المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : الميكروباص بقلم : سمير العريمي


سويري
02/08/2006, 01:02 PM
الميكروباص

سمير العريمي

لم أكن أتوقع أن مغامرتي بركوب ميكروباص شعبي في مصر ستجر هذا الكم الكبير من المواقف.. في البداية نظر إلى الجميع وأعني بالجميع هنا السائق والركاب والمارة في الشارع بشئ من الريبة والاستغراب فالعرب يعني الخليجيين بلغة العوام في مصر يستقلون السيارات الخاصة أو المؤجرة (التاكسي) عادة ولا يحشرون أنفسهم في أتوبيسات النقل العام المزدحمة فضلا عن الميكروباصات الضيقة بينما ملامحي ولكنتي وملابسي كلها «عربية» فما اللغز؟
تجاهلت بحلقتهم.. مكتفيا بتوزيع الابتسامات يمنة ويسرى..صدح «حكيم» عبر المسجل..اس..اس..السلام عليكو.. وفض مرافقي المصري رتابة الموقف قائلا: المنيب يا أسطى..عندك نفرين خد سلّم ورقة الخمسين قرشا للصبي الذي يجمع الأجرة..انطلق الميكرو يشق شارعا مزدحما يمتد من كوبري الحوامدية آخر مدن القاهرة الكبرى المحاذية للفيّوم ومحافظات الصعيد مارا تجاه الشمال بمصانع السكر الشهيرة في طريقه إلى محطة «المنيب» في الجيزة وسط أرتال العربات المختلفة الأشكال والأحجام والجموع البشرية اللاهثة خلف مواصلات مناسبة في سباق محموم.
- المنيب...المنيب...المنيب
نادى الصبي بصوت شجي وبطريقة آلية مخرجا رأسه من النافذة..على حشود الناس المنتظرة على رصيف الشارع.. ثم بدأ نداؤه يخفت شيئا فشيئا حتى تلاشى وسرحت عيناه بحثا عن اللاشيء.
- ما تنده ياد..خرست ليه..إنت بالع سد الحنك
صفعه السائق في قفاه..قاطعا عليه حبال السرحان فعاد يصيح: المنيب..المنيب..المنيب..استج اب له بعض الركاب فصعدوا..ومضى الميكروباص بنا متثاقلا وكأنه يمشي على عجلتين.. مائلا بعض الشيء جهة اليمين.. نوافذه متربة جدا.. وكراسيه عتيقة ذات أطراف مخلخلة صدئة تصر وتئن.. بجلود ممزقة.. وحشوة بارزة منفوشة «كغزل البنات».. كان شاحبا وضيقا.. الجزء الجميل كان السطح المواجه للسائق والأجزاء العلوية فوق النوافذ جهة الداخل.. زينت بآيات قرآنية وملصقات ملونة بأذكار الصباح والمساء..وصور الممثلين والمطربين والمشايخ المعممين!! لفتت نظري كذلك عبارة بارزة كتبت بخط فارسي أنيق الأمورة اليابان.. وصاحبها أسطى غلبان فابتسمت متعجبا.
داس الأسطى كابح الميكروباص فاهتز ورقص ثم توقف على مسافة من امرأة سمينة تلتحف طرحة سوداء وتحمل فوق رأسها قفة كبيرة أقبلت تناضل وهي تجر فتاة ذات فستان زهري فضفاض و«منديل بؤوية» عقدته على شعرها.. بدت الفتاة مريضة نوعا ما.
- عزبة البكباشي والنبي يا أسطى.
قالت المرأة وهي تلهث وقد تقطعت بها الأنفاس.. وأخذت تحشر نفسها مع القفة بصعوبة بين تأفف الركاب وانزعاجهم لكنها نجحت أخيرا وبعد عدة محاولات فاشلة في اعتلاء الميكرو والجلوس بيننا..انطلق السائق بسرعة قاذفا سيجارته فور أن لمح دورية مرور راجلة على الناصية فشهقت المرأة وولولت:
- يا لهوي..سبت البت يا أسطى يخرب بيتك.
- معلش يا حاجة أصل اللجنة..
- لجنة ايه وهباب ايه.. وقّف الأول..خلي البنت تلحقنا..آه ياااني.
أوقف العربة بعد تضامن الركاب معها فجاءت البنت تعدو بينما الأم راقبتها قلقة عبر النوافذ..حاثة إياها على اللحاق..وما أن صعدت حتى أجهشت بالبكاء..فحضنتها على الفور وشرعت تواسيها..وتمسح دموعها بكم الفستان المزركش العريض.
- معلش يا وزة..امسحي دمعتك بأ.. حصل خير يابتي..ما تخافيش.
تأملت القفة المصنوعة من سعف النخيل فبدت حزينة لانشغال صاحبتها عنها..وتصاعد منها مزيج من روائح العيش البلدي وريش الفراخ والسمك البوري.
ازدادت سرعتنا.. فأمكن لي مشاهدة الترعة الصغيرة الممتدة على يسار الطريق والمحاطة بغابة جميلة من الأعشاب والحشائش الخضراء.. تتناثر وسطها عشش من أشجار الغاب والبوص التي يقضي فيها الفلاحون القيلولة ويحتسون الشاي.. وامتد في المشهد بعد الغابة الحرشية خط سكك الحديد الذي يربط محطة قطارات باب الحديد الشهيرة في القاهرة بالحوا مدية ومحطات الفيوم والوجه القبلي كافة وأطلت من خلفه حقول النخيل والغيطان الواسعة فالأحياء الشعبية المبنية من الطوب الأحمر والتي تبدت في خلفية اللوحة وعلى مرمى البصر في بانوراما جميلة من الألوان..أما الجهة اليمنى من الطريق فتوزعت على جانبه وباتساق يصل إلى نهر النيل المحال التجارية والمقاهي والمطاعم والمصارف ومصانع الشاي والسكر والبسكويت والطوب والمصالح الحكومية الصغيرة.
- نزلني هنا يا أسطى.. رايح فين.. مش قلتلك أول ما ركبت عاوز الشيخ عتمان.
زعق عجوز في خريف العمر أصلع يقبع إلى جواري فجأة فانتفضت فزعا..كان يشخر طوال الرحلة بصوت كأزيز المرجل ولا أعلم كيف استفاق قرب محطته تماما
- طيب يا عمنا ما تزعلش حقك عليّ.
توقف الميكرو فبدأ العجوز يجاهد للخروج.. وسعت له قدر طاقتي.. ليزحف مقتلعا جسده من بين الكراسي والركاب.. واصطدم قرب الباب تماما بالمرأة السمينة وقفتها ووقع على ابنتها..فصرخت «الوليّة» غاضبة وهي تدفعه عنها: ما تفتح يا جدع إنت..الله!! وما تزقش كده البت حتموت.
هوى العجوز من العربة مطلقا آخر لعناته..فاستأنف السائق سيره الحثيث.. وبعد مضي بعض الوقت..وبالقرب من عطفة «أم خنان» توقف فجأة ثم قفز من مكانه ورفع إحدى كراسي المقدمة مناديا الصبي بعصبية
- انزل يلا..وناولني مفتاح الزفت ده. بدا جليا أن عطبا ما أصاب بطارية المحرك فأجبرنا على التوقف..وأن السائق يحاول إصلاحه..سائقو الميكروباصات الأخرى أخذوا يقتربون منا أثناء مرورهم ويتجاوزون الواحد تلو الآخر.. يستفسرون في فضول.. يسلمون على السائق.. يعرضون المساعدة دون أن يوقفوا السير.
- سلامات يا حمدي ي ي... خير يا صاحبي ي ي ي..انهي مساعدة ياأسطى ى ى
وحمدي الأسطى ذو الثلاثين ربيعا ينفث دخان سيجارته كليوباترا ويمسح عرقه بساعديه العاريين ولا يكف عن معالجة العطب مجيبا على تطفلهم بنرفزة مبطنة دون أن يرفع عينيه عن المحرك.
الحمد لله... لأ متشكرين.. ما فيش لزمة..ثواني وحتفرج.
بيد أن الثواني تضاعفت لتغدو دقائق بدت من شدتها ساعات زحف فيها السأم على الركاب وأخذ الحر والضيق يعصف بالجميع وما لبث الضجر والشعور بعدم الراحة أن أضحى سيد الموقف والمرأة السمينة تتنهد بقرف بين الفينة والأخرى.
«تبرطم» مع ذاتها وهي «تهوّي» على ابنتها الناعسة بورق «جرنال» أخرجته من القفة.. تمزقت أطرافه وتشربت بزيت الطعمية ومخلل الباذنجان.
سأل أفندي محترم يرتدي ملابس «شيك» ونظارة شمسية وهو ينظر إلى ساعته ممسكا بالجوال في اليد الأخرى
- لسة كتير يا أسطى ؟
- فاضل شوية يا «باشمهندس».. هانت
مضت لحظات أخرى من الانتظار.. قبل أن يتذمر رجل بدين في «جلابية بلدي» وطاقية صوف.. ويبدو كمعلم قهوة أو تاجر فاكهة.. صاح بصوت تخالجه بحّة مدمن للشيشة: جرى ايه يا أسطى..ما تشوفلنا صرفة في المخروبة ديت.. ورانا مصالح يابا.
- اطمئن يا معلم..خلصنا أهو.. فاضل زقة من الجدعان..وحنمشي على طول.
قفز الشبان والرجال من الميكروباص وشرعوا يتهيأون لدفعه واحتل السائق موقعه خلف المقود.. فاستحيت من البقاء مع الصبية و«الولايا»..هبطت أقلدهم..ودفعناه بسواعدنا وأكتافنا سوية إلى أن تحرك ببطء شديد أولا ثم ما لبث أن اشتعل محركه فازدادت سرعته على الفور وأحسست به يضاعف انطلاقته داخلا الشارع والشبان يقفزون إليه ويتعلقون به في خفة ومهارة معهودة..وهو ماض في اندفاعه غير عابئ بأحد..لم أستطع مجاراتهم..فمضى مبتعدا عني ينهب الإسفلت..حتى دخل وسط جيش من الميكروباصات والميني باصات وعربات النقل وسيارات التاكسي والأتوبيسات وعربات الكارو وغاب تماما في زحمة المنطلقين إلى الجيزة.


القاهرة / صيف 2004

المصدر ملحق شرفات

تيم
02/08/2006, 02:31 PM
أعتقد أنهم يسمونه أيضا ً " السوبر جيت " ...!!

الصامت للابد
02/08/2006, 05:42 PM
طرح جميل وصورة وصفية رائعة...
شكرا لك..

bob 2001
03/08/2006, 12:41 AM
تــسلم

فيلق الاهوال
05/08/2006, 05:59 AM
بارك الله فيك أخي العزيز .