البلقان عبرت نهر الطونة "الدانوب" ودخلت بلاد المجر حتى بلغت بلاد طمشوار وهرمانشتاد في ترانسلفانيا، واستولت على مدينة سمندرة عاصمة صربيا القديمة، وحاصرت مدينة بلغراد، وفرَّ أمير الصرب، ولجأ إلى ملك المجر لادسلاس.
وحاول البابا الكاثوليكي أوجينيوس الرابع استغلال فرصة انشغال السلطان بحرب حلفائه القره مانيين، فدعا إلى تحالف كاثوليكي بين دول أوروبا المسيحية سنة 1439 م، ولبى دعوته أمير الأردل جان هونيادي، وجمهور من الفرنسيين والجرمانيين، ولادسلاس ملك المجر وبولونيا وبوهيميا ومولدافيا "البغدان"، وتقدمت الجيوش الأوروبية تحت قيادة القائد المجري جان هونيادي، وهاجمت الحامية العثمانية فقضت عليها بجوار هرمانشتاد سنة 845هـ/ 1442 م، فأرسل السلطان نجدة بقيادة شاهين باشا ففشلت، ووقع شاهين باشا أسيراً، واستطاعت الجيوش الأوروبية استرداد مدينة بلغراد ونيش الصربية، وأخضعوا مدينة فيليبة، ووصلوا إلى الشرق من صوفيا عاصمة بلغاريا سنة 847 هـ/24/12/ 1443م، وأصبحت مدينة أدرنة مهددة.
خاف السلطان من ضياع البلقان، فشدد هجومه على القره مانيين، وانتصر عليهم وأخضعهم، وعاهدوه على الطاعة، وقاد الجيش وتوجه نحو البلقان، وأسفرت المفاوضات عن توقيع معاهدة سِغدِين "segedin" التي نصّت على دفع الجزية للعثمانيين من قِبَل الصرب والبوسنة والهرسك، وعلى استقلال بلاد الأفلاق، وتبادل إخلاء سبيل الأسرى من الجانبين، وتقرر أن تكون الهدنة لمدة عشر سنوات.
6
وقعة وارنة "فارنا"
بعدما وقَّع السلطان مراد الثاني الهدنة مع التحالف الأوروبي، توفي ولي عهده الأمير علاء الدين في مدينة آماسيا الأناضولية في شهر ذي القعدة سنة 846 هـ/ آذار سنة 1443م، فدفن في بورصة، وحزن السلطان، وتنازل عن كرسي السلطنة لولده محمد الثاني الملقب بالفاتح، وكان عمره إحدى عشرة سنة، وشكل له ديوان حُكم ضم بعض أهل الحلِّ والعقد من خواصِّ الخاصّة، واعتكف السلطان مراد الثاني في مدينة مغنيسيا التركية، وتفرغ للعلم والعبادة.
علم الكردينال "cesarini" سيزاريني "جساريني" والبابا يوجين الرابع أن السلطان مراد قد اعتكف، وتنازل عن الحكم لولده، فظنّا أن الجو قد خلا لهما، فأمرا بنقض الهدنة، وقاد خامس حملات جيوش التحالف الأوروبية ملك المجر لادسلاس، وأغار على حدود السلطنة العثمانية، وسيطرت البحرية الأوروبية على مضيق الدردنيل "غاليبولي".
وزحفت جيوش التحالف الأوروبي المكونة من ثمانين ألف مقاتل من بولونيا وألمانيا وفرنسا والبندقية وبيزنطة والبابوية وبروغنديا والمجر بقيادة الملك لادسلاس وجان هونيادي، ونهبت الجيوش الكاثوليكية ممتلكات الأرثوكس وكنائسهم في طريقها، وعقدت العزم على احتلال القسطنطينية بعد النصر على العثمانيين، وتوجهت نحو مدينة وارنة "فارنا" على ساحل البحر الأسود في شرقي بلغاريا.
استنجد السلطان الفاتح بوالده، فقاد السلطان مراد الجيوش الآسيوية، وعبر مضيق البوسفور "بوغاز القسطنطينية" وكان بصحبته الصدر الأعظم خليل باشا الجاندرلي المخزومي، والقائد شهاب الدين باشا، ووصل أدرنة خلال يومين من المسير السريع، فاختار من الجيش أربعين ألفاً، وقصد قوات التحالف الكاثوليكي، وحصلت المعركة التصادمية أمام مدينة وارنة "فارنا" على سواحل البحر الأسود في 28 رجب سنة 848 هـ/ 10/ 11/ 1444م، وتبارز الملك الكاثوليكي لادسلاس، والسلطان مراد الثاني، وأسفرت المبارزة عن مصرع الملك لادسلاس، ومصرع الكردينال سيزاريني "جساريني" وكيل البابا يوجين الرابع ولما قُتِلا ولّت الجيوش الأوروبية الأدبار، وقاد فلولهم الهاربة جان هونيادي، وأسرت القوات العثمانية أكثر من خمسين ألف أوروبي، وغنمت غنائم كثيرة، وعادت إلى أدرنة غانمة ظافرة، وهكذا كان انتصار السلطان مراد الثاني في فارنة شبيه بانتصار جده يلدريم أبا يزيد الأول في معركة نيغوبولي قبل ذلك بمدة ثمان وأربعين سنة، وجاءت التهاني من الأقطار الإسلامية، وأمر سلطان المماليك جقمق بتلاوة اسم السلطان مراد الثاني بعد اسم الخليفة العباسي، والدعاء بالرحمة للشهداء في جوامع ومساجد القاهرة وتوابعها المملوكية.
7
عودة السلطان مراد الثاني
طلب السلطان الفاتح وقادة الجيوش العثمانية من السلطان مراد أن يكف عن اعتكافه، فجاملهم واعتلى العرش ثانية في كانون الثاني سنة 1445م، وبعد أحد عشر شهرا قرر الاعتكاف ثانية في 12/ 12/ 1445م، وأعاد العرش إلى السلطان محمد الثاني، وعاد إلى مسجده في مغنيسيا، ولكن أهل الحل والعقد أجمعوا على ضرورة عودته إلى العرش خشية التحالفات المضمرة بين أمراء الطوائف في الأناضول مع التيموريين في آسيا والبابوية ودول البلقان، ولذلك عاد السلطان من اعتكافه وجلس على عرش السلطنة ثالث مرة في 5/ 5/ 1446م، وبدأ إخضاع الإمارات البلقانية المتمردة في المورة، وبلاد الأرناؤوط ولا سيما بعدما ارتدوا عن الإسلام، واعتنق اسكندر بك الكاثوليكية وساندته البابوية والأوربيون، فزحف عليه السلطان مراد ومعه ولي العهد محمد الفاتح في ربيع سنة 1447م، وحينذاك مات ملك التتار شاه رخ بن تيمور لنك في 12/ 3/ 1447م، وتقاسم الوارثون سلطته، فأصبحت السلطنة العثمانية أقوى دول العالم.
8
واقعة قوصوة الثانية
بينما كان السلطان مراد يحارب المرتد إسكندر بك الأرناؤوطي تحرّك حلفاؤه الأوربيون، وأمر البابا بتجهيز الحملة الأوروبية السادسة ضد العثمانيين بقيادة جان هونيادي الذي قاد الحملة المكونة من مائة ألف مقاتل، وتوجه نحو مدينة صوفيا البلغارية، واصطدمت بالحاميات العثمانية، فتراجع السلطان عن حرب الأرناؤوط المرتدين وومن معهم من البكتاشيين، وقصد جيوش الحملة الأوروبية، وحصلت المعركة التصادمية بين المسلمين والكاثوليك في سهل قوْصَوة "كوسوفو" واستمرت المعركة ثلاثة أيام في شوال سنة 852 هـ/ 17 و18 و19 تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1448م، وحقق السلطان مراد الثاني انتصاراً يشبه انتصار مراد الأول الذي حصل في كوسوفو قبل ذلك بستين سنة، وفي الليلة الأخيرة من المعركة فرَّ القائد الأوروبي جان هونيادي من ميدان القتال تحت جنح الظلام، وفرَّ معه من نجا من القتل والأسر، ثم عاد السلطان إلى أدرنة، وبنى فيها جامع المرادية، واهتم بالعمران والعبادات.
9
أواخر سنوات السلطان مراد الثاني
قضى السلطان مراد الثاني على خطر التحالف الأوروبي المتآمر مع بقايا تتار المشرق والفُرس وأمراء الطوائف، وبعد ذلك توجه السلطان مراد وولده محمد الفاتح إلى حرب الأرناؤوط في صيف سنة 1449م، ولكنهم لم يعثروا على المرتد إسكندر بك حيث اختفى عن الأنظار، فعاد السلطان إلى أدرنة، وتزوّج محمد الثاني البالغ سنّ السابعة عشرة من الأميرة مكرمة خاتون بنت أمير بلاد ذي القدرية، وأقيمت الأفراح في أدرنة في ذي القعدة سنة 853 هـ/ الموافق لـ 15/ 12/ 1449م، ثم تولى محمد الثاني إمارة صاروخان، وأقام في مدينة مغنيسيا في الأناضول، وتوفي الخليفة العباسي المستكفي بالله في القاهرة سنة 854 هـ/ 1450م، وبويع أخوه القائم بأمر الله، فأرسل إليهم السلطان مراد معزيا بالخليفة الراحل، ومهنئا بالخليفة الجديد.
10
وفاة السلطان مراد الثاني
توفيت السلطانة هِمَّة خاتون والدة السلطان محمد الثاني "الفاتح" سنة في أيلول/ سبتمبر سنة 1449م، ودفنت في مدينة بورصة، ثم مرض السلطان مراد الثاني مدة قصيرة في مدينة أدرنة، فأوصى أن يدفن في قبر عادي مكشوف دون قبة يدل على تواضعه وتقواه، وأوصى أن يُخصَّص مكان لتلاوة القرآن بجانب قبره، ثم رحل إلى الدار الآخرة في الخامس من محرّم سنة 855 هـ/ 3 شباط/ فبراير سنة 1451م، وقد بلغ سنّ التاسعة والأربعين إلا أربعة أشهر بعدما تسلطن مدة 29 سنة وعشرة أشهر و26 يوماً، ونقلت جنازته إلى مثواه الأخير في مدينة بورصة، ودفن حسب وصيته في يوم الجمعة، وتمت البيعة لولده محمد الثاني الفاتح.
كان السلطان مراد الثاني رحمه الله شاعراً وموسيقياًّ ومجاهداً جليلاً صالحاً يعتني بالعلم والعلماء والصالحين، كريماً واسع العطايا، وقد خصص لصُرّة الحرمين الشريفين في كل عام مبلغ 3500 دينار، وقد اهتم بالعمران فشيد المساجد والجوامع والمدارس والتكايا والزوايا ودور الضيافة والخانات والجسور، وتمهيد الطرقات، ومن أشهر شيوخه ابن عرب شاه (1389 ـ 1450) م.
قال المؤرخ الألماني فون هامر "Van Hammer" : "حكم السلطان مراد الثاني في سلطنته بعدالة وشرف مدة ثلاثين سنة، وكان عادلا سليم النية مع رعيته دون تفريق بين الأديان، وكان وفياً بوعده في الحرب، وعهده في السلم، وكان يفضل الصلح، ولكنه لايتردد في الحرب إذا دعت الضرورة لذلك، وكان انتقامه شديداً من الذين يخونون عهودهم، ولم يفقد دهاءه حتى نهاية أيام حُكمه" وقال المؤرخ الفرنسي غرينارد "Grenard" : "إن كان مراد الأول معمار السلطنة العثمانية الأول، فإن مراد الثاني هو بانيها الثاني".
ملاحظة : نشرت هذه المادة في الواحة بملحق التراث في جريدة الحياة، الصفحة: 19، يوم السبت 13 ربيع الأول 1426 هـ/ 21 / 5/ 2005م
الواحة العثمانية الرابعة
بداية عهد السلطان محمد الثاني الفاتح
د. محمود السيد الدغيم
باحث أكاديمي في جامعة لندن
كلية الدراسات الشرقية والإفريقية
1
وفاة السلطان مراد الثاني
توفيت السلطانة هِمَّة خاتون والدة السلطان محمد الثاني "الفاتح" سنة في أيلول/ سبتمبر سنة 1449م، ودفنت في مدينة بورصة، ثم مرض السلطان مراد الثاني مدة قصيرة في مدينة أدرنة، ثم رحل إلى الدار الآخرة في الخامس من محرّم سنة 855 هـ/ 3 شباط/ فبراير سنة 1451م، وقد بلغ سنّ التاسعة والأربعين إلا أربعة أشهر بعدما تسلطن مدة 29 سنة وعشرة أشهر و26 يوماً، ودفن حسب وصيته في يوم الجمعة، وتمت البيعة لولده محمد الثاني.
2
ميلاد محمد الثاني وطفولته
وُلد محمد الثاني بن السلطان مراد الثاني في القصر السلطاني في العاصمة العثمانية أدرنة صبيحة اليوم الثلاثين من شهر آذار/ مارس سنة 1432 م، وكانت قابِلَتُه "إبه خاتون" ومربيته وأمه من الرضاعة أم كلثوم خاتون، وقد حظي برعاية والده السلطان، وأمّه السلطانة همّة خاتون، وأخيه الأكبر علاء الدين الذي كان في سن السابعة عند ولادة محمد الفاتح.
وبعدما تجاوز الفاتح سِنَّ الطفولة الأولى خصص له والده بعض المدرسين، ولكنهم فشلوا في تعليمه لأنه كان مشاكسا يرفض الانصياع لأوامرهم، ونظراً لذلك فقد أوكل السلطان مراد الثاني مهمة تربية ولده وتعليمه إلى العلامة المولى أحمد بن إسماعيل الكوراني، وأعطاه قَضِيبَاً ليضرب به محمداً إذا شاغب، ودخل الكوراني غرفة التدريس والقضيب بيده، وقال للأمير محمد الثاني: "أرسلني والدك للتعليم والضرب إذا خالفت أمري, فضحك الأمير محمد مِنْ ذلك الكلام، فضربه الشيخ الكوراني في ذلك المجلس ضرباً شديداً حتى خاف منه الأمير محمد، وختم القرآن في مدة يسيرة، ولم يبلغ الثامنة، ثم عَلَّمه العلوم الإسلامية المعتمدة عند جمهور العلماء المدرسين، وقرأ الفاتح على المولى الكوراني كتب التاريخ، وظهر نبوغه، وتفوقه على سائر الأمراء، وأتقن منذ طفولته اللغة التركية والفارسية والعربية قراءةً وكتابةً ومحادثةً وترجمة، وفي أيام شبابه تعلم اللغة اليونانية، واللغة الصربية، واللغة الإيطالية، واللغة اللاتينية.
واهتم الفاتح بمناظرات العلماء، وعُرفت عنه مباحثة البعثات الديبلوماسية الأجنبية دون الاستعانة بالمترجمين. وقد كلف السلطان مراد بتعلم ابنه محمد معلماً ثانياً هو الشيخ الروحيّ الشريف محمد بن حمزة الدمشقي، الملقب "أق شمس الدين" فاشترك مع الكوراني في تربية وتعليم وتهذيب الأمير محمد، وغرسا في نفسه منذ صغره بأنَّه الأمير المجاهد المقصود بالحديث النبوي الوارد في مسند الإمام أحمد بن حنبل "لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش" وأتقن الفاتح العلوم النقلية من علوم القرآن الكريم، وعلوم الحديث النبوي، والفقه وأصوله، وأصول الدين، ونبغ في التاريخ والجغرافيا والمنطق، والعلوم العقلية من رياضيات وفلك، وفنون السياسة الشرعية.
3
التعلم العالي
لم يقتصر الفاتح على تعلُّم العلوم الرائجة في زمانه بل تابع التحصيل في شبابه حينما كان أميرا، وتابع الدراسة عندما أصبح سلطانا، وبعد فتح القسطنطينية أنشأ جامع الفاتح، وأنشأ إلى جانبه كلية الفاتح، فكانت من أرقى جامعات زمانه، وجمعت بين العلوم النقلية والعقلية، ولم يعين الأساتذة اعتباطاً بل كان يجري المناظرات بين الأستاذ الجديد والعلماء، فإذا أفلح في المناظرة يتمّ تعينه، وكان السلطان يدرس الكتب مع مؤلفيها, ومن ذلك أنه درس كتاب المواقف في علم الكلام على مؤلفه الإيجي.
وتتلمذ على الكثير من العلماء المسلمين وغير المسلمين، فدرس على محمود بك قصاب زادة، وأخذ علم الرماية عن إبراهيم باشا النيشانجي، وأخذ العلوم العسكرية عن شهاب الدين شاهين باشا، ودرس على الصدر الأعظم سنان باشا، والملا سراج الدين محمد النيشانجي الذي توفي سنة 1482م.
ودرس على حسن جلبي الذي توفي سنة 1486م، والملا إياس، وعبد القادر أفندي قينالي، وجلبي زادة الإسبارطلي، ومحمد أفندي بن محيي الدين، وشيخ الإسلام منلا خسرو، والملا خير الدين الذي توفي سنة 1475 م، ومصطفى صالح أفندي بن الخواجة مصلح الدين الذي توفي سنة 1488 م، والملا زيرك، وابن التمجيد الذي توفي سنة 1451م، والملا الفقيه إلياس الأماسيالي، ودرس علوم القرآن الكريم على محمد ده ده الشيرواني.
ودرس الأدب على شاعر عصره حميد الدين بن الملا أفضل، وداهية العصر وشاعره الوزير أحد باشا البورصلي الذي توفي سنة 1497م، وأخذ الموسيقا والتاريخ عن شكر الله جلبي، كما أخذ الموسيقا عن ولي الدين أفندي الذي توفي سنة 1453م.
وأخذ اللغة اليونانية الكلاسيكية عن يورغيوس أميروتزس "yorgios Amirutzes" البيزنطي الطرابزني الذي مات سنة 1475م، وأخذ اللغة الإيطالية، واللغة اللاتينية والتاريخ القديم والجغرافيا وعلم الآثار عن سيرياكو أنكونيتاتو "Ciriaco Anconitato" الذي مات سنة 1455م، وأخذ التاريخ الإيطالي والأوروبي عن جيوفاني ماريو أنجيليللو "Giovani Mario Angielello" الذي مات سنة 1525م.
4
المشاريع المعادية للمسلمين
تعلم السلطان محمد الفاتح أساليب الحرب، ودرس كتب الحيل الميكانيكية، فاخترع منجنيقاً ضخماً، واخترع أربعة أبراج متحركة، واخترع أول مدفع هاون في التاريخ، وأشرف على صناعة المدافع العملاقة التي خرقت أسوار القسطنطينية، وغيرها من القلاع التي صمدت في العهود التي سبقت زمانه.
واهتم السلطان محمد الفاتح بدراسة التاريخ العسكري، وفنون السياسة، والمؤامرات المحلية والدولية، فقرأ نصوص المشاريع الأوروبية لتدمير السلطنة العثمانية، وما سبقها من ممالك المسلمين، وتوفرت له كتب الحروب الصليبية فدرسها
ودرس نصوص أربعة عشر مشروعاً من المشاريع التي أُعدَّت لتدمير الدول الإسلامية
وأول تلك المشاريع مشروع ملك صقلية كارلوس الثاني الذي قدمه إلى البابا نيقولا الرابع في 23 آب/ أغسطس سنة 1291م
والمشروع الثاني قُدم إلى البابا المذكور من الراهب فيدانس دوبار
والمشروع الثالث قدَّمه كارلوس دوفالو إلى البابا بونيغاس الثمن سنة 1301م
والمشروع الرابع الذي قدّمه بيير دبوا إلى البابا اكليمانضوس الخامس سنة 1300م
ومشروع ريمون دلول سنة 1306م
والمشروع السادس الذي قدمه مارينو سانوتو إلى البابا يوحنا الثاني والعشرين سنة 1321م
والمشروع السابع الذي قدمه هايتون، أو هيتوم الأرمني إلى البابا أكليمانضوس الخامس سنة 1307م
والمشروع الثامن الذي قدمه غليون دونو غاري إلى ملك فرنسا فيليب لوبيل سنة 1310م
والمشروع التاسع الذي قدمه الراهب الدومنيكي غليوم دادام سنة 1311م
والمشروع العاشر الذي قدمه ملك قبرص هنري دي لوزنيان إلى مجمع فيان المسكوني سنة 1311م
والمشروع الحادي عشر الذي قدمه الراهب الدومنيكي الألماني بروكارد إلى البابا يوحنا الثني والعشرين وملك فرنسا فيليب السادس سنة 1332م
والمشروع الثاني عشر الذي قدمه برتراندون دي لابروكيار سنة 1232م
والمشروع الثالث عشر الذي قدمه فيليب لوبون دوق بورغونيا سنة 1442م
والمشروع الرابع عشر الذي قدمه ملك فرنسا شارلس الثامن سنة 1459م
وبدراسة الفاتح لتلك المشاريع التآمرية لزم جانب الحذر في تعامله مع الدول الأوروبية طوال حياته، فعجزوا عنه في ميادين الجهاد، ولكنهم قتلوه غدرا بالسم.
5
ولي العهد
توفي ولي عهد السلطان مراد الثاني الشاه زادة علاء الدين في شهر ذي القعدة سنة 846 هـ/ آذار سنة 1443م، فدفن في بورصة، وشغل منصب ولي العهد أخوه الصغير الأمير محمد الثاني الذي كان في سنِّ الحادية عشرة، وتنازل السلطان مراد الثاني عن السلطنة لولده محمد الثاني الملقب بالفاتح، وتفرغ السلطان مراد للعبادة في جامعه بمدينة مغنيسيا التركية، ثم أعيدت السلطنة إلى السلطان مراد الثاني ثانية في كانون الثاني سنة 1445م، بعد معركة مدينة وارنة "فارنا" ولكنه قرر الاعتكاف ثانية في 12/ 12/ 1445م، وأعاد العرش إلى السلطان محمد الثاني، وعاد إلى مسجده في مغنيسيا، ثم تسلطن ثالث مرة في 5/ 5/ 1446م، وتولى محمد الفاتح إمارة "صاروخان" مانيسا، وأصبح الحاكم الفعلي، والقائد العسكري للقسم الآسيوي من السلطنة.
6
سلطنة الفاتح الفعلية
رحل السلطان مراد الثاني إلى الدار الآخرة في الخامس من محرّم سنة 855 هـ/ 3 شباط/ فبراير سنة 1451م، وكان آخر لقاء له مع ولده محمد في أدرنة في 15/12/ 1449م، وفور الوفاة عاد الفاتح من مدينة مانيسا مركز إمارة "صاروخان" وبويع بالسلطنة، وعمره 19 سنة، فكان تسلسله السلطان السابع من سلاطين آل عثمان، وبعد ذلك تحرك ضده كثير من أمراء الطوائف في بلاد الأناضول، وفي مقدمتهم أمراء إمارة قره مان المتآمرة مع البيزنطيين والأوروبيين، ولكن السلطان الفاتح قاد حملته الهمايونية الأولى في صيف سنة 1451م، وفتح بعض المناطق التي كانت خاضعة للقره مانيين في الأناضول، وبقيت خارجة عن طاعة السلطنة العثمانية بعض بلاد ابن قره مان ومدينة سينوب ودويلة طرابزون. واستمر الفاتح بقيادة الحملات الهمايونية.
7
بداية غزوات الفاتح
قاد السلطان محمد الفاتح شخصياً خمس وعشرين غزوة في سبيل الله، وعرفت تلك الغزوات عند المؤرخين الأتراك بالحملات الهمايونية، وتوفي مسموماً أثناء استعداده للحملة السادسة والعشرين، وقد اكتشف الفاتح بعبقريته العسكرية أهمية المضائق البحرية في الحروب، واستغل مضيق البوسفور الواصل بين البحر الأسود شمالاً، وبحر مرمرة جنوباً، ومضيق الدردنيل الواصل بين بحر مرمرة شمالاً، وبحر إيجة جنوباً، ومن أجل السيطرة على مضيق البوسفور بنى السلطان الفاتح ـ في النصف الأول من سنة 1452م ـ قلعة رومللي حصار إلى الغرب من المضيق بمواجهة قلعة آناضول حصار التي بناها السلطان أبا يزيد الأول إلى الشرق من المضيق، و تفصل بين موقعي القلعتين مسافة 660 متراً، وبذلك تمكنت المدفعية العثمانية من السيطرة التامة على المضيق، ووضعت البحرية العابرة في المضيق تحت السيطرة العثمانية، فاعتُبر السلطان الفاتح مؤسس نظام قتال المضائق البحرية بامتياز.
8
فتح القسطنطينية
رتب السلطان الفاتح القوات العسكرية العثمانية في قلعتي أناضول حصار، ورومللي حصار، وشحنهما بالمدفعية والذخائر، وعاد إلى العاصمة أدرنة القريبة من الحدود البلغارية الحالية، وعلم أن المؤامرات مازالت تحاك بين أمراء الطوائف المارقة في الأناضول، وبيزنطة وأوروبا، فباشر بتجهيز مشروع صناعة مدافع الهاون، والمدفعية العملاقة في مدينة أدرنة في شتاء سنة 1952 ـ 1953م، وشعر البيزنطيون بالخطر، فطلبوا النجدة الكاثوليكية، ولكن الكاثوليك طلبوا السماح لهم بإقامة الشعائر الكاثوليكية في كنيسة آياصوفيا الأرثوذكسية، فرضخ البيزنطيون، وأقيمت الشعائر بإشراف الكاردينال إيزدور مبعوث البابا في 12 كانون الثاني/ يناير سنة 1452م، وانتشر الإحباط بين البيزنطيين.
ثم قاد السلطان محمد الفاتح الحملة الهمايونية من مدينة أدرنة واتجه شرقاً في 23 آذار/ مارس سنة 1453م، وفتح القسطنطينية في يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى سنة 857 هـ/ 29 أيار/ مايو سنة 1453م، وأعلن أن إسلامبول أصبحت مقر العاصمة العثمانية، وأمر بإعمارها، ثم عاد إلى مدينة أدرنة في 21 حزيران/ يونيو 1453م، وبذلك أنهى مرحلة العصور الوسطى المظلمة، وابتدأ عصر النهضة.
وأصبحت السلطنة العثمانية أكبر وأهم دولة في العالم بعد فتح القسطنطينية، وأصبح الفاتح أهم رجل في العالم الذي عاصره، وكان يقدر عدد سكان العالم حينذاك بأربع مائة مليون نسمة، كان منها نحو 275 مليون نسمة في قارة آسيا، و70 مليونا في أوروبا، و40 مليونا في إفريقيا، و15 مليونا في أميركا.
نشرت هذه الواحة في جريدة الحياة يوم السبت 20 ربيع الأول 1426 م/ 28 أيار/ مايو 2005 م، العدد 15397 ، الصفحة : 19 . وهذه الواحة عن أواخر عهد السلطان مراد الثاني، وبداية عهد ولده السلطان محمد الثاني الفاتح
الواحة العثمانية الخامسة
د. محمود السيد الدغيم
باحث أكاديمي في جامعة لندن
كلية الدراسات الشرقية والإفريقية
ملاحظة : نشرت هذه الواحة في الصفحة 19 من ملحق التراث في جريدة الحياة بلندن، يوم السبت 27 ربيع الأول سنة 1426 هـ/ 4 حزيران 2005م
1
السلطان محمد الثاني الفاتح
وُلد محمد الثاني في العاصمة العثمانية أدرنة سنة 1432 م، وشغل منصب ولي العهد سنة 846 هـ/ آذار سنة 1443م، وآلت إليه السلطنة الفاتح الفعلية
بعد وفاة والده السلطان مراد الثاني سنة 855 هـ/ 3 شباط/ فبراير سنة 1451م، وقاد غزوات الفتح الهمايونية في سبيل الله تعالى، فكانت الغزوة الهمايونية الأولى ضد القره مانيين في الأناضول في صيف سنة 1451م، وفتح بعض المناطق التي كانت ، وفي الغزوة الثانية فتح القسطنطينية في يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى سنة 857 هـ/ 29 أيار/ مايو سنة 1453م، وأعلن إسلام بول عاصمة للسلطنة العثمانية، واستمر السلطان الفاتح بقيادة الغزوات الهمايونية.
2
حملات الفاتح الهمايونية
قرر الفاتح تأمين حدود بلاده الغربية، فقاد الغزوة الهمايونية الثالثة المعروفة بحملة مرفأ إنز الجنوي عند مصب نهر مريج في كانون الثاني/ يناير سنة 1453م، ثم قاد الغزوة الهمايونية الرابعة ضد صربيا سنة 1454م، ثم قاد الغزوة الخامسة ضد صربيا أيضا سنة 1455م، وأخضع إمارة مولدافيا "البغدان" ثم قاد الغزوة السادسة ضد صربيا سنة 1456م، فتمكن من اجتياحها ومعه 150 ألف مجاهد، و300 مدفع، و200 قطعة بحرية ـ نهرية.
ثم قاد الغزوة السابعة المعروفة بحملة المورة سنة 1458م، ففتح أثينا، وفتح 292 قلعة من قلاع القرون الوسطى اليونانية ـ البيزنطية، وبقيت بأيدي البيزنطيين ثمان قلاع، ثم قاد الغزوة الثامنة ضد صربيا، وأخضعها نهائيا في 8/11/ 1459م، ثم قاد الغزوة التاسعة سنة 1460م، فأخضع ما تبقى من بلاد المورة اليونانية، وبذلك أصبح البلقان الكبير خاضعا للسلطنة العالمية العثمانية.
3
التوسع العثماني في آسيا
بعد فتوحات البلقان الكبير، توجهت حملات الفاتح نحو جنوب البحر الأسود، ففي الغزوة العاشرة فتح ميناء وقلعة أماسرة في بداية سنة 1461م، وفي الغزوة الحادية عشرة ضم إمارة جندرلي أسفنديار في ربيع سنة 1461م.
ثم قاد الغزوة الثانية عشرة وفتح إمارة طرابزون البيزنطية في صيف سنة 1461م، واستسلم الإمبراطور دافيد كومين مُنهيًّا بذلك إمبراطوريتهم التي استمرت 257 سنة، وفتح العثمانيون لأول مرة في تاريخ الإسلام مدن وقلاع طرابزون وريزة وآرتوين، وسيطروا على الساحل الجنوبي للبحر الأسود بشكل كامل.
4
فتوحات البلقان
قاد الفاتح الغزوة الثالثة عشرة ففتح رومانيا "الأفلاق" سنة 1462م، وفي نفس السنة قاد الغزوة الرابعة عشرة، وفتح البوسنة بشكل تام، ثم قاد الغزوة الخامسة عشرة في البحر ضد اللاتين، وهي أول حملة بحرية يقودها سلطان عثماني شخصياً، وشيد قلعتين متقابلتين على طرفي مضيق الدردنيل "جنق قلعة".
وفي سنة 1463م قاد الغزوة السادسة عشرة، وقصد البوسنة ثانية، ولكنه وصل إلى صوفيا عاصمة بلغاريا ثم عاد إلى أدرنة، وضاعف التجهيزات، وقاد الغزوة السابعة عشرة، وتوجه إلى البوسنة سنة 1464م، ففتحها واعتنق أهلها الاسلام، ثم فتح ما جاورها من كرواتيا، وحاول ملك المجر استرداد البوسنة في ثلاث محاولات فاشلة سنة 1465، وسنة 1471م، وسنة 1479م.
وقاد الفاتح الغزوة الثامنة عشرة سنة 1466م، فألغى إمارة قره مان في قونيا، وولى عليها ابنه الأمير مصطفى، ثم قاد الغزوة التاسعة عشرة ضد المرتد إسكندر بك الأرناؤوطي سنة 1466م، وهرب إسكندر بك نحو الجبال، وبنى الفاتح قلعة الباسان، ثم قاد الغزوة العشرين ضد الأرناؤوط سنة 1467م، وبعد ذلك مات إسكندر بك سنة 1468م، وانتهى عصيان الأرناؤوط.
5
الفاتح في مواجهة الحلفاء
ترأس البابا بيوس الثاني اجتماع التحالف الذي عقد في مدينة ريجنس بورغ في نيسان/ إبريل سنة 1454م، وعاهدته على حرب العثمانيين ثلاثون دولة في أوروبا وآسيا، ففي آسيا تحالفت دولة "كرجستان" جورجيا، ودولة الخرفان البيض "آق قويونلو" التركمانية المخالفة للعثمانيين، والمسيطرة على إيران بزعامة حسن الطويل "أوزون حسن" ولكن الفاتح لم يهتز لذلك التحالف بل صمم على المواجهة، وعدم الخضوع للابتزاز، كان السلاجقة والعثمانيون قد قدموا أربعة ملايين شهيد حتى ذلك اليوم، للمحافظة على بيضة الإسلام.
وبدأت الحرب الكبرى في 3 نيسان/ إبريل سنة 1463م، فهجم الفرنجة من الغرب مع بقية الأوربيين والبابوية، فتصدى للهجوم الأوروبي الصدر الأعظم محمود باشا، ومات البابا في طريقه إلى الحرب سنة 1464م، وخاض السلطان معارك عديدة ضد البندقية، فأعدّت البندقية 14 مؤامرة لاغتيال السلطان حتى تموز سنة 1479م، ولم تنجح.
وقاد الفتح الغزوة الحادية والعشرين في صيف سنة 1470م، واجتاح قلاع ومواقع البندقية في بحر إيجة، وفتح جزيرة آغريبوز في بحر إيجة، وحرر الصدر الأعظم كديك أحمد باشا سواحل البحر الأبيض المتوسط.
6
التحالف الإيراني الأوروبي
برزت دولة غَنَّامَةِ الْخِرْفان البيض التركمانية المعروفة باللغة التركية: آغ قويونلو، أو آق قويونلو، أي: الخرفان البيض، وكان أول حكامهم قره إيلك عثمان (1389-1435 م) الذي تحالف ضد الخرفان السود والعثمانيين مع الخبيث تيمورلنك، فعيَّنَه حاكماً على ديار بكر وما حولها بعدما انتصر على العثمانيين سنة 1402 م، ثم بدأت حروب الخرفان البيض بالتعاون مع البيزنطيين ضد حكام أسرة غَنَّامَةِ الْخِرْفان السود -القره قويونلو، فقضوا عليها، واستولوا على مناطقها، وسيطر غَنَّامَةِ الْخِرْفان البيض على شرق الأناضول، وأذربيجان، وفارس، والعراق، وأفغانستان و تركستان، واتخذوا من تبريز الأيرانية عاصمة لها، وبلغوا أوج قوتهم في عهد حسن قوصون (أوزون) (1453-1478 م) الذي هزم التيموريين، وقتل ملكهم"أبو سعيد" سنة 1459 م، ثم قتل جهان شاه حاكم الخرفان السود "قره قويونلو" سنة 1467م، واستولى على عاصمته بغداد وتوابعها في كرمان وأصفهان، وفارس وهراة "هرات" وشنَّ حسن أوزون حملات على جورجيا، فاستولى على قلعة حسن كييف سنة 1462م. ثم خرتبرت (خربوط) سنة 1465 م، ثم تحالف مع الروم البيزنطيين والكاثوليك الأوروبيين ضد العثمانيين منذ سنة 1471 م، واتخذ من كرمان قاعدة عسكرية ليواجه العثمانيين من الشرق بالتعاون مع القوات المسيحية التي تهاجم من الغرب والشمال والجنوب، ومع ذلك هزم حسن أوزون أمام السلطان محمد الفاتح سنة 1473 م.
7
الفاتح على الجبهة الآسيوية
تعاهدت ثلاثون دولة أوروبية وآسيوية ضد العثمانيين في الثاني من شباط/ فبراير سنة 1468م، وحاولت قوات التحالف ضم مملكة المماليك المصرية السورية إليهم، ولكن دولة المماليك رفضت ذلك لاشتراكهم مع العثمانيين بالدين والمذهب،وعبأت دول التحالف قواها العسكرية، وخاضت ضد العثمانيين معارك فاشلة، ثم تعاهدت على خوض المعركة العمومية الكبرى بحراً وبراًّ، وبدأت المعارك البحرية ضد العثمانيين في سواحل البحر الأبيض المتوسط انطلاقاً قبرص، وتحرك أوزون حسن الآق قوينلو بجيش يتجاوز عدده الثلاث مائة ألف خيّال، وغادر خربوط قاصداً أرزنجان.
وترك السلطان الفاتح قوة كافية لحماية إسلامبول، وترك ابنه الأصغر جَمّ سلطان نائباً عنه أثناء غيابه، وتحرك السلطان الفاتح من إسلامبول في 11/4/ 1473م، ومعه مائة وتسعون ألف مجاهد يتوزعون في خمسة فيالق.
وكان السلطان الفاتح يقود فيلق المقدمة، ويقود فيلق الميمنة ابنه الأمير أبا يزيد الثاني، ويقود الفيلق الأيسر ابنه الأمير مصطفى، وترك في المؤخرة فيلقين للالتفاف على العدو، ووصل إلى سيواس، وقصد عدوه المتآمر، فوصل إلى الجنوب من غومش خانة التركية الشرقية في 11/8/ 1473م، وحصلت المعركة التصادمية في سُهُوب بلدة أوطلوق بلي "Otlukbeli" الواقعة شمال شرق مركز محافظة أرزنجان التركية.
وتحركت في البلقان قوات الحلفاء التابعة لملك المجر متياس، وإمبراطور ألمانيا فريدرك الثالث، وملك البندقية وتوابعه، وقرر الحلفاء تكرار هزيمة القوات العثمانية مثلما حصل قبل ذلك بإحدى وسبعين سنة في موقعة أنقرة بين السلطان العثماني أبا يزيد الأول، والمرتد تيمورلنك.
ودارت الحرب العالمين بين سلطان المسلمين محمد الفاتح وأعدائه الأوروبيين وعملائهم المرتدين الآسيويين، فهجمت أساطيل البندقية وغيرها على المواقع البحرية العثمانية، ولكنها صُدّت، ولم تحقق انتصاراً يُذكر، وفشلت القوات البرية في البلقان بقيادة الإمبراطور الألماني فريديرك، وملك المجر متياس، وتراجعت أمام هجمات فرسان الرومللي العثمانيين.
وبدأت المعركة البرية الكبرى بين قوات السلطان محمد الفاتح البالغ سنّ الحادية والأربعين، وقوات حسن الطويل التركماني البالغ سنّ الخمسين، وانطلقت قذائف المدفعية العثمانية، وبدأ حصاد فرسان العدوّ، وأوعز الفاتح لفيلقي الاحتياط بالالتفاف على العدو، فشكّلا فكي كماشة، ومنعا عساكر العدو من الفرار، وقَتَلَ الأمير العثماني مصطفى بن الفاتح قائدَ الجناح المعادي زينل ميرزا بن حسن الطويل، وأسر ثلاثة أمراء تيموريين، وهجم الأمير العثماني أبا يزيد الثاني على سرادق حسن الطويل، فهرب حسن الطويل، من ميدان المعركة، وقال لحليفه القره ماني أحمد بك: "يا قره مان أوغلو خرّب الله بيت سلالتك، سَبَّبْتَ خزيي وعاري، مالي وبني عثمان؟".
وأمر الفاتح بعدم ملاحقة الفارين، ومكث في الميدان مدة ثلاثة أيام يتفقد الجرحى والشهداء، وينظم أمور الأسرى، وطلب حسن الطويل الصلح، فأجابه الفاتح، ووقعا معاهدة صلح تضمنت اعتراف حسن الطويل بامتلاك العثمانيين لمملكتي طرابزون وقره مان، وأصبح حليفاً للعثمانيين في آسيا هو وأولاده من بعده.
8
الفاتح على الجبهة الأوروبية
خابت آمال التحالف الرومي البيزنطي - الكاثوليكي في أوروبا وآسيا بعد فشل عميلهم حسن الطويل "أوزون حسن" ومع ذلك قرروا الاستمرار بالتصدي للسلطنة العثمانية، واستمرت المواجهات العسكرية من سنة 1473م حتى سنة 1479م، وخلال تلك الفترة قاد قائد فرسان الصاعقة في رومللي المجاهد علاء الدين باشا ثلاث مائة وثلاثين معركة، عبر خلالها نهر الطونة "الدانوب" وأسر مهتاب خانم ابنة ملك المجر متياس وتزوجها، وفتح علي باشا فارادين المجرية سنة 1473م، ثم أخضع مملكة بودوليا سنة 1474م.
وقاد السلطان محمد الفاتح الغزوة الهمايونية الثالثة والعشرين في ربيع وصيف سنة 1476م، ففتح بلاد "البغدان" مولدوفيا. ثم قاد السلطان الفاتح الغزوة الهمايونية الرابعة والعشرين في أواخر سنة 1476م، وحاصر قلعة سمندرة، وتراجع عنها لسوء الأحوال الجوية. وتمكن الباشوات علي باشا، ومالقوج، وغازي اسكندر، وطرخان باشا أن يفتحوا زغرب عاصمة كرواتيا سنة 1476م.
وقاد السلطان محمد الفاتح الغزوة الهمايونية الخامسة والعشرين سنة 1478م، ونهد إلى بلاد الأرناؤوط في ألبانيا لتحريرها من البنادقة ففتح قلعة عاصمتهم أشقودرة في 26 كانون الثاني/ يناير سنة 1979م، وفتحت القوات العثمانية البندقية سنة 1478م، وفي سنة 1479م دخل داود باشا بلاد النمسا، وخضعت البندقية لتوقيع معاهدة سلام مع السلطان الفاتح في 25 كانون الثاني/ يناير سنة 1479م. وأرسل الفاتح حملة فتحت المجر سنة 1480م بقيادة الوزير علاء الدين باشا، ومعه 12 سنجق من فرسان المغاوير، وتوغلت الغزوة العثمانية في أراضي النمسا حتى وصلت إلىغراز "Graz".
9
فتح بلاد القرم
حكم أمراء تتار القبيلة الذهبية "آلطون أوردو" بلاد روسيا الشرقية وشبه جزيرة القريم، وجميع الجهات الواقعة شمالي البحر الأسود منذ زمن أميرهم جنكيز خان، وبلغت مساحة دولتهم مليوني كيلو متر مربع، وبلغ تعداد جيشهم مائتي ألف فارس، وخضعوا للطاغية تيمورلنك، وأبنائه وأحفاده من بعده في عاصمتهم سراي على نهر الفولغا، وتوابع بغجه سراي وقازان وأستره خان وسيبريا وشبه جزيرة القرم "مساحتها26 ألف كيلو متر مربع" وقبجاق آجاريا وباطوم وأكرانيا والكرج الجورجيون والأبخاز "الأباظية"، ثم خضعت تلك الدويلات للجنويين الإيطاليين الذين استولوا على ثغور آزاق وكفّه ومنكوب واتخذوها محطات للتجارة في البحر الأسود والعدوان على المسلمين العثمانيين.
وأرسل السلطان الفاتح حملة بحرية كبرى سنة 880هـ/ في 19 أيار/ مايو سنة 1475م بقيادة وزيره الصدر الأعظم كديك أحمد باشا إلى شبه جزيرة القرم ففتحها، وحرر سواحل البحر الأسود وبحر آزوف "آزاق" وطرد الجنويين، وحرر من أسرهم الأمير منكلي بن الحاج كراي، ونصَّبه السلطان الفاتح خاناً على بلاد القرم بالنيابة تلبية لطلب علماء القرم وأشرافها، وأرسله إلى بلاده، وصارت بلاد القرم ولاية ممتازة تابعة للدولة العثمانية، واستمرت تبعيتها للسلطنة العثمانية مدة ثلاث مائة سنة بعد ذلك التاريخ، وصار البحر الأسود بحيرة عثمانية وأصبحت حدود السلطنة العثمانية من الشمال عند خط العرض 55 جنوب موسكو.
10
الحملات على رودس
رحل فرسان القديس يوحنا من عكا سنة 1291م، ونزلوا في قبرص سنة 1301م، ثم استقروا كقراصنة في جزيرة رودس وما حولها من الجزر سنة 1308م، وشكلوا خطرا على الملاحة الإسلامية في البحر الأبيض المتوسط، وعجز عنهم المماليك، فأرسل السلطان ضدهم حملة بحرية سنة 885 هـ/ 1455م ففشلت، ثم أرسل حملة سنة 1467م ففشلت، ثم أرسل حملة سنة 1480م ففشلت بسبب الإمدادات الأوروبية، ولكنها فتحت في عهد السلطان سليمان القانوني، وهرب القراصنة إلى مالطة، واستقروا فيها.
11
الفاتح وإيطاليا
أدرك السلطان محمد الفاتح خطورة مركز إيطاليا الكاثوليكي، ودوره بالتحريض ضد المسلمين، فقرر غزوها، وأرسل حملة بحرية بقياد الصدر الأعظم كديك أحمد باشا في 26 تموز يوليو سنة 1480م، ففتح قلعة أوترانتو في جنوب إيطاليا، وصارت مركز لواء ـ سنجق عثماني، وبدأت المفاوضات لاستسلام نابولي قبل وصول الغزوة الهمايونية السادسة والعشرين في الربيع المقبل، ولكن نابولي لم تستسلم صلحاً، فغادر السلطان محمد الفاتح إسلامبول في 25 نيسان/ إبريل سنة 1481م، واتخذ من مرج السلطان "سلطان جايري" في منطقة أُسْكُدار الآسيوية البحرية قاعدة لتجهيز حملة إيطاليا.
12
وفاة السلطان الفاتح
رتبت البندقية خمس عشرة محاولة لاغتيال السلطان محمد الفاتح، ولكنها لم تنجح، ولذلك لجأت إلى الحيل السرية، فأرسلت الطبيب اليهودي البُندقي المدعو يعقوب باشا "Maestro Lacopo" فادعى الإسلام ظاهراً، وأسرّ اليهودية باطناً، ونظراً لسلامة طوية المسلمين فقد ترقى ذلك اليهودي حتى صار الطبيب الخاص للسلطان محمد الفاتح، وحينما كان يستعد للحملة السادسة والعشرين شعرت البندقية بخطر فظيع، فاتصلت سرًّا بالطبيب الخاص المدعو يعقوب باشا "Maestro Lacopo" ووعدته بمكافأة مالية مقدارها عشرون مليون دولار بأسعار زماننا، فدسّ السمّ للسلطان الفاتح، فتوفي في 3 أيار/ مايو سنة 1481م، ودُفن السلطان في قبره الخاص جنوب محراب جامع الفاتح في إسطنبول، وافتضح سرُّ الطبيب الخائن فتقاسمته سيوف الجنود، ولم يقبض ثمن خيانته من جمهورية البندقية.
ووصل نبأ وفاة النسر الكبير إلى أوروبا فأمر البابا بدق نواقيس الكنائس ابتهاجا مدة ثلاثة أيام، وكان عمر الفاتح 49 سنة وخمسة أيام، وكانت مدة سلطنته 13 سنة و21 يوما، ومدة آخر سلطنة له 30 سنة وشهران و28 يوماً، وترك ابنةً واحدة، وولدين هما: أبا يزيد الثاني، وجَمّ.
وحقق دولة عالمية واسعة بلغت مساحتها سنة 1453م 964000 كيلو متر مربع، منها 480000كيلو متر مربع في الأناضول، و 484000 كيلو متر مربع في الرومللي، ثم اتسعت حتى بلغت غداة وفاته 2214000 كيلو متر مربع منها 170000 كيلو متر مربع في آسيا، و511000 كيلو متر مربع في أوروبا، وعلى الصعيد القانوني وضع الفاتح وعلماء سلطنته دستور السلطنة المسمى: دستور الفاتح "فاتح قانون نامه سي" وخلف مكتبة حافلة بروائع المخطوطات المتنوعة وفيها ما أمر بترجمته من اللغات الأعجمية إلى اللغة العربية، وكتب عنه المؤرخ جيوفاني ماريا فيليلفو "Giovanni Maria Filelfo" قصيدة من أطول القصائد التي كتبت عنه وتقع في 4706 أبيات، وبعد وفاته آلت السلطنة إلى ابنه السلطان الغازي أبا يزيد خان الثاني.
يرحمهم الله جميعاً، ويرحم جميعا الشهداء والمجاهدين والصالحين المخلصين.
.