المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : وجهــا الإحتلال وبوصلة المقدس في العـراق


hajaj79
03/09/2006, 11:16 PM
الشواهد التي تقول ان العراق يخضع لاحتلالين أكثر من بيّنة. فغير الاحتلال الأمريكي، هناك الاحتلال الإيراني أيضا.
لهذا السبب لم تستطع المقاومة العراقية ان تحتفل كثيرا بانتصار "حزب الله" ضد العدوان الإسرائيلي، ربما لأنها كانت ترى في علاقاته مع ايران وجه الاحتلال الآخر.
ولهذا السبب، في المقابل، كانت تظاهرات التضامن "المليونية" مع "حزب الله"، التي قام بها اتباع إيران في العراق، مجرد عملية نَصب، (بالنجفي: "حلاوة بجدر مزروف")، لان التضامن الصادق مع "حزب الله" كان يقتضي الانخراط في مقاومة الاحتلال الأمريكي، لا العيش تحت إبطه.
هكذا، إذن، تجد المقاومة العراقية نفسها، بين هذين الاحتلالين، مرغمة على التعامل مع "عدوين" لكل منهما تداخلاته، ولكن لكل منهما حساباته الخاصة أيضا. وهذه (التداخلات والحسابات) ليست بالضرورة متناغمة او متوافقة حتى حيال الموقف من المقاومة نفسها، رغم انها تبدو لكلا هذين "العدوين".. عدوا مشتركا.
تفاوت الارتباطات والتداخلات بين القوى الفاعلة في العراق، يضفي على المشهد الراهن مقدارا كبيرا من علامات التمزق والفوضى، حتى ليصعب على أكثر حكماء السياسة حكمة أن يخرج منها بتصورٍ واضحٍ حول ما إذا كان يمكن إعادة ترتيب الخريطة السياسية لتخدم هذه الوجهة او تلك.
يجب الاعتراف أيضا أن المقاومة العراقية ليست موحدة هي نفسها، وذلك حتى وإن بدا أن الوطنيين، من مناضلي الأحزاب التي لم تلوثها الطائفية، هم الذين يشكلون القوة الرئيسية لهذه المقاومة. ومن يدري، فان التشكيلات المتفاوتة للمقاومة، قد تكون هدفا قائما بذاته، لحمايتها وضمان ديمومتها.
ما يهم في هذا الخضم هو ان،..
1- المقاومة لا تخاض بالسلاح وحده. السياسة يجب ان تكون عنصراً مكملاً لما يمكن أن يفعله السلاح.
2- لا يمكن كسب المعركة على جبهتين في آن واحد. وإذ يمكن تحييد هذا الطرف، وتأجيل ذاك، واستدراج ذلك، فان تركيز الجهد على ما يفترض انه >العدو الرئيسي< يمكن أن يساعد في اختصار المعركة والاقتصاد في تكاليفها.
3- خوض المعركة على جبهتين، إنما يشتت القوى ويزيد من تعقيدات الفوضى، ويوفر فرصاً لقوى الاحتلال لكي تلعب لعبة "التحييد" و"التأجيل" و"الاستدراج".
4- هزيمة أحد الإحتلالين، إذا ما تركزت الجهود حوله، يمكن أن تسرّع في هزيمة الاحتلال الآخر، او في الأقل، تُضعف قواه، وتوفر مساحةً كافية لاسترداد الوطنية، بدلا من الطائفية، كمعيار للعلاقات بين القوى والأحزاب.
5- الاحتلال الإيراني، قد يبدو طفيلياً يعيش على بقرة الاحتلال الأمريكي، مما يغري بقتله أولاً، إلا انه كأي طفيلي "طائفي-سياسي" لن يضعف أو ينهار قبل أن يموت مصدر إمداده بالحياة.
6- هناك "تعايش" جلي بين الإحتلالين، ولكن قد يمكن كسره، وكسر التواطؤ الضمني بينهما، بالتركيز على واحد منهما.
7- المشروع الصهيوني-الأمريكي هو العدو الأساسي. وهزيمته يجب أن تكون هي الهدف الأول والأوحد الآن. وكلما كانت الهزيمة بيّنة أكثر، كلما كانت ثمارها السياسية أنضج. كل جهد يذهب في غير هذا الاتجاه سيكون جهداً ضائعاً.
8- عندما تنتصر الوطنية العراقية ضد هذا العدو؛ عندما يسقط ثور هذا العدو، فان الطائفية ستنهار من تلقاء ذاتها، و>تكثر سكاكينها< من تلقاء ذاتها. وعلى أي حال، فاذا وجدت الولايات المتحدة نفسها >مضطرة< للانسحاب، فان الكثير من عملائها سوف >ينسحبون< ويسحبون طائفيتهم معهم.
9- دفاتر الحساب مع العملاء يمكن ان تُفتح لاحقا. الكلب بوجود سيده ينبح أكثر. ولكن اذا فرّ السيد، سيفر كلبه معه.
إذا كانت هذه الملاحظات تساعد في إجلاء بعض غموض الصورة، فان التمييز بين الإحتلالين، قد يجلوها أكثر.
< < <
العراقيون لا يثقون بإيران. ولهم أسباب جديرة بالاعتبار في ذلك. وحتى ولو بدت إيران عدواً لعدوهم فان طموحاتها الإقليمية لا يمكن تجعلها صديقاً للوطنيين العراقيين.
المسألة، من وجهة نظر المصالح الاستراتيجية الإيرانية، لا علاقة لها بالثأر من حرب الثمان سنوات، ولا بالانتقام من النظام السابق.
لو كانت المسألة مسألة انتقام، فالحقيقة هي ان معظم أركان النظام السابق يرزحون تحت نير السجون. والذين يرغبون بالانتقام منهم يستطيعون ان يشفوا غليلهم منهم، في أي وقت، وهم فعلوا الكثير من أعمال "الاستشفاء بالحقد" عندما كانوا يعرضونهم للتعذيب. فلماذا، إذن، "فرق الموت" والمجازر الجماعية ضد المدنيين؟ ولماذا، إذن، الدفع في اتجاه تقسيم العراق على أسس طائفية؟ ولماذا، إذن، النهب المنظم لثروات البلد؟ ولماذا، اذن، يتم تحويل مؤسسات الدولة الى "حسينيات" تابعة لهذا الطرف أو ذاك؟
من الواضح تماما، ان الحرب التي يشنها أركان حكومة المليشيات الطائفية، بكل جماعاتها وعصاباتها وتنظيماتها المسلحة، ليست حربا ضد "فلول النظام السابق"، ولكنها حرب ضد العراق؛ ضد بقائه دولةً موحدةً مستقلة؛ ضد نهضته كقوة إقليمية، ضد ان تكون له مصالح وطنية خاصة به، وضد ان يكون له أي دور استراتيجي في توازنات المنطقة وعلاقاتها الاقتصادية المستقبلية. وكل ذلك، من اجل ان يكون تابعاً وملحقاً للطموحات الإمبراطورية الصَفَوية. السيستاني والأصفهاني والشهرستاني وغيرهم من جنود "الباسداراني"، لا يستطيعون ان ينظروا الى العراق ككيان مستقل، قائم بذاته. وهم لم يوقّعوا اتفاقات "التعاون" مع ايران الا لتحويل العراق الى زريبة فارسية تحت نير آيات الله الذين يتخذون من الإسلام نفسه خدعةً وتقيةً لمشاريعهم التوسعية.
المشروع الإيراني في العراق ليس أقل سوءا، بالأحرى، من المشروع الأمريكي. وكلاهما، على أي حال، شريك بالمجازر نفسها. انهما يتصارعان وينهشان من جثة هذا البلد، كل لحسابه الخاص. وليس من المستبعد أبدا أن يتوصلا الى اتفاق شراكة فيما بينهما لتقاسم الحصص في العراق، على غرار ما تفعل أحزاب المليشيات بـ"مصروف الجيب" الذي يتركه الاحتلال لها.
وجود العراق، ككيان سياسي مستقل، هو الذي يتقلب، يمنة ويسرة، بين كفتي الميزان.
قد يبدو للوهلة الأولى ان التخلص من الاحتلال الأمريكي أسهل، في آخر المطاف، من التخلص من احتلالٍ له، بين العراقيين أنفسهم، موالين ومأجورين وأتباع، فتتبدل الأولويات، وتتقدم المعركة ضد الاحتلال الإيراني على المعركة ضد الاحتلال الأمريكي. ولكن الحقيقة ليست كذلك.
الوطنية العراقية، والانتماء العربي للعراق، جديران بالكثير من الثقة بأنهما سيكونان كفيلين في دحر المشروع الصَفَوي. لقد هُزم هذا المشروع من قبل. وسيهزم مليون مرة، الى أن تتعلم إيران الدرس، بأنها تخدم مصالحها الاستراتيجية أكثر، إذا نظرت شرقاً، وأعطت ظهرها للعراق، وتخلت عن ميولها المرضية، غير المستقيمة تاريخيا، والمستحيلة اجتماعيا، للهيمنة على العراق.
الثقة بالوطنية العراقية وبمعطيات التاريخ تبرران تماما ان تسمو الأحزاب الوطنية العراقية فوق المخاوف من التهديد الصَفَوي. ولا شيء يمنع بالتالي، من السعي الى تحييد طهران، بدعوة رجال دين مقاومين شرفاء مثل محمد حسين فضل الله والسيد حسن نصر الله نفسه، وربما كان هناك مثلهم الكثير في إيران، الى التدخل والوساطة لدفع عملاء طهران في بغداد الى الكف عن قتل المدنيين، والكف عن ملاحقة المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي. بل وحضهم على قبول الوطنية العراقية كمعيار للتعايش السياسي بدلا من طائفيتهم الدموية البغيضة.

< < <

هزيمة المشروع الأمريكي-الإسرائيلي في العراق أولى سياسيا، وأجدر استراتيجيا، وأقرب الى القلب بالنسبة للمعاني التحررية التي شكلت الكثير من ثقافة العراقيين القومية.
إذا هُزمت أمريكا في العراق، ستُهزم إسرائيل في المنطقة. وسيُهزم معها كل الخونة الذين تواطأوا على احتلال وتدمير العراق. وستفتح صفحة جديدة في تاريخ المنطقة. صفحة تغيير كلية وشاملة، ستجرف الاستبداد، كما ستجرف التخلف والانحطاط القيمي السائد في منطقة تحول الكثير من زعمائها الى خدم ومطايا لرعونة الصليبيين الجدد، منبوذين حتى من قبل الذين يستخدمونهم.
هل يُصوّر الفاشيون الجدد في واشنطن الهزيمة في العراق على أنها "هزيمة كونية" لن تقوم بعدها للولايات المتحدة قائمة؟
حسناً. فليكن. وضعٌ كهذا إنما سيجعل فرائص واشنطن ترتعد على مصالحها في غير العراق، كلما سقط لها المزيد من الجنود، وسيجعل قوتها أكثر هشاشة بكثير مما تبدو.
هذه هي المعركة.
وهنا أرضها.
ومنها يبدأ المستقبل.
وهكذا، فكلما تلقت قواتها ضربات أشد، كلما أصبح ميلها الى البحث عن "مخرج مشرف" أكثر استعدادا لتقديم تنازلات، وكلما صار بإمكان المفاوضات ان تثمر نتائج سياسية أفضل.
الحديث الذي ما يزال يدور في واشنطن عن "انقلاب" عسكري أمريكي ضد سخف حكومة نوري المالكي وتفاهة برلمانه، قد يكون اعترافا ضمنيا بالفشل، إلا انه يمكن ان يكون مدخلا أيضا لإجراء عملية كنس وتنظيف شاملة.
لقد أثبتت الوقائع، إن الولايات المتحدة ليست سوى نمر من ورق عندما يتعلق الأمر بالقتال ضد فصائل مقاومة. وربما يكون من المفيد تماما إقناعها بإرسال المزيد من الجنود الى العراق بدلا من الهرب بسرعة. فالهزيمة يجب أن تبدو كهزيمة، لكي يدرك هذا النمر ما معنى السقوط من فوق.
صحيح أن البيت الأبيض مليء بالحمقى، إلا إن الحكمة لن تنقص الولايات المتحدة (هذا البلد الرائع من مليون زاوية أخرى)، لكي يعترف بأخطائه ويحاول تصحيحها. على الأقل، لكي ينجو بمصالحه في كل مكان آخر.
الحماقة تضر، إلا أنها في بلد كالولايات المتحدة لن تستمر طويلا.
ولأن المقاومة ضد هذا العدو أكثر نفعا من الناحية الاستراتيجية، فإنها مقدسةٌ أكثر.
ومقدسون، أيضا كل أولئك الذين يشاركون في هذه المعركة.
ومقدسٌ نصرهم... حتى ولو جاء من "حزب الله".
فهذا حزب مقاومة وطنية باسلة، وليس بالضرورة وجها من وجوه إيران. وحتى ولو كان، فانه وجه يستحق، بالقليل من الحكمة، أن يُوظّف لكي يرى وينقد ويغسل عارَ ما تفعله الوجوه الأخرى.
هذه هي بوصلة الوطني والشريف والمقدّس.
أم هل ضاعت البوصلة؟

علي الصــــــــراف
----------
م ن ق و ل:http://www.watan.com/modules.php?op=modload&name=News&file=article&sid=8314&mode=thread&order=0&thold=0