المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : من يحصد جائزة «مان بوكر» 2006 ؟


البسيوي
16/09/2006, 06:37 PM
كانت مفاجأة اللائحة النهائية لجائزة مان بوكر البريطانية خروج الكاتب المفضل لدى مكاتب المراهنات ديفيد ميتشل عن روايته «بلاك سوان عزيز». ما لم يفاجئ كثيرين خروج الفائزين السابقين الأسترالي بيتر كاري والجنوب افريقية نادين غورديمر. قالت لجنة الجائزة في بيانها ان كلاً من الروائيين الستة المرشحين للجائزة يملك «صوتاً مميزاً اصيلاً (...) وقدرة قوية على القص وتمسكاً بالحقائق التاريخية». ورواياتهم التي بقيت من اللائحة الأولية التي ضمت تسعة عشر كتاباً «تستولد مزاجاً ومناخاً يدومان طويلاً بعد الانتهاء من قراءتها».

حلت سارة ووترز (40 سنة) محل ديفيد ميتشل وباتت المفضلة في مكاتب المراهنات. لا يعني ذلك حتمية فوزها لأن افراد اللجنة الحكم يتمسكون بخلافهم احياناً حتى نصف الساعة الأخير. يعلن الفائز في حفلة مساء العاشر من تشرين الأول (اكتوبر) وينال خمسين ألف جنيه استرليني وقفزة في مبيع روايته قد تصل الى نصف مليون نسخة. ووترز الويلزية مثلية تناولت مثيلاتها في رواياتها السابقة الثلاث لكنها جربت الخروج من التصنيف في روايتها الرابعة المرشحة لبوكر «الحراسة الليلية». وجدت صعوبة في رسم الشخصيات، ثلاث مثليات وأخرى «طبيعية»، وعجزت عن تحريكها الى ان فكرت بماضيها بدلاً من مستقبلها.

تدور روايتها في الحرب العالمية الثانية التي منحت المادة الهائلة عنها حيوية وواقعية للنص. كاي تعمل سائقة سيارة إسعاف وترتدي ملابس الرجال في شوارع لندن بحثاً عن لحظات حميمة. هلن تعيش مع صديقتها جوليا الكاتبة البوليسية. لكن، كلتاهما تنتقلان بقلب خفيف من صديقة الى اخرى. فيف قطعت علاقتها الطويلة برجل متزوج وأضفى عليها الحداد «نوعاً من الرمادية، طبقة من الحزن، رفيعة كالرماد، تحت السطح مباشرة». للمرة الأولى تعتمد ووترز بطلاً ذكراً وأن جعلته امتداداً لها لكي تستطيع بناء شخصيته. الحرب خلفية الرواية التي تستكشف الحب والغيرة والخيانة وتحاول الاهتمام جدياً بمشكلات الدول الأخرى على رغم الحرب الطويلة في بريطانيا. بعد لقاء حميم تفكر هلن: «هل كان من الحمق، تساءلت، ان تشعر بالامتنان كما فعلت الآن، للحظات كهذه في عالم يملك القنبلة الذرية ومعسكرات الاعتقال وغرف الغاز؟ لا يزال الناس يمزق احدهم الآخر قطعاً. لا يزال هناك قتل ومجاعة واضطراب في بولندا وفلسطين والهند، والله أعلم اين ايضاً».

تدور حوادث «النهر السري» لكيت غرينفيل في اوائل القرن التاسع عشر ويعاني بطلها الفقر والإذلال الى ان يقرر السرقة ليعيل نفسه وزوجته. يبعد الى مستوطنة المحكومين في استراليا طوال حياته ويجد خلاصه في حب زوجته وشجاعتها. في لهفته الى استرجاع كرامته يضع يده على قطعة ارض كبيرة ويهتم بها بحب متملك، لكنه يعمى عن اشارات كثيرة تدل إلى ملكية احد المواطنين الأصليين لها. يبدو هؤلاء مثل النبلاء في وطنه انكلترا، فهم لا يعملون لكسب قوتهم بل يروون القصص ويهرجون لأطفالهم. العنف ينفجر فجأة ويهدد بخسارة كل ما حققه لكنه ينجح في الحفاظ على اسرته وأرضه. غرينفيل أسترالية في السادسة والخمسين، نالت جائزة أورانج النسائية في 2001، وجائزة كتاب الكومنولث عن «النهر السري» هذه السنة.

تكتب م. ج. هايلاند (38 سنة) في «احملني» عن طفل في الحادية عشرة يؤمن بأنه قادر على قراءة الأفكار واكتشاف الكاذب، ويحلم بالشهرة ودخول كتاب غينيس للإنجازات الخارقة. تروي هايلاند الإيرلندية احداث سنة في حياة الفتى المقبل على المراهقة الذي تعزز التغييرات العائلية اضطرابه. يعيش مع أبويه في بيت جديه لكن الأسرة تضطر الى الانتقال وتعرف العنف والفقر والتشرد. يتردد الأب على العاهرات في المبنى حيث تقطن الأسرة، وتصاب الأم بالكآبة، ويبول الفتى في ثيابه في المدرسة ويخسر صديقه الوحيد. هايلاند التي عملت محامية تكتب عن طفولة بائسة تبحث عن الحب والألفة ولا تجدهما، وتحار في عالم الكبار المزيف غير العقلاني. تعتمد الواقعية في تصوير الشخصيات ومنها الجدة التي تشرب الشاي وهي تمد لسانها الى الفنجان وتحتسي السائل وهي تحدث صوتاً. «احملني» عن طفل غير مستعد للعالم الذي يتسبب بالخوف والقرف والتردد. هل يتراجع أو يقدم؟

رواية الليبي هشام مطر الأولى «في بلاد الرجال» نالت مديح النقاد البريطانيين قبل ورودها في اللائحة الأولية للمرشحين للجائزة. تترجم الرواية الى ثلاث عشرة لغة، وتمتدح لغتها الجميلة التي تتغير وفق الموضوع لتصبح حسية او عبثية. الكاتب الليبي يتناول ايضاً طفلاً في التاسعة يصحو بقسوة على عالم يكاد يسحقه بحوادثه الكبيرة. يعتقد بأن والده يكثر من السفر للعمل ويراه فجأة في السوق يضع نظارات سوداً ويتظاهر بأنه لم ينتبه لوجود طفله. يكتشف فجأة عالماً ينقسم الى أطفال الموالين وأطفال المعارضين. يختفي والده ليشارك في انشطة الأخيرين ويظهر فجأة وجه آخر لوالدته. تكثر من تناول «ادوية» تشتريها من الخبّاز وتدخن سيجارة تلو سيجارة، وتبوح لطفلها تحت تأثير الكحول انها اجبرت وهي في الرابعة عشرة من عمرها على الزواج من والده الذي كان بضعفي عمرها بعد ان شوهدت تمسك بيد فتى في المقهى الإيطالي. يحس الطفل بأن والده كان عقاب والدته وأنه هو ختم مصيرها كسجينة تخرج من زنزانتها فقط عندما تفقد وعيها بالشرب. يعيش الطفل في حال «رعب هادئ» عندما يشاهد إعدام الأستاذ رشيد، صديق والده، على التلفزيون. يقطع البث المباشر عندما يقترب الأستاذ من الموت وتعرض صورة أزهار مرفقة بالنشيد الوطني. هشام مطر ولد في نيويورك في 1970 وعاش في ليبيا ومصر. اثناء دراسته الهندسة المعمارية في لندن خطف والده المنشق ونقل الى ليبيا حيث سجن وانقطعت الأنباء عنه.

«حليب الأم» لإدوارد سنت أوبين (46 سنة) تتمة لثلاثية «بعض الأمل» التي دوّن فيها الكاتب أحزان حياته. ولد في الساحل الغربي لإنكلترا في منطقة عاشت فيها اسرته منذ الغزو الفرنسي واعتدى عليه والده وضربه في طفولته. أدمن على الهيرويين، لكن العلاج النفسي ساعده على التخفف من مأساته وتصريفها ادبياً. تناول في الثلاثية طبيباً ملحداً يكره فقره الذي أضعفه اجتماعياً ويتزوج اميركية ثرية يعيش معها في بروفنس، فرنسا. يضرب الأب السادي طفله ويعتدي عليه، ويجبر زوجته على الزحف على الأرض وتناول الطعام في صحن الكلب. يتعاطى الأفيون ويورث ابنه الإدمان، ويلاحظ الأخير ان وجه الأب يبقى جميلاً شاباً كوجه دوريان غراي بطل اوسكار وايلد. عندما يتوفى الوالد يرى الابن حيوانات ميتة على لائحة الطعام في المطعم. «اذا اعتقدوا انني سآكل هذه فلا بد من انهم مجانين». في إحدى جلسات العلاج الجماعية من الإدمان تقول شخصية انها وجدت لطفاً وحباً فيها اكثر مما لقيت في غرف استقبال لندن كلها. «حليب الأم» يتابع مسار الابن الذي كبُر وتزوج من دون ان يجد الحب الذي بحث عنه طوال حياته. زوجته تميل الى الوحدة وتهمله لكنها تكرس نفسها لأطفالها لكي لا تكرر الأخطاء التي ارتكبتها والدتها معها. وهو يعتني بتثقيف ابنه ويمضي اكبر وقت ممكن معه لكنه ينسى انه يحتاج الى اللعب.

«وراثة الخسارة» لكيران ديساي عن قاض عجوز يعيش في بيت معزول متصدع على سفح جبال الهيمالايا. يريد التقاعد والموت بسلام لكن وصول ساي، حفيدته اليتيمة، للعيش معه يطيح خطته. ديساي في الخامسة والثلاثين وهي ابنة انيتا ديساي التي رشحت ثلاث مرات لنيل بوكر.

مودي بيطار - الحياة

البسيوي
16/09/2006, 06:38 PM
من يحصد جائزة «مان بوكر» 2005 ؟ (http://om.s-oman.net/showthread.php?t=194750)

www.themanbookerprize.com

البسيوي
18/09/2006, 11:15 PM
غازي القبلاوي - كيكا

إنه يوم صافي وساخن بطرابلس صيف العام 1979، وبينما سليمان الطفل ذو السنوات التسع مع والدته في السوق، ووالده في رحلة عمل خارج البلاد، يلمح سليمان ما يكاد يجزم أنه والده على الجانب الآخر من الشارع. ولكن لماذا يتظاهر أبوه بأنه لا يراه؟ ولماذا لا يأتي عندما يعلم بأن والدة سليمان تكاد تنهار؟.

يكشف هشام مطر من خلال روايته (في بلاد الرجال)، الصادرة عن دار بنيجوين العالمية، عالم من النادر مشاهدته من خلال القصة أو الرواية.

الروايه تأخذنا إلى عوالم السارد ذي السنوات التسع وهو ينشأ في بيئة مذهلة حين يختفي والد أعز أصدقائه، وهناك رجل يجلس خارج البيت طوال النهار، ملقياً أسئلة غريبة. ولكن لا يمر الكثير من الوقت قبل أن تصبح الهمسات مسموعة لأذن سليمان، حتى أنه في محاوله لانقاذ اسرته، قد ينتهي الامر به بخيانه اصدقاءه ووالديه وفي النهاية نفسه.

وهي تنقلنا إلى الأجواء التي يعيشها سليمان في طفولته المعزولة، كونه الأبن الوحيد لأبٍ يعمل بالتجارة وكثير السفر، وأم أجبرت تحت الضغوط الإجتماعية للزواج من والده، وتحت هذه الضغوط تتحول إلى مدمنة على الكحول والمهدئات. كما تسرد الواقع الإجتماعي والسياسي الذي تعيشه المنطقة من خلال العديد من الأحداث الدراماتيكية والمغرقة أحياناً في السخرية السوداء. واعتمد الكاتب على لغة شعرية سلسة في سرد أحداث الرواية التي تتواصل في مساحة 256 صفحة.

ولد هشام مطر العام 1970 بمدينة نيويورك وقضي طفولته في القاهره وطرابلس. وهو يقيم في لندن منذ العام 1986. ويعمل حاليا علي كتابة روايته الثانيه التي تقع أحداثها بين القاهره ولندن. وإلى جانب تخصصه كمهندس معماري فإن اهتماماته تتنوع بين النحت، والتصميم، والمسرح والشعر والترجمة.

في بلاد الرجال قالت عنها الروائية (آن مايكلز) ''إنها توضح لنا، أن الحب على الرغم من الخيانة، الحزن، الريبة، الغضب، الإرهاب السياسي يبقى هو الحب"

أما الروائية ساره برودهورست فتعبر عن الرواية بقولها أنها "مقلقه، مؤثرة، بل إنها تأسرك، إنها من ذلك النوع من الكتب الذي لا يتخلي عنك. . . مدهشة وقويه".

أما الكاتب البريطاني نديم إسلام فيقول "ساحرة. . . مليئة بالحقائق الأساسية: كلما توغلت في قراءتها كلما أحسست أن الطفولة التي يتم وصفها هي طفولتك"

ويعبر الكثير من النقاد عن أن هذه الرواية هي صنو رواية (عداء الطائرة الورقية) للكاتب الأمريكي الأفغاني خالد حسيني والتي صدرت العام 2003 ولاقت نجاحاً منقطع النظر في جميع أنحاء العالم.

وكان الروائي الليبي هشام مطر، كان قد أطلق مطلع شهر يونيو الماضي النسخة الهولندية من الرواية وأقيمت له أمسيات أدبية في كلٍ من لاهاي وأمستردام. وشهدت الرواية تنافساً حاداً لشراء حقوق نشرها من قبل الناشرين في بريطانيا خريف العام 2005 والذي فازت به في النهاية شركة (فايكنج) أحد فروع مؤسسة بينجوين العالمية للنشر، حيث وقعوا عقداً مع الكاتب لإنتاج كتابين ستكون (في بلاد الرجال) أولاهما. وتم شراء حقوق نشر الرواية في 14 عشر بلد آخر منهم ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، أسبانيا، البرتغال، اليابان وغيرها. وستصدر الطبعة الأمريكية في شهر يناير من العام 2007 عن دار نشر رواندوم هاوس العالمية.

أما النسخة العربية فيعكف الكاتب العراقي المقيم في لندن لؤي عبد الإله على وضع اللمسات الأخيرة على ترجمتها، ولم يتقرر بعد أين ومتى ستنشر بالعربية.

يقول هشام مطر في مطلع الرواية بلسان سليمان. "أتذكر الآن ذلك الصيف الأخير، قبل أن يتم إرسالي بعيداً، لقد كان العام 1979، والشمس في كل مكان، طرابلس استلقت بتألق وسكون تحتها، كل إنسان، وحيوان، ونمل، يجاهد للبحث عن الظل، الرحمة الحقيقية تأتي في الليل، نسمات باردة من الصحراء الحارقة، مرطبة بالبحر... كانت تقارب الواحدة."

البسيوي
11/10/2006, 07:22 PM
أعلن في وقت متأخر مساء أمس في العاصمة البريطانية لندن عن فوز الروائية المولودة في الهند كيران ديساي والبالغة 35 عاما عن فوزها بجائرة مان بوكر لعام 2006 عن روايتها " وراثة الخسارة".

كيران ديساي : ولدت في الهند عام 1971 ودرست في الهند وانكلترا والولايات المتحدة. وهي ابنة الروائية الهندية المعروفة " أنيتا ديساي". الآن ترتحل بين ثلاثة بلدان تقول أنها " لا تشعر بالاغتراب" وقد قضت أربع سنوات في كتابة روايتها الأولى " ضجة في بستان الجوافة" التي لا تعدها سيرة ذاتية وقد نشر مقتطف منها في عدد مجلة " نيويوركر" الخاص بالرواية الهندية وفي كتاب "عمل المرآة" وهي الأنطولوجيا المثيرة للجدل التي اختارها سلمان رشدي لخمسين سنة من الكتابة القصصية في الهند. وهي الآن طالبة في فصل الكتابة الابداعية / جامعة كولومبيا.

البسيوي
11/10/2006, 07:25 PM
على الرغم من أن رواية "كيران ديساي " الجديدة الرائعة تركّز على مصير بضعة أفراد عاجزين إلا أنها تنجح في استكشاف القضايا العالمية المعاصرة بألفة وتبصر : العولمة والتعددية الثقافية والتفاوت الاقتصادي والأصولية والعنف والإرهاب. وبغض النظر عن كون إطارها الزمني هو منتصف الثمانينيات إلا أنها تبدو المثال الأفضل لرواية ما بعد 11/ 9.

تستهل رواية " ميراث الخسارة" بفتاة هندية مراهقة يتيمة تدعى "ساي" تعيش مع جدها المتعلم في كامبرج والمحب لإنكلترا وهو قاض متقاعد في بلدة " كاليمبونج" في الجانب الهندي من الهملايا. و "ساي" متعلقة رومانسياً بأستاذها في الرياضيات " جيان" الذي ينحدر من المرتزقة الغوركة النيباليين ، لكنه في النهاية يرتد من امتيازها الواضح وينخرط مع جماعة من المسلحين النيباليين العرقيين. وفي سرد مواز تظهر لنا حياة "بيجو" ابن الطباخ الخاص بجد "ساي" الذي ينتمي إلى " الطبقة الظل" لمهاجرين غير شرعيين في نيويورك ويقضي معظم وقته يراوغ السلطات منتقلاً من مهنة رخيصة إلى أخرى.

إن ما يربط هذه الشخصيات اليائسة على ما يبدو هو الميراث التاريخي المشترك والتجربة الشائعة في العجز والإذلال. تكتب "ديساي" أن تحولات معينة حدثت منذ فترة طويلة هي التي أبرزتهم جميعاً". وهي بذلك تشير إلى قرون من الإخضاع الذي ارتكبته سلطة الغرب الاقتصادية والثقافية ، لكن نشوء ميدان مستو على ما يبدو في الاقتصاد العالمي أواخر القرن العشرين ساعد بالأحرى على نكء الجروح بدلاً من مداواتها.

كل شخصيات "ديساي" تقريباً تعوقها عن النمو المواجهات مع الغرب. وحين كان طالباً ، منعزلاً في إنكلترا العنصرية ، يشعر القاضي القادم " بالقليل جداً من الإنسانية على الاطلاق" ويثب حين "يلمس الذراع كأنما من الألفة التي لا تحتمل". ومع ذلك عند رجوعه إلى الهند يجد نفسه محتقراً لزوجته الهندية المتخلفة.

إن القاضي أحد أولئك " الهنود السخفاء" كما تصفه الرواية ، "الذين لم يستطيعوا أن يحرّروا أنفسهم من الشيء الذين حطموا أرواحهم من أجل تعلمه" والذين يمكن أن يتحول حبهم لإنكلترا إلى كره ذاتي. وهؤلاء الهنود هم أيضاً "مفارقة تاريخية" غير مرغوب بها في الهند ما بعد الكولونيالية إذ بدأ الناس الذين تعرضوا للقمع منذ زمن طويل في إدراك نبذهم والتعبير عن غضبهم ويأسهم. وبالنسبة لبعض شخصيات "ديساي" وبضمنها أحد جيران القاضي في "كالينبونج" يصبح هذا الأمر صدمة بارزة :" تماماً في الوقت الذي فكرت "لولا" بأن الأمر سيستمر ، مئات من السنين كأنه ماض واحد- ترولوب ، بي بي سي ، نوبة القصف والمرح في الكرسماس – فجأة ، كل ذلك الذي أدعّوا كونه بريئاً ومزاحاً و عجيباً وليس له شأن في الواقع ، أثبت كونه خطأ". ولا نخطئ التأثيرات الأوربية على استكشاف ديساي للفوضى واليأس في فترة ما بعد الكولونيالية. وفي بداية الرواية تقدم امرأتين هنديتين محبتين لإنكلترا وهما تناقشان رواية "انحناء في النهر" لـ ف.س. نيبول وهي رواية جد كئيبة عن مواجهة أفريقيا التقليدية مع العالم الحديث. وتعتقد "لولا" التي يتدلى حبل غسيلها تحت" وطأة السراويل التحتية القصيرة من متجر" ماركس وسبنسر" أنّ نيبول " غريب ، ملتصق بالماضي ..إنه لم يتقدم. عصاب كولونيالي ، لم يتحرر منه أبداً". وتستمر "لولا" في اتهام نيبول بأهمال حقيقة أنّ هناك "انكلترا جديدة" "مجتمعا كوزموبوليتانيا تماماً" إذ تحل فيه " تكة الدجاج محل السمك ورقاقات البطاطس كونها الوجبة الجاهزة رقم واحد". ودليل آخر فهي تشير إلى ابنتها ،وهي قارئة أخبار في إذاعة بي بي سي، التي هي غير مستعدة للشجار".

تحمل ديساي نظرة شكوكية عن مذهب التعدد الثقافي الذي يقوده المستهلك و يتبناه الغرب. وهي تشير إلى " الأناقة الصحية"، لصوت ابنة "لولا" ذات اللكنة البريطانية والذي " يعلو على أي فظاعات قد يفرضها العالم على الآخرين". وفي تلك اللحظات تبدو ديساي بعيدة عن كتـّاب مثل زادي سميث وهاري كونزورو والتي تتخذ رواياتهما رؤية متفائلة بصورة عامة عما دعاه سلمان رشدي " الهجنة ، الاختلاط ، التمازج ، والتحوّل الذي يأتي من الجمع الجديد المفاجئ للكائنات البشرية والثقافات والأفكار والسياسات والأفلام والأغاني".

في الواقع ، تناقش روايات ديساي التعددية الثقافية المحصورة بالحواضر الغربية والأكاديميات ، وهي لا تبدأ في تشخيص الأسباب المؤدية إلى التطرف والعنف في العالم الحديث. وتوحي بأنها حتى العولمة الاقتصادية لا تستطيع أن تصبح طريقاً إلى ازدهار المضطهدين وتلاحظ ديساي من نقطة واحدة أن "الربح ممكن حصاده عند الفجوة بين الأمم ، التي تعمل إحداها ضد الأخرى.

وهذا يترك معظم الناس في العالم مابعد الكولونيالي مع الوعد بالحداثة البالية – الحداثة التي كما تصفها ديساي ، في "صيغتها العادية ، ماركة جديدة اليوم ، ومحطمة في اليوم التالي". فليس من العجب أنّ الرجال أنصاف المتعلمين المستأصلين من جذورهم مثل "جيان" ينجذبون إلى قضية سياسية متيسرة في بحثهم عن طريقة أفضل. وهو يلتحق بما يشبه حركة قومية عنصرية كفرصة للتنفيس عن غضبه وإحباطه. وتذكر ديساي أنّ "الحزازات القديمة قابلة للاسترداد بشكل لا نهائي" وهي "صرفة لأنّ كارثة الماضي مضت. بقي الصخب فقط ، يتقطر، متحرراً". وخلافاً لجيان ، يحاول الآخرون أن يهربوا. وفي مشهد بعد آخر تصف هذه العملية – مثوى في أنكلترا ، بنغلات متداعية في "كالينبونج"، أدوار تحتانية تضم المهاجرين في نيويورك – فتبدو رواية ديساي مضاءة بالذكاء الاخلاقي العنيف والرقيق في آن واحد. لكن ليس هناك مشهد أشد رعباً من المشهد الذي يلتحق به "بيجو" بجمع الهنود وهم يتدافعون للوصول إلى طاولة الحصول على الفيزا من سفارة الولايات المتحدة. " الذي يدفع أكثر هو في المكان الأول. كم كان مبتسماً وراضياً بنفسه؛ نفض الغبار وقدم نفسه بالعادات المتقنة لقط. أنا متمدن سيدي ، جاهز للذهاب إلى الولايات المتحدة. أنا متمدن ، لاحظ "بيجو" أن عينيه المدركة جيداً للأجانب تتذكر مواطنيه من الرجال والنساء ، ثم تتزجج حالاً وتصبح ميتة".

يمتلك نثر ديساي مرونة غير مقتصدة وتوازناً. فهي تستطيع أن تصف هجوم "الرياح الموسمية في الهملايا وفأرة الأحياء الفقيرة لمنهاتن بالمهارة ذاتها. وهي أيضاً خبيرة في استعمال الأوصاف الجسدية لإثارة حالات العقل المعقدة. مثلاً، حين يحدّق "بيجو" في الحديقة بينما يحتفل بالحظ العظيم في الحصول على فيزا إلى أمريكا :" جرى استعمال المجاري في سقي رقعة من العشب خضراء فأنتنت وكشرت بصورة مشرقة في الغسق".

وبينما هو مسكين ووحيد في نيويورك يسترق "بيجو" السمع إلى رجال الأعمال وهم يأكلون شرائح اللحم ويبتهجون بالثروة التي سيحصلون عليها في الأسواق الجديدة في آسيا. فلاعجب أنه يصبح أخيراً "رجلاً يطفح بالرغبة في العيش ضمن صفاء ضيق محدود". وبالنسبة له تصبح إمكانيات المدينة اللامحدودة للاكتشاف الذاتي مصدراً للألم على الرغم من أنّ " جزءاً آخر منه قد تمدد: وعيه الذاتي ، الشفقة على الذات". إلا أن هذا الإدراك جعله يشتاق للتلاشي في اللامعنى والعودة إلى " المكان الذي قد يتخلى فيه عن هذه السيطرة المبالغ بها على مصيره".

وبعد أن يعود "بيجو" إلى الهند في المشاهد الذروية للرواية ، سرعان ما ينغمر بالهيجان المحلي من الغضب والإحباط والذي قد ابتعد عنه جسدياً إلى نيويورك وتوحي ديساي أن الانسحاب أو الهرب بالنسبة له وللآخرين لم يعودا ممكنين. وتختتم "ديساي" بالقول " لا يمكن أبداً أن تفكر مرة أخرى أن هناك ليس سوى نثر واحد، وأن هذا النثر يعود لها وحدها ، وأنها قد تخلق قليلا من السعادة العادية وتعيش بسلام ضمنها ".

وبغض النظر عن هذا التجريد لا تقدم ديساي لشخوصها إمكانية التطور أو الإصلاح. وعلى الرغم من أنها تخففها بالكثير من الفكاهة إلا أن رواية " ميراث الخسارة" قد تصدم قراءها لأنها تقدم رؤية حادة لا تلين. و كما كتب أورهان باموك مباشرة بعد 11 / 9 أن الناس في الغرب " من النادر أن يكونوا واعين لهذا الشعور الساحق والخزي الذي تعرض له أغلب سكان العالم" والذي لم تنجح في سبره لا الروايات الواقعية السحرية التي تمزج الفقر والحماقة بالسحر ولا غرابة أدب الرحلات الشعبي". وهذه هي الحقيقة العاطفية غير المنظورة التي تكشف عنها ديساي بينما هي تصف حياة الناس الذي قدّر لهم أن يمارسوا الحياة الحديثة كإهانة مستمرة لأفكارهم عن النظام والكرامة والعدالة. ولا نحتاج إلى أن نتفق مع هذه الرؤية كي نعجب بقوة ديساي الفنية في التعبير عنها.


راجعها : بانكاج ميشرا
ترجمة : نجاح الجبيلي
عن نيويورك تايمز - جريدة المدى

البسيوي
12/10/2006, 09:16 AM
كما كانت اللائحة النهائية للمرشحين لجائزة مان بوكر البريطانية مفاجأة كذلك كانت الفائزة. وقعت سارة ووترز ضحية أخرى للتوقعات التي تحدتها اللجنة الحكم مذ اقصت الانكليزي ديفيد ميتشل والاسترالي بيتر كيري عن اللائحة النهائية. هذه اللجنة اختارت الهندية كيران ديساي، خامس المرشحين للفوز من الكتاب الستة، مفضلة البعد المتعدد الحضارات على الانكليزية «الأصيلة» وسط النقاش المتجدد على النقاب الذي بدأه وزير الخارجية السابق جاك سترو، نائب منطقة بلاكبرن التي يكثير فيها المسلمون، منذ أيام.

ديساي ثاني أصغر الفائزين بعد بن اوكري الذي نال أهم الجوائز البريطانية في 1991 عن اثنين وثلاثين عاماً. في الخامسة والثلاثين وابنة الكاتبة انيتا ديساي التي رشحت ثلاث مرات لبوكر ولم تنلها. استبعدت الفوز بسبب خيبة والدتها، وقالت ان الجائزة التي تقدم فقط لأحد المنتمين الى دولة في الكومنولث استعمارية. شركة مان بوكر التي تقدم الجائزة البالغة خمسين ألف جنيه استرليني (اكثر من 92 ألف دولار) شركة خدمات مالية، وروايتها الفائزة «وراثة الخسارة» الصادرة في بريطانيا عن دار هاميش هاملتون تهاجم العولمة وحضارة الاستهلاك. قبول الجائزة يعني القبول بالامبراطورية والشركات الكبيرة. «انه عالم مجنون، لكنني لست مجنونة تماماً لأرفضها».

تنتمي الى حضارتين، ورافقت والدتها الى انكلترا فأميركا حيث عملت في التعليم. تعيش في الولايات المتحدة منذ عقدين، لكنها عجزت عن اداء الولاء لأميركا بعد فوز جورج بوش الابن بالرئاسة في العام 2000. تتكلم الانكليزية بلكنة هندية قوية وتتردد على الهند مراراً بعد هجرتها مع والدتها وبقاء والدها وسائر أفراد العائلة في وطنها الأصلي. «وراثة الخسارة» تمتد في مساحة روائية واسعة بين قرية شمال شرق الحملايا ونيويورك وتشترك شخصياتها بالمعاناة من الذل والعجز عن التحكم بالحياة. ينعزل قاض هندي متقاعد في منزل متصدع في القرية ويتطلع الى قضاء بقية حياته بهدوء سممه اشمئزازه من نفسه وقومه. درس المحاماة في جامعة كمبريدج الشهيرة حيث أدى التمييز العنصري ضد «هؤلاء الهنود المثيرين للضحك» الى تبنيه مقولة المستعمر ضد بني قومه. بالكاد شعر أنه انسان لكن عاشق الثقافة الانكليزية تغلب على صراع الحضارتين بالتنكر لذاته ومحاولة الالتحاق بمن يرفضه. في الرواية هنديتان اخريان تتخذان موقفاً مماثلاً بالتعالي على ثقافتهما الاصلية ومحاولة الانتماء الى التقاليد الانكليزية «العريقة». تصغيان الى هيئة الاذاعة البريطانية وتقرآن جين اوستن وترولوب وتشربان الشاي بعد الظهر وترتديان ثياباً داخلية من «ماركس اند سبنسر». عندما تقرآن «منعطف النهر» لنيبول ترى احداهما الكاتب غريباً عالقاً في الماضي ومصاباً بالعصاب الكولونيالي. انكلترا اليوم مجتمع جديد، تقول الأخرى، احتل فيه الدجاج الهندي محل وجبة السمك والبطاطا الانكليزية في صدارة المآكل.

يحبط القاضي عندما تهدد مأساة عائلية خطة تقاعده في المنزل الذي بناه سكوتلندي مهووس برومنطيقية جبال الحملايا. تقصده حفيدته ساي لتعيش معه بعد مقتل ذويها دهساً في موسكو حيث كان والدها يدرس ليصبح رائد فضاء. يهتم بها الطباخ كأنها ابنته مع أن القاضي يذله كما يذل اصحاب العمل ابنه المهاجر بطريقة غير شرعية الى الولايات المتحدة. تحب ساي معلم الرياضيات النيبالي لكن هذا يتركها لينضم الى جماعة متمردة تقاتل لتستقل عن الهند وتهاجم منزل القاضي للاستيلاء على بنادقه. تشعر ساي أن البشر موعودين بالخسارة غالباً لا الرضى، على أن حزن الماضي يرحل ليترك الغضب النقي يحرر الشخص وفق الكاتبة.

ترفض ديساي العولمة الاقتصادية لانها لا تؤدي الى ازدهار المسحوقين، وتقسم العالم اثنين يسافر احدهما ليكون خادماً والآخر ليكون ملكاً. دارت سنة كاملة على دور النشر بمخطوطة الرواية لكن كثيرين رأوها «منحرفة وشنيعة». رئيسة اللجنة الحكم لجائزة مان بوكر هذه السنة وجدتها «رواية رائعة فيها حكمة وبعد انساني، حنان كوميدي ورهافة سياسية قوية». هي الرواية الثانية لديساي التي نالت جائزة بيتي تراسك عن باكورتها «جلبة في بستان الغوافا» التي هاجمها نقاد هنود لنمذجتها بلادهم: الزيجات المدبرة، الرياح والفيضانات الموسمية، القرود والمانغو. قضى التقليد الادبي بكتابة كتاب ثان بسرعة لتعزيز مكانتها الأدبية لكنها صمتت وانعزلت وتجاهلت رنين الهاتف. قوبلت بالتجاهل بعد ذلك ولم يعد هاتفها يرن الا بعد ورود اسمها المفاجئ في اللائحة النهائية كان بوكر علماً أن الصحف البريطانية استخفت بـ «وراثة الخسارة» ولم تراجعها حتى بعد ذلك. تشكر والدتها انيتا «مع حب كثير» في مقدمة الرواية التي كتبت قسماً كبيراً منها في منزلها على نهر هدسون وخلال رحلات كتابية معها الى مكسيكو. ورثت نظام الكتابة عن أمها لكن اسلوبها مختلف، وهي تغيره في «وراثة الخسارة» وفق الحيز المكاني فتقتصد وتمرح في نيويورك وتتكثف وتتمدد في الحملايا.

مودي بيطار - الحياة