المقاتل المصري
30/08/2006, 02:35 PM
بقلم مصطفى فرحات
أعادت بعض الفتاوى الأخيرة التي أصدرها بعض مشايخ المملكة العربية السعودية حول المقاومة اللبنانية وحامل رايتها حزب الله الشيعي إلى الواجهة، الحديث عن علاقة السياسة بالشريعة، ارتباطا وانفصالا، وكذا الحدود التي تحفظ للشريعة مصداقيتها دون أن تقع في فخ المسار السياسي لطرف أو لآخر.
وكما قلنا في مقال سابق، فإن زاوية المناقشة لن تكون بتجريم العلماء واتهامهم بالعمالة والولاء للأنظمة على حساب الحق، كما انجر إلى ذلك بعض الذين تصيّدوا هذه المواقف وحاولوا أن يجعلوا منها قدرا تنضج فيه لحوم العلماء التي قرر الشرع أنها مسمومة، وأن عادة الله في منتهكي أستارهم معلومة. ولكننا نريد أن نبحث مدى علاقة الفتاوى الأخيرة بموقف الدولة السعودية من الأحداث من جهة، ثم امتدادات هذه العلاقة في ظل الصراع السعودي الإيراني في المنطقة من جهة أخرى.. فهل كان يمكن أن تسير هذه الفتاوى في اتجاه معاكس لو كان للعلاقات السعودية الإيرانية وضع آخر غير هذا الذي تشهده المنطقة بكاملها؟
* صراع هيمنة بغطاء أيديولوجي:
تعتبر المملكة العربية السعودية الدولة العربية المحورية في منطقة الخليج، في مقابل الدولة المحورية الأخرى إيران، ولهذا كان الخليج العربي كله يعيش على وقع الشد والجذب اللذان عرفتهما العلاقة بين البلدين طيلة عقود من الزمن. في حين يحاول البعض تصوير المشهد على أنه امتداد تاريخي للصراع الإسلامي الفارسي قبيل سقوط الكسروية الفارسية على يد الفتح الإسلامي.
وشهدت المنطقة على مدار التاريخ صراعا تراوح ما بين الإدارة السياسية إلى المواجهة العسكرية، وما قصة امتداد البرامكة في البلاط العباسي ثم نكبتهم على يدي هارون الرشيد، والامتداد البويهي الذي حمل راية الاعتزال والتشيع في مواجهة الآخر السني، إلا نقطة من بحر المواجهات التي حدثت بين الطرفين.
واستغلت الولايات المتحدة الأمريكية في القرن الماضي هذا الاختلاف الذي أدى ضرورة إلى الخلاف، وحاولت أن تلعب على حبلين متوازيين بتدعيم نظام الشاه في إيران ونظام آل سعود في المملكة، بحيث أصبحت طرفا رئيسا في إدارة المنطقة التي تنام على بحر من النفط.
ولكنّ الثورة الإيرانية التي قادها الخميني وما صاحب ذلك من انتشار الصحوة الشيعية في مقابل الصحوة السنية، ثم التصريحات العدائية تجاه المملكة العربية السعودية، حتى قال الخميني "إن الإسلام السعودي هو إسلام على الطريقة الأمريكية"، ومساهمة السعودية في تمويل صدام حسين في حرب الخليج الأولى لمواجهة المد الإيراني، وبعد ذلك حادثة مقتل 400 حاج إيراني في 3/7/1988 من طرف السلطات الأمنية السعودية بتهمة محاولتهم الاستحواذ على الحرم وإعلان الحكومة الإسلامية الشيعية في الحجاز، وهو ما أدى بالخميني إلى القول: "إذا غضضنا الطرف عن جرائم صدام، فجرم آل سعود بخصوص قتل الحجاج الإيرانيين لا يمكن العفو عنه". كل ذلك أدى إلى تأجج العداء بين الدولتين، وزاد الأمر حدة الاختلاف العقدي الذي جعل الأمر يبدو وكأن أساس صراعه هو الصراع السني الشيعي الممتد منذ مرحلة ما بعد صِفِّين.
ويمكن تلخيص مراحل العلاقة بين البلدين كما يلي:
1- مرحلة الترقبّ (من يناير 1979 إلى 12 ديسمبر 1982): فبعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران، امتنع السعوديون عن الإدلاء بتصريحات تعبّر عن وجهات نظرهم تجاه الثورة، وسعوا إلى الحيلولة دون تصديرها إلى الدول العربية، ولكن بشكل سري.
2- السياسة السعودية المزدوجة تجاه إيران من 1982 — 1986: حيث قامت السعودية بالسماح للحجاج الإيرانيين بممارسة شعائر الحج، وبالمقابل كانت السعودية تدعم نظام صدام حسين بالمال والمعلومات حتى يُحارب إيران.
3- مرحلة قطع العلاقات (من أواخر 1986 حتى 1998): أين تم القطع الرسمي للعلاقات بين البلدين بعد حادثة مقتل الحجاج المشار إليها آنفا.
وسعى النظام الديني السعودي إلى ممارسة هذه الحرب بطريقته الخاصة، حيث قام بطبع كتب كثيرة تتعلق بالجانب العقدي للشيعة وفضحهم وذكر مساوئهم، وقاموا بتوزيعها مجانا داخل السعودية وخارجها ككتاب "وجاء دور المجوس" لعبد الله محمد الغريب، وكتب محب الدين الخطيب وإحسان إلهي ظهير وغيرها.
* حزب البعث.. وحملة هولاكو الثانية
لكنّ السياسة تملك منطقا قد لا ينسجم مع ما يظنه كثيرون، فحرب الخليج الأولى بين العراق وإيران انتهت، وخرجت إيران من الحرب مُستنزفة، في مقابل تطور المنظومة الدفاعية العراقية وظهور النزعة التوسعية لصدام حسين الذي بدأ يستعرض عضلاته كقوة أولى في المنطقة، واكتشف الجميع أن النظام الذي غذّته بعض دول الخليج وعلى رأسها السعودية أخذ حجما أكبر من ذاك الذي أُريد له، وبدأ العراق يبرز على أنه الخطر الآخر الذي يُهدد المنطقة.
وبعد احتلال العراق للكويت وما تبعه من تدخل تحالف أجنبي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، كان استعمال الأراضي السعودية ضروريا للقيام بهجمات برية، وبدا الأمر جد حساس لطبيعة المنطقة التي عاشت زهاء أربعة عشر قرنا دون أن تحتضن كافرا، لحديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" كما رواه الشيخان.
فصدرت فتاوى تؤكد كُفر صدام حسين، بحجة انتمائه لحزب البعث الإلحادي، مع أن صدام لم يُحدث شيئا بعد انتهاء حربه مع إيران، بل كان هو هو الذي دعمته السعودية وغيرها ليسدّ على الثورة الإسلامية آفاقها ويمنعها من الولوج إلى باقي دول المنطقة. وأفتى رئيس هيئة كبار العلماء حينها، فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله بكفر صدام حسين، حيث سئل: "هل يجوز لعن حاكم العراق؟ لأن بعض الناس يقولون: إنه ما دام ينطق بالشهادتين نتوقف في لعنه، وهل يُجزم بأنه كافر؟ وما رأي سماحتكم في رأي من يقول بأنه كافر؟"، فأجاب: "هو كافر وإن قال: لا إله إلا الله، حتى ولو صلى وصام، ما دام لم يتبرأ من مبادئ البعثية الإلحادية، ويعلن أنه تاب إلى الله منها وما تدعو إليه، ذلك أن البعثية كفر وضلال، فما لم يعلن هذا فهو كافر".
بل قال أحد المفتين بتحريم مساندة حزب الله اللبناني، إن "صدّام أكبر كافر عرفه التاريخ"، ضاربا عرض الحائط بكل رموز الكفر والطغيان التي تعاقبت عبر الأزمان، وعلى رأسها فرعون. مع أن فتوى علماء المنطقة في الخروج على أي حاكم هو المنع "ما أقاموا فيكم الصلاة". ثم أصدرت هيئة كبار العلماء السعودية فتوى تعلن بموجبها جواز الاستعانة بالكفار لدحر الظلم ودفع الفساد، رغم اعتراض بعض الدعاة في حينها، فتم اعتقالهم، وكان ما كان.
* رافسنجاني يفتح الباب وخاتمي يحج إلى البيت العتيق
وشيئا فشيئا، بدأت العلاقات السعودية الإيرانية تنتعش من جديد بعد عقود من الركود. فإيران سعت لفتح منفذ يفك عنها الخناق المضروب من طرف أمريكا نتيجة استمرار سياسة العقوبات الاقتصادية ضدها وفق قانون داماتو، والسعودية فقدت كثيرا من بريقها لأنها لم تعد الحليف الإستراتيجي الأبرز لأمريكا في المنطقة، حيث ورد في تقرير أعده مايكل د. ياف في مايو 2005 أنه "توقفت المحاولات السابقة لجعل المملكة العربية السعودية في قلب الإستراتيجية الإقليمية للولايات المتحدة الأمريكية، وبدلا من ذلك بدأ نهج جديد قوامه تطوير علاقات ثنائية قوية مع دول الخليج الصغيرة ذات الإمكانيات العسكرية المتزايدة".
وزار الرئيس الإيراني الأسبق محمد هاشمي رافسنجاني السعودية، وزار المعالم الدينية فيها، ولكنه لما دخل إلى البقيع بكى عند قبر فاطمة الزهراء رضي الله عنها وطفت إلى السطح معتقداته الشيعية فتجرّأ على لعن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واستنكر كثير من الدعاة والأئمة ما جرى، ومن أبرز ذلك الخطبة التي ألقاها الشيخ الحذيفي إمام الحرم النبوي سابقا، أثناء حضور الرئيس الإيراني لصلاة الجمعة، حيث تكلم عن استحالة التقارب بين السنة والشيعة، ومن ضمن ما ذكره قوله: "وكيف يكون هناك تقريب بين السنة والشيعة؟ أهل السنة الذين حملوا القرآن الكريم... وحفظ الله بهم الدين وجاهدوا لإعلاء منارة الإسلام وصنعوا تاريخه المجيد، والشيعة الذين يلعنون الصحابة ويهدمون الإسلام، فإن الصحابة رضي الله عنهم هم الذين نقلوا الدين لنا فإذا طعن أحد فيهم فقد هدم الدين".
ولكنّ الوقت لم يكن وقت إثارة للخلافات العقدية على حساب المصالح السياسية بين البلدين، فتم توقيف الشيخ الحذيفي من الإمامة حينها. قبل أن يُعاد إلى منصبه مرة أخرى. وجاء عهد خاتمي في إطار دعوته إلى حوار الحضارات، فعرفت العلاقات مزيدا من الانتعاش، وتُوّجت بتوقيع اتفاقية أمنية بين البلدين في أبريل 2001. ولكنّ سقوط العراق بأيدي الاحتلال الأمريكي جاء ليقلب الموازين مرة أخرى.
فإيران وجدت نفسها في موقع قوة مع الامتداد الشيعي في جنوب العراق، وصعود أحمدي نجاد إلى سدة الحكم، وهو يمثل التيار المحافظ المتشدد، خلط الأوراق من جديد. وبرز التهديد الإيراني إلى السطح مرة أخرى بعد سعي إيران الحثيث لامتلاك القنبلة النووية، وهو ما من شأنه أن يقلب موازين القوى في الخليج العربي.
ويؤكد التقرير الأمريكي السابق الذكر أنه "رغم الفترة الطويلة من البرجماتية المعلنة والاستقرار في علاقات إيران الخارجية، إلا أن طهران تمثل حاليا أهم خطر عسكري واستخباراتي لدول الخليج".
وهذا ما يُفسّر تنامي موجة الحساسية السعودية تجاه إيران بالموازاة مع ضغط المجموعة الدولية على إيران لتخليها عن برامج تخصيب وتنضيب اليورانيوم، ومع بروز الحديث عن مخطط أمريكي يهدف إلى تقسيم المنطقة على أساس طائفي لا جغرافي.
إن الإنفاق العسكري لدول الخليج الست بجانب إيران والعراق قد بلغ عام 1999 حوالي 36 مليار دولار، كما تراوح الإنفاق العسكري ما بين 6% إلى 15% من الناتج المحلي لهذه الدول. وتمثّل دول الخليج 15% من حجم سوق السلاح العالمية و4% من الإنفاق العالمي على الدفاع. وهذا كله يوحي بأن المنطقة أضحت على صفيح ساخن يُمدّه النفط ويحميه السلاح.
وجاء العدوان الصهيوني على لبنان، وما صاحبه من فتاوى مُجرّمة لحزب الله باعتبارهم شيعة رافضة لا خير فيهم، وأن عداءهم وكيدهم لأهل السنة معروف منذ التاريخ القديم.
وبعيدا عن منطق التجريم والتجريح، نرى أن الفتاوى الدينية في السعودية لم تتعارض بحال مع المواقف السياسية، بحيث تأتي الفتوى كإمداد يدعم الموقف السياسي "الضعيف" في كثير من الأحيان ليكسب من قوة الشريعة ما فقده من قوة السياسة. فلم نسمع عن تكفير صدام حسين وتجريم حزب البعث إلا بعدما أوقفت السعودية تمويل مشروعه التسلحي، وصارت الاستعانة بالقوات الغازية الأمريكية جائزة بحجة أنهم إنما يدفعون بغي الظالم لا أنهم سيقيمون إلى الأبد، وظهر بعد ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية "فرّخت" و"باضت" في المنطقة بعد صدّام. ولما اعتبرت السعودية ما قام به حزب الله "مغامرة غير محسوبة العواقب"، جاءت الفتاوى التي تؤكد تحريم إعانة المقاومة اللبنانية ولو بالدعاء.
إن السياسة كانت عبر التاريخ مصنعا أُنتجت، فيه وعلى ضوئه وبسببه، الكثير من الفتاوى، وهذه حقيقة لا يجرؤُ أحدٌ على إنكارها. كما أن الحقيقة الأخرى تؤكد أنه ليس بالضرورة أن يكون المُفتي عميلا ليُصدر فتاوى على مقاس الساسة.. لأن البيئة والأفق المعرفي والوعي والوظيفة كلها معالم تتحكم في صناعة الفتوى. ولكن بين هذه الحقيقة وتلك، علينا أن نعيَ أنّ سلطة الشريعة تفقد قوتها المستمدة من مصداقيتها، بقدر ما سعت هذه الشريعة إلى تقوية المواقف السياسية، ولو على حساب الحقيقة.
أعادت بعض الفتاوى الأخيرة التي أصدرها بعض مشايخ المملكة العربية السعودية حول المقاومة اللبنانية وحامل رايتها حزب الله الشيعي إلى الواجهة، الحديث عن علاقة السياسة بالشريعة، ارتباطا وانفصالا، وكذا الحدود التي تحفظ للشريعة مصداقيتها دون أن تقع في فخ المسار السياسي لطرف أو لآخر.
وكما قلنا في مقال سابق، فإن زاوية المناقشة لن تكون بتجريم العلماء واتهامهم بالعمالة والولاء للأنظمة على حساب الحق، كما انجر إلى ذلك بعض الذين تصيّدوا هذه المواقف وحاولوا أن يجعلوا منها قدرا تنضج فيه لحوم العلماء التي قرر الشرع أنها مسمومة، وأن عادة الله في منتهكي أستارهم معلومة. ولكننا نريد أن نبحث مدى علاقة الفتاوى الأخيرة بموقف الدولة السعودية من الأحداث من جهة، ثم امتدادات هذه العلاقة في ظل الصراع السعودي الإيراني في المنطقة من جهة أخرى.. فهل كان يمكن أن تسير هذه الفتاوى في اتجاه معاكس لو كان للعلاقات السعودية الإيرانية وضع آخر غير هذا الذي تشهده المنطقة بكاملها؟
* صراع هيمنة بغطاء أيديولوجي:
تعتبر المملكة العربية السعودية الدولة العربية المحورية في منطقة الخليج، في مقابل الدولة المحورية الأخرى إيران، ولهذا كان الخليج العربي كله يعيش على وقع الشد والجذب اللذان عرفتهما العلاقة بين البلدين طيلة عقود من الزمن. في حين يحاول البعض تصوير المشهد على أنه امتداد تاريخي للصراع الإسلامي الفارسي قبيل سقوط الكسروية الفارسية على يد الفتح الإسلامي.
وشهدت المنطقة على مدار التاريخ صراعا تراوح ما بين الإدارة السياسية إلى المواجهة العسكرية، وما قصة امتداد البرامكة في البلاط العباسي ثم نكبتهم على يدي هارون الرشيد، والامتداد البويهي الذي حمل راية الاعتزال والتشيع في مواجهة الآخر السني، إلا نقطة من بحر المواجهات التي حدثت بين الطرفين.
واستغلت الولايات المتحدة الأمريكية في القرن الماضي هذا الاختلاف الذي أدى ضرورة إلى الخلاف، وحاولت أن تلعب على حبلين متوازيين بتدعيم نظام الشاه في إيران ونظام آل سعود في المملكة، بحيث أصبحت طرفا رئيسا في إدارة المنطقة التي تنام على بحر من النفط.
ولكنّ الثورة الإيرانية التي قادها الخميني وما صاحب ذلك من انتشار الصحوة الشيعية في مقابل الصحوة السنية، ثم التصريحات العدائية تجاه المملكة العربية السعودية، حتى قال الخميني "إن الإسلام السعودي هو إسلام على الطريقة الأمريكية"، ومساهمة السعودية في تمويل صدام حسين في حرب الخليج الأولى لمواجهة المد الإيراني، وبعد ذلك حادثة مقتل 400 حاج إيراني في 3/7/1988 من طرف السلطات الأمنية السعودية بتهمة محاولتهم الاستحواذ على الحرم وإعلان الحكومة الإسلامية الشيعية في الحجاز، وهو ما أدى بالخميني إلى القول: "إذا غضضنا الطرف عن جرائم صدام، فجرم آل سعود بخصوص قتل الحجاج الإيرانيين لا يمكن العفو عنه". كل ذلك أدى إلى تأجج العداء بين الدولتين، وزاد الأمر حدة الاختلاف العقدي الذي جعل الأمر يبدو وكأن أساس صراعه هو الصراع السني الشيعي الممتد منذ مرحلة ما بعد صِفِّين.
ويمكن تلخيص مراحل العلاقة بين البلدين كما يلي:
1- مرحلة الترقبّ (من يناير 1979 إلى 12 ديسمبر 1982): فبعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران، امتنع السعوديون عن الإدلاء بتصريحات تعبّر عن وجهات نظرهم تجاه الثورة، وسعوا إلى الحيلولة دون تصديرها إلى الدول العربية، ولكن بشكل سري.
2- السياسة السعودية المزدوجة تجاه إيران من 1982 — 1986: حيث قامت السعودية بالسماح للحجاج الإيرانيين بممارسة شعائر الحج، وبالمقابل كانت السعودية تدعم نظام صدام حسين بالمال والمعلومات حتى يُحارب إيران.
3- مرحلة قطع العلاقات (من أواخر 1986 حتى 1998): أين تم القطع الرسمي للعلاقات بين البلدين بعد حادثة مقتل الحجاج المشار إليها آنفا.
وسعى النظام الديني السعودي إلى ممارسة هذه الحرب بطريقته الخاصة، حيث قام بطبع كتب كثيرة تتعلق بالجانب العقدي للشيعة وفضحهم وذكر مساوئهم، وقاموا بتوزيعها مجانا داخل السعودية وخارجها ككتاب "وجاء دور المجوس" لعبد الله محمد الغريب، وكتب محب الدين الخطيب وإحسان إلهي ظهير وغيرها.
* حزب البعث.. وحملة هولاكو الثانية
لكنّ السياسة تملك منطقا قد لا ينسجم مع ما يظنه كثيرون، فحرب الخليج الأولى بين العراق وإيران انتهت، وخرجت إيران من الحرب مُستنزفة، في مقابل تطور المنظومة الدفاعية العراقية وظهور النزعة التوسعية لصدام حسين الذي بدأ يستعرض عضلاته كقوة أولى في المنطقة، واكتشف الجميع أن النظام الذي غذّته بعض دول الخليج وعلى رأسها السعودية أخذ حجما أكبر من ذاك الذي أُريد له، وبدأ العراق يبرز على أنه الخطر الآخر الذي يُهدد المنطقة.
وبعد احتلال العراق للكويت وما تبعه من تدخل تحالف أجنبي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، كان استعمال الأراضي السعودية ضروريا للقيام بهجمات برية، وبدا الأمر جد حساس لطبيعة المنطقة التي عاشت زهاء أربعة عشر قرنا دون أن تحتضن كافرا، لحديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" كما رواه الشيخان.
فصدرت فتاوى تؤكد كُفر صدام حسين، بحجة انتمائه لحزب البعث الإلحادي، مع أن صدام لم يُحدث شيئا بعد انتهاء حربه مع إيران، بل كان هو هو الذي دعمته السعودية وغيرها ليسدّ على الثورة الإسلامية آفاقها ويمنعها من الولوج إلى باقي دول المنطقة. وأفتى رئيس هيئة كبار العلماء حينها، فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله بكفر صدام حسين، حيث سئل: "هل يجوز لعن حاكم العراق؟ لأن بعض الناس يقولون: إنه ما دام ينطق بالشهادتين نتوقف في لعنه، وهل يُجزم بأنه كافر؟ وما رأي سماحتكم في رأي من يقول بأنه كافر؟"، فأجاب: "هو كافر وإن قال: لا إله إلا الله، حتى ولو صلى وصام، ما دام لم يتبرأ من مبادئ البعثية الإلحادية، ويعلن أنه تاب إلى الله منها وما تدعو إليه، ذلك أن البعثية كفر وضلال، فما لم يعلن هذا فهو كافر".
بل قال أحد المفتين بتحريم مساندة حزب الله اللبناني، إن "صدّام أكبر كافر عرفه التاريخ"، ضاربا عرض الحائط بكل رموز الكفر والطغيان التي تعاقبت عبر الأزمان، وعلى رأسها فرعون. مع أن فتوى علماء المنطقة في الخروج على أي حاكم هو المنع "ما أقاموا فيكم الصلاة". ثم أصدرت هيئة كبار العلماء السعودية فتوى تعلن بموجبها جواز الاستعانة بالكفار لدحر الظلم ودفع الفساد، رغم اعتراض بعض الدعاة في حينها، فتم اعتقالهم، وكان ما كان.
* رافسنجاني يفتح الباب وخاتمي يحج إلى البيت العتيق
وشيئا فشيئا، بدأت العلاقات السعودية الإيرانية تنتعش من جديد بعد عقود من الركود. فإيران سعت لفتح منفذ يفك عنها الخناق المضروب من طرف أمريكا نتيجة استمرار سياسة العقوبات الاقتصادية ضدها وفق قانون داماتو، والسعودية فقدت كثيرا من بريقها لأنها لم تعد الحليف الإستراتيجي الأبرز لأمريكا في المنطقة، حيث ورد في تقرير أعده مايكل د. ياف في مايو 2005 أنه "توقفت المحاولات السابقة لجعل المملكة العربية السعودية في قلب الإستراتيجية الإقليمية للولايات المتحدة الأمريكية، وبدلا من ذلك بدأ نهج جديد قوامه تطوير علاقات ثنائية قوية مع دول الخليج الصغيرة ذات الإمكانيات العسكرية المتزايدة".
وزار الرئيس الإيراني الأسبق محمد هاشمي رافسنجاني السعودية، وزار المعالم الدينية فيها، ولكنه لما دخل إلى البقيع بكى عند قبر فاطمة الزهراء رضي الله عنها وطفت إلى السطح معتقداته الشيعية فتجرّأ على لعن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واستنكر كثير من الدعاة والأئمة ما جرى، ومن أبرز ذلك الخطبة التي ألقاها الشيخ الحذيفي إمام الحرم النبوي سابقا، أثناء حضور الرئيس الإيراني لصلاة الجمعة، حيث تكلم عن استحالة التقارب بين السنة والشيعة، ومن ضمن ما ذكره قوله: "وكيف يكون هناك تقريب بين السنة والشيعة؟ أهل السنة الذين حملوا القرآن الكريم... وحفظ الله بهم الدين وجاهدوا لإعلاء منارة الإسلام وصنعوا تاريخه المجيد، والشيعة الذين يلعنون الصحابة ويهدمون الإسلام، فإن الصحابة رضي الله عنهم هم الذين نقلوا الدين لنا فإذا طعن أحد فيهم فقد هدم الدين".
ولكنّ الوقت لم يكن وقت إثارة للخلافات العقدية على حساب المصالح السياسية بين البلدين، فتم توقيف الشيخ الحذيفي من الإمامة حينها. قبل أن يُعاد إلى منصبه مرة أخرى. وجاء عهد خاتمي في إطار دعوته إلى حوار الحضارات، فعرفت العلاقات مزيدا من الانتعاش، وتُوّجت بتوقيع اتفاقية أمنية بين البلدين في أبريل 2001. ولكنّ سقوط العراق بأيدي الاحتلال الأمريكي جاء ليقلب الموازين مرة أخرى.
فإيران وجدت نفسها في موقع قوة مع الامتداد الشيعي في جنوب العراق، وصعود أحمدي نجاد إلى سدة الحكم، وهو يمثل التيار المحافظ المتشدد، خلط الأوراق من جديد. وبرز التهديد الإيراني إلى السطح مرة أخرى بعد سعي إيران الحثيث لامتلاك القنبلة النووية، وهو ما من شأنه أن يقلب موازين القوى في الخليج العربي.
ويؤكد التقرير الأمريكي السابق الذكر أنه "رغم الفترة الطويلة من البرجماتية المعلنة والاستقرار في علاقات إيران الخارجية، إلا أن طهران تمثل حاليا أهم خطر عسكري واستخباراتي لدول الخليج".
وهذا ما يُفسّر تنامي موجة الحساسية السعودية تجاه إيران بالموازاة مع ضغط المجموعة الدولية على إيران لتخليها عن برامج تخصيب وتنضيب اليورانيوم، ومع بروز الحديث عن مخطط أمريكي يهدف إلى تقسيم المنطقة على أساس طائفي لا جغرافي.
إن الإنفاق العسكري لدول الخليج الست بجانب إيران والعراق قد بلغ عام 1999 حوالي 36 مليار دولار، كما تراوح الإنفاق العسكري ما بين 6% إلى 15% من الناتج المحلي لهذه الدول. وتمثّل دول الخليج 15% من حجم سوق السلاح العالمية و4% من الإنفاق العالمي على الدفاع. وهذا كله يوحي بأن المنطقة أضحت على صفيح ساخن يُمدّه النفط ويحميه السلاح.
وجاء العدوان الصهيوني على لبنان، وما صاحبه من فتاوى مُجرّمة لحزب الله باعتبارهم شيعة رافضة لا خير فيهم، وأن عداءهم وكيدهم لأهل السنة معروف منذ التاريخ القديم.
وبعيدا عن منطق التجريم والتجريح، نرى أن الفتاوى الدينية في السعودية لم تتعارض بحال مع المواقف السياسية، بحيث تأتي الفتوى كإمداد يدعم الموقف السياسي "الضعيف" في كثير من الأحيان ليكسب من قوة الشريعة ما فقده من قوة السياسة. فلم نسمع عن تكفير صدام حسين وتجريم حزب البعث إلا بعدما أوقفت السعودية تمويل مشروعه التسلحي، وصارت الاستعانة بالقوات الغازية الأمريكية جائزة بحجة أنهم إنما يدفعون بغي الظالم لا أنهم سيقيمون إلى الأبد، وظهر بعد ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية "فرّخت" و"باضت" في المنطقة بعد صدّام. ولما اعتبرت السعودية ما قام به حزب الله "مغامرة غير محسوبة العواقب"، جاءت الفتاوى التي تؤكد تحريم إعانة المقاومة اللبنانية ولو بالدعاء.
إن السياسة كانت عبر التاريخ مصنعا أُنتجت، فيه وعلى ضوئه وبسببه، الكثير من الفتاوى، وهذه حقيقة لا يجرؤُ أحدٌ على إنكارها. كما أن الحقيقة الأخرى تؤكد أنه ليس بالضرورة أن يكون المُفتي عميلا ليُصدر فتاوى على مقاس الساسة.. لأن البيئة والأفق المعرفي والوعي والوظيفة كلها معالم تتحكم في صناعة الفتوى. ولكن بين هذه الحقيقة وتلك، علينا أن نعيَ أنّ سلطة الشريعة تفقد قوتها المستمدة من مصداقيتها، بقدر ما سعت هذه الشريعة إلى تقوية المواقف السياسية، ولو على حساب الحقيقة.