المقاتل المصري
24/08/2006, 12:05 PM
بقلم خالد حسن
من المهم التفكير في ما ينبغي أن نعمله اليوم، وأن لا نغرق في الماضي بتفاصيله وعلله، خاصة وأننا أمام حقائق جديدة تتجاوز الحدود السياسية لمسرح العمليات العسكرية في العراق ولبنان.
وأغلب ما يُتداول في مرحلة ما بعد العدوان على لبنان، تقديرات إستراتيجية متوسطة وبعيدة المدى، سواء فيما يتعلق بمستقبل العراق والمنطقة ككل، أو إلى أين يتجه لبنان أو مصير الملف النووي الإيراني.
لا يمكن الجزم بشيء، لكن ثمة حقائق فرضت نفسها، وأي محاولة لطمسها أو القفر عليها، تبوء بالفشل وتهدر الأوقات والتفكير وتخرجنا عن حدود الصراع ليس إلا.
ـ حرب إسرائيل على لبنان، أثبتت محدودية القوة العسكرية الإسرائيلية، هذا في مواجهة "حرب عصابات"، وأنه للمرة الأولى، يقر المحللون العسكريون والسياسيون والإستراتيجيون الصهاينة بالفشل العسكري في "إسكات" حزب الله، ومن باب أولى العجز عن التعامل الميداني مع البرنامج النووي الإيراني، إذ ليس لدى إسرائيل القدرة العسكرية على تدمير المنشآت النووية الإيرانية.
ـ أنه لا إسرائيل ولا أمريكا، على ضوء ما أثبته المقاومة اللبنانية، يملكان القدرة على إدراك وتقدير حجم الرد الإيراني، في حال حصول هجوم عسكري يستهدف منشآته النووية، إذ يملك صناع القار في طهران من أوراق الرد والعقل السياسي ما يؤهلانها لأن تحقق قدرا من الأمن لمشروعها النووي.
ـ من الواضح أن إيران، إما تأثرا بالتجربة الشيوعية السوفييتية أو بالنظر لطول احتكاكها وعمق تقاربها مع روسيا، تمكنت من استثمار أي فرصة تتاح للشيعة في العالم العربي، سواء سياسية أو عسكرية، لتسجل نقاطا لصالح تطلعاتها، تماما كما كان تعامل الاتحاد السوفييتي مع الحركات الشيوعية الموالية له أو أذرعه في أوروبا الشرقية، وهو ما عجز عنه العرب، ليس فقط في تبني قضاياهم المصيرية بفاعلية، وإنما تضييع وتمييع أوراق القوة التي بحوزتهم، فضلا عن توظيف الأحداث واستثمارها لصالح الدفاع عن حقوقهم وقضاياهم المصيرية.
ـ هناك مشروعان حاضران بقوة في المشهد السياسي العربي، مشروع شرق أوسطي جديد يراد فرضه بقوة الآلة الدبلوماسية والعسكرية، كما حصل في لبنان ويحصل في العراق، فما لم يتحقق بالدبلوماسية يتحقق بالنزال الميداني، والعكس أيضا كما في قرار 1701، وطموح إيراني عابر للحدود ـ البعض يتحدث عن مشروع "أممية شيعية"، وهذا ليس أوان الحديث عنه الآن، لأنه قد يغذي الأوهام أكثر مما يجلي الحقائق ـ لصوغ معادلات وتوازنات إقليمية جديدة، تعكس حجم حضورها ودورها في المنطقة، خاصة وأنها تمارس نفوذا قل نظيره في تاريخ المنطقة. وهذا كله في ظل غياب "مشروع عربي" يحقق قدرا من التوازن، ويخرج العرب من متاهات الأدوار الهامشية.
ـ يخطئ من يظن أن إيران تراهن على مواجهة مع الغرب، فهي لا تريدها، لكنها برعت في معارك كسب أو بالأحرى شراء الوقت وأتقنت فنون المناورة مستفيدة من الظروف المحيطة والجدل النووي القائم لانتزاع اعترافين، الأول، الاعتراف بها كقوة لنووية، وهذا لا تساوم عليه مهما بلغ حجم إغراءات الحوافز مغرية. والثاني، اعتراف بها وتحديداً كقوة إقليمية تملك من الأوراق والحضور في الملفات الثقيلة، ما يجعل منها طرفا إقليميا لا يمكن تخطيه وتجاوزه، ولهذا، فهي لا تكثر من "اللا" ولا تكثر من "النعم"، وسياستها تتأرجح بين قليل من هذا وقليل من ذاك.
ـ يصلح إطلاق وصف "البكاؤون" على العرب اليوم، تقرأ كثيرا عبارة، ولكن سنة العراق لا بواكي لهم، ومثل هذا مع سنة لبنان، وكأنه انتقل الشعور بـ"المظلومية" من الشيعة إلى السنة، فتحرروا من عقدة "المنبوذية" و"الانتظار السلبي"، بينما نحن نندب حظنا في كل يوم. لقد لعبت إيران أوراقها السياسية والعسكرية بذكاء ودهاء، وأحيانا بخبث ومكر، كما في العراق، رغم أن رغبتها في السيطرة وفرض تضخم عسكري واستخباري وحتى عسكري في جنوب العراق يقاومان بشراسة حتى من داخل بعض الأوساط الشيعية، لكن المشكلة أن "عقدة إيران" انطلاقا من دورها في العراق، تضخمت في عقولنا وسيطرت على تفكيرنا، وما استطعنا التعامل مع تطورات الأوضاع بقدر من المرونة، لكن في المقابل، ماذا صنع العرب الرسميون بعلاقاتهم مع واشنطن لمنع تدهور الأوضاع في لبنان والعراق، وهنا يتبين لنا الفرق بين من تحركه روح التحدي، وبين من كبلته الاتفاقيات والمعاهدات، وصنعت منه كما مهملا.
ـ نخطئ ونمعن في الخطأ إذا فكرنا وضبطنا إيقاع حراكنا على محاولة والعمل على تحييد إيران في الصراعات القائمة اليوم، أو إبطال مفعول دورها، وإنما ينبغي العمل على تفعيل الدور العربي، وتعميق لغة الحوار والتواصل السياسي، وصناعة حضور مؤثر وضاغط في مناطق الفراغ في العراق ولبنان وغيرهما.
ـ نحن مدعوون اليوم لتفعيل أدائنا وتطوير حراكنا وإنضاج عقلنا السياسي، وأن نتحرر من العقد، وأن لا نسد عجزنا بفرط الهواجس والإغراق في التقديرات. وصناع الرأي اليوم من كل التوجهات في عالمنا الإسلامي، مطالبون بالاتزان والعمق وتجاوز السطح، وتشكيل رأي عام ضاغط ومؤثر، وأن يخففوا من جرعات التشكيك، وما يفعله بعض الكتاب الإسلاميين، من التترس بأي قشة انتصارا لوجهة نظرهم، إنما هو من التصلب الذي يحجب الإدراك الصحيح والإحاطة الواعية. ولنسلم لهم أن المجوس قادمون، والروم مهيمنون، والعرب ميتون، وماذا بعد؟ وما العمل؟
أعجب أحيانا من هذه الأنماط أو بالأحرى القوالب الذهنية، لا تجيد إلا التحذير وتغذية الهواجس وتوسيع رقعة الخطر، والعيش على "المظلومية"، لكنها لم تتقدم خطوة في عالم التدافع وتحقيق قدر من التوازن وإنضاج النظرة والرؤية لحقائق الأوضاع، وقبل هذا وأثناءه وبعده: مواجهة العجز العربي الرسمي وجبن قطاع واسع من المثقفين وسلبيتهم في التعامل مع تطورات الأوضاع، أو أننا ننتظر، وفق نظرية البعض، أن يضرب الله أمريكا بإيران أو العكس لنخرج نحن سالمين، هكذا دون ضريبة ولا جهد ولا مراعاة سنن، المهم أن يهلك الآخرون وننجو نحن!
نفوذ إيران بنا أو بغيرنا، لكنه سيتضخم أكثر بعجزنا، ومشروعها النووي لا تساوم عليه، وثمة تداخل جغرافي وتاريخي بيننا، فلم الدعوة إلى معاكسة الحقائق، ولم الرهان على التشكيك في صراعها مع الغرب، هذه المسائل متروكة للرصد والمتابعة وما تنطق به الحقائق على الأرض، لا ما تمليه وقائع التاريخ وما تهواه وتشتهيه أنفسنا.
اختلفنا حول الموضوع الإيراني، لكن هذا لن يغير من الدور ولا من النفوذ ولا من الحضور الإيراني، فلم لا نتفق على مواجهة العجز العربي، والذي هو محل إجماع تقريبا، لأن سكوتنا عنه سيعمق السوء الذي نراه ونحذر منه.
من المهم التفكير في ما ينبغي أن نعمله اليوم، وأن لا نغرق في الماضي بتفاصيله وعلله، خاصة وأننا أمام حقائق جديدة تتجاوز الحدود السياسية لمسرح العمليات العسكرية في العراق ولبنان.
وأغلب ما يُتداول في مرحلة ما بعد العدوان على لبنان، تقديرات إستراتيجية متوسطة وبعيدة المدى، سواء فيما يتعلق بمستقبل العراق والمنطقة ككل، أو إلى أين يتجه لبنان أو مصير الملف النووي الإيراني.
لا يمكن الجزم بشيء، لكن ثمة حقائق فرضت نفسها، وأي محاولة لطمسها أو القفر عليها، تبوء بالفشل وتهدر الأوقات والتفكير وتخرجنا عن حدود الصراع ليس إلا.
ـ حرب إسرائيل على لبنان، أثبتت محدودية القوة العسكرية الإسرائيلية، هذا في مواجهة "حرب عصابات"، وأنه للمرة الأولى، يقر المحللون العسكريون والسياسيون والإستراتيجيون الصهاينة بالفشل العسكري في "إسكات" حزب الله، ومن باب أولى العجز عن التعامل الميداني مع البرنامج النووي الإيراني، إذ ليس لدى إسرائيل القدرة العسكرية على تدمير المنشآت النووية الإيرانية.
ـ أنه لا إسرائيل ولا أمريكا، على ضوء ما أثبته المقاومة اللبنانية، يملكان القدرة على إدراك وتقدير حجم الرد الإيراني، في حال حصول هجوم عسكري يستهدف منشآته النووية، إذ يملك صناع القار في طهران من أوراق الرد والعقل السياسي ما يؤهلانها لأن تحقق قدرا من الأمن لمشروعها النووي.
ـ من الواضح أن إيران، إما تأثرا بالتجربة الشيوعية السوفييتية أو بالنظر لطول احتكاكها وعمق تقاربها مع روسيا، تمكنت من استثمار أي فرصة تتاح للشيعة في العالم العربي، سواء سياسية أو عسكرية، لتسجل نقاطا لصالح تطلعاتها، تماما كما كان تعامل الاتحاد السوفييتي مع الحركات الشيوعية الموالية له أو أذرعه في أوروبا الشرقية، وهو ما عجز عنه العرب، ليس فقط في تبني قضاياهم المصيرية بفاعلية، وإنما تضييع وتمييع أوراق القوة التي بحوزتهم، فضلا عن توظيف الأحداث واستثمارها لصالح الدفاع عن حقوقهم وقضاياهم المصيرية.
ـ هناك مشروعان حاضران بقوة في المشهد السياسي العربي، مشروع شرق أوسطي جديد يراد فرضه بقوة الآلة الدبلوماسية والعسكرية، كما حصل في لبنان ويحصل في العراق، فما لم يتحقق بالدبلوماسية يتحقق بالنزال الميداني، والعكس أيضا كما في قرار 1701، وطموح إيراني عابر للحدود ـ البعض يتحدث عن مشروع "أممية شيعية"، وهذا ليس أوان الحديث عنه الآن، لأنه قد يغذي الأوهام أكثر مما يجلي الحقائق ـ لصوغ معادلات وتوازنات إقليمية جديدة، تعكس حجم حضورها ودورها في المنطقة، خاصة وأنها تمارس نفوذا قل نظيره في تاريخ المنطقة. وهذا كله في ظل غياب "مشروع عربي" يحقق قدرا من التوازن، ويخرج العرب من متاهات الأدوار الهامشية.
ـ يخطئ من يظن أن إيران تراهن على مواجهة مع الغرب، فهي لا تريدها، لكنها برعت في معارك كسب أو بالأحرى شراء الوقت وأتقنت فنون المناورة مستفيدة من الظروف المحيطة والجدل النووي القائم لانتزاع اعترافين، الأول، الاعتراف بها كقوة لنووية، وهذا لا تساوم عليه مهما بلغ حجم إغراءات الحوافز مغرية. والثاني، اعتراف بها وتحديداً كقوة إقليمية تملك من الأوراق والحضور في الملفات الثقيلة، ما يجعل منها طرفا إقليميا لا يمكن تخطيه وتجاوزه، ولهذا، فهي لا تكثر من "اللا" ولا تكثر من "النعم"، وسياستها تتأرجح بين قليل من هذا وقليل من ذاك.
ـ يصلح إطلاق وصف "البكاؤون" على العرب اليوم، تقرأ كثيرا عبارة، ولكن سنة العراق لا بواكي لهم، ومثل هذا مع سنة لبنان، وكأنه انتقل الشعور بـ"المظلومية" من الشيعة إلى السنة، فتحرروا من عقدة "المنبوذية" و"الانتظار السلبي"، بينما نحن نندب حظنا في كل يوم. لقد لعبت إيران أوراقها السياسية والعسكرية بذكاء ودهاء، وأحيانا بخبث ومكر، كما في العراق، رغم أن رغبتها في السيطرة وفرض تضخم عسكري واستخباري وحتى عسكري في جنوب العراق يقاومان بشراسة حتى من داخل بعض الأوساط الشيعية، لكن المشكلة أن "عقدة إيران" انطلاقا من دورها في العراق، تضخمت في عقولنا وسيطرت على تفكيرنا، وما استطعنا التعامل مع تطورات الأوضاع بقدر من المرونة، لكن في المقابل، ماذا صنع العرب الرسميون بعلاقاتهم مع واشنطن لمنع تدهور الأوضاع في لبنان والعراق، وهنا يتبين لنا الفرق بين من تحركه روح التحدي، وبين من كبلته الاتفاقيات والمعاهدات، وصنعت منه كما مهملا.
ـ نخطئ ونمعن في الخطأ إذا فكرنا وضبطنا إيقاع حراكنا على محاولة والعمل على تحييد إيران في الصراعات القائمة اليوم، أو إبطال مفعول دورها، وإنما ينبغي العمل على تفعيل الدور العربي، وتعميق لغة الحوار والتواصل السياسي، وصناعة حضور مؤثر وضاغط في مناطق الفراغ في العراق ولبنان وغيرهما.
ـ نحن مدعوون اليوم لتفعيل أدائنا وتطوير حراكنا وإنضاج عقلنا السياسي، وأن نتحرر من العقد، وأن لا نسد عجزنا بفرط الهواجس والإغراق في التقديرات. وصناع الرأي اليوم من كل التوجهات في عالمنا الإسلامي، مطالبون بالاتزان والعمق وتجاوز السطح، وتشكيل رأي عام ضاغط ومؤثر، وأن يخففوا من جرعات التشكيك، وما يفعله بعض الكتاب الإسلاميين، من التترس بأي قشة انتصارا لوجهة نظرهم، إنما هو من التصلب الذي يحجب الإدراك الصحيح والإحاطة الواعية. ولنسلم لهم أن المجوس قادمون، والروم مهيمنون، والعرب ميتون، وماذا بعد؟ وما العمل؟
أعجب أحيانا من هذه الأنماط أو بالأحرى القوالب الذهنية، لا تجيد إلا التحذير وتغذية الهواجس وتوسيع رقعة الخطر، والعيش على "المظلومية"، لكنها لم تتقدم خطوة في عالم التدافع وتحقيق قدر من التوازن وإنضاج النظرة والرؤية لحقائق الأوضاع، وقبل هذا وأثناءه وبعده: مواجهة العجز العربي الرسمي وجبن قطاع واسع من المثقفين وسلبيتهم في التعامل مع تطورات الأوضاع، أو أننا ننتظر، وفق نظرية البعض، أن يضرب الله أمريكا بإيران أو العكس لنخرج نحن سالمين، هكذا دون ضريبة ولا جهد ولا مراعاة سنن، المهم أن يهلك الآخرون وننجو نحن!
نفوذ إيران بنا أو بغيرنا، لكنه سيتضخم أكثر بعجزنا، ومشروعها النووي لا تساوم عليه، وثمة تداخل جغرافي وتاريخي بيننا، فلم الدعوة إلى معاكسة الحقائق، ولم الرهان على التشكيك في صراعها مع الغرب، هذه المسائل متروكة للرصد والمتابعة وما تنطق به الحقائق على الأرض، لا ما تمليه وقائع التاريخ وما تهواه وتشتهيه أنفسنا.
اختلفنا حول الموضوع الإيراني، لكن هذا لن يغير من الدور ولا من النفوذ ولا من الحضور الإيراني، فلم لا نتفق على مواجهة العجز العربي، والذي هو محل إجماع تقريبا، لأن سكوتنا عنه سيعمق السوء الذي نراه ونحذر منه.