عرض الإصدار الكامل : طَرق طُرق الخلاص بين الدين والعلمانية للاستاذ خميس العدوي، والتعليق عليه
المعتصم البهلاني
27/07/2006, 12:07 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اصل الموضوع هو الرد على الكاتب علي الرواحي على مقال نشره في ملحق شرفات، الا ان الشيخ خميس العدوي جزاه الله عنا وعن الامة الاسلامية كل خير قام بالتعليق على مقال الكاتب. لذا راينا حذف اصل الموضوع والاكتفاء بنقولات الاخ السهم المسدد
السهم المسدد
27/07/2006, 12:19 PM
أسجل هنا أني لم أعرف هذا الشخص إلا من خلال مقاله بالأمس والذي كشف عن ((جهل)) وعدم اطلاع على الطرح الإسلامي الراقي الذي تقدمه حركة الإصلاح الإسلامي.
الكاتب مصاب بعقدة (الجهل) وعدم القراءة إلى درجة (الأمية) بحيث صار لا يفرق بين الطرح الأثري المتطرف وبين الطرح الإسلامي الإصلاحي الوسطي فيما يتعلق بمسائل كثيرة مثل مفهوم (العقل) وعلاقته بـ(النقل).
لم أكن اتصور أن يكون مستوى العلمانيين في بلدنا بهذا المستوى المتواضع من الخلفية المعرفية والمنهجية الأكاديمية في الطرح! وهذا شيء يفرح كثيرا لإنه يدل على أن الشعب العماني يرفض ثقافة (الجهل) و(الأمية) التي ينظر لها صاحب المقال (الهزيل).
ولنا وقفات قادمة بإذنه تعالى:
السهم المسدد
30/07/2006, 09:08 AM
إخوتي الأعزاء قد سبقني أستاذي الشيخ (خميس بن راشد العدوي) في طرق مقال الأخ علي الرواحي على هذا الرابط:
http://www.almajara.com/forums/showthread.php?t=23222
وإذا وجد الماء بطل التيمم.
وسأقوم بأسهل مهمة وأكثرها سلبية! ألا وهي (القص واللصق) لتنعم عيونكم بفيوض المعارف التي تكتنز بها عبارات شيخنا الأجلّ.
ومع ذلك أترك لنفسي مساحة (متر x متر) للتعليق والإضافة إن بدى لي شيء.
السهم المسدد
30/07/2006, 09:10 AM
مقال العدوي (1)
نتطرق في حديثنا هنا إلى المقال المنشور في جريد عمان بملحق شرفات، عدد(187) بتاريخ الأربعاء 26/يوليو/2006م، للكاتب علي بن سليمان الرواحي.
= هدف الطَرق:
ليس هدفي من مقالي هذا هو الرد على مقال الرواحي كاتب الموضوع، فهي حالة ربما عشناها ردحاً من الزمن، إلا أنه في نظري يجب تجاوزها إلى الحوار البناء، ولأن الفكر هو فرشة الحركة الواعية واللاواعية للإنسان، فإنه بكل تأكيد يستدعي منا حواراً متواصلاً.
وسأحاول أن أكون مختصراً في موضوعي ومحدداً في طرحي.
وبداية؛ أبين أن كلمة "الطَرق" التي استخدمتها هنا يجب أن لا تحمل مدلولاً سالباً بمعنى المناقضة والمشاكسة، وإنما تحمل معنى "المخض" إذا صحت العبارة.
يتبع:
السهم المسدد
30/07/2006, 09:11 AM
(2) ريادة في الطرح:
-بداية؛ أفترض الرجوع إلى المقال المنشور حتى يتمكن القارئ من متابعة موضوعي هنا.
- هذا المقال أعتبره نقلة نوعية في التفكير في حدود ساحتنا الفكرية العمانية، فلأول مرة نقرأ –بالنسبة لي على أقل تقدير– للكاتب الرواحي، ولأول مرة أيضاً نقرأ بهذا الطرح المتناسق مع نفسه إجمالاً –مع ملاحظات نبينها لاحقاً– فقد تعودنا في مثل هذه المقامات على "خطابات الدعاية" و"الدعاية المضادة" التي يلفها الكثير من الحماس، وربما شابها أيضاً الكثير من التوتر.
يتبع.....
السهم المسدد
30/07/2006, 09:12 AM
(3)المخض الفلسفي:
كل موضوع جاد يحوي شقين من التناسق والانسجام، هما:
- البنية اللغوية البيانية: وهي تلك التي تتمثل في سلامة اللغة وقرب المأخذ منها، وتحديد نقاط الموضوع، ورصفه في قالب معرفي متسلسل، ويحوي لغة من الخطاب التي تحاول أن تقنع الآخر عن طريق إيصال الفكرة إليه.
وهذا ما يمكن أن نسميه شكل الموضوع أو الفكرة.
- البنية الفلسفية العقلية: وهي تلك التي تعيد قراءة اللغة البيانية اللغوية للموضوع في منظومة خارجة عن اللغة وفق بنية فلسفية عقلية.
ولاختلاف هذه البنى الفلسفية، فلا ريب ستختلف هذه القراءات، فحيناً يقرأ في ضوء العقل الخالص، وتارة في ضوء العقل الجمعي، وأخرى في ضوء العقل النسبي... وهكذا.
ولذلك نقول بأنه لابد من مخض اللغة البيانية في ضوء فلسفة تعني العقل بكل أبعاده، ولا يجوز بتره لصالح وجهة عقلية دون أخرى.
وهذا ما يمكن أن نسميه حقيقة الموضوع أو الفكرة.
وفي نظري: أن "طُرُق الخلاص" جاء يحمل شكلاً ليس متهلهلاً، فهو مؤدى وفق "شكل معرفي" يحمل الكثير من التناسق والانسجام،
وهذا لا يعني بطبيعة الحال أنه لم يطرح متناقضات معرفية، بل في تقديري جاء لعلاجها في مسألة "الدين والعلمانية"، فلحقه شيء من غبارها.
ولكن يبقى من الواجب العقلي أن نمخض حقيقة الموضوع.
ونحن في عملية المخض هذه لن نستند إلى النقل إلا في حدود محاكمة النقل ذاته، طبعاً محاكمة نتوخى فيها العدل، فلا نجنح للعاطفة، لأي جهة كانت.
أي لكون المقدمات النقلية تحوي بنية بيانية، فهي تحتاج بنفسها إلى مخض فلسفي لكشف حقيقتها فلن نستند إليها، وإنما سنقف في رحبة العقل الواسعة.
ومن المهم أن نذكر أن النص الديني ليس وحده هو النقل، فالنقل يشمل أي نقل، أي كل نص نستجلبه، دون أن نجليه بمحكات عقلية.
يتبع.....
السهم المسدد
30/07/2006, 09:13 AM
(4) مقدمات نقلية:
كنا نأمل والكاتب يعلي من شأن العقل في هذا المقال، ويجعله اللبنة الأولى والصلبة للعلمانية، بل ويقدم العلمانية طريقاً للخلاص، ويجعل العقل مقدماً على النقل، كنا نأمل منه أن لا يستند في معالجة "الدين والعلمانية" إلى "نقل"، فقد جاء مقاله زاخراً بنقول كثيرة،
وهذا في حد ذاته ليس عيباً،
فربما أراد أن يسبغ على مقاله الجانب العلمي، ويبتعد عن الجانب المزاجي أو "الاجتماعي، على حد تعبيره".
ولكن النقل دون محاكمة عقلية، أو ما أسميه بالمخض الفلسفي العقلي، لا يجدر أن يقام عليه مشروع فكري يريد أن يعلي العقل على حساب النقل.
ولذلك فهي نقولات غير ممخوضة فلسفياً.
وبعبارة أخرى وقع الكاتب في شَرَك النقل ذاته.
وأزمة النقل هذه يعاني منها الكثيرون، ويعاني منها المتدين والمتعلمن على حد سواء،
وقد تكون مشكلة المتدين أنه لا يفرق –إلا في نطاق ضيق– بين النقل المقدس والنقل غير المقدس فيما يوجد لديه من نقول دينية، لكنه يبقى في النهاية يعتقد أن هذا النقل لا يعارض العقل، وإذا ظهر تعارض فهو يشك في قوته المدركِة أكثر مما يشك في حقيقة العقل،
وهذه مشكلة لا يمكن نكرانها عند المتدين، وقد ظهرت ويجب علاجها، وقد حاول بعض المفكرين علاجها، بطريقة أسماها الكاتب الرواحي بـ"اللاحسم"، وساق عليها أمثلة مذكورة في مقاله.
إلا أن المتعلمن هو الآخر يعاني من عقدة النقل، فهو يرزح تحت مقدمات نقلية استجلبها من نقول متقدمة عليه، على ضوئها يبرمج علمنته، إنه يتلقاها بقالب الإعجاب والانبهار،
وهذه عقدة لا تقل خطورة عن عقدة المتدين، تختلف في الشكل ولا تختلف في الجوهر.
ولذلك إذا أردنا أن نسلك "طرق الخلاص بين الدين والعلمانية" فلابد أن نحفر بفأس العقل في أخاديد النقل من أي جهة جاءنا، ونكسر كذلك قشرة أي فكرة لنصل إلى اللب وحده،
وبعبارة عمانية قحة "يجب أن نكسر الجوزة لنصل إلى الصلّوم".
وبالمناسبة؛ النقل هو إنتاج عقلي، أي لا نقل لم يسبقه عقل، هو عقل تجاوزه الزمن فأصبح نقلاً.
ويبقى النص المقدس –في قلوب معتنقيه– يرتقي منزلة أكبر، فهو عندهم ليس نتاج عقل، بل هو من منتِج العقل، أي هو في درجة واحدة مع العقل، وهذه نقطة مهمة جداً سنتعرض لها لاحقاً.
يتبع......
السهم المسدد
30/07/2006, 09:14 AM
(5) أي دين نقصد، وأي علمانية؟
عند قراءة تعريف الدين وتعريف العلمانية في المقال، تمنينا أن نصل إلى تحديد دين بعينه، وكذلك علمانية بعينها، إلا أننا لم نقف على ذلك، فأصبحنا كأنما دخلنا "شقة الحرية" لغازي القصيبي وخرجنا منها، دخلنا الموضوع ونحن نأمل أن نخرج بحد ذهني معين، ولكن خرجنا بشتات ذهني.
ولذلك لا يمكن أن نحاكم الدين –وكذلك العلمانية– إلا بالوقوف على مفرداته، فيمكن أن تحاكم البوذية في مفرداتها، وكذلك النصرانية، أو اليهودية إو الإسلام، أو نبحث عن عوامل مشتركة، وحينها لن تحاكم الدين كدين وإنما العوامل المشتركة.
وتقريب أكثر للمسألة؛
الدين أي دين لا ينفي العقل كلية، فهناك قدر مشترك بين أي دين وبين العقل،
فهل هذا يستتبع نقداً للعقل عندما ننقد الدين؟.
طبعاً: لا.
وعلى ذلك لابد أن نحدد أي دين نقصد، وأي علمانية نقصد أيضاً، ثم نسلك طُرق الخلاص بينهما.
يتبع....
السهم المسدد
30/07/2006, 09:15 AM
(6) العوامل المشتركة:
نعم أتى كاتب المقال بمكونات أساسية للدين وهي:
- المعتقد
- الطقس
- الأسطورة.
وبغض النظر عن كونه نقلاً -عن فراس السواح- يحتاج إلى مخض فلسفي، فإننا نقول مثلاً في الأسطورة:
أي أسطورة نقصد؟؟
فالأسطورة ولكونها أسطورة هي من أشد الموضوعات سقوطاً فلسفياً، فكيف بعد ذلك يمكن أن نجعل الأساطير الدينية في جِراب واحد لنحاكم بها الدين ككل، وقل ما شئت فلسفياً في المعتقد والطقس.
هذه القواسم المشتركة للدين التي أتى بها الكاتب في الحقيقة هي قواسم الاختلاف الجوهرية بين دين وآخر.
على أننا –بهذا المقياس– لا يمكن أن ننفي عن اتباع العلمانية ممارسة هذه "القواسم المشتركة: المعتقد، والطقس، والأسطورة" حتى نعرف أي علمانية نقصد.
وبشكل سريع؛
جعل العقل هو المنتِج المعرفي الوحيد، أو تقديم العقل على النقل، أليس هذا معتقداً؟.
عملية الرجوع بصورة آلية إلى المنتَجات العقلية السابقة "التي تحولت إلى نقول" أليست طقساً؟.
عدم المخض الفلسفي، أليس وقوعاً في أحبولة الأسطورة؟.
في الحقيقة؛
فلسفياً لا نستطيع أن نهرب من قدر هذه "القواسم المشتركة" المشكّلة للدين، والتي كما رأينا تلفّ العلمانية، وتجعلها ديناً كسائر الأديان،
لكن لا يمكن أن نحاكم أي شيء على ضوئها باعتبارها ديناً، بل باعتبارها قواسم مشتركة، والفارق بينهما شاسع وواضح أيضاً.
يتبع....
السهم المسدد
30/07/2006, 09:16 AM
(7) دين الكاتب وعلمانيته:
نعم لقد حدد الكاتب أي علمانية يريد وهي (القول بأسبقية العقل على النقل)،
ولكن تبقى هذه علمانيته التي اختارها، وليس مطلق العلمانية.
كما أنه حدد الدين الذي يريد، وهو الدين المنقى (من الكثير من الشوائب ومعظم الإضافات التي لحقت به، عبر التأريخ، وذلك من خلال سلوكيات وأقوال وفتاوى الفقهاء أو ممارسات المؤمنين به).
ورغم هلامية الطرح لمفهوم العلمانية التي يريد الكاتب، والدين الذي يبتغيه، فإنه يبقى لزاماً علينا أن نقول مرة أخرى:
إن العوامل المشتركة التي أتى بها غير كافية لسلوك طُرق الخلاص بين الدين والعلمانية.
يتبع....
السهم المسدد
30/07/2006, 09:16 AM
(8) لكم دينكم ولي دين:
ليس عيباً أن يختار الكاتب دينه –وإن شاء علمانيته– فهذا من حقه، بل هو مما يحسب له وليس عليه،
وهو بهذا الطرح ربما يكون أكثر تديناً مني، لو حسبناها بالميزان القرآني.
إلا أن ما لا يقبل؛ أن يعمم علمانيته على كل علمانية، وأن يعمم دينه على كل دين، ثم يضرب بعصاه طريقاً يبساً للخلاص في برزخ الدين والعلمانية.
ما نريد أن نقوله، لا يمكن أن نعالج المرضى بعلاج واحد لكون المريض إنساناً، فنعالج رأسه وقلبه وكسوره وجراحه، بوصفة أدول واحدة، لابد من التشخيص والتحديد.
وبعبارة أخرى؛
يمكن أن أقارن بين "دين" الإباضية و"دين" السنة في حدود المشترك داخل السنة من جهة والمشترك بين الإباضية من جهة أخرى، ثم المشترك بين المشتركين.
أما أن أعتبر الإباضية نسقاً معرفياً واحداً والسنة نسقاً معرفياً واحداً، ثم أقارن بينهما، فأقول:
إن السنة هم من يأخذون بسنة رسول الله،
وأن الإباضية هم من ينزهون الله،
ثم أجري المقارنة بينهما على اعتبار أن المشترك الإيمان بالله.
فهذا لا يليق بموازين البحث الصحيح، لأنه لابد أن نحدد كل المفردات التي نريد أن نقارن بينها.
فأنا يمكن أن أقارن بين أسطورة في التفكير النصراني وما يقابلها في التفكير الإسلامي، وانظر نقاط الالتقاء والافتراق،
لكن أن أقوم بمعالجة أسطورة للنصارى بنفس وصفة أسطورة أخرى للمسلمين، والعكس بالعكس، فهذا ينأى جانباً عن المعالجة الفلسفية الراكنة إلى العقل.
ويمكن أن أقارن بين أي دينين أو فكرتين بعد أن أحدد المفردات التي أعنى بمعالجتها، فـ"الشيطان" كما يقال يكمن في التفاصيل.
وأقرب من كل ذلك،
أن لكل شخص دينه، فهذا يؤمن بالقرآن ويؤمن بالنسخ فيه، وذاك يؤمن بالقرآن ولا يؤمن بالنسخ فيه،
هذا يؤمن بالقرآن ويؤمن بخلود العاصي في النار، وذلك يؤمن بالقرآن ولا يؤمن بخلود العاصي فيها، وآخر يؤمن بالقرآن ولا يؤمن بخلود الإنسان أياً كان في النار.
الدين في حقيقته ليس نسقاً معرفياً واحداً، وإنما هو أنساق لا تحصى،
والمشترك الحقيقي وليس الموهوم هو الذي يشكل دين الجماعة التي تلتقي حوله بإجماع.
يتبع....
النور الوضاح
30/07/2006, 09:32 AM
اكراما للاستاذ خميس حفظه الله يثبت الموضوع
السهم المسدد
30/07/2006, 11:55 AM
يقول الشيخ خميس العدوي مبتدأ مشاركته التاسعة ما يلي:
(((في هذه اللحظات تشق العلمانية الغربية طريق خلاصها من دين الشرق عبر مذبحة قانا، وتمسح بطائراتها 55 رأساً من الرؤوس الصغيرة المتدينة لكيلا تصبح متعصبة لنقول الدين عندما تكبر))).
لا بأس علينا أن نلعق جراحنا ونخرج من الاجتماعية إلى العلمية.
++++
(9) أشراك في طريق الحقيقة:
شاء فرانسيس بيكون أن يسمي حواجب الحقيقة بالأصنام،
وعنده هي أربعة: صنم القبيلة، وصنم الكهف، وصنم السوق، وصنم المسرح، ودعا إلى تحطيمها.
ونحن نقول هنا: بأنه يوجد حاجبان أو شَرَكان قد يقع فيهما طالب "طُرق الخلاص" إلى الحقيقة، لا أقصد الكاتب وحده، بل أي ساع إليها هو معرض للوقوع في هذا الشَرك، ما لم ننتبه لهما.
شَرَك لغوي وشَرك عقلي.
أي أن اللغة يمكن أن تخدعنا كما أن العقل هو الآخر يمكن أن يخدعنا.
وقولنا:
إن اللغة خادعة أو العقل خادع، لا يعني بحال أن ذات اللغة وذات العقل لا يمكن الركون إليهما، فهل الفكرة أو المنطق أو اللوجو إلا عقل ولغة.
ولذلك لا يمكن أن ننفي اللغة كما لا يمكننا أن ننفي العقل.
وإن شئنا أكثر تفلسفاً قلنا:
إن اللغة شكّلت العقل، والعقل شكّل اللغة، فليس هناك لغة بدون عقل، كما أنه ليس هناك عقل بدون لغة.
ولعل بعض الفلاسفة ممن عالج منظومة اللغة العربية قد جانبه الصواب عندما ذهب إلى أن اللغة عند العرب تشكلت بعيداً عن العقل في المقام الأول، ويرى أن اللغة العربية حالمة وليست عاقلة.
إن هذه الثنائية بين اللغة والعقل هي ثنائية لا تثبت كثيراً أمام أمواج المخض الفلسفية ورياح التمحيص العقلية.
لا يهمنا هذا كثيراً، وإن كان له علاقة وثيقة بالموضوع،
ما يهمنا هو الكشف عن هذه الحواجب، وقل هي تقسيمات اعتبارية نبتغي منها إزاحة الرين الذي يمكن أن يطرأ على العقل الناطق أو اللسان العاقل للوصول إلى الحقيقة.
يتبع....
السهم المسدد
30/07/2006, 12:56 PM
(10) ما هو بقول شاعر:
اللغة حالمة، اللغة شاعرة.
لا، ليس الأمر بهذا التبسيط والتسطيح.
اللغة من مصادر اللوجو وفي الوقت نفسه هي وسيلة التعبير عنه، وهي أيضاً عندما تمارس ذلك؛ لا تقتصر على هذه الممارسة، فهي أيضاً تحلم وتشعر، لكن ليسا هما صفة لازمة للغة،
والشعر ليس هو إلا خليطاً لغوياً بين الحقيقة والخرافة يسحر المتلقي، أي أن الشعر هو من جنس الأسطورة والكهانة.
فالشعر والحلم والأسطورة والكهانة والسحر عناصر مشبعة بـ"روح" الخرافة، وهي لا تحقق إبهارها إلا بسريان هذه الروح فيها.
لكن في اللغة؛
أين تبتدئ الخرافة –وإن شئت الأسطورة– وأين تنتهي، ما هو المقياس؟.
إذا عرفنا اللغة الحاملة للدين، وعرفنا مقدار عمق الحالة الشعرية فيها، وهل هي تقفز من نافذة الأسطورة أو تلج من باب الرمز أو هي تنفتح عليك بالواقعة المحسوسة؟.
إذا عرفنا ذلك يمكننا هنا أن نتكلم عن الدين، وإلا سنقع في شَرك اللغة.
بمعنى؛ ما تراه أنت في نص ديني بأنه خرافة، قد أراه أنا رمزاً معبراً عن حقيقة، وقد يراه ثالثنا بأنه حقيقة قائمة.
سيكون هنا النزاع بسبب الفخ التي نصبته لنا اللغة ليس أكثر.
سيلجأ كل منا إلى تفسيره الخاص للدين، وهنا سيتشظى الدين، وتسحق العوامل المشتركة تحت عجلات التفاصيل.
هذا جانب.
وجانب آخر؛
شَرك التعريف، وهو لغوي بالمقام الأول، وحتى لو قلنا إنه متركب من مقدمات مبدئية عقلية، فهذا التركيب تم عن طريق اللغة التي تعيش فخ الشاعرية.
نرجع إلى شَرك التعريف؛ وليكن أمامنا حاضراً تعر يف دوركايم الذي ساقه الكاتب:
"فالدين هو نظام متسق من المعتقدات والممارسات التي تدور حول موضوعات مقدسة يجري عزلها عن الوسط الدنيوي، وتحاط بشتى أنواع التحريم، وهذه المعتقدات والممارسات تجمع كل المؤمنين والعاملين بها في جماعة معنوية واحدة".
جيد؛ التعريف في شكله متناسق، نابع من بنية لغوية مترابطة، لكنه فلسفياً يعرّف ماذا؟.
لو رجعنا إلى الوراء البشري كثيراً، هل كان يعي المتدين بأن هناك ديناً؟.
وهل كان يميز أصلاً بين ما هو ديني ودنيوي؟.
الإنسان "القديم" كان لا يعرف في الحياة هذه التقسيمات التي نراها، ومجازاً لغوياً إنه لا يعرف إلا شيئاً واحداً ولنقل: هو الحياة، الحياة النابضة في كل شيء، حتى في الجمادات، فليس الجبل شيئاً آخر عنه، ولا الطير مفارقاً له، فهو يمكن أن يتكلم مع الطير، ويتكلم مع النمل، ويتكلم مع الجبل، ويتكلم مع الأموات، حتى بعد رحيلهم، ويمكن أن ترد هي عليه، ويمكن للجامد أن يتحول وينتقل.
فالدين ليس شيئاً آخر منفصلاً عن الإنسان، إنه لا يعي بذاته حتى يعي بشيء هو الدين، إنه لا يعي أن يستر عورته، أو يدفن ميتته.
إن الإحساس بالدين شيء متأخر جداً في الوجود الإنساني، ومرحلة متقدمة من تفكيره الذهني، لكن هل يعني هذا عدم وجود الدين، لا أبداً، فلو قلنا بعدم وجود الدين لكان كقولنا بعدم وجود الجبل، لأن الإنسان لم يكن يشعر بالجبل مفارقاً له.
فهذه الأنساق من المعتقدات والممارسات والموضوعات لغة؛ عندما نريد أن نسبغها على ذلك الدين الذي يعتنقه الإنسان المتقدم، يعدّ قفزاً لغوياً فوق الحقيقة.
وفوق ذلك؛ لا يميز هذا الإنسان بين ديني ودنيوي، ونقول: إن الإنسان لم يعرف ما هو ديني ودنيوي إلا بعد ثورة الغربي على الكنيسة، مصطلح –أقول مصطلح– العلمانية هو ابن شرعي للثورة على الكنيسة، وأديان كبرى كالإسلام والنصرانية واليهودية، اقرأ ما شئت من كتبها الدينية، لن تجد فيها تفريقاً بين ما هو ديني ودنيوي.
دوركهايم فيسلوف متأخر، جاء بعد أن نضجت المناظيم العلمانية، وبعد أن تشظت كل علمانية إلى علمانيات، بقول آخر إنه شرب العلمانية حتى الثمالة، ونحن سنقع في شَرك اللغة إذا استجلبنا هذا التعريف إلى دائرة النقاش دون أن نسلط عليه مجهر الفحص الفلسفي.
دعنا من كل ذلك، ولنأخذ الإسلام –وإلى حد كبير اليهودية– في هذا الوقت، يكاد يتفق معتنقوه أن عقيدة الإسلام لا " تدور حول موضوعات مقدسة يجري عزلها عن الوسط الدنيوي"، بل يرون عدم الانفصام بين الدنيوي والأخروي، ويزجون كل واحد في الآخر.
أقول: يجب أن لا نقع في شاعرية اللغة ولوكانت المقولة صادرة من "فيلسوف وعالم اجتماع"، فلا أحد ينفذ من سلطان اللغة، لكننا يمكن أن نفهم حججها.
يتبع...
فرصوص
30/07/2006, 01:43 PM
لماذا لم يرد الكاتب خميس العدوي على الرواحي في الجريدة؟؟
السهم المسدد
30/07/2006, 02:05 PM
لماذا لم يرد الكاتب خميس العدوي على الرواحي في الجريدة؟؟
زمن الردود انتهى
نحن نعيش عر الحوار.
والجريدة لا توفر جوا ملائما للحوار خاصة وأن جريدة عمان تقرّب أمثال الرواحي وتقصي أمثال العدوي وفي مقال محمد بن سيف الرحبي محرر ملحق (شرفات) في خميس العدوي وأمثاله أيام (تسونامي عمان) دليل على سياسية الرحبي والرواحي والشليلة:ضحك:
فرصوص
30/07/2006, 05:49 PM
زمن الردود انتهى
نحن نعيش عر الحوار.
والجريدة لا توفر جوا ملائما للحوار خاصة وأن جريدة عمان تقرّب أمثال الرواحي وتقصي أمثال العدوي وفي مقال محمد بن سيف الرحبي محرر ملحق (شرفات) في خميس العدوي وأمثاله أيام (تسونامي عمان) دليل على سياسية الرحبي والرواحي والشليلة:ضحك:
جميل قلت هذا الكلام ... هذا حال البلد عندنا وللأسف الشديد ... ستقوم القيامة وعمان ما عندها خبر أن القيامة قامت
فيلق الاهوال
30/07/2006, 09:54 PM
أرجو أن تعطونا رابط مقال الرواحي لقرأته قبل قرأة الموضوع .
أبو أحمد الحسني
31/07/2006, 01:13 PM
أرجو أن تعطونا رابط مقال الرواحي لقرأته قبل قرأة الموضوع .
:مفتر: http://www.omandaily.com/malaheq/thaqfi/shurfat4.htm :مفتر:
السهم المسدد
31/07/2006, 01:49 PM
(11) الجزئي والكلي:
يُدرس الكلي والجزئي في المنطق تحت رواق "الجنس والفصل"،
لا تهمنا الأشكال اللغوية هنا، وإن كنا لا نستغني عنها.
ما يهمنا؛
أن هناك قضايا مركبة لا تقع خارج العقل، أي لا وجود لها خارج العقل يمكن أن تسمى الكليات،
وقضايا مفردة تقع خارج العقل، ويمكن أن تسمى الجزئيات.
للتقريب؛
1. الإنسان:
محمد، خالد، هدى، عبير.
مفردات توجد في الواقع، وهي حقيقة قائمة.
محمد = إنسان.
خالد = إنسان.
هدى = إنسان.
عبير = إنسان.
إذن هذه المفردات تشكل شيئاً كلياً هو الإنسان.
لكن أين هو هذا الإنسان الذي تشكله هذه المفردات، إنه لا وجود له خارج العقل.
2. الأكل:
مضغ التفاح وبلعه = أكل.
مضغ الخبز وبلعه = أكل.
مضغ اللحم وبلعه = أكل.
مضغ الجبن وبلعه = أكل.
هذه المفردات تشكل شيئاً كلياً هو الأكل.
إلا أنه أين هو هذا الأكل الذي تشكله هذه المفردات، إنه لا وجود له خارج العقل.
بعد هذين المثالين التوضيحيين ننتقل إلى تعريف كاتبنا الرواحي للدين:
"فالمعتقد الديني بشكل عام هو معتقد لجماعة معينة من الناس، يقتصر عليها ويميزها عن غيرها من الجماعات، ونتيجة لهذ المعتقد فإن الأفراد يشعرون بالترابط فيما بينهم، داخل وحدة اجتماعية معينة".
وهو تعريف من حيث البنية اللغوية لا غبار عليه.
لكن وقع في شَرك العقل.
فهذا الدين أو المعتقد الديني لا وجود له خارج العقل.
وإذا أردنا أن ننزل هذا التعريف على مفردة الدين، فإنه لا يعني إلا كما يعني القائل: أكل الإنسان فمرض.
فما هو الأكل؟ ومن هو الإنسان؟ وما هو المرض؟،
إنها لا وجود لها بتاتاً خارج العقل.
إن هذا الشَرك العقلي يجب أن نتجاوزه إلى الجزئي، أي علينا أن نقف على مفردة أي دين يقصد.
ولست أدعو إلى العيش في عالم الجزئيات، بل فلسفتي في الحياة هو تجميع الجزئيات في كليات، لكن لا يمكن تجاوز الجزئية في مخض الكلية وتمحيصها، وهذا له باب آخر ليس هنا محله.
يتبع....
السهم المسدد
31/07/2006, 01:50 PM
(12) ثراء الدين وذكاء المتدين:
- سأعالج هنا موضوع الدين والعلمانية في ضوء العقل، كما أراد الكاتب الرواحي، وكما وعدت القارئ، وقد أبدو وأنا أتحرك في هذه الدائرة منتقداً للعقل، فلا يظن القارئ أنني أبرأ من العقل، بل كل مسار طرحي الفكري في الحياة هو الانطلاق من العقل والانتصار له، حتى عُددتُ عقلانياً، بل فعلاً صرتُ عقلانياً، ولكن ليُعلم أن الانتصار للشيء يبدأ بفحصه ونقده وكشف ما يرين عليه، ويمهد الطريق له حتى لا يقع في مصائد تحجبه عن الوصول إلى مرماه وهدفه.
- وبما أن الرواحي كاتب المقال جعل من العقل القاعدة الصلبة التي تقف عليها العلمانية، وجعل النقل في قبالة العقل، فإننا نقول:
إن الدين –أي دين– يملك من الثراء ما يكفل له أن يتواءم مع حركة العقل،
فهذه أديان نشأت منذ آلاف السنين، وقد قطع العقل شوطاً كبيراً في بناء الحياة، ولم ينكفء الدين على نفسه، بل ظل يمد معتنقيده بطاقة معنوية غير محدودة.
وكان المتدين من الذكاء بأن استطاع أن يستغل ثراء دينه فيطرحه طرحاً متجاوزاً لقفزات العقل الهائلة في الحياة،
إن الدين –القائم على النقل– استطاع أن ينافس العقل، فكانت وقائع الحياة دولاً بين النقل والعقل.
ومن ذكاء المتدين –وثراء الدين– أيضاً أنه استطاع أن يجعل من النقل والعقل معاً جناحين له،
إنه في الواقع يطير بهما،
إنه يحلق في الأجواء بهما في آن واحد،
وإن جاءته الريح من أحد الجانبين رفع هذا الجناح وخفض الآخر،
والعكس بالعكس.
عندما جاءت الشيوعية الماركسية –وهي علمانية بالمقام الأول بل وعلمية– وركبت البلدوزرات الحربية لسحق كل ما يخالفها من دين، لم تتعد كثيراً السبعين عاماً، وإذا بالدين ينهض من تحت الأنقاض، ويقول لكل الفلسفات:
ها أنا ذا رجعت أقوى مما كنت.
وإذا بسدنة شيوعية الأمس يتبرأون منها لصالح أديان وفسلفات وصموها بالرجعية والتخلف.
إن الدين الذي لم يتفحم بنار الشيوعية، كان قادراً أيضاً أن يجابه علمانية أمريكا، ويجعلها إلى هذه اللحظة تتمسح بالدين لتكسب شرعية وجودها.
إننا لا يمكن أن نعلّق العقل في الهواء ثم نتمسح به، فلابد أن نرى مفرزاته في الواقع ومخرجاته في الحياة.
وإذا كانت العلمانية هي وحدها من يتكئ على العقل، وأن الدين ناف للعقل، فلماذا إسرائيل العلمانية تتمسح باهداب الدين، لماذا آباء إسرائيل العلمانيون الأقحاح أقاموا دولتهم في ماعون فولاذي من الدين.
إننا نستطيع أن نقول هنا:
إن عقل العلمانية جاء ليؤدي طقس الركوع والسجود أمام نقل الدين.
يتبع....
طبعنا مقال الرواحي وطبعنا مقال العدوي ..لنقرأهما على مهل وتبصر..
وحالما تتضح الرؤية ..يأتي التعليق..
شاكرة على الجهد الطيب في النقل..جميل هذا الموضوع ..
chameleon
01/08/2006, 01:19 PM
علماني !!
ومعه شهادة صف السادس بعد !!
>>
والله هالدنيا غريبة . وش بقى فيها بعد !!! :confused:
السهم المسدد
01/08/2006, 01:46 PM
(13)مأزق العلمانية (1-2):
وإذا جعلنا العلمانية تساوي العقل فقط، وأغفلنا أي مؤثرات أخرى في حركة العلماني، فإن العلمانية فعلاً تعيش مأزقاً حقيقياً في الوجود، وهي بذلك أيضاً تدين العقل الذي تتكئ عليه، فأكثر من قرنين منذ الثورة الفرنسية وإلى الآن، تتبختر فيه العلمانية تيهاً على الدين ولو شكلاً، وقد حشدت من فلاسفتها ما قد يربو على فلاسفة الأديان،
لكن لننظر إلى سيئاتها،
إن ما أسالته العلمانية من دماء البشر إلى الآن ما يجعل الدم الذي أسالته كل الأديان –حقاً أو باطلاً– قطرة في بحر دماء العلمانية، وما أمر الحربين العالميتين عنا ببعيد، بل إننا الآن نسبح في دمائنا التي فجرتها العلمانية ومنتجات عقلها في أفغانستان والعراق وفلسطين.
(وبذلك يتبين أن التعامل مع الخيار الثاني "العلمانية" منذ أكثر من قرنين أنتج العديد من السلبيات).
والعقل -ولأن العقل مشترك إنساني- نحن لا ننكر أنه في ظل العلمانية أنتج إيجابيات، لكن الدين هو الآخر أنتج إيجابيات غير محدودة، بل ما أنتجه العقل في ظل العلمانية قام على ما أنتجه العقل في ظل الدين.
بل هناك الكثير جداً مما أنتجه العقل في ظل الدين لم تستطع أن تتجاوزه العلمانية في عمومه، كمنطق اليونان وقانون الرومان ومبادئ هندسة الفراعنة.
إن مما تعيشه العلمانية من مأزق أنها لم تستطع أن تستوعب النقل والعقل معاً، بعكس الدين فقد استوعب الاثنين،
بل أن الدين من قدرته النافذة استطاع أن "يعقلن" الخرافة والأسطورة.
ومن مأزق العلمانية بعد أن نفت النقل جاءت لتقول:
إنني لست ضد الدين، ولكن ليكن الدين في المعبد.
وكأن الدين إن انحصر في المعبد فلن يسري إلى باقي الحياة، الدين فكرة، والأفكار تسري في الهواء، لا يمكن حصرها في معبد أو غيره، إنها إن نُفخت في المعبد سرت في دم العابد وبقيت تغذيه في مناحي الحياة.
ورب علماني يقول: إن هذه السيئات لم تحدث نتيجة الأسس الفلسفية التي قامت عليها العلمانية، وإنما نتيجة سياقات تأريخية مصاحبة.
وبغض النظر عن مصداقية هذا التسطيح، فإن المتدين أيضاً يقول هذا الكلام، فيبرر بعدم ضعف أسس دينه الفلسفية، وإنما نتيجة ممارسات خاطئة وظروف بيئية سيئة.
إنها معركة التلاسن بين الخصوم، لا أكثر ولا أقل.
ويبقى أن نفي الدين لأنه "أنتج العديد من الإيجابيات والسلبيات" لتحل العلمانية محله؛ غير مقبول بتاتاً،
ليس لأنه ساقط عند المخض الفلسفي فحسب، وذلك بعدم فصله بين المنتِج والمنتَج، وإنما لأن ما فعلته العلمانية في قرنين من سيئات أمرّ وأنكى مما فعلته الأديان في آلاف السنين، وما أنتجه العقل في ظل الدين لا يقل بحال مما أنتجه في ظل العلمانية، بل بهذا المنطق هي مدينة للدين لأسبقيته عليها.
يتبع....
السهم المسدد
01/08/2006, 02:03 PM
(14) مأزق العلمانية (2-2):
الكاتب يقول: (الأساس الأهم فـي العلمانية، هو القول بأسبقية العقل على النقل).
ويقول: (العلماني هو ذلك الكائن الذي يتخذ من الاعتبارات العقلية، الأساس الأول والأخير لحظة اتخاذه للقرارات).
رغم التناقض السافر بين المقولتين في تحديد العلمانية، الذي يجعلنا لا نعرف على ماذا يريد أن يقف الكاتب؟؛
هل على جعل العقل هو الأساس الأول والسابق ثم يلحقه النقل؛ كما في مقولته الأولى.
أم يريد أن ينفي النقل بتاتاً، ويجعله الأساس الأول والأخير، كما في مقولته الثانية.
ويظهر التناقض بجلاء في هذه المقولة الثالثة التي أعقبت المقولتين السابقتين: "أن العلمانية.... موقف فكري، يضع العقل كأساس أول لكل شيء، ولا يرضى عنه بديلا. ويجعل النص كتابع للعقل".
رغم هذا التناقض لكننا سنبني على المقولة الثانية، نزولاً على الرغبة المتفقة بيننا بجعل العقل وحده -ولو ضمناً من جهته- محوراً حول الدين والعلمانية، وأيضاً حتى نتفق مع من ينحو بعلمانيته أقصى طرفها البعيد في العقل.
يريد العلماني أن يجعل لحظة قراره مبنية على العقل، وقراره هذا لن ينحصر في بقعة من الحياة، بل الحياة كلها يجب أن يتخذ فيها قراره، في القضايا العلمية، والقضايا السياسية، والقضايا الاجتماعية، والقضايا الاقتصادية، .... الخ.
إذ بيّنا ذلك فنقول:
العلمانية منذ قيامها فإنها قامت لتغطي جميع جوانب الحياة،
ولندخل إلى الأمثلة،
وليكن مثالنا فرنسا، شرارة الثورة العلمانية الأولى ووهجها المتألق إلى اليوم، إنها بلاد النور.
فرنسا العلمانية ماذا فعلت بعقلها في الشعوب، منذ اللحظة الأولى بعد الثورة الفرنسية، جاء إلى الحكم نابليون، وأتى معه الاستعمار، واستمرت حالة الاستعمار هذه تمارسها فرنسا بلذة علمانية إلى كتابة هذه السطور، ويكفي ذكر كلمة "الاستعمار" لنعرف كل منتجات العلمانية في الجانب السياسي، وفي قاموس الإخاء الإنساني.
فرنسا إحدى دول النقض في مجلس الأمن بالأمم المتحدة، وانظر بعد ذلك ما مقدار العدالة التي تحققها هذه الدول العلمانية في الشعوب، وما مقدار الأمن الذي تذيعه وتشيعه في الأرض.
قبل فترة وجيزة أصدرت فرنسا قرارها "العلمي جداً" بأن "حجاب" المرأة لا يتناسب مع الأجواء العلمية في المدارس الفرنسية، وهذه حرية للعقل الإنساني بالمفهوم العلماني الصريح.
هنا يظهر مأزق العلمانية، الممارسة هي المحك وحده،
طبعاً الممارسة المنطلقة من الأساس الفلسفي، والأساس الفلسفي في العلمانية هو العقل وحده.
وكذلك ممارسات المتدين يجب أن تقرأ على ضوء أسسه الفلسفية التي انطلق منها،
إذ إن ممارسته قد تكون مفارقة للأسس الفلسفية في دينه، فلا يدان الدين وإنما المتدين بعقله.
والفعل الممارَس ينطلق
إما من العقل وحده، كما ترى العلمانية، فهي تدينه في أخطائها عبر تأريخها،
أو ينطلق من الدين والعقل معاً فهو –أي العقل– شريك في هذه الحالة مع النقل في ارتكاب الأخطاء.
ولنكن صرحاء؛
أخطاء الإنسان سواء كان متديناً أو متعلمناً هي راجعة إلى عقله لحظة اتخاذه القرار، وإلى الملابسات التي تحيط به، وليس إلى النقل، سواء كان هذا النقل من الدين أو حتى من عقول سابقة.
العقل لحظة اتخاذه القرار هو من "يجيّر ويسيّس" الدين والتاريخ والعقل السالف، إنك لو أردت أن تبحث عن شيء آخر لذلك فلن تجد إلا هذه الحقيقة المرة.
يتبع....
السهم المسدد
02/08/2006, 11:44 AM
(15) أثافي التفكير الإنساني: الأسطورة والعقل والدين:
لقد انتقد كاتب المقال الأسطورة وعوّل عليها كثيراً في تهافت مقولات الدين، ورغم أننا نحمل حملة شعواء لا هوادة فيها على الأسطورة، وخاصة أننا نعد الآن كتاباً في معالجة تسرب الأسطورة باسم الدين إلى المجتمع، سيصدر قريباً، لكن لابد من مخضها فلسفياً.
بداية؛
الأسطورة في اللسان العربي القديم مأخوذة من السطر، وهو التسجيل، وكانت تعني التأريخ، ولم يعرف العرب كلمة التأريخ بهذا الانتشار إلا بعد أن جاء القرآن وعاب الأسطورة، والتأريخ تسجيل وقائع، إلا أنه كثيراً ما يتجاوز حقيقة وقوع الحدث لصالح الوهم والخطأ والذاتية والخرافة.
ورحلت لفظة الأسطورة من العربية إلى اللاتينية لتبقى في بعض لغاتها بمعنى التأريخ "History".
قلنا سابقاً: بأنه لا نقل لم يسبقه عقل، ونقول الآن: لا أسطورة لم يسبقها عقل.
فالأسطورة منتج عقلي محض،
أما كيف أنتجها العقل ولِمَ؟ فذلك شيء آخر.
وتتميز الأسطورة بقدرة بقائها لأزمنة متطاولة، وبمزاحمتها للتطور العقلي، وبخاصيتها الحرباوية المتلونة مع مرور زمن التحرك العقلي.
وفي الحقيقة أن العقل هو من يبدع مثبطاته، فالعقل بهذا يتبن لنا أنه عدو لنفسه، إنه يصنع الأسطورة ثم بعد فترة يحاربها لأنها أصبحت تعيق حركته، إن العقل يحارب مخرجاته، ولذلك عليه أن يتحمل جناية يده الأولى.
وأيضاً لتقادم الأسطورة ومزاحمتها للعقل، يبدو واضحاً لنا أن العقل تتقادم مفرداته، من غير القدرة على تجديدها، وإنما يتخطاها مع إضمار العداوة طوراً وإظهارها طوراً آخر.
أما الدين فلا يعادي مفرداته، إنه لا يعاديها ولا يبرأ منها، وبالتالي هو يحافظ على نفسه؛ مع ما يحوي من أسطورة؛ إن حوى عليها، صحيح أنه يتيح فرصة التأويل لمعتنقيه مع مرور حركة التطور العقلي، لكنه يبقي مادة ثابتة.
سيبدو لنا الدين –في حالة كونه مفارقاً للعقل– هنا أكثر انسجاماً مع نفسه من العقل، بل أقوى بكثير من العقل، لأنه يقتحم على العقل في كل فترة، الدين ثابت والعقل يتحول، والدين يلاحقه مع ثباته بالتأويل،
فإن أبدع العقل قال الدين: أنا لا اختلف معك.
وعندما يتجاوز الزمن العقل: يأتي الدين شامتاً منه.
وأخيراً هذا ليس سيئاً بحال، فالعقل يبدع في الحياة والدين يحفظ التوازن النفسجتماعي في لحظات الانتقال العقلية.
وهذا أيضاً ينعش قانون التدافع الحضاري بين الدين والعقل، في حال كون وجود مفارقة بينهما.
العقل كان يقول: الأرض مركز الكون، والشمس تابعة لها.
لم يولد ذلك من لا شيء، لأن العقل في حقيقته لا يأتي بشيء من العدم، إن الوسيلة المتوفرة في ذلك الوقت أمدت العقل بهذه النتيجة عن مركزية العقل.
اليوم نعد هذه المقولة أسطورة تعيق العقل، مع أن العقل هو من قال بها.
أما الدين لم ينف مركزية الأرض، ثم لم يمانع بعد ذلك أن تكون الأرض تابعة للشمس، وكل ما فعله أنه حافظ على توازن المجتمع نفسياً في لحظات انتقالية حاسمة، كانت ستشكل صدمة له.
أما ما رافق تحول المقولة العقلية إلى أسطورة، لتحل محلها مقولة أخرى، ما رافق ذلك من عنف وشدة ومصادرة ليس ذلك راجعاً إلى الدين وإنما إلى فعل المتدين، وقد اشترك عقله ونقله في ذلك، وهذا شيء آخر.
يتبع....
السهم المسدد
05/08/2006, 09:17 AM
أولاً أعتذر عن التأخر بسبب الابتعاد عن الشبكة العالمية.
ثانياً: إليكم درر العدوي:
(16) أسطورة بداية الخليقة:
يقول الرواحي:
(فالأسطورة... تتحدث عن آليات الخلق الأولى، وعن كيفية وأسباب نشوء الثنائية الكونية الأزلية؛ الخير والشر، فهي لا تكتفي بأنها تتحدث عن بعض الأحداث، بل إنها مصدر لرؤية جديدة ومختلفة للكون ولأسباب نشوئه).
بداية نقول:
الأسطورة ليست مصدراً لرؤية جديدة، بل لرؤية قديمة.
إن أفضل ما قدمته لنا هذه الأسطورة أنها حفظت لنا التفكير العقلي في مرحلة من مراحله،
إنها انفتاح عقلي تجريدي راق لما بعد الفترة الحسية التي عاشها ذات العقل حال طفولته.
ولأهمية الأسطورة؛
فإننا نتسور المقابر، وننخر عظام الموتى، ونحفر الأرض، ونفك الرموز، ونصعد المسلات، ونلج الأهرامات، وننقب في بطون البرديات لأجل الحصول على الأسطورة، وذلك لأنها تقرأ العقل في مراحله المتقدمة، وكيف تصاعد خطه المعرفي حتى وصل إلينا.
لو لم يكن من فائدة لأسطورة الخلق –وغيرها من الأساطير– إلا هذه لكفى.
وأما أنها تعوق العقل عن الإبداع أو التقدم إلى الأمام فليس الذنب ذنبها، بل ذنب العقل أنه لم يستطع أن يتجاوزها، ولم يستطع كذلك أن يستفيد من كوامنها المعرفية.
بل الأسطورة في أحيان كثيرة ملهمة لانطلاقة عقلية رائعة.
يتبع.....
السهم المسدد
05/08/2006, 09:18 AM
(17) سيئة الدين ليست في الأسطورة:
بغض النظر عن كون الأسطورة لا تنطق مباشرة بما ينطق به العقل، وهو أصلاً ليس من وظيفتها،
وبغض النظر أيضاً عن تأويلها، فإن الأسطورة ليست هي سيئة الدين، كما أن تأويلها ليس هو حسنة العقل.
فقد توجد الأسطورة لأجل أن تحقق أغراضاً لا تحققها الواقعة الفعلية، لأن الواقعة يتجاوزها الزمن لا محالة، ولكن تبقى الأسطورة برمزيتها ملهمة للعقل، طبعاً إن أراد العقل ذلك، وإلا قد تكون قيداً له، وهذا شأنه.
إن ما يمكن أن يحسب سيئة في الدين هو كبح العقل عن الإبداع، فأينما وجدنا نقلاً في دين آصراً للعقل عن الانطلاق، مكبلاً له عن الإبداع، فهذه سيئة الدين، بل هي أوقح السيئات.
أما إن وجدنا في الدين ما يذكي جذوة العقل فهذا محمدة في الدين، بل هي أحسن محامده.
ليس ما يبدو أسطورة هو مقياس سقوط مقولات الدين، فقد تكون وراءه رمزية ألجأته إليها اللغة، وبذلك قد تكون الأسطورة ذاتها محفزة للعقل،
وإنما المقياس هو محفزات العقل.
يتبع....
السهم المسدد
05/08/2006, 09:19 AM
(18) العقل الخالص عنقاء التفكير العلماني العربي:
الكاتب يقول:
"بإمكاننا القول، بأن الاسس الفلسفية للعلمانية، وربما الأساس الأهم فـي العلمانية، هو (القول بأسبقية العقل على النقل). وجعل الفكر الذي يكتسبه الكائن البشري، مسؤولاً مسؤولية كاملة، نتيجة لأفعاله.فإذا أردنا أن نقيم، مقارنة بين العلماني وغير العلماني، نستطيع القول، بأن الأول هو ذلك الكائن الذي يتخذ من الاعتبارات العقلية، الأساس الأول والأخير لحظة اتخاذه للقرارات، فـي حين أن الأخير (غير العلماني)، يتخذ من الاعتبارات الأخرى (دينية/ نصية واجتماعية)، مسوغاً لقرارته اليومية".
أي عقل خالص هذا؟.
هل فعلاً يوجد عقل دون اعتبارت أخرى؛ نصية واجتماعية؟.
ليتنا نعثر على هذا العقل الخالص الصراح الذي يستطيع أن يتخذ قراره دون أي اعتبارات.
لو وجد هذا العقل لما وجد الدين، سواء على رؤية المتعلمن لأن العقل الخالص لكان مهيمناً على ساحة الوجود الإنساني منذ لحظته الأولى، أو على رؤية المتدين الذي يجعل العقل متصل السند بمنتجِه، فحينها لاتصاله بمنتجِه هو غير محتاج إن يستمد منه عن طريق النقل الذي يأتيه منه.
ولكن لعدم وجود هذا العقل الصراح الخالص كان العقل غير منفك أبداً عن الاعتبارات المصاحبة لحركته في الحياة.
وإذ وجدت الاعتبارات فلتكن منها الاعتبارات النقلية:
أولاً: لأنها وجدت واستطاعت أن تكون ضمن الاعتبارات الملازمة لحركة العقل.
وثانياً: لأنها على أقل تقدير هي منتَج سابق للعقل، هذا إن لم نقل إنها مجاورة للعقل لكونها من نفس المنتِج.
يتبع....
السهم المسدد
05/08/2006, 09:21 AM
(19) إذن ما هو العقل؟
سؤال فلسفي ليس من السهل الإجابة عليه بمدة قلم، إلا أنه لابد من تقديم مقاربة تعريفية على أقل تقدير عندما نريد أن نستند إليه، وهذا ما لم نجده عند كاتب المقال، فهو يحيلنا إلى العقل دون أن يعرّف هذا العقل.
نعم؛ وجدنا بعض التلميحات لما يريد الكاتب من العقل في آخر مقاله، وهو عدم مفارقة قانون السببية،
ولكن هذا ليس إلا اللبنة الأولى للعقل، والمتدين –فضلاً عن الدين– لم ينكرها.
لماذا لم ينكرها؟
لأنه لا يملك ذلك، وذلك لأن هذا القانون هو قانون الحياة الأول، وهو قانون لكي يتحقق لا يأخذ رأي أحد، كما أنه لا يجامل أحداً.
خذ مثلاً؛
الشمس تشرق كل يوم حسب ناموس محدد، لو ظل المتدين وغير المتدين، يصرخ في وجه الشمس طيلة عمره فإنها لن تغيّر رأيها وفقاً لرأيه.
قد يقول أحدنا: إن هناك من المتدينين من يقول: إن الشمس تأخرت عن الغروب لفلان من الناس.
فليقل ما شاء، ماذا يغيّر من الحقيقة؟.
فيرد المعترض: لكن هذا يثبط العقل عن الانطلاق والابداع.
وهذا حق لا نماري فيه، ولكن من قال بهذا؟
إنه العقل لا غيره، العقل ذاته –أي القائل بذلك– لم يستوعب حقيقة أن الشمس تجري وفق سنن سببي محدد لا تخلفه.
هذا الجانب السببي نأتيه لاحقاً، ولكن ولجناه لأجل الحديث عن العقل، الذي لم يحدد الكاتب معناه، إلا بهذا القانون المبدئي الأول.
العقل آلة الإدراك في الإنسان، وطالما قلنا إنه في الإنسان، فمعنى ذلك إنه في كل فرد من أفراد هذا الجنس الإنساني، أي أنه لا يوجد في العلماني دون المتدين، فالمتدين عاقل، أي أنه حيوان ناطق كالعلماني.
إذا كان كل إنسان عاقل ففيم إذن الخُلف؟.
الاختلاف ناشيء من كون هذا العقل لا يعدو أن يكون جهاز تفكير فارغاً من المادة المفكَّر فيها،
يعني كالكمبيوتر الذي لا توجد به مادة ليتعامل معها، مع أنه مهيأ لحوسبتها عندما توجد.
أي أن الإنسان في مبتدئه عاقل بالقوة لا بالفعل، وحتى يكون عاقلاً بالفعل لابد له أن يكتسب المعقولات.
إذن العقل لا يأتي بشيء من العدم، فلابد له من مقدمات، ثم يقوم هو بحوسبة هذه المقدمات، سواء بالتحليل أو التركيب أو الدراسة أو الإضافة أو التفكيك أو البناء... الخ.
العقل قوة ضخمة نافذة؛ نعم هو كذلك، إلا أن هذه القوة لا تمشي بدون وقود.
يتبع....
السهم المسدد
05/08/2006, 09:23 AM
(20) العقل زرع مختلف ألوانه:
وبناءاً على ذلك؛ سيتلوّن العقل بلون المعقولات التي يتغذى بها، ومن هنا يمكن أن نسكت عن العقل بكونه آلة الإدراك، لنتحول ونقول بإنه هو عقل آخر بحسب اللون الذي يلوّنه.
العقل الطبيعي،
العقل الأخلاقي،
العقل البرجماتي،
العقل الجمعي،
العقل النصراني،
العقل المسلم،
العقل العلماني....
.....إلى ما لا نهاية.
وما من عقل –مهما اختلف نوعه– إلا وهو متلوِّن ببيئته التي يوجد فيها؛ زماناً ومكاناً.
فالعقل الأخلاقي مثلاً في الغرب ليس هو في الشرق.
والعقل الجمعي عند الهندوس ليس هو العقل الجمعي عند الكونفوشوسيين.
والعقل الطبيعي زمن نيوتن ليس هو العقل الطبيعي زمن إنشتاين.
وعقل علي الرواحي قبل عشر سنوات ليس هو عقله اليوم،
بل عقل خميس العدوي بالأمس ليس هو اليوم.
إن العقل كالماء لا يقبل الثبات، فإن كان في الفلج فلا يمكن أن تشرب من البقعة الواحدة مرتين، وإن كان في الجباة (البركة) تبخر منه الكثير ليحل محله غيره، إلا إن حصرته في زجاجة محكمة الغلق وبشروط معينة، ولا أظن يمكننا أن نحصر العقل بمثل هذه الطريقة.
أليس العقل ذاته هو الذي يعيش في حالة "اللاحسم" قبل أن يعيشها الدين أو من يريد أن يوفق بينهما.
وحالة اللاحسم هذه التي يعيشها العقل، ليس سيئة، بل هي حسنته العظمى، لو كان العقل محسوماً قاطعاً لما عمر الكون، فروعة العقل وجماله في نسبيته ولاحسميته.
لو قال العقل اليوم كلمته وكانت هي النهاية، لكانت كارثة على الوجود الإنساني ولعاش في صقيع فكري قاتل.
إذن هذا العقل المتغيّر والنسبي والمتفاوت ليس بين الشخص وشقيقه الذي يشاركه المعيشة في بيت واحد، بل هو متفاوت ونسبي داخل الشخص الواحد ذاته.
قلنا قبل قليل:
إن رائعة العقل تكمن في نسبيته، ولكن أيضاً هذه النسبية قد تحوّل العقل الإنساني إلى هلامية وزئبقية لا يمكن المسك بها، وهي كارثة أخرى.
إذن لابد له من مرجعية ضابطة يأوب إليها، تمسكه عن حالة الهلامية ولكن دون أن تجمده.
وهذا هو الدور الذي ينبغي أن يلعبه الدين.
ألا ترى أن القانون الجنائي –وهو دين في عمقه– يضبط الناس عن الجناية، ويحيل (الكائن الذي يتخذ من الاعتبارات العقلية، الأساس الأول والأخير لحظة اتخاذه للقرارات) إلى أسطورة من الأساطير.
وإذا كان كل إنسان له عقله الأخلاقي فأي عقل هو المحك، أليس القانون من يضبط هذا الأمر، أليس القانون هو نقلاً؟.
والقانون هو خاص يعالج زاوية محدودة.
أما الدين فهو عام يعالج منظومة الكون بأسرها، ولديه الخاصية التي تنفذ إلى مختلف الأمكنة وتسري في كافة الأزمنة.
أما إذا فشل العقل في الاستفادة من هذه الخاصية الجليلة في الدين، فالمشكلة –قطعاً– فيه وليست في الدين.
يتبع...
السهم المسدد
05/08/2006, 09:59 AM
خارج دائرة النقل
أقول أنا العبد الفقير (السهم المسدد):
إن طرق الشيخ خميس العدوي لـ(طرق الخلاص بين الدين والعلمانية) يكشف عن هوة سحقية وقع فيها (العقل) العربي حين استسلم لمصطلحات (استعمارية) ضختها الآلة الإعلمية (الليبرالية-العلمانية).
كنا نتمنى من الأخ علي ارواحي وغيره من (العلمانيين) أخذ قيلولة فكرية يراجعون فيها الأسس التي قامت عليها أهرام العلمانية المبنية من الملح.
أتصور أن (طرق) العدوي فاجأ الجميع بتماسكه وأصالته وقدرته على سك العبارات في لغة رشيقة (وسطية) لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء.
العدوي يثبت لفرسان (العلمانية) الذين يسيرون بلا جواد ولا حمار حقيقتان:
الأولى: تهافت الصورة التي رسمتها العلمانية عن الدين.
الثانية: الوعي الثقافي المتقدم عند العماني المتدين خاصة وأن خميس العدوي يمثل مدرسة فكرية تزداد بروزا واتضاحاً.
على الجميع أن يراجع مواقفه وفق التصورات المبنينة على الحقيقة لا على الانبهار بـ (الصورة السرابية) للفلسفة (الليبرالية- العلمانية).
وما زلنا نتابع:
غريب ديار
05/08/2006, 12:09 PM
:مفتر: :مفتر: :مفتر:
دار راسي ،،
موضوع لمستويات ثقافية عليا ما حال قوم بو عبود مثلي..
بس بعدنا متابعين .. يمكن أحد يبسط لنا المقال ويشرحه :نطوط: :cool:
السهم المسدد
05/08/2006, 12:56 PM
(21) العقل العربي السلفي والتنظير العلماني الأخير:
عندما جاءت العلمانية لأول مرة خرجت من رحم الدين النصراني، واستغلته كمضاد ديالكتيكي لتكسب مشروعيتها، فوجدت فيه الكثير لتحقق وجودها.
فالعلمانية بالنسبة للدين كالشيوعية بالنسبة للرأسمالية، وعندما استطاعت الرأسمالية أن تتجاوز الخطاب الديالكتيكي الماركسي؛ سقطت الشيوعية،
ولكن لأن الدين النصراني، إلى حد الآن على أقل تقدير، لم يستطع أن يتجاوز الديالكتيك العلماني، فلا زالت كفة العلمانية هي الراجحة،
وفي تقديري؛
لا أظن أن الدين النصراني قادر مرة أخرى أن يزاحم العلمانية، مع أنه استطاع أن يتوغل فيها إلى أبعد حد، بل إلى حد أبعد مما يتصوره العلماني الغربي ذاته.
وعندما انفتح العالم العربي على الغرب، انفتح عليه وهو يعيش لحظة جمود فكري وعقدي، أماتت الكثير من الفعاليات الحضارية في الدين الإسلامي،
وبمعنى آخر وجدت الساحة الديالكتيكية التي تبرر إنسياح الفكر العربي في العلمانية، بل اندلاق العلمانية على الفكر العربي.
فظهرت موجة كبيرة من العلمانيين العرب ممن ركبوا هذه الديالكتيكية، ولكن اصطدموا بالصحوة الإسلامية التي استطاعت أن تحفز كوامن الدين الإسلامي وتبرزها على السطح ككيان قادر أن يقيم نظاماً يدير حياة الإنسان، وأيضاً أن تؤخر كثيراً من المشروع العلماني في البلاد العربية، بل في الحقيقة تقهقر هذا المشروع كثيراً.
إذن؛ فقد المشروع العلماني مسوغ وجوده الحقيقي في البلاد العربية بظهور البديل الحضاري للإسلام متمثلاً في الصحوة الإسلامية.
ويجب الملاحظة هنا أنني لا أعلي من شأن الصحوة الإسلامية، وإنما أقرر ما هو حادث على أرض الواقع العربي، فلي قراءتي للصحوة الإسلامية التي لا تجعلها ملاكاً طاهراً، كما أنها لا تجعلها شيطاناً مريداً.
وإذ قارب المشروع العلماني بأفول نجمه الذي كان بزوغه في سماء العرب وجيزاً وخافتاً، لجأ منظروا العلمانية العرب المتأخرون إلى الإحالة على "العقل الخالص" رافضين أي مسوغ خارجي غير العقل ذاته،
إنهم يرفضون الديالكتيكية التي استخدمتها الشيوعية يوماً ما، بل وعليها قامت العلمانية،
ورافضين أيضاً أي جانب إيجابي في الدين يبرر وجوده على الساحة، فالدين سواء كان كله خيراً محضاً، أو شراً محضاً، لا مبرر لوجوده،
وإنما يجب التحول عند منظري العلمانية العرب إلى "العقل الخالص" لأنه "عقل خالص"، بدون أية اعتبارات خارجية.
ومع أن أي فلسفة أو دين لا يقوم إلا على المناقضة والديالكتيك، فهي سننية كونية طبيعية، بل قل هو قانون السببية في تحرك الأفكار، إلا أنه بهذا الطرح العلماني الجديد يبدو لنا قد سقط قانون السببية لصالح "العقل الخالص"،
ولأنه غير موجود هذا "العقل الخالص" نستطيع أن نقول ونحن واثقون، إنه تحوّل نحو الأسطورة،
فالأسطورة لم تصبح أسطورة إلا لكونها تناقض العقل السببي في المقام الأول،
وبذلك فالعلمانية لا تتحول إلى "العقل الخالص" بل تتحول إلى أسطورة الأساطير.
وهذا ليس بغريب في حد ذاته على العلمانيين العرب، وذلك لأن العقل العربي تشكل الأسطورة فيه قطاعاً كبيراً،
فمن الطبيعي أن ينظَّر العلماني العربي المعاصر لمقولته ببعد فلسفي يجعل الأسطورة ركيزة علمانيته، وسواء في ذلك انطلق من وعيه أو لاوعيه، وإن كنا نحن نرجح الأخير لعمق الأسطورة في الوعي العربي.
إنه العقل العربي السلفي الذي لا يستطيع أن ينبتر عن سلفيته، سواء جاءه الإسلام أو العلمانية،
فهو استطاع في القديم أن ينظِّر لمكنونات عقله الأسطوري باسم الإسلام،
ولما جاءت الشيوعية نظِّر لها بنفس العقل،
وهكذا القومية والرأسمالية والبعثية والاشتراكية،
وها هو الآن ينظِّر لنفس العقل باسم العلمانية،
إنه ينبهر بالشكل الخارجي دون مقدرة على الغوص في الجذور.
يتبع....
السهم المسدد
05/08/2006, 01:48 PM
(22) السببية والنسبية (1-2):
يجب أن نحكم على المقولة بأنها أسطورة بانبتاتها عن قانون السببية، فإذا انبتّت انبتاتاً جازماً حينها نقول بأنها أسطورة، أما إذا كانت قابلة للتأويل، فإننا نعلم أن وراء تلك المقولة رمزاً يريد أن يوصله القائل إلى مستمعيه.
وكذلك يلزم أن يكون هذا الانبتات انبتاتاً واجباً لا مجرد الجواز، فالجواز يعطي الطرفين نفس القيمة،
وقبل أن نوضح هذه القضية علينا أن نقول:
إن السببية هي أمر نسبي تماماً.
ما هي النسبية؟.
هي الأمر الاعتباري الذي لا يمكن أن نقيسه بأمر داخلي، وإنما لابد من عرضه على أمر خارجي.
مثال:
1.
_________ (خط1)
هذا الخط لا يمكن أن نعطيه قيمة القصر والطول لذاته، أي لجهته الداخلية.
2.
_________ (خط1)
__________________(خط2)
بهذا يتضح لنا أن (الخط1) قصير في حين أن (الخط2) طويل.
والآن ننظر إلى (الخط2):
3.
__________________(خط2)
___________________________(خط3)
أصبح هنا (الخط2) قصيراً، بينما (الخط3) طويل.
فـ(الخط2) تردد بين كونه قصيراً وطويلاً، لكن هل ينتج إمكانان للخط فقط، وبالتالي بمصالحة ثنائية يمكن أن نحسم القضية لصالح الطول والقصر.
ننظر الآن إلى (الخط2):
4.
_________ (خط1)
__________________(خط2)
___________________________(خط3)
إذن أصبح لدينا إمكان ثالث وهو أن (الخط2) لم يعد قصيراً ولا طويلاً، بل أصبح متوسطاً.
وهذا يعقّد إمكانية خيار "العقل الخالص" فلابد له من مرجح، والجهة الداخلية للعقل لا تحل المشكلة، لأنها لم تستطع حتى أن تكتشف المرض، فكيف لديها القدرة على علاجه؟.
ولكن يمكن أن يأتينا عاقل فذ ويقول: نأخذ صفة التوسط لـ(الخط2).
فنقول: إنك ياعاقل بعملك هذا رجعت إلى اعتبارات خارجية لم تستطع أن تنفذ منها، ولم يسعفك "عقلك الخالص" لعدم وجوده أصلاً.
لا علينا، سنلّم لك بهذا الحل، ونقبل به، رغم أنك بعملك هذا أسقط "العقل الخالص" لصالح اعتبارات خارجية.
انظر الآن إلى (الخط2):
5.
_________ (خط1)
__________________(خط2)
______________________(خط×)
___________________________(خط3)
هل لا زال (الخط2) يلزم صفة التوسط، طبعاً لا.
إذن حتى ذلك الحل الذي قبلناه كفرض جدلي، أصبح غير وارد هنا.
وستزداد المشكلة بزيادة الخطوط.
وبمعنى آخر: ستزداد المشكلة بزيادة "العقول الخالصة" لو فرضنا وجودها، فضلاً عن كونها ستتعقد بوجود العقول الأخرى، وما يستتبعها من اعتبارات خارجية تحتاج هي الأخرى إلى مخض فلسفي.
والسؤال مطروح الآن للعلماني العربي المعاصر:
من يحل هذه المشكلة العقلية الأولى؟،
ومن يحل بعد ذلك ما لا نهاية من مشكلات العقول المركبة والمتنوعة، واعتباراتها المرافقة؟.
يتبع....
السهم المسدد
05/08/2006, 01:56 PM
تعليق عدوي خارج السياق يقول فيه:
أشكر كل المتابعين من مشرفين وقراء ومداخلين على اهتمامهم بالموضوع.
يلزمني هنا أن أنبه بأن هذا الموضوع نقل إلى مواقع أخرى على شبكة النت تحت عنوان ليس العنوان الذي اخترته،
وإنما تحت عنوان اختاره ناقل الموضوع،
ومع شكري وامتناني للناقلين على هذه الخدمة الطيبة،
لكن أريد أن أبين أن هذه العناوين لا تعبر عن رأيي في قليل ولا كثير،
وإنما ما يعبر عني هو العنوان الذي اخترته "طَرق طُرق الخلاص بين الدين والعلمانية".
هذا ما لزم بيانه.
ومرة أخرى الشكر موصول للجميع.
وهنا أقول بأني لم أختار عنوان الموضوع في سبلة العرب وإنما هو من صنع المشرف (النور الوضاح) والعنوان يعبر عن الفكرة التي يريدها الكاتب ولعل المشرف العزيز انفجرت مرارته مما قرأه من كلام للأخ علي الراوحي.
العنوان مع قوته أرجو ان لا يحمله أي كان ما لا يحتمل من تأويلات خارج سياق الحوار والبناء الفكري.
نشكر شيخنا العدوي على ملاحظاته والأخ المشرف على التثبيت والرعاية المتواصلة للموضوع ولجميع المتابعين الباحثين عن العلم والمعرفة.
النور الوضاح
06/08/2006, 08:12 AM
تم تغيير العنوان حتى يتناسب ومع ما طرح على هذا الرابط، ومن قصد البحر استقل السواقي.
تحياتي
أحمد بن علي الحارثي
06/08/2006, 12:05 PM
أشكر الأستاذ خميس بن سعيد العدوي
على طرحه الفلسفي الفكري.... لما يسمى العلمانية(( اللادينية)) والحقيقة اللادينية هي دين من حيث هي لها أفكار في قوالب معينة ومذاهب متفرعة من الدين العلماني.... فيجب أن توضع في ميزان التحليل
السوسيولوجي الفلسفي... وإلا هي فوضى اللافكر(( الفوضى المنظومة)) التي تستعين باللغة لتصل
إلى فكرة واحدة العداوة للدين((أي دين)) غير الدين العلماني طبعا....
وبإذن الله سأقوم بطرح موضوع العلمانية على البساط هنا وفي موقع المجرة.... ليتسع أفق هذا الطرح
الغريب الغربي وما تمخض منه من العلمانية الشرقية
[email protected]
السهم المسدد
06/08/2006, 12:50 PM
الأخ أحمد الحارثي مرحبا بك في سبلة الفكر والثقافة.
الشيخ خميس اسمه خميس بن راشد العدوي
وليس خميس بن سعيد العدوي
وخميس بن سعيد الشقصي رحمه الله هو مؤلف كتاب "منهاج الطالبين"
فلزم التنبيه:)
النور الوضاح
06/08/2006, 01:57 PM
أشكر الأستاذ خميس بن سعيد العدوي
على طرحه الفلسفي الفكري.... لما يسمى العلمانية(( اللادينية)) والحقيقة اللادينية هي دين من حيث هي لها أفكار في قوالب معينة ومذاهب متفرعة من الدين العلماني.... فيجب أن توضع في ميزان التحليل
السوسيولوجي الفلسفي... وإلا هي فوضى اللافكر(( الفوضى المنظومة)) التي تستعين باللغة لتصل
إلى فكرة واحدة العداوة للدين((أي دين)) غير الدين العلماني طبعا....
وبإذن الله سأقوم بطرح موضوع العلمانية على البساط هنا وفي موقع المجرة.... ليتسع أفق هذا الطرح
الغريب الغربي وما تمخض منه من العلمانية الشرقية
[email protected]
نسجل ترحيبا بك وفي انتظار مقالك
تحياتي
السهم المسدد
07/08/2006, 08:38 AM
(23) السببية والنسبية (2-2):
ما ذكرناه أعلاه هو مثل بسيط من بدهيات العقل الأولى، ومن داخل دائرة البرهان الرياضي، والبراهين الرياضية كما هو معلوم براهين أولية أو متركبة على مقدمات أولية،
بمعنى آخر؛ لا نزاع كبير فيها بين العقول الإنسانية.
لكن تتقدم المشكلة عندما نلج عالم الفيزياء، ولنأت بمثال بسيط أيضاً:
قبل إسحاق نيوتن كانت تسقط التفاحة من أمها شجرة التفاح،
وبوجود إسحاق أيضاً كانت تسقط هذه التفاحة،
وعلى عهد إنشتاين كانت تسقط هذه التفاحة،
ولا زالت إلى هذه الساعة تسقط.
إذن ما المشكلة في ذلك؟.
لا مشكلة عقلية ظاهرة طبعاً في ذلك، فهو قانون كامن في الوجود لا يشاور أحداً لمضيه.
إذن ماذا نريد أن نقول؟
قبل أن نقول، كنت ذات مرة أتابع فيلماً سينمائياً عن أنشتاين،
فجاءت امرأة وسألت أنشتاين: ماذا تعني النظرية النسبية.
فقال لها: هل تشربين اللبن؟.
قالت: نعم.
قال لها: ما لونه؟.
قالت: أبيض.
فرد عليها: وأنا أيضاً أقول بأنه أبيض.
ثم انصرف عنها.
فبجوابه الفلسفي هذا يريد أن يقول لها:
إن تفسيرنا لظواهر الأشياء لا يغير من حقائقها.
ولنرجع الآن إلى تفاحتنا،
كان قبل نيوتن يتصور الناس أن هناك قوة كامنة في التفاحة، واختلفوا في تفسيرها، بحسب ما سمح لهم العقل آنذاك من تفسير،
منهم من يقول: يحملها مَلَك وينزل بها إلى الأرض.
ومنهم من قال: لا، ليس بمَلَك وإنما هو جني.
وثالث قال: لا، وإنما هي روح كامنة في التفاحة.
وجاء الرابع وقال: بل هي خاصية ذاتية في التفاحة.
ولما جاء نيوتن: كان محملاً بفكرة هذه القوة التي تسقط التفاحة من أعلى إلى أسفل، وكل ما فعله هو أنه لم يلتفت إلى مَن يسقط التفاحة، وإنما التفت إلى قياس هذا السقوط، وقال بقوانينه في الحركة،
ولا يعنينا هنا نقل قوانينه هذه،
وإنما يعنينا هو أن نيوتن بيّن أن هناك قوة جذب للأرض جذبت هذه التفاحة، وترتكز هذه القوة على مقدار الكتلة بالمقام الأول.
وكان هذا فتحاً كبيراً في عالم الميكانيكا، بل هو من يعود له فضل وجود هذا العلم أصلاً كعلم.
وقامت الاختراعات الحديثة على هذه القوانين، حتى جاء إنشتاين بنظريته النسبية ليقول:
إن قوانين نيوتن صحيحة حسب الظاهر فقط، لكنها لا تعطينا التفسير الصحيح،
والصحيح أن أمر الجاذبية "أي السقوط" لا يرجع إلى الكتلة بالمقام الأول، وإنما إلى الفراغ الكامن في المادة.
عجيب؛
يعني أنه عكس الأمر برمته،
الجاذبية لا ترجع إلى الكتلة، وإنما إلى الفراغ المجاور لها.
وبهذا تم تجاوز مقولات الفيزياء الكلاسيكية لتحل محلها مقولات الفيزياء النسبية .
والعقل لن يقنع بالإنجاز الإنشتايني بل سيشق طريقه إلى الأمام،
ولذلك يوجد الآن جدل لا بأس به بين علماء الفيزياء الحديثة حول استقامة هذا التفسير الفيزيائي الإنشتايني.
يتبع....
السهم المسدد
07/08/2006, 08:41 AM
(24) النسبية تسري في أوشاج حياتنا:
ما سقناه هنا يعدّ من أوليات السببية،
والعقل السببي هو العقل البسيط غير المعقد،
ورغم بساطة القضايا التي يعالجها من حيث وجودها الأولي والمقطوع بحركته الثابتة في الكون؛ إلا أنه أخذ من البشرية أحقباً ليست قصيرة من عقل البشرية،
بل لا يزال العقل حتى الآن لم يسبر غور السببية إلى قعره ومنتهاه؛ أي أنه لا يزال لم يصل إلى "صلّوم الجوزة"،
كما أنه وصل إلى نتيجة بسيطة ومعقدة، بيسطة من حيث معرفة سريانها في الأكوان، ومعقدة من حيث قدرة العقل على معالجتها، هذه النتيجة هي النسبية.
والنسبية تتعدى السببية، وبالتالي تتعدى العقل السببي الطبيعي الأولي البسيط، وتلج كل مجالات الحياة،
إنها في الوردة والشوكة،
وفي النار والثلج،
وفي الجريمة والقانون،
وفي صداح البلبل ونهيق الحمير،
وفي أنغام الموسيقى وقعقعة السلاح،
وفي الأبيض والأسود.
إنها في السياسة والاقتصاد والتربية والاجتماع،
وفي العلاقات التي تربط هذه الجوانب،
وفي علاقة البشر بعضهم ببعض،
وعلاقتهم مع الأكوان من حولهم.
وبالمختصر في كل مفردة من مفردات الحياة؛ ببساطتها وتعقيداتها.
وبلغة الفلسفة إنها في العقل الاجتماعي والعقل الأخلاقي والعقل والسياسي، وفي العقل المفرد والعقل الجمعي، وفي العقل الطبيعي.
إذا كان "العقل الخالص" –طبعاً جرياً على فرض الجدل العلماني في صورته العربية الأخيرة، مع أننا أثبتنا عدم وجوده– لم يستطع أن يحل أولى المشكلات الناتجة عن المقدمات العقلية الأولى، فكيف به أن يحل مشكلة الحياة على لانهائية وجهاتها وتعدد عقولها وتنافر مشكلاتها وتشظي مفرداتها، مع وجود الاعتبارات الخارجية، (ذلك لأن هذه المفاهيم تنتمي للعلوم الاجتماعية، غير الممكنة الحصر والتحديد)؟.
فالمشكلة فلسفياً ليست هيّنة؛ بل هي عويصة جداً،
ومع أن الدين جاء ليحل هذه المشكلة؛ إلا أن العقل أخفق باستمرار في حلها، وفي الاستفادة من الدين في الوصول إلى الحل.
يتبع....
السهم المسدد
07/08/2006, 11:49 AM
(25) النقل لجوء عقلي لحل مشكلة الاعتبارات الخارجية:
وإذ وصلنا إلى نتيجة عدم وجود "العقل الخالص"،
وأنه لابد له من اعتبارات خارجية، وهذه الاعتبارات ليس أولها العلم، ولا آخرها الأخلاق،
فإذن يحتاج الإنسان إلى مرجعية أخرى، لا تقل عن العقل ولا حتى تساويه، يجب أن تكون أعلى منه، وفي نفس الوقت لا تتناقض معه،
لأنها إن كانت أقل من العقل، فالعقل لا يحتاج إليها، وبالتالي سيعيش مشكلته بدون حل،
وإن ساوته لم تعطه شيئاً، وبالتالي أيضاً سيبقى مع مشكلته،
إذن لابد أن تكون المرجعية أعلى منه.
ويمكنني هنا أن أضرب مثالاً من الحقل السببي، ولكن لأجل التنويع حتى لا يسأم القارئ آتيه بمثال من الحقل الأخلاقي.
وبداية؛ يمكن أن يقال: إن هذه المرجعية العليا لا تشترط أن تكون هي الدين، إذ يمكن أن يقال بأنها قد تتمثل في العقل الجمعي أو العقل السلفي الإنسانيين.
وهذا ما حدث فعلاً للإنسان وهو يبحث عن المرجعية العليا،
ولذلك لجأ العقل إلى النقل،
لأنه نظر إلى أسلافه نظرة إكبار وإجلال، فهم نقطة التقاء كل العقول الخَلّفية، وبالتالي العقل السلفي هو سلف لكل العقول الخَلَفية.
هذا لم يأت به الدين في مبتدئه –أي قبل أن يتحول إلى دين– وإنما أتى به العقل ذاته، العقل وجد أمامه مشكلة قائمة، وهي ولا ريب مشكلة عظيمة وشائكة لم يستطع العقل أن يحلها إلى اليوم.
حتى العلمانية في الغرب لم تستطع أن تحلها بل لجأت إلى العقل الجمعي،
والعقل الجمعي قد يختلف نوعاً ما في الشكل عن العقل السلفي، لكنه لا يختلف عنه كثيراً في الجوهر.
تطاحن علمانيات الغرب في الحرب العالمية الأولى ألجأها إلى عقل جمعي هو عصبة الأمم،
وتطاحنها في الحرب العالمية الثانية ألجأها إلى هيئة الأمم المتحدة،
وهي بكل تأكيد ليست عقلاً خالصاً بل هي عقل جمعي،
وليس هو جامعاً لكل العقول،
بل هو عقل جمعي لتسويغ العقل السياسي الرأسمالي الغربي وحده،
ولذلك الأمم المتحدة لا يبقي وجودها العقل الجمعي العالمي، وإنما القوة والمصالح العلمانية الغربية التي تفرضها.
ولما أن قوانينها تحجب العقل عن عمله لحظة اتخاذ قراره،
فمعنى ذلك؛
أن هذا العقل الجمعي السياسي العلماني الغربي تحول إلى عقل سلفي،
أي يتكئ إلى النقل "القرارات والاتفاقيات والعهود".
الكُرة وأخواتها وبنات عمها -وهي "لعب × لعب" بالمقام الأول- عقلها الجمعي السلفي "الفيفا".
"الجات" هي الأخرى عقل سلفي جمعي،
منظمات الصحة العالمية،
اليونسكو،
وغيرها،
كلها منظمات تنظم للنقل، لا يجوز الخروج عليها،
وبالتالي تحجب العقل عن اتخاذ قراره في لحظته، وتلجئه إلى اعتبارات نقلية في المقام الأول.
وهذه عقول متساوية، لكن بالهيبة الدولية –وليس بالعقل الجمعي العالمي، أي بـ"الجبر الدولي" وأيضاً ليس بـ"الجبر الديني"- تحولت إلى عقل سلفي لكل من ينتسب إليها من عقول الأخلاف.
وكما قلنا قبل أسطر:
((بداية؛ يمكن أن يقال: إن هذه المرجعية العليا لا تشترط أن تكون هي الدين، إذ يمكن أن يقال بأنها في العقل الجمعي أو العقل السلفي الإنسانيين)).
نقول في النهاية:
هذه العقول الجمعية السلفية لم تحل المشكلة،
ولا زالت قضية الأخلاق هي بؤرة السقوط القيمي عالمياً،
ولذلك لابد من مرجعية عليا تتجاوز هذه العقول قاطبة.
فيا ترى –والسؤال مفتوح على كل علماني-
أين نجد هذه المرجعية العليا التي تحل مشكلات فلسفية نظرية وعملية معقدة وقائمة؟
أم سيظل الإنسان يعاني هذا السقوط القيمي إلى ما لا نهاية؟.
وهذا مبحث كان يفترض بنا أن نفرش فيه المقال في العقل الأخلاقي،
ولكن إذ إن الكاتب الرواحي ركّز على السببية، فلن نخرج عنها إلى غيرها من العقول،
وأيضاً قد يطول بنا المقام كثيراً، ونثقل بذلك على القارئ،
ولذلك لا ندخل هنا إلى "مخض" بقية العقول فلسفياً،
ونكتفي بما ذكرناه –وسنذكره- عن السببية.
يتبع....
السهم المسدد
07/08/2006, 01:58 PM
(26) السببية؛ وقانونا الحركة والطاقة:
قلنا سلفاً:
إن قانون السببية هو المبدأ الأول في العقل الإنساني،
وهو قانون اضطراري في العقل، أي يوجد في العقل وجوداً وجوبياً، أي هو مسلَّمة من مسلَّمات العقل،
وهو ما يمكن أن يسمى بالعقل السببي أو العقل الطبيعي،
وأما بقية العقول فهي أكثر تعقيداً وتحتاج إلى تفكيك جذري، وقراءة معمقة في الاعتبارات الأخرى الملازمة.
وعلى ذلك فإن سقوط أي منظومة في عقلها السببي هو سقوط كلي لبقية العقول المنظمة لها، وهذا ينطبق على الدين والعلمانية على حدِ سواء.
والعلمانية ماذا تقول عن السببية –إن شئتم عن العقل السببي–؟
تقول:
إنه لا يمكن أن يقع شيء خارج قانون السببية الصارم، أي لابد لكل شيء سبب سابق عليه قد سبّبه.
وهذا حق لا مرية فيه.
وهذا يجعلنا مرة أخرى نرجع إلى عالم الفيزياء،
لعلنا جميعاً نعرف قانون "القصور الذاتي"،
ولجعل الأمر حاضراً؛
ملخص هذا القانون يقول:
(إن الشيء لا يملك أن يغيّر من حالته، إلا بقوة مؤثرة خارجية).
ماذا يعني هذا القانون؟
يعني أنك لو رميت بحجرة في الفراغ فإنها تستمر في الانطلاق إلى ما لا نهاية، فلا تغيّر من قوة انطلاقها ولا من خط حركتها، هذا قانون كوني قائم وصارم، تعمل به الأجرام السماوية، وتعمل به ذرات الكون قاطبة.
ولكن نحن لا نلحظه مباشرة في واقعنا اليومي، لوجود الكثير من القوى المؤثرة على انطلاقة الحجرة –مثلاً– سواء في قوة انطلاقتها أو في زاوية حركتها، منها الجاذبية الأرضية، ومنها الاحتكاك بالهواء، وحتى أشعة الشمس ودرجة حرارتها لهما نصيب من ذلك.
إذن هذا القانون الكوني يقول بصرامة قاطعة:
إنه لابد لكل شيء من محرك، سواء إيجاباً؛ أي دفع الساكن حتى يتحرك، أو سلباً؛ أي وقف المتحرك حتى يسكن.
وعلى ذلك فالمادة لا يمكن أن تتحول إلى طاقة إلا إذا كانت هناك قوة تحركها بسرعة ليست أقل من سرعة الضوء، وهذا ما يحدث في التفجير الذري والتفجير النووي،
وكذلك لا يمكن أن تتحول الطاقة إلى مادة إلا إذا وجدت قوة تسكن هذه الطاقة إلى درجة الصفر الافتراضي، أي أقل من سرعة الضوء،
على أنه هناك قانون نسميه قانون "اتزان الطاقة" يقول: (إن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث ولكن تتحول من شكل إلى آخر)، وهذا أيضاً قانون صارم.
والآن لنفرض ذرة في الكون؛ ولتكن (س).
(س) تلزم حالتها ما لم يكن محرك خارجي يحركها.
لكن (س) تتغير باستمرار،
فتارة في جبل صلد،
ثم في تراب ناعم،
ثم هي مكوِّن في شجرة،
ثم مكوِّن في بقرة،
ثم مكوِّن في إنسان،
ثم مرة أخرى ترجع إلى التراب،
ثم تتبخر في السماء،
ثم تنزل،
ثم تصعد خارج الغلاف الأرضي مع رحلات الفضاء،
ثم تكون في القمر... وهكذا،
وقد تُفجَّر في يوم من الأيام، فتطلق طاقة رهيبة تدمر ما حولها.
وفي كل حالة من هذه الحالات لابد لها من محرك خارجي،
طبعاً سلّمنا بوجود المحرك الخارجي،
وهذا المحرك هو الآخر يلزمه وجود محرك خارجي آخر،
وهكذا حتى نصل إلى "المحرك الأول"، "المحرك الأول" الذي أوجد الطاقة، وأوجد المحركات الخارجية لها.
إذا قلنا بعدم وجود محرك من المحركات الخارجية؛ ومنها "المحرك الأول" طبعاً، أنكرنا قانون القصور الذاتي،
وإذا قلنا بوجود الطاقة من لا شيء أنكرنا قانون اتزان الطاقة،
وإذا لم نقل بقانون اتزان الطاقة أنكرنا قانون القصور الذاتي.
إذا جاء الدين وأنكر أحد هذين القانونين فهو علامة وضعه وتهافته،
وكذلك إذا أنكرت العلمانية أحد هذين القانونين فهو علامة سقوطها وتهافتها.
يتبع.....
أحمد بن علي الحارثي
07/08/2006, 02:58 PM
أشكرك نعم الأستاذ خميس بن راشد بن سعيد بن سعيدالعدوي( وسعيد بتشديد الياء)
وبالنسبة لطرحي فقد أجلته إلى حين....وسيكون الوقت أنسب ان شاء الله........
السهم المسدد
08/08/2006, 12:58 PM
(27) السببية المسمار الأخير في نعش العلمانية:
نبدأ الحديث هنا عن العلمانية، ونؤجل الحديث عن الدين قليلاً إلى حين لاعتبارات شكلية تتعلق بنسق الكتابة في هذا الموضوع.
أسلفنا القول:
إن العلمانية في منطلقها جاءت ضد الدين،
وعاشت مع النصرانية صراعاً ديالكتيكياً راديكالياً عنيفاً،
وكانت تتخذ من مناقضة الدين سبب وجودها الرئيسي.
ولكن لما اصطدمت العلمانية بالإسلام، وحاول رادتها الأُوَل أن يجعلوا من مناقضة الدين الإسلامي سبب ولوج العلمانية إلى العالم العربي،
فوجئوا بأن الاعتبارات المسوغة في النصرانية لا وجود لها،
أو أنها تختلف اختلافاً جذرياً،
مما دفع الجيل الثاني إلى القول:
بأن الإسلام جاء بالعلمانية،
وأن العلمانية ما هي إلا فضيلة من فضائل الإسلام،
وهؤلاء أيضاً أخفقوا.
ثم ها هو يظهر الجيل الثالث من العلمانيين؛ يقولون:
بأن العلمانية ترتكز على "العقل الخالص" دون أي اعتبارات أخرى.
ومعنى كلام هؤلاء؛
أن العقل وحده كاف لأن يتحرك في هذه الحياة وينظم أمورها، دون الحاجة إلى نص ديني.
دعونا نعرض هذه المقولة الأخيرة -التي يروج لها بعد أن أخفقت المقولتان السابقتان- على محك السببية.
إن العلمانية من حيث موقفها من "المحرك الأول" -المتميز عن كل المحركات التالية له- تنقسم إلى قسمين:
- قسم دهري:
لا يؤمن بوجود هذا "المحرك الأول" كقائم بنفسه،
وإنما يحيل الحركة إلى الطبيعة، والطبيعة ليست أمراً زائداً أو مختلفاً عن بقية المحركات التالية،
وعلى ذلك فإن هذا القول:
إما أنه يقطع القول بالسببية؛ أي يهدمه في ذروته، وبالتالي تسقط السببية التي يتذرع بها هؤلاء،
وحينها لا وجود للأسطورة في دين ولا غيره،
ومناقضتها هو مسوغ وجود العلمانية الأول، وبالتالي لا مسوغ لوجود العلمانية،
وإما أنه يعطي الطبيعة قدرة "المحرك الأول" المفارق لكل المحركات التالية،
وهذه هي أسطورة الشرك في أخص خصائصها،
وبالتالي رجعنا إلى الوثنية من جديد، وهو أفسد دين عرفته البشرية.
ولا نظن في العلماني الدهري –فنحن لا زلنا نحسن الظن بعقله هنا– يقبل أن يهدم قانون السببية أو يرتد إلى أسطورة الوثنية،
ولذلك عليه أن يراجع مقولاته الدهرية.
- قسم مؤمن:
أي يؤمن بوجود "المحرك الأول"، فدفع بالمحركات التالية، ثم تنحى جانباً،
وهذا يوقعه في إشكال لا يقل عن مشكلة القسم الأول،
وهو بعد أن اتفق مع المتدين في أخص خاصيات الدين، فارقه بعد ذلك في أعمال هذا "المحرك الأول"، و"قاعده" عن أداء بقية شئونه، بدون دليل قائم الحجة من العقل،
فتسليمه بوجوده دليل عقلي اتفق عليه عقلا المتدين والمتعلمن،
والمتدين أصبح ملزماً بما جاءه من هذا "المحرك الأول" ما يلازم عقله،
أي لما قامت حجة العقل، اتّبعها وتوجه إليها،
أما المتعلمن فإنه فارق المتدين في هذا الأمر بدون حجة من العقل،
وهذا ما نسميه بالهوى، والهوى أسطورة خسيسة تضارع خسيسة الوثنية والشرك.
وأيضاً هذه المحركات التالية؛
إما أن تكون عاقلة أو غير عاقلة،
فإن كانت عاقلة، فلماذا رضيت أن تكون مقهورة قهراً كلياً للعاقل الإنساني، دون أي مرجح عقلي لذلك،
وإن كانت غير عاقلة؛ فكيف لها أن تحرك غيرها من المحركات بحكمة واتزان لا يحيدان أبداً؟.
علينا أن نقول بصراحة ومن غير خجل:
إن السببية –وهي القانون الأول والمبدئي في الكون– قد دقت المسمار الأخير في نعش العلمانية.
يتبع....
السهم المسدد
09/08/2006, 12:02 PM
(28) الجائز العقلي:
الجائز العقلي: هو الذي يمكن أن يتصور العقل وجوده وعدمه على حد سواء.
وهذا الجائز وجوداً أو عدماً إذا قام الدليل المعتبر على قيامه يلزم حينها العقل أن يؤمن به.
مثلاً:
الهند ودنهلا دولتان يجوز وجودهما ويجوز عدمه.
عاقل عماني لم يخرج من عمان يسمع بوجود الهند شهرة بين الناس وعن طريق الكتب ووسائل الإعلام وغير ذلك، أصبح يلزمه التسليم بوجود الهند، وإلا لكان خارجاً عن حدود العقل.
ولكنه لم يسمع بـ"دولة دنهلا"، بل قامت لديه الحجة بعدم وجودها، أصبح يلزمه التسليم بعدم وجودها.
الأرض يمكن أن توجد أو لا توجد، ولكنها وجِدت فيلزم العقل التسليم بوجودها.
وعلى ذلك الأكوان بأسرها جائزة الوجود، لكنها لأن الحجة قامت بوجودها فيلزم العقل التسليم بوجودها.
ومن ذلك أيضاً يمكن أن نقول:
إن الكائن الحي جائز أن يوجد في الأرض، أو لا يوجد فيها، ولأنه وجد فيها يلزم العقل التسليم بذلك.
وكذلك يمكن أن يوجد في كوكب غير هذا الكوكب الأرضي، ولكن لا يمكن أن يسلّم العقل بذلك حتى تقوم الحجة عليه، فمتى قامت لزمه ذلك.
يتبع....
السهم المسدد
09/08/2006, 12:57 PM
(29) الواجب العقلي:
ومن الجواز العقلي ننتقل إلى الوجوب العقلي، فيلزمنا من كل ذلك أن نقول بوجود واجبات عقلية.
ما هو الواجب العقلي؟.
الواجب العقلي: هو ما تقوم الحجة المعتبرة على قيامه.
أي أن هناك موجودات قد قامت فعلاً ولا يمكن نكران وجودها، وبالتالي لا يمكن إثبات عدمها.
ومن هنا يمكن ملاحظة أن الجائز العقلي فكرة متقدمة –نظرياً وليس عملياً– على الواجب العقلي،
فإذا ثبت وجود الشيء بالحجة المعتبرة لزم العقل التسليم به.
ويمكن أن نجمل هذه الواجبات العقلية في:
الواجب الأول: وجود العقل،
ولو نفيناه لكان معنى ذلك أن الوجود كله (جنون × جنون، أو أسطورة × أسطورة)،
ولا نظن بالعلماني العاقل يقول ذلك، وإنما نظن به خيراً.
الواجب الثاني: وجود المعقولات،
لأنه وكما قلنا لا عقل بدون معقولات.
الواجب الثالث: وجود محركات خارجية؛
لأجل أن تحرك العقل ومعقولاته، ليضمن قيام قانون السببية الموجود.
الواجب الرابع: وجود "المحرك الأول"؛
الذي يحرك كل "المحركات التالية" له، أي يحرك المعقولات والعقل قاطبة.
ولا نطيل الكلام في ذلك،
وإنما نقول:
إن نكران أي واجب من هذه الواجبات الأربعة، يعدّ مفارقة للعقل ذاته، وسقوطاً في حمأة الأسطورة.
ومرة أخرى نقول:
يبدو واضحاً أن الذي قادنا إلى القول بالواجب العقلي الواقعي هو الجواز العقلي النظري، فلما قامت الحجة على وجوده أصبح واجباً التسليم به من جهة العقل.
يتبع....
الخطاب تيمور
09/08/2006, 07:30 PM
نتابع بشغف ما تخطه يدا أستاذنا الكبير خميس بن راشد العدوي
جزاه الله خيراً
السهم المسدد
10/08/2006, 12:17 PM
(30) المحرك الأول والواجب العقلي:
إذا عرفنا أن "المحرك الأول" هو واجب الوجود لذاته، وأنه اختياراً قام بإيجاد المحركات التالية وفق قانون السببية، وأصبح هذا القانون واجب التسليم العقلي لقيام وجوده بحجة العقل،
إذا عرفنا ذلك جاز –نقول جاز، وليس وجب– لهذا المحرك الأول أن يرسل للمحركات التالية أو لبعضها أوامر من عنده، العقل لا ينفي ذلك بتاتاً.
ولكن الجواز لا يعني بحال أن هذا المحرك الأول أرسل أوامر إلى المحركات التالية أو لبعضها حتى تقوم الحجة العقلية بذلك.
ومن هنا إذا جاءنا كائن ما وقال هذه الأوامر من "المحرك الأول" إليكم أيها المتحركون التالون، فعقلاً لا يمكننا قبول كلامه ولا رفضه، بنفس الدرجة، إلا إذا أحالنا إلى أدلة عقلية تظهر على يديه تؤيده بأن هذه الأوامر من "المحرك الأول"،
فإن أقام الحجة أصبح واجباً عقلياً علينا قبول أوامر هذا المحرك الأول، ورفض هذه الأوامر كرفض الإقرار بقانون السببية،
والفارق بينهما؛
أن قانون السببية لا محيص للمتحرك التالي في رفضه،
وأما الأوامر فيمكن للمتحرك التالي أن يرفض امتثالها مع استيقانها بعقله،
وذلك لاعتبارات عقلية نضرب صفحاً عن ذكرها هنا،
وأما إن فشل في إقامة الحجة فيصبح العكس هو الواجب علينا، أي يجب رفض كلامه وادعاءاته.
هذا ما تدعونا إليه قوانين الكون المنطقية، بما فيها قانون السببية وبقية القوانين التي ذكرناها، وقد سردناها خطوة خطوة حتى وصلنا إلى هذه النتيجة المنطقية.
يتبع....
يعد العدوي من المفكرين والقادرين على التحليل والتفكير المنطقي والفكر المستقل الذي لا يخضع للتقليد مع احترامه الكبير طبعا لأساطين العلم ولكن أحببت أن أؤكد فقط أن نشأة اي فكر دخيل على الساحة الاسلامية كالشيوعية والماركسية والعلمانية ما هو الا نتاج وسبب لتلاشي أو لسوء تصرفات من يفترض أنهم أصحاب الرسالة الاسلامية الحقة فلا يعلو صوت العلمانية ويسمع له أحيانا صدى مع أن المتدينين كثيرون والأبواب مشرعة لهم وهم يعيشون بين شعب مسلم وأفراده ذو عاطفة إسلامية وإن لم يكونوا متدينين ودين الدولة الإسلام والإسلام يمارس علانية بلا قيد ولا شرط وله مراكزه ومعاهده بخلاف العلمانية التي تمارس على استحياء . إن ارتفاع صوت العلمانية يعود سببه في كثير من الأحيان الى المتدينين أنفسهم إنهم يرفضون نقد ذاتهم ومراجعة حساباتهم وأنفسهم وهذا يلمسه الأفراد العاديون فضلا عن الذين أرتوا حظا من العلم ولو قليلا وكذلك فإن عددا من المتدينين لا هم لهم الا التنظير والاكثار من الوصايا والنصح للناس لكنهم لا يوصون أنفسهم بشيء من ذلك وهم يعيشون او الكثير منهم في أبراج عاجية لا يخالطون المجتمع بدعوى أنم المنظور اليهم والنخبة والصفوة فلا يخرجون في تشييع جنازات الفقراء أو حتى مستوري الحال وطبعا السكير والخمير من باب أولى لكن إذا توفي من علية القوم مهما كان فعله وإثمه وجدتهم في المقدمة وفي سبلة العزاء الت هي مقر اجتماعي يجب الحرص عليه لا تجدهم إن كان المتوفى فقيرا مثلا أو غير منظور اليه أما إن كان ثريا مقتدرا ولو كان منحرفا غصت السبلة بهم فذاك تحول إلى منظور اليه فاستحق أن يوجد المنظور اليهم ولست أدري ما قاعدة المنظور اليه عندهم؟؟؟ إن هذه التصرفات لا شك تفقدهم مكانتهم وتجعل الناس ينصرفون عنهم ويفقدون الثقة فيهم أتمنى المراجعة لا مجرد الرد فما أجمل النقد الذاتي المقصود منه البناء لا الهدم : إن عددا من المتدينيين سطحيون لا يعلمون مجريات الامور ولا يتابعون العالم وما حوله والافكار المنبثقة عن التطور الهائل في المنظومة العلمية والتقنية فهم موغلون العلم في قضايا أشبعت بحثا كالجمع بين الصلاتين والاسبال والمذاهب ولا يتابع كثير منهم انقلاب العالم وقيام قيامته سلبا أو ايجابا وصل بالبعض من فرط جهله أن كان يلعن البوسنيين ويدعو للصرب بالنصر لماذا؟؟ يقول إن الكفرة البوسنيين يقتلون الصرب المسلمين ؟؟؟؟ أي جهل بعد هذا ؟؟؟ إنها حياة القرون الوسطى بالنسبة لأورباء وبعضهم يمقت الشيشان لأنه يحسبهم على غير ملة الاسلام وأن كنا نختلف في ما أدخلهم فيه قادتهم من فتنة عمياء والغريب أن هؤلاء يحثونك أن من لم يهتم بأمر المسلمين ليس منهم وأن المسلم كيس فطن وأن المسلم لا يعيش على هامش الحياة إنه التنظير بعينه ولا مكان له عندهم في الواقع وهذا خطأ كبير آخر . إن الكثير منهم يترفع عن المشاركة العامة في بناء المجتمع فلا هم له إلا التوصيف والشرح لكن النزول إلى ساحة العمل مع عامة الناس فلا كإصلاح شيء تهدم أو طريق تدمر أو فلج غار فنجد من يوصف أن لا خلاق له هو الذي يبذل حهده ويصلح الامر وهذا طبعا يعطي العلماني مصداقية ومكانة ؟؟؟ إن الكثير من المتدينيين تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ليس بينهم صفاء الروح ولا تلك الشفافية المطلوبة كما أن الاشاعة بينهم تشق طريقها فهي أسرع من النار إلى اليراع وكان الواجب أن يتثبتوا ذلك ما ينظروه من خلال الدروس فلم المفارقة والمناقضة ومن المؤسف ان عددا منه إن غختلف مع أخيه الآخر في قضية فقهية قابلة للخلاف جرد عيه حسام الاشاعة والاراجيف ونسب اليه كل ذميمة مع ان الامر لا يستحق ذلك إن كل كل هذا سبب من اسباب إطلال العلمانية برأسها رغم انها غير متجذرة تجذر الاسلام بين الامة ولا شك ان الناس عندما يروون المفارقات أقل ما يحث لهم الدهشة ولا شك أن صاحب الفكر المخالف علماني أو شيوعي سوف يلتقط تلك الأخطاء ليدلل على نجاعة فكره وعوار فكر مخالفه إن المتدينيين على كثرتهم لم يستطيعوا جلب قلوب الناس ولا مشاركة الناس ولا الاحساس بالناس وهم دائما يضعون اللوم على غيرهم تارة على الحكومات وتارة على الافراد وتارة على الخارج أما على أنفسهم فلا ؟؟؟؟؟؟ أن العلمانية لا تترعرع ولا تنبت إلا إن وجدت أرضا خصبة ممثلة في سوء تصرف المتدينين ولا أقصد جميعهم طبعا " إنها حقيقة مرة ولكن لا بد من البوح بها فكيف يتم وصف الدواء ولا إفصاح عن الداء فالحديث عن أسباب علو العلمانية ونقد الذات هو الاجدى للعلاج
السهم المسدد
12/08/2006, 08:18 AM
(31) السود الثلاثة: الغراب والثقب والحبة:
إذ عرفنا فلسفياً، ومن محض السبية ومخضها، أنه لابد من "محرك أول" حرك المحركات التالية، وأن هذا داخل في الوجوب العقلي واقعاً، فإننا نقول:
إن المحركات التالية واجبة الوجود بغيرها هي التي دلت على المحرك الأول الواجب الوجود لذاته،
وقد تحولت هذه المحركات التالية من الجواز العقلي النظري إلى الوجوب العقلي الواقعي، ولذلك لا يجوز نكرانها،
ومتى قام الدليل العقلي على هذا الوجوب فلا يجوز نكرانه،
وإن فقد حلقة من حلقات فهم ناموسه السببي فلا يسوغ أبداً رفضه،
بل يلزم البحث عن هذه الحلقة المفقودة في العقل.
وقد ظل جدول مندليف الدوري في الكيمياء نقاصاً بعض مواده، نتيجة الفراغات التي خلّفتها الأوزان الكتلية لهذه المواد، وهذا النقص حفز الكيميائيون للبحث عن باقي المواد حتى توصلوا إليها، واكتملت فراغاته المفترضة.
وهذه النقطة لابد من بيانها بصفة خاصة مرة أخرى،
وهي أن الأرض –مثلاً– يجيز العقل وجودها ويجيز عدمه،
ولكن لمّا أنها وجِدت وجب على العقل التسليم بها،
وهكذا كل بقية الأكوان؛ يجيز العقل وجودها وعدمه بنفس الدرجة، ولكن لمّا ثبت قيامها واقعاً، وجب التسليم بها عقلاً.
وهكذا أيضاً كل أنظمة هذا الكون ومفرداته؛ كانت واقعة في الجواز العقلي،
إلا أنها لما قامت دخلت حيّز الوجوب العقلي، وأصبح على العقل وجوب التسليم بها.
إذا فهمنا هذا وعقلناه؛
فعلينا أن نعقل أيضاً أن قانون السببية –لكونه مفردة كونية ونظاماً وجودياً– كان هو الآخر داخلاً في نطاق الجائز العقلي،
ولكن لأنه قام واقعاً فعلى العقل وجوب التسليم به.
ولنرجع إلى تفاحتنا مرة أخرى؛
كان يرجع سقوط التفاحة إلى قوة مسيطرة عليها أو كامنة فيها،
حتى جاء إسحاق نيوتن ورجع قوة الجذب إلى الكتلة،
ثم جاء إنشتاين وقال بعكس ذلك ورجعها إلى الفراغ.
لكن هل الانشتاينية أنهت المشكلة السببية؟
طبعاً لا.
فقد جاءت الفيزياء الحديثة لتقول:
إن الكون لا يعرف الفراغ، وإن قوانين النسبية عجزت عن تفسير ظاهرة "الثقب الأسود" الذي يجذب إليه كل الأجرام السماوية التي يصل تأثيره الكهرومغناطيسي إليها.
والثقب الأسود هو "بؤرة" كونية شديدة الكهرومغناطيسية،
والفيزياء لم تتوصل إلى حد الآن إلى تفسير دقيق لهذه الظاهرة، إلا أن مما فسر به هذه الظاهرة؛ أنها إنكماش مغناطيسي لجرم سماوي، وهذا الانكماش أدى إلى "اصطكاك" مواد الجرم،
وشكّل قوة كهرومغناطيسية هائلة جداً، حتى أنها تجذب إليها كل جرم يقع تحت تأثيرها، وتحوّل شكله المعتاد إلى شكل صغير جداً،
حتى أننا يمكن أن نتصور الأرض فيما لو جذبها "ثقب أسود" أن تتحول إلى أصغر من بيضة الدجاجة.
هذه الظاهرة حيّرت فعلاً علماء الفيزياء،
لو كانت قوة الجذب تعود إلى الكتلة لكانت الأجرام الضخمة هي التي يجب أن تكون أكثر جذباً،
ولو كان الفراغ "الأنشتايني" هو السبب، فمعنى ذلك أنه يجب أن يتضخم "الثقب الأسود" وليس ينكمش،
وهنا جاءت نظرية الفوتونات لتحاول أن تفسر كيف تتحرك هذه السببية في الوجود؟.
ليس علينا هنا أن نزحم ذهن القارئ بتعقيدات الفيزياء ومصطلحات الفلاسفة في قضية تحتاج إلى سعة بال وطول نفس،
ولذلك نخرج من مثالنا السابق بأن العقل لا يزال يحبو في طريق تفسير السببية،
ولا يزال يعلن علماء الفيزياء وفلاسفتها بأننا نقف على باب العلم الكوني ولم نلجه بعد.
وبناء على ذلك فإن أي واقعة كونية يجب أن لا تستبعد من الدراسة، وبالتأكيد يجب أن لا ترفض،
وإنما يجب أن توضع على منضدة التشريح العلمي، وتنال نصيبها من التفسير،
طبعاً بشرط حصولها على أرض الواقع، وأن لا تأتينا من "وكالة قالوا" العتيقة، أو من وكالة "الحبة السوداء شفاء من كل داء".
ولنضرب على ذلك مثالاً تقريبياً:
لنتصور أن الغربان سود فقط، أينما نذهب لا نجد إلا غراباً أسود، وبالتالي نقطع بأنه لا غراب أبيض أو أحمر أو مزركشاً،
فإذا جاءنا شخص وقال:
الغراب الأحمر على الساحل.
نقول له: كلامك هذا مرفوض.
فإن رد: ولماذا هو مرفوض؟ أليس جائزاً أن يكون أحمر كما جاز أن يكون أسود؟.
قلنا: نعم من حيث المبدأ النظري هو جائز، إلا أنه قامت حجة العقل بأن لا غراب إلا أسود، ولا ندع حجة العقل واجبة الاتباع حتى يثبت صدق قولك.
فإن فشل في إقامة الحجة، وجب علينا عدم الالتفات إلى قوله،
لكن إن أقام الحجة، بأي طريق من طرق الإثبات القطعي، وجب علينا أخذها،
ثم البحث بعد ذلك؛
لماذا هو أحمر وبقية غربان الدنيا سود،
وهنا علينا أن نعلم بأن هذا الغراب لا ينفذ من قانون السببية الكلي، لكن هناك حلقة مفقودة في العقل لم يصل إليها بعد، وعليه أن يندفع إلى إيجادها.
وبذلك إن ثبت لدينا أن الثقب الأسود واقع، وقامت الحجة العقلية بوجوده لا يمكننا أن نرفضه،
ونبدأ بمراجعة مقولاتنا حول تفسير السببية،
وحتماً لا يجوز رفض المبدأ ذاته لكون مفردة خرجت عنه، لشيء بسيط وبدهي جداً، وهو أن "المحرك الأول" لا يتناقض مع نفسه –وبعبارة إنشتاين: (الله يستحيل أن يتناقض مع نفسه)– ولو تناقض لانهدمت كل المحركات التالية، وبالتالي لما كان للكون كون.
قطعاً لا يمكن للشرائع الكونية وسننها أن تتناقض، مهما بدت ظواهر الوقائع متنافرة،
ويبقى على العقل أن يحل مشكلته في فهم هذه الظواهر،
حتماً أنه لا يقبل الظنون،
لكن إن قامت الحجة بذلك، فليس عليه إلا أن يبحث لها عن تأويل،
ومهما كان الطريق وعراً عليه أن لا يجبن في ذلك،
كما عليه أن لا يهرب من إلزام الحجة بنكرانها.
وبعبارة لطيفة: (صحيح أن الغراب الأسود لا يقتات من سُمْة الحبة السوداء، لكنه لا يمكن ألا يأكل من عزاف الثقب الأسود).
- توضيح لغوي: السُمْة والعزاف أسماء عمانية لأنواع من الفراش.
يتبع.....
السهم المسدد
12/08/2006, 08:20 AM
(32) في معنى الدين:
لقد ركّزنا في حديثنا الفائت عن العلمانية ومأزقها مع قانون السببية، ومن العدل أن نتحدث في ذلك عن الدين.
وهنا أريد أن أقول:
بأنني سوف أعمد في الحديث عن الدين إلى ذات المخض الفلسفي،
ولكن قبل الشروع في ذلك،
أريد أن أسجل كلمتني بأنني قد سبرت الكثير من المقولات الدينية والنظريات الفلسفية فوجدتها في كثير منها متهافتة،
ووحده الإسلام من بقي متماسكاً معرفياً وفلسفياً وعملياً،
ولذلك سأعمد إلى مناقشة مقولاته متمثلاً في القرآن الذي جاء إلى محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب،
وأما الروايات المسنودة إليه فهي الأخرى لحقها ما لحق غيرها من الاختراق المعرفي والسقوط الفلسفي، ولذلك تحتاج إلى الكثير جداً من الدراسة والبحث في الثبوت قبل المخض في النصوص.
وهنا علينا أن نبيّن بأنّ هناك تصوراً خاطئاً عن نظرة الإسلام إلى الوجود،
وهو تصور موجود عند الكثيرين؛ سواء من المتدينين المسلمين أو العلمانيين، وهو تصور وقع فيه أصحاب كثير من الديانات الأخرى في نظرتهم إلى الحياة.
ينظر هؤلاء إلى الدين على أنه لا يعترف من الحياة إلا بما يقره هذا الدين حسب نظرهم،
فالعلماني يتصور أن الدين لا يعترف إلا بالمساحة التي ينزل عليها النص الديني، ولذلك هو يرفض الدين –مع ما يرفضه به– من هذا المنطلق،
وينتقد في المتدينين الانغلاقية المتحكمة بدون أي مسوغ معرفي لائق ومقبول،
وهذه النظرة موجودة عند الكثيرين من المتدينين المسلمين،
ونحن لا ننكر هذا التصور عند المتدين،
فالمتدين عندنا لا ينظر إلى الحياة إلا بما تقع عليه عيناه أنه من الدين،
أي المتعلمن والمتدين كلاهما ينطلقان في النظرة إلى الدين والحياة من نفس المنطلق،
ولكن كل واحد منهما ينظر إلى الأمر بزاويته،
فالمتعلمن يجعل المعيار في نظرته إلى الدين هي نظرة المتدين،
والمتدين أيضاً لا يبعد في نظرته إلى الدين من هذه الزاوية، فهو لا يعترف بالحياة إلا من الزاوية التي ينظر فيها إلى الدين.
ونحن نقول إن الدين ليس هاتين النظرتين المحدودتين.
فالإسلام لا ينزل على الدنيا فيحجمها، بل يرفع الدنيا إلى أعلى،
فكل الحياة على سعتها غير المحدودة هي دين عنده، كل ما لا يسفه العقل، ولا يهين النفس الإنسانية، ولا يغمط الحق هو دين،
ومعنى كونه ديناً، أي أنه مصان ويجب أن لا ينتهك،
بل الفساد في الأرض ولو بقطع شجرة من دون معنى هو مضاد للدين الحق،
فالإسلام في الحرية،
وفي الكرامة،
وفي الجمال،
وفي الخلق الفاضل،
وفي إنسانية الإنسان أياً كان هذا الإنسان،
ويضع علاقتي بالإنسان كونه إنساناً تسبق أي صفة أخرى يمكن أن يكتسبها.
والإسلام في غوره البعيد يعني التناسق والانسجام والاتزان،
فكل ما كان نشازاً فهو ليس بإسلام،
والحياة كلها مسلمة ولو لم يوجد النص الديني –فرضاً–،
والإنسان إن لم يصل إليه النص فهو مسلم.
والإسلام ليس شيئاً زائداً على الحياة،
فأينما وجد العقل فثمة إسلام،
وأينما وجد العدل فثمة إسلام،
وأينما وجد الحق فثمة إسلام،
وأينما وجد الجمال فثمة إسلام،
وأينما وجدت الحرية فثمة إسلام،
وأينما وجد إبداع فثمة إسلام،
وأينما وجد الإنسان فثمة إسلام،
وأينما غابت هذه الأشياء فلا إسلام هناك،
ومتى زالت نظارتها وجبلّتها وفطرتها فقد سقطت عنها صفة الإسلام.
((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)) الروم:30.
ولا شيء في الإسلام إلا أحد أمرين:
- طاعة وهي الحياة قاطبة.
- ومعصية وهي النزق الذي ينتهك شيئاً من الحياة بدون حق.
فأنت شئت أم أبيت، شعرت أم لا تشعر، إن مارست الحياة بدون اعتداء فأنت مسلم، وإن اعتديت خرجت عن الإسلام
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)) المائدة:87.
هذه هي المعادلة التي تعني الإسلام.
سقت هذه المقدمة حتى يقف القارئ على مفهوم الدين الإسلامي وأنا أمخض مقولاته.
يتبع....
السهم المسدد
12/08/2006, 08:21 AM
(33) الوضع الذي جاء فيه القرآن:
أولاً؛
لقد تكلمنا سابقاً بلغة الفلسفة المحضة، والآن يلزمنا الحديث بلغة الدين، لأكثر من اعتبار؛ منها حتى لا نقع في شَرَك اللغة.
وفي طريق الكشف عن الحجة العقلية الي تدلنا على أن القرآن قد جاء من واجب الوجود لذاته (الله)، سنحصر كلامنا في قضية السببية وما يتعلق بها؛ دون أن نلج كثيراً في بقية الجوانب، لأن المقال ركّز في نقده الدين على هذا الجانب، وحى لا نطيل أيضاً على القارئ.
وحتى تنكشف لنا هذه الحجة العقلية لابد لنا من استحضار البيئة الي جاء فيها القرآن،
ولا أعني فقط البيئة العربية، وإنما البيئة العالمية، وإن كانت البيئة العربية تنال من كل ما نذكره أوفره.
البيئة التي جاء فيها القرآن كانت مشحونة بالخرافة حتى معصمي قفيزها،
وحتى نتصور ذلك ما علينا إلا أن ننظر إلى المجتمع من حولنا، فبعد أن قطع العقل شوطه الطويل في العلم، لا زلنا نغط سادرين في الخرافة، فما بالنا بتلك البيئة التي كان كل شيء يدفعها إلى الخرافة.
ويمكن أن نجمل تلك الأوضاع اختصاراً في الآتي:
1. الوضع الديني:
كان الصنم هو المعبود الذي يهيمن على كل شيء، وعلى الكون بأسره.
2. الوضع الاجتماعي:
السحر والكهانة والطيرة والأحلام هي التي كانت تحرك الإنسان في المجتمع.
3. الوضع الثقافي:
تكاد تكون لغة الشعر هي اللغة الوحيدة التي يتكلمها المثقف، ولا يخفى أن لغة الشعر مشبعة بالخيال، لأنها لغة الهيام في كل وادِ،
وإذا خرج المثقف من وادي الشعر ودخل إلى شيء غيره، فلن يجد نفسه إلا في بحيرة الأسطورة؛ أي التأريخ المتناقل، وهو الآخر مليء بالخرافة.
إذن هذه الأوضاع المشكّلة للبيئة التي جاء فيها القرآن، وكان يجب أن يكون –لو كان من عند غير الله– مشبعاً بالخرافة والأسطورة،
لأمور منها:
1. لا يمكن لذلك العربي المسمى محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب أن ينفذ من ذلك القانون المهيمن على العالم بأسره آنذاك، وبالتالي يجب عقلاً أن تكون مقولاته –لو كانت من عنده– مشبعة بالأسطورة.
2. الدين الوضعي حتى يكسب مشروعيته الاجتماعية وقبوله بين الناس بأقل خسائر وأخف مؤنة؛ لابد أن يكون مسايراً لتفكير المجتمع، لا مصطدماً معه،
وكان المجتمع متهيئاً لهذا الرجل أن يكسب الناس بالأساطير والضحك على الذقون.
3. كل دارسي الأديان الوضعية يكاد يجمعون على أن الدين ابن بيئته، وهذا يلزم –لو كان الإسلام كذلك– أن يكون القرآن طافحاً مكياله بتلك المواد الأسطورية الخرافية التي يسبح في بحرها المجتمع.
4. لم يسبق محمداً أحدٌ من البشر أن قام بنقد الخرافات والأساطير بما قام به هذا الكتاب الذي جاء به.
5. العقل السببي هو عقل تراكمي، أفقياً ورأسياً، فأنى لرجل لم يحظ بشيء من ذلك أن يخرج لنا بمثل هذا القرآن، الذي يبني مقولاته على السببية.
6. منطق العقل السببي "المنطق العقلي" الذي جاء به متخصص العقل، الفيلسوف الشهير أرسطو، وجهت إليه ضربات حاسمة من لدن فلاسفة العقل اللاحقين،
وفي حد علمنا إلى الآن لم يستطع أحد أن يوجه ضربة واحدة إلى السببية في القرآن، وكل ما كان حتى الآن محاولات غير موفقة مع جدية الكثير منها.
هذا بعض ما يمكن أن نذكره في جانب السببية دون سائر الجوانب التي لا تحصى.
ولا ندري أي عقل أو أي عدالة أو أي منهج؛ يمكن أن يصدف بنا عن الإقرار بالحق، والتسليم بالحقيقة، ونرجو أن لا نكون ممن ((جَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً)) النمل:14.
يتبع....
السهم المسدد
15/08/2006, 11:52 AM
(34) مخض القرآن عقلياً:
لو كان هذا القرآن من محمد بن عبدالله –وعلى ما بينا سابقاً– وكان كما يحلو لكثير من العلمانيين وغيرهم أن يصفوه بالأسطورة،
للزم هذا القرآن أن يبدأ بسد منافذ العقل، ثم الختم عليه،
ولمَنَع أي مخض عقلي لمقولاته، ولاتبع معنى المقولة القائلة: (اغمض عينيك، ثم احمل صليبك واتبعني).
وكل ما وجدناه في هذا القرآن الدعوة تلو الدعوة إلى مخضه عقلياً،
وأنه لو سقط عقلياً فالحجة عليه وليست له،
ونحن قمنا في طول حركتنا الفكرية بمخض مقولات القرآن –كما فعلنا مع غيره– عقلياً، وقد مارسنا ذلك بأريحية تامة، كيف والقرآن نفسه قد دعى إلى هذا المنهج الوسط والصراط العدل؟،
لذلك لم تكن فينا تلك العقدة التي قد توجد عند بعض المتدينين؛ وهي النفور من إعمال العقل في مقولات القرآن،
لأننا بذلك نمارس حقنا الكوني، ونلتقي مع رغبة القرآن ذاته.
وقد جاءت آيات لا تحصى في القرآن تدعو إلى مخضه عقلياً، نذكر منها:
1. ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)) النساء:82.
2. ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)) محمد:24.
3. ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً)) النساء:17.
4. ((أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ)) الانبياء:24.
5. ((قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ، هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ)) آل عمران:137-138.
6. ((وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)) الأنعام:25.
7. ((إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)) يوسف:2.
8. ((إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)) الزخرف:3.
9. ((وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً)) الاسراء:41.
10. ((قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً)) الاسراء:88.
11. ((وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)) الزمر:27.
12. ((كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)) فصلت:3.
13. ((إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)) الزخرف:3 .
14. ((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)) القمر:17.
15. ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ)) البقرة:170.
16. ((كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)) البقرة:242.
17. ((كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ)) البقرة:219.
18. ((إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ)) الأنفال:22.
19. ((لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ)) الانبياء:10.
20. ((قل لو شاء اللهُ ما تلوتُه عليكم ولا أدراكم به فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)) يونس:16.
والقرآن مشحون بمثل هذه الآيات الداعية إلى المخض العقلي،
والسؤال الجاد والواقعي؛
هل يمكن لمحمد أن يعرّض مقولاته –وهو من يعيش في بيئة تلّفها الأسطورة كقانون الاجتماعي– إلى هذا المخض العقلي الصارم لو كان القرآن من وحي محمد نفسه؟.
يتبع....
السهم المسدد
15/08/2006, 12:41 PM
(35) المحفزات العقلية في القرآن:
قلنا فيما سبق:
إن مصداقية الدين تكمن في كونه محفزاً للعقل، فلننظر الآن إلى هذه المحفزات،
ونحن في كل ذلك لا نتدخل في قراءة آيات القرآن، حتى لا يُعترض علينا بأننا نسوق القارئ إلى فهمنا المتقدم على فهمه سوقاً، بل نكتفي بعرض هذه الآيات من القرآن،
ونترك للعاقل –أياً كان مذهبه العقدي في الحياة– أن يحكم بالعقل وحده:
1. ((قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) (سـبأ:46)
2. ((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)) العلق:1-5.
3. ((قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)) آل عمران:137.
4. ((أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)) الحج:46.
5. ((قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) العنكبوت:20.
6. ((أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (لأعراف:185)
7. ((قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) (يونس:101)
8. ((أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (الروم:9)
9. ((فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الروم:50)
10. ((أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ) (قّ:6)
11. ((فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ) (الطارق:5)
12. ((أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ)) الغاشية:17-20.
13. ((كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (البقرة:151)
14. ((يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (آل عمران:71)
15. ((وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (الأنعام:97)
16. ((وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (الأنعام:105)
17. ((هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (يونس:5)
18. ((هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ابراهيم:52)
19. ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النحل:43)
20. ((وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (النحل:78)
21. ((وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً) (الاسراء:12)
22. ((اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الحديد:17).
وهذه بعض آيات القرآن، وإلا فالقرآن كله محفز عقلي،
فهل يجدر بعاقل يجعل العقل مرجعاً له أن يتصور أن محمد بن عبدالله العربي الذي عاش في تلك البيئة العربية الأمية الأسطورية ينتج كتاباً من لدن نفسه بهذا النسق المعرفي الذي يدفع بالعقل دفعاً نحو فاعليته الهائلة؟
((مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)) القلم:36.
يتبع.....
السهم المسدد
16/08/2006, 10:17 AM
(36) دين الله ونفي العقل ومعتقد الآخر:
يقول الرواحي كاتب المقال:
(من المهم جداً القول بأن ما يعنينا من الدين هنا، هو تلك المنظومة المعقدة من الاعتقادات واللااعتقادات، أي أنه يثبت اعتقادات معينة، فـي حين يقصي أو ينفي اعتقادات أخرى).
ويقول أيضاً:
(ما نريد قوله هنا، أو التركيز عليه، فـي هذا الموضع، هو أن التفسير العقلاني والرؤية السببية للوجود، وآليات سيره، وكيفية النظر للنصوص وقراءتها، يعتبر ضرورة وجودية، لا مفر منها، وأن تلك المحاولات الساعية لإضفاء البعد الديني على الحوادث الوجودية اليومية، هو ما يمكن تسميته: بـ"نفي العقل".
وهذا النفي، لم يكن بلا نتائج مصاحبة، فهو النفي، بقدر ما يضع الكائن البشري، فـي مجال واسع من التأويلات، والتأويلات المضادة، إلا أنه فـي العمق، يضع هذا الكائن نفسه، وبمحض إرادته، يضعه فـي مجال المنفعل المتلقي، غير القادر على المساهمة فـي فهم آليات الوجود، وأسباب سيره، وبالتالي يضع نفسه فـي خانة العجز، وعدم القدرة على المقاومة، أو أخذ الاحتياطات اللازمة، لمواجهة أي حدث كوني.(انظر التفسير غير العلمي للأحداث الطبيعية: زلازل، أعاصير، ... وغيرها) أ.هـ.
ونحن لا يسعنا هنا إلا أن نشاطر بالموافقة الكاتب رأيه في نظرة كثير من المتدينين إلى قانون السببية في الكون،
إلا أننا نخالفه تماماً أن يكون ذلك راجعاً إلى الدين "ونقصد هنا القرآن بالذات"،
وقد تكلمنا حول ذلك كثيراً، وأثبتنا بحجة اليقين أن العقل هو المدان في ذلك وليس دين الله.
وسنأتي على ذلك من خلال مقولات القرآن.
ولكن ما يعنينا هنا هو حملة الكاتب غير الواعية على الدين بأنه ينفي المعتقدات الأخرى،
ولعله لم يفرِّق بين النقد الصارم للمعتقدات الأخرى، والتي مارس فيها القرآن حقه الوجودي،
ولم يفعل ذلك إلا في حالتين فقط:
في نقده الخرافة التي تدمر العقل،
وفي نقده الانحلال الخلقي الذي يتهدد مضامين الوجود الإنساني،
وإن لم يمارس الدين هذا النقد، وإن لم تكن هذه هي وظيفته، فلا ندري ما هي وظيفته؟،
ولا ندري لماذا جاءت العلمانية إن لم تكن قد جاءت لأجل هذا؟،
طبعاً مع إخفاقاتها المؤلمة في ذلك، ومع سقوطها فلسفياً قبل ذلك، كما بينا في مسألة السببية، وأشرنا في مسألة الأخلاق.
وأما النفي بمعنى التصفية الفكرية أو الجسدية لحاملي المعتقدات الأخرى فإننا نجزم من غير شك في ذلك أن القرآن لم يمارس ذلك أبداً،
ونحن نقول:
ها هو القرآن موجود كما هو، فليبحث من شاء فيه، ولينظر هل يجد فيه نفياً لمعتقد الآخر، بمعنى إزاحته الفكرية أو تصفيته الجسدية،
ونؤكد أن هناك فرقاً بين النقد الصارم وبين النفي الذي يعنيه الكاتب هنا.
ولدينا بحث فكري موسع لهذه القضية يمكن أن نطرحه في القريب العاجل على القارئ، ليتبين المرء ما هي سنة القرآن في غير المسلمين، أي في المخالفين العقديين.
ونلفت النظر إلى أن القرآن جاء شديداً جداً في بيان مصير المخالفين عقدياً في الآخرة،
وعلى هذا انبنى الدين،
والدين ليس بدين إلا إذا أجاب على الأسئلة الملحة على العقل؛
وهي:
من أين المبدأ؟،
وإلى أين المصير؟
وماذا بينهما؟،
وموضوع المصير من المهم جداً أن يمخض فلسفياً، لكن لن نطرقه في هذه المقالة التي لم تحدده إشكالاً لتعالجه.
مرة أخرى نقول:
إن القرآن جاء ناقداً في المقام الأول الخرافة بكافة أشكالها،
وهي المشكلة الخطرة التي عانت ولا زالت تعاني منها البشرية،
وإن القرآن جاء ليجعل العقل هو المحرك الذي يتحرك به الإنسان في حياته،
وقد انتصر للعقل بما لم ينتصر له أي دين أو أي فلسفة؛ حتى العلمانية ذاتها،
وأقرب مثال على ذلك وأبسطه؛
أن العلمانية لم تحرم ما يؤذي العقل وآفته الأولى، وهو الخمر،
ولما أرادت أمريكا في العقد الثالث من القرن الميلادي المنصرم أن تمنع الخمر، باءت محاولتها بالفشل، وسرعان ما تراجعت.
فمن الذي أعلى من شأن العقل، وجعله الموئل في الحكم على الأمور، وفي تفسير أحكام الدين نفسه، وإنشاء أحكام تحتاج إليها الحياة نتيجة تجدد وقائعها، وسدّ كل المنافذ التي تؤذي العقل، وعصمه من الهوى، وحرّم عليه التقليد ولو كان للآباء والأسلاف،
أليس هو الدين الذي جاء من عند الله؟.
إن من العدل الذي يوجبه العقل أن نعترف للقرآن بهذه المنزلة التي تربع عليها العقل فيه، وهي منزلة لم يحظ بها العقل في أي فلسفة حتى في العلمانية ذاتها.
يتبع...
السهم المسدد
16/08/2006, 10:19 AM
(37) القرآن يستند في قراءته إلى العقل:
والقرآن ليس لا ينفي العقل فحسب،
بل ينقد ما ينفي العقل، إنه ينفي الخرافة بكافة أشكالها،
وقبل الولوج إلى الحديث عن نفي القرآن للخرافة؛ والنفي هنا طبعاً بمعنى النقد وليس التصفية الفكرية والجسدية،
قبل ذلك يلزمنا أن نستحضر بعضاً من الآيات التي تسند قبول القرآن ذاته إلى العقل:
1. ((قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ)) (الأنعام:50)
2. ((وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)) (النحل:44)
3. ((قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ)) (سـبأ:46)
4. ((أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ)) (الأعراف:184)
5. ((لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)) (الحشر:21)
6. ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)) (النساء:82)
7. ((أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ)) (المؤمنون:68)
8. ((كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)) (صّ:29)
9. ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)) (محمد:24)
10. ((قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ)) (الأنعام:98)
11. ((وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً)) (الاسراء:46)
12. ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً)) (الكهف:57)
13. ((أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)) (الرعد:19)
14. ((هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)) (ابراهيم:52)
15. ((هُدىً وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ)) (غافر:54)
16. ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ)) (البقرة:170)
17. ((كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)) (البقرة:242)
18. ((قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ)) (يونس:16)
19. ((إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)) (يوسف:2)
20. ((لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ)) (الانبياء:10)
21. ((وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)) (العنكبوت:43)
22. ((إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)) (الزخرف:3)
23. ((قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)) (الحديد:17)
24. ((وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)) (الأنعام:105)
25. ((وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)) (التوبة:11).
26. ((كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)) (فصلت:3)
27. ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً)) (النساء:174)
28. ((أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ)) (الانبياء:24).
نكتفي بهذا القدر من آيات القرآن التي تسند قبوله إلى العقل ومفرداته، وتطلب قراءته على ضوء العقل ومفرداته أيضاً.
يتبع.....
السهم المسدد
16/08/2006, 10:25 AM
(38) القرآن يطالب العقل بأن يأتي بمثله:
ولا يكتفي القرآن بأن يسند قبوله إلى العقل،
بل يطالب الكافرين به أن يأتوا هم بمثله، أي يسند إلى العقل أن يأتي بمثل هذا القرآن،
وهذا غاية الانصاف للعقل،
فهل استطاع هذا العقل إلى الآن أن يأتي بمثله،
أم أن الكافرين به يكتفون دائماً بوصفه أنه مفترى، دون القدرة على مجاراته في المخض العقلي الفلسفي،
فقد جاء في القرآن:
1. ((وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) (البقرة:23).
2. ((وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ)) (يونس:37-39)
3. ((أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) (هود:13-14)
4. ((قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) (القصص:49-50) .
5. ((أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ)) (الطور:23-34).
ونكتفي أيضاً بهذا القدر من الآيات التي تطلب من العقل أن يأتي بمثل القرآن.
وبالمناسبة؛
فإن كثيراً من العلمانيين يرددون –بطريقة أو أخرى– نفس كلام الكافرين بالقرآن قديماً،
ويعملون على محاولة نقضه،
ومع عدم نجاحهم في نقضه، فالقرآن لا يكتفي بمحاولتهم هذه،
لأن محاولة النقض صيغة تشكيكية تحكمية ترجع إلى الذوق أكثر من رجوعها إلى الحقيقة ذاتها، وذلك عندما يمارس النقض من طرف واحد من غير اتفاق منهجي مع الطرف الآخر،
أو بدون مخض فلسفي عقلي يكشف محل النقض حقيقة وواقعاً،
وهذا ما تمارسه العلمانية، فتعتمد المصادرة دون الإثبات.
أما القرآن فقد نقض الأساطير والخرافة بالرجوع إلى مسلّمات العقل الموجود في كل إنسان، وأحلّ العقل محلها،
أي صادر على الأسطورة وأثبت العقل، هذا من جهة،
ومن جهة أخرى، لم يكتف القرآن بمطالبة الكافرين به النقضَ وحده،
بل طالبهم ببناء معرفي يحل محل القرآن،
فهو استمع إلى مصادرتهم وطالبهم بالإثبات،
وهم إن قدروا على فعل ذلك –جدلاً– فلن يخرجوا عن القرآن ومراده،
لأنهم سينطلقون من نفس المنطلق القرآني الذي يطالبهم بالرجوع إلى العقل بكونه عقلاً قائماً في الوجود،
وهذا هو مطلوب القرآن أصلاً، وبذلك يكون قد جرهم إلى ساحته.
وهذه قضية تحتاج إلى كشف في كافة العقول لاسيما العقل الأخلاقجتماعي،
ولكننا نكتفي هنا بوضوحها في العقل السببي الطبيعي من خلال ما بيّناه سابقاً من فشل العلمانية في هذا القانون السببي نفسه مع مناداتها بهذا العقل السببي.
يتبع....
السهم المسدد
17/08/2006, 12:45 PM
(39) السببية في القرآن:
قد وقفنا على العمق الفلسفي للسببية،
وكشفنا أيضاً بالمخض الفلسفي عن مدى سقوط العلمانية في هذا العقل السببي،
وعلينا أن نقف عند السببية في القرآن،
فما موقفه منها؟،
والقرآن كله مسرح لبحث مناحي الطبيعة والسببية،
ولكن نكتفي بسورة واحدة منه، ولنرَ مدى معالجتها لهذا الموضوع، والسورة هي "النحل"،
وعلينا أن نستحضر ما ذكرناه في الحلقات السابقة عن السببية،
من "القصور الذاتي" للأشياء،
ووجود "المحركات الخارجية"،
ووجوب وجود "المحرك الأول"،
ومنطقية السببية التي يجب أن لا تتعارض مع الكشف العلمي للواقع،
وعلينا أيضاً أن لا ننسى أن هذا القرآن جاء إلى رجل أمي عاش في بيئة أمية تسبح في بحر ظلمات الخرافات والأساطير.
فإليكم بعضاً من آياتها:
1. ((خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)) (النحل:3)
2. ((خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ)) (النحل:4).
3. ((وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ، وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ)) (النحل:5-7).
4. ((وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ، وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)) (النحل:8-9).
5. ((هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) (النحل:10-11).
6. ((وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)) (النحل:12).
7. ((وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ)) (النحل:13).
8. ((وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) (النحل:14).
9. ((وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ)) (النحل:15-16).
10. ((أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)) (النحل:17-21).
11. ((وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ)) (النحل:65).
12. ((وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ)) (النحل:66)
13. ((وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)) (النحل:67)
14. ((وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ)) (النحل:68)
15. ((ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) (النحل:69).
16. ((وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ)) (النحل:70)
17. ((وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)) (النحل:71)
18. ((وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ)) (النحل:72)
18. ((وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) (النحل:78)
19. ((أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) (النحل:79)
20. ((وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ)) (النحل:80)
21. ((وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ)) (النحل:81)
ونحن لا نريد أن نشرح بالتفصيل تطباق هذه الآيات مع السببية في الكون، وبالتالي تلازمها مع العقل السببي الطبيعي، وإنما نترك ذلك للقارئ؛ مع وضوحها وتيسرها للفهم.
وإنما نجيز لأنفسنا أن نسأل هذه الأسئلة:
- هل انقطع تسلسل السببية إلى المحرك الأول "الله"؟.
- هل فقد شيء من المحركات الخارجية؟.
- هل تم تجاوز قانون القصور الذاتي؟.
- هل تم تجاوز قانون اتزان "الطاقة"؟ أي هل كانت تأتي الأشياء من اللاشيء؟.
- هل فسرت الظواهر الطبيعية بنفس أسطوري يتجاوز الكشوف العلمية الواقعية؟.
- هل تم تعليل وجود الظواهر لصالح جوانب أسطورية، أم لمناحي طبيعية واقعية؟.
- هل تم تغييب العقل في النظر إلى ظواهر الكون، أو تم شدّه بأقصى طاقته إلى ذلك؟.
نترك الأجوبة لكل من يصم القرآن بأنه جاء نافياً للعقل،
وأنه يعطي تفسيرات غير سببية،
ويقارن ذلك بما يوجد في العلمانية من انتهاك للقانون السببي.
يتبع.....
السهم المسدد
17/08/2006, 12:50 PM
(40) القرآن والقصص التأريخي:
قلنا فيما مضى:
إن التأريخ عند العرب قديماً يسمى أسطورة، والتأريخ بطبيعته ظني.
والدين يقوم على القطع ولا مجال للظن فيه، ولذلك فالقرآن ينفي عن نفسه الظن،
ومن ذلك أنه ينفي عن القصص الواردة فيه الظن، وأن الله العالم بكل شيء هو من يقصص هذه القصص،
وما محمد بن عبدالله إلا كغيره من البشر لا يعلمها إلا بعد أن جاءته في القرآن.
- ((إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) (آل عمران:62)
- ((وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً)) (النساء:164)
- ((فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ)) (لأعراف:7)
- ((تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا )) (الأعراف:101)
- ((ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ)) (هود:100)
- ((وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)) (هود:120)
- ((نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ)) (يوسف:3)
- ((لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) (يوسف:111)
- ((نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً)) (الكهف:13)
- ((كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً)) (طـه:99)
- ((إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)) (النمل:76)
- ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ)) (غافر:78)
إذن القصص القرآني -كما يخبرنا القرآن- ليس من قبيل التأريخ المعهود الذي يكون محمّلاً بالأوهام والظنون والخرافات والأساطير، بل هو من عند الله، وبما أنه كذلك فالله قد شهد تلك الوقائع ونقلها في القرآن.
ومن الآيات السابقة يتبن الآتي:
1. محمد لم يأت بهذه القصص من نفسه.
2. القصص؛ الله أثبتها في القرآن.
3. هذه القصص واقعة فعلاً.
4. أن هذه القصص ترفع الخلاف التأريخي الحادث فيها.
والآن لنا أن نتساءل؛
هل أوصد القرآن الباب أمام الناس حتى لا يختبروا ويمخضوا ما جاء فيه من قصص؟.
دعونا نتأمل هذه الآية:
((سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)) (فصلت:53)
القرآن يخبرنا هنا بأن الله سيكشف للناس ما يتبيّن لهم أن ما جاء به حق،
وأن الله الذي جاء به هو على كل شيء شهيد،
أي أن القرآن يرحب بأي اختبار تأريخي ومخض عقلي.
ودعونا الآن نضرب أمثلة من القرآن لنتبيّن مدى صدق هذه الدعوى:
1. الحضارة الآرامية كانت قد بلغت شأواً في العمران والتمدن، وأنها كانت نسيج وحدها في تلك العصور السحيقة، هذا ما يثبته علم الحضارات،
ماذا يقول القرآن في ذلك؟
يقول: ((إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ)) الفجر:8.
2. ادعى فرعون الألوهية
((فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى)) (النازعـات:24)،
و((قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ)) (الشعراء:29)،
((وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)) (القصص:38).
وأتى الآن في هذا العصر علم الفرعونيات ليثبت هذه الحقيقة،
وأن الحضارة الفرعونية قائمة على تأليه الملوك الفراعنة وأسرهم الحاكمة.
ورب قائلِ يقول:
ولماذا تكون هذه المعلومة جديدة؟، لماذا لا تكون سابقة على محمد بن عبدالله؟
ونحن نقول:
ولنفرض ذلك، لكن لم تكن هذه المعلومة إلا تأريخاً متناقلاً،
وما يدري محمداً أن هذه المعلومات سيأتي زمن عليها ويتم نفيها أو إثباتها؟،
فرفع أحد الاحتمالين يحتاج إلى دليل قطعي كما هو معروف عند أهل الفلسفة،
فكيف يتم لمحمد أن يرفع "احتمال" عدم ادعاء فرعون للألوهية، ويثبت له "احتمال" ادعاء الألوهية، لو لم يكن من أخبره شاهداً على ادعاء فرعون للألوهية؟.
3. بات من المسلّم به عند علماء الحضارات الشرقية أن الحضارة البابلية هي موئل للكثير جداً من الأساطير والخرافات ولا سيما السحرية منها،
وهذا ما جاء القرآن ليكشف عنه في قوله: ((وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (البقرة:102)،
والسؤال من الذي أخبر محمداً بهذه الحقيقة، إن لم يكن قد تلقاها من الله؟.
4. من المعلوم أن آثار الحضارة الفرعونية لم يبدأ الكشف عنها إلا على آواخر القرن التاسع عشر الميلادي وبدايات القرن العشرين،
وكان مما أظهرته هذه الكشوف بقاء أبدان الفراعنة، وخاصة ملوكهم،
فمن هو الذي أخبر محمداً بهذه الحقيقة، ونقل إليه مشهد ذلك اليوم الغابر، إن لم يكن الله هو من فعل ذلك، وهو من قال للفرعون:
((فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ)) (يونس:92)
فمن أين لمحمد بن عبدالله الأمي أن يعلم هذه الحقيقة التأريخية التي احتاجت إلى مؤسسات علمية دولية ضخمة تقف وراء الكشف عنها؟.
وحتى لا نطيل بضرب الأمثلة نكتفي بهذا،
وندع القارئ يرجع إلى علم الحضارات ليرى مدى إمكان محمد العربي الأمي أن يأتي يأتي بالوقائع التأريخية بدقة لا يظفر بها علماء التأريخ أنفسهم، وأن يحسم اختلافات تأريخية بيقين.
((إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)) (النمل:76)
((لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ)) النحل:39.
((إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)) الزمر:3.
يتبع.....
السهم المسدد
17/08/2006, 12:52 PM
(41) القرآن وموقفه من الخرافة (1-5)؛ الأسطورة:
كان يكفينا ما سقناه عن القصص القرآني حتى نتبين أن لا مجال للأسطورة والخرافة في القرآن،
ولكن حتى تتم الصورة، أو حتى نقوم بمخض عقلي فلسفي تام، لابد لنا من إلقاء النظرة على نقد القرآن للخرافة ومنافذها،
ولنبدأ بالأسطورة.
نجد القرآن يسوق دعاوى الكافرين به كما هي،
فيقول: ((وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)) (الأنفال:31)،
إذن دعواعم تقول:
إن هذا القرآن لا يعدو أن يكون من جنس الأساطير؛ أي التأريخ المتداول بين الناس، الذي لا يعلم صدقه من كذبه.
وكان ينتظر من هؤلاء أن يقيموا الحجة على كلامهم هذا فيبينوا أين هو موطن الأسطورة منه،
ولكن لأنهم عجزوا عن ذلك: ((قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)) (الأنفال:32)،
إذن هؤلاء هم من لجأ إلى طلب خرق نواميس السببية المعتادة، فطلبوا من محمد أن يمطر عليهم حجارة من السماء.
هذه هي "حجتهم" الأولى؛
أنهم يستطيعون أن يقولوا مثل القرآن، ولما أعياهم الأمر طلبوا أمراً لا يتم إلا بخرق القانون الكوني المعتاد.
وأما "حجتهم" الثانية فهي:
((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا:
إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ
وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ
فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً،
وَقَالُوا:
أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ
اكْتَتَبَهَا
فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً)) (الفرقان:4-5)،
وكان أيضاً يفترض عليهم أن يأتوا بدليل على ذلك، ولكن لم يقدروا،
فرد عليهم القرآن:
((قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً)) (الفرقان:6)،
والحجة التي أقامها القرآن؛ أن هذا القرآن لا ينزل إلا ممن يعلم السر في السموات والأرض،
فتدبروا القرآن إن كان يمكن أن يصدر من غير الله عالم السر –ومنه قوانين الكون– في السموات والأرض،
فآياته لا يمكن أن يأتي بها محمد من ذات نفسه،
ولما أحالهم القرآن إلى حقائق الوجود التي لا يعلمها إنسان كمحمد، وإنما هي من الله،
لما أحالهم إلى ذلك بماذا ردوا عليه؟
((قَالُوا:
مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ
وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ
لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً،
أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ
أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا
وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً)) (الفرقان:7-8).
أمر عجيب!؛
يردهم القرآن إلى حقائق الوجود فيه، مع ما تحوي من سنن تجري مجرى السببية،
وهم يطلبون خرقها،
فمن هو أحق بالأسطورة منهم،
وصدق القرآن إذ قال فيهم:
((انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً)) (الفرقان:9).
وهم يقرون بأن القرآن من الله؛ إلا أنهم يكررون دعوى أسطوريته،
وهذا انحراف عن الدليل العقلي، ودعوى غير قائمة على علم،
((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ)) (النحل:24-25).
والقرآن وهو يسوق كلام من يتهمونه بالأسطورة؛ يردهم إلى عقولهم ومنافذها المعرفية، لعلهم يستطيعون أن ينفذوا من خلالها إلى إثبات معطيات العقل، وبالتالي نفي ضده وهو الأسطورة.
((وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)) (الأنعام:25).
ولاحظوا في الآيات التالية؛ أين يأتي القرآن بدعوى القائلين بأسطوريته؟ إنه يأتي بها في خضم الحديث عن السببية، وفي خضم الحديث عن العقل الكاشف عن السببية:
((وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ، وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ، بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ، قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ، لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ)) (المؤمنون:78-85).
وتكرر هذا الأمر في موضع آخر من القرآن؛ في سورة النمل:
((أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ، بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ، لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ)) (النمل:64-69).
وهكذا كل من يأسره التفكير القائم في الواقع، ولا يستطيع أن يخرج منه إلى التفلسف العقلي القادر على اكتناه حقائق الأمور القائمة في الكون يلجأ إلى أسلوب دعوى الأسطورية:
((وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)) (الاحقاف:17).
((إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)) (القلم:15).
((إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)) (المطففين:13).
هذا هو موقف القرآن الصريح من الخرافة، وهو الرفض التام لها، كما رأينا ذلك في معالجته للأسطورة، وإحلال العقل محلها.
ولكن هل الخرافة لها منفذ واحد وهو الأساطير؟
طبعاً هناك منافذ أخرى،
والقرآن لا يهملها، بل يأتي عليها بنقده الصارم ليحل محلها العقل،
وهو في كل ذلك يضرب عنها صفحاً، ولا يعتمد عليها في إقامة حججه العلمية.
يتبع.....
السهم المسدد
18/08/2006, 11:19 AM
(42) القرآن وموقفه من الخرافة (2-5)؛ الشعر:
نفى القرآن عن محمد قول الشعر،
فما جاءه من قرآن ليس هو من جنس الشعر الذي يخلب الألباب ويسحر العقول دون حقائق تقف خلف ألفاظه،
بل هو حقيقة قائمة،
((وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ)) يّـس:69.
إن نفي الشعر عن محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب ليس هو ما يتصوره الكثيرون من أن القرآن لا يحتوي على قوالب الكلام المنظوم "موازين الشعر"،
فإن الشعر بتراكيبه البيانية اللغوية هو أحد أجزاء اللسان العربي المبين، وهذا اللسان هو الذي جاء به القرآن،
فإن وُجِد فيه شيء من هذه الموازين، فليس ذلك بقادح فيه،
بل هو ميزة بلاغية راقية يتمتع بها هذا الكتاب،
فهو قد أتى بما يتمتع به لسانهم من ميزة، وناف على ذلك، وجاوز معهودهم إلى ما يعجزون عنه.
وإنما المقصود نفي الخيال الواهم عن القرآن وعمن جاء إليه،
ذلك الخيال المنحرف عن صدق الواقع إلى خيالات الكذب وسخافات الخرافة، والذي يتلبس بروح الشاعر فيجعله يهيم في كل واد، آسراً إلى حضيرته المولعين به،
ولذلك جاء الربط في القرآن بين هذا الصنف من الشعر وبين ما تقذف به "الشياطين" في نفوس الأفاكين، مع استثناء الشعر الصادق،
((هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ، تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيم يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ، وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ، إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)) الشعراء:221-227.
إذن هو تنزيه للقرآن عن تلك المضامين الشاعرة التي تسبح في بحر لجي من الخرافة والأوهام والهيام الكاذب،
وليس عن الجرس السمعي الرائع الذي يصدح به اللسان العربي، والذي عُرف بالوزن، فوجوده في القرآن هو مدح يتميز به، وليس مثلبة قادحة فيه.
وعلى ذلك فإن ما يتغرد به الشعراء من خيالات الشعر وأوهام الشاعريين، ينفيه القرآن عن نفسه وعمن جاء إليه،
إلا أنه في نفس المقام يثبت الإيمان،
والإيمان في القرآن قبل كل شيء هو قناعة عقلية،
((وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ)) (الحاقة:41).
وإذ نقول إن الإيمان في القرآن قناعة عقلية –وبالتالي نفي شاعرية اللغة عنه؛ المحملة بالوهم والخرافة– فإننا لا نفعل ذلك من باب تقويله ما لم يقل،
بل هو عندما ينفي الشعر عن محمد يحيلهم إلى العقل السببي الطبيعي في الكون،
((وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ، لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ، أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ، وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ، وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ، وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ، لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ، فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ، أَوَلَمْ يَرَ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ، وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ، أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)) (يّـس:69-83).
ولكن هؤلاء الذين سيطر عليهم قانون الشاعرية الذي تكمن في قعره نَفَس الخرافة؛ عندما يتهمون القرآن بالشعر فإنهم يطلبون أمراً خارج سننية الكون المعتادة،
((بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ)) (الانبياء:5).
ويأتي ردهم الخرافي عندما يطلب منهم أن يقروا بمنشئ السببية ومحركها الأول "الله"، فيركنون إلى الخرافة الوثنية:
((إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ)) (الصافات:35-36).
وهكذا عندما يتهمون القرآن بالمضامين الشاعرية؛ فإنه يحيلهم إلى السببية وحدها،
ومع ذلك يمد لهم التربصَ إلى آخر المطاف؛ لعلهم يخرجون من لغتهم الشاعرية ويتدبروا القرآن بالعقل السببي الطبيعي،
((أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ، قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ، أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ، أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ، أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ، أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ، أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ، أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ، أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ، أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ، أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ، وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ)) (الطور:30-44).
فهل بعد هذه الآيات يمكن أن نصف القرآن بالأسطورة والخرافة، وهو ينفي عن نفسه اللغة الشاعرة التي تتسرب إليها الأوهام والخيالات غير العلمية،
وقد نفذ القرآن من سطوة الشاعرية رغم أنها لغة مثقفي العرب وأدبائهم،
فهي لغة الأدب التي لا يعرف العرب غيرها، ولا يقرأون سواها.
يتبع.....
السهم المسدد
19/08/2006, 09:37 AM
(43) القرآن وموقفه من الخرافة (3-5)؛ السحر:
الكون كما أنه خرافي وشاعري عند الناس قبل القرآن، وحتى بعده،
هو كذلك ساحري،
بل إنك لا تكاد تجد "عقلاً" ينفذ من سطوته،
وإن كان يوجد شيء "أجمعت!" عليه البشرية قبل القرآن فهو "ساحرية" تفسير الوجود من حولهم،
والقرآن هو أول كتاب خرق هذا "الإجماع السحري"، وواجه هذه "الساحرية" بصرامة شديدة وصلابة بالغة،
وخاصة أنه هو نفسه دُمِغ بها، ووُصِف من جاء إليه بالسحر،
لأجل هذا من جهة،
ومن جهة ثانية؛
لأجل أن الناس لا زالت تفكر بشكل "سحري" فيما تقع عليه "عقولهم"،
وخاصة المتدينين منهم،
لهذا وذاك سيستغرق هذا المبحث حوالي تسع حلقات متتابعة.
وأظن أن الحديث عن السحر والسحرة له نكهة خاصة،
وخاصة إن كان من يكتب حوله من "البلاد الساحرة"،
ومن متدين؛ تؤمن كل خلية من خلاياه بأن القرآن من منشء الوجود ومحركه.
ولكن قبل الدخول إلى عالم السحر والسحرة، وكما يسميه البعض "عالم هاري بوتر"،
أستأذنكم بالانقطاع لأيام قليلة أكون خلالها مسافراً خارج السلطنة.
يتبع الموضوع بعد أيام....
ملاحظة: الشيخ خميس حفظه الله سيشارك في مؤتمر إسلامي بطهران وسيواصل إكمال حلقات الموضوع بعد رجوعه سالماً إلى أرض الوطن.
فلا تبخلوا على الشيخ خميس العدوي بالدعاء.
السهم المسدد
26/08/2006, 12:21 PM
(44) القرآن وموقفه من الخرافة (3-5)؛ السحر:
الحلقة الثانية
1- من المعلوم أن بؤرة التفسير الخرافي لوقائع الكون هي التفسير السحري،
ولنرَ الآن:
هل استطاع القرآن أن "يفضح" السحر،
أم أنه انساق خلفه وأقر بتأثيره على الموجودات، وبالتالي سمح أن تفسر به حقائق الكون؟.
السحر: فن استخدمه الإنسان منذ قديم الزمان،
وكان استخدامه له بسبب ما يرى حوله من أسرار (=قوانين غامضة) تحرك الطبيعة لم يستطع أن يفقهها.
فالشمس تشرق من جهة واحدة، وتغرب في الجهة المقابلة،
بيد أنها تارة حارقة، وتارة أخرى لا تكاد تحس بها،
وعندما تطلع تصبح ضاحة في الأشياء يبصرها الإنسان، وعندما تغيب تختفي تلك المرئيات عن أعين الناس.
والرياح تكون في حالة ساكنة، وفي أخرى مسترسلة، وفي ثالثة عاصفة مدمرة،
وهي أيضاً بين ريح قارصة وسهوب حارقة.
والأرض بينما هي في طبيعتها الأصلية ساكنة راسخة؛ إذا بها تتحول إلى هياج مدمر.
والبحار والأنهار تلامس بمياهها جلد الإنسان نعومة وطراوة، وتمنحه راحة وأنساً،
فإذا بالماء يهيج فيقذفه ذات اليمين وذات الشمال لتلتهمه جوارح اليَّم.
وهكذا قل ما شئت في مناحي الطبيعة المختلفة.
لم يكن الإنسان آنذاك يفقه القوانين التي تحرك هذه القوى الطبيعية، وكان يشعر تجاهها برهبة عظيمة تثير في نفسه الخوف منها.
ولما كان الإنسان لديه حب الاستطلاع وفضول الاكتشاف فإنه سعى جهده لمعرفة تلك الأسرار المحركة لهذا الكون، وما توصل إليه –رغم قلته وبساطته في البداية– كان يستغله في حركة حياته، كالألواح في ركوب الماء، والدواب في ركوب البيداء.
وظلت الحياة بوقائعها لغزاً محيّراً للإنسان؛ فنشأ لديه تصور أسطوري سحري عن القوة المحركة لهذه القوائع،
وأخذ عقله البدائي يفسرها بطرائق قدداً، غالبها لا يتفق مع حقيقة الواقع،
وهذا أمر طبيعي،
فالعقل من طبيعته أنه يرغب في سد الفراغات التي تكوّنها الطبيعة فيه، ومن الطبيعي جداً أيضاً أن يعاني من إخفاقات.
ولكن ما هو ممقوت أن توجد فئة من الناس تستغل جهل الناس هذا بالطبيعة وقوانينها، فتعمد إلى الخداع والمكر، فتجعل لنفسها القدرة على السيطرة على وقائع الحياة، وبالتالي من خلاله تسيطر على جموع الناس،
وقد مورس هذا الخداع باسم الدين وباسم السياسة،
وهذا الخداع لا يقبل لذاته، إذ إن الشيء لا يكتب له القبول عند الناس إلا إن ظهر صدقه على أرض الواقع وإن تمويهاً.
وحتى يجد الخداع طريقه إلى الناس كان لابد له أن يتلبس بالصدق مراءاة لأعين الناس ونفوسهم، ولما كان فاقداً لذلك من ذاته لجأ إلى الخرافة التي هي القانون العام في تلك العهود السحيقة، لأجل إبهار الناس بصدق وهمي لا حقيقة له على أرض الواقع.
يتبع....
السهم المسدد
26/08/2006, 12:26 PM
(45) القرآن وموقفه من الخرافة (3-5)؛ السحر:
الحلقة الثالثة:
2- وتطورت الخرافة شيئاً فشيئاً كغيرها، حتى أصبحت ساحرة لأعين الناس ونفوسهم، وظنوا أنها الحق، فاتخذوها ديناً لتصورهم أنها متوائمة مع الطبيعة، بل مهيمنة عليها، واتخذوا سدنة السحر كهاناً للمعابد الوثنية، وعبدت الطبيعة بكواكبها ونجومها وبحارها وأنهارها وأحيائها ومواتها.
فإذن السحر والخرافة هما بقايا الوثنية القديمة التي تتجدد كل وقت ببريق الخداع والمراوغة، حتى أنها في كثير من صورها ألصقت بالدين كما قلنا.
ولما كان السحرة بارعين في إيهام الناس بأنهم قادرون على أن يغيّروا الأشياء كيفما أرادوا ومتى ما أرادوا، وجدوا تشيجعاً منقطع النظير من الحكام الوثنيين، لأن السحر يضفي على ملكهم الكثير من القداسة الموهومة الخادعة، فهو يجعل الملك "متصفاً" بالألوهية، فهو لديه قدرة –حسب اعتقادهم في السحر– على تغيير الأشياء، وتخليقها، وتكوينها بحسبما يشاء، ولذلك كان السحر مما عُني به الفراعنة، لأنهم وجدوا فيه بغية لادعاء الألوهية:
((قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ،
قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ،
قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ،
قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ،
قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ،
قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ،
قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ،
قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ،
قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ،
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ، وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ،
قَالَ لِلْمَلأِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ، يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ،
قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ، يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ،
فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ،
وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ، لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ،
فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ،
قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)) الشعراء:23-42.
فهكذا تلاحظون أن الفرعون كان يحشد في بلاطه السحرة من أصقاع مملكته، يفعل ذلك وهو مدعٍ للألوهية.
فالخطورة في اعتقاد أن السحر له تأثير؛ تكمن في إضفاء القدرة على تغيير الأشياء حقيقة إلى الساحر، وهذا مستحيل واقعاً.
وفي هذا الوقت؛ وقت العلم والاكتشاف للسنن الكونية، لا زالت بعض وسائل الإعلام كالكتاب والتلفاز تتبنى صوراً من هذه الخرافة والسحر لتروج لها، وتأكل أموال الناس، وتحرفهم عن الحقيقة،
وأسوأ هذه الوسائل تلك الكتب التي تتمسح بمسوح الدين، فتأكل أموال الناس سحتاً بغير حق.
يتبع.....
السهم المسدد
26/08/2006, 12:29 PM
(46) القرآن وموقفه من الخرافة (3-5)؛ السحر:
الحلقة الرابعة:
3- والسحر في اللغة:
تزيين الشيء بخفاء ليكون مؤثراً على السامع أو الرائي بطريق لا يحس به.
ومفهومه لا يبعد عن ذلك؛
فهو التخييل والإيهام والخديعة بأشياء تظهر للمشاهد على غير حقيقتها.
وهو على صنفين:
الأول: أعمال الخفة التي تظهِر الأشياء على غير حقيقتها،
وتكون وفق قوانين خفية وممارسات دقيقة صارمة لا يتقنها إلا القليل من الناس، قد تهيأت نفوسهم لذلك،
مثل: ألعاب السيرك؛
كأن يظهر تحول المنديل إلى حمامة،
أو يدخل رجل في صندوق فيظهر خارجاً منه على شكل امرأة.
الثاني: التأثير النفسي بالكتابة أو النفث أو القراءة،
ككتابة الطلاسم والأوفاق،
أو النفث في العقد،
أو قراءة الطالع والكفِّ والفجان.
وهذا النوع يعتمد على الخور النفسي لدى المعمول له "المسحور"،
فإذا كانت النفس متهيئة لتصديق ذلك، ومتهيبة من عمل الساحر فإنها تنهار بسرعة شديدة،
وأما إن كانت النفس تعرف أنه ليس وراء هذه الأمور أية حقيقة فإنها لا تتأثر أبداً، لأن هذه الأمور كلها ليس لها تأثير أبداً يخرج منها.
وهذا الصنف من السحر هو أبسطها وأوهنها حيث يعتمد على سذاجة المعمول له،
لذلك اكتفى القرآن أن يوجه المؤمنين به للتخلص من هذه النوازغ والوساوس إلى الاستعاذة بالله، ليشعر المؤمن أن هذه الأمور كلها باطلة لا حقيقة وراءها: ((وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) الأعراف:200.
وعلى ذلك فإن للسحر بنوعيه تصوراً وهمياً، وليس له أي حقيقة داخلية،
أي أن الساحر يعمل عمله المحكم في إبهار المشاهد أو المعمول له "المسحور".
ففي الصنف الأول:
يوهمه بأشياء مخالفة لقانون الطبيعة كإيهامه بتحول الطحين إلى ماء بمسحة يد، فيراها المسحور كأنها حقيقة مشاهدة؛
وهي ما نسميها بالتصور الخارجي،
لكن في واقع الأمر وعند من يتقنها ما هي إلا توهيم وخيال لا حقيقة له،
وهي ما نسميها بالحقيقة الداخلية.
وفي الصنف الثاني:يتوهم المعمول له "المسحور" نتيجة ضعف عقله وخور نفسه وسذاجة تفكيره، بأن الكتابة أو النفث أو القراءة لها حقيقة تؤثر عليه، تتسرب من عمل الساحر إليه،
بالتفريق بينه وبين قريبه أو حبيبه،
أو تولد لديه الأمراض كالصداع أو مرض القلب أو الضغط أو الزكام،
أو تصده عن أشياء واجبة عليه أو محببة لديه، كصده عن الدراسة وزيارة الأرحام والأقارب والأصدقاء،
أو تظهر له على هيئة أشياء لا تظهر واقعاً، كأن يرى ميتاً، أو يرى جنياً، أو يرى ناراً تشتعل في بيته، ونحو ذلك.
فهذه كلها ليس لها وجود حقيقي أبداً من عمل الساحر،
فهي إما أن تكون بأسباب طبيعية كالأمراض الجسدية التي يجب أن يرجع فيها إلى الأسباب الطبية،
أو الخصومات الاجتماعية المولدة للأمراض النفسية عادة والجسدية أحياناً، والتي يجب أن يُرجع فيها إلى المصلحين لذات البين وإلى الأطباء النفسانيين.
أو هي وهم لا حقيقة له؛ كرؤية الأموات أحياء، ورؤية الجن، وتوهم اشتعال النيران.
يتبع....
السهم المسدد
26/08/2006, 12:32 PM
(47) القرآن وموقفه من الخرافة (3-5)؛ السحر:
الحلقة الخامسة:
4- كانت الملاقاة الشهيرة –كما يحكيها القرآن– بين موسى بن عمران وسحرة الفرعون هي التي كشفت حقيقة السحر وماهيته،
والقصة كما حكاها القرآن بأن قال السحرة:
((يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ)) الأعراف:115
فأجابهم:
((أَلْقُوا)) الأعراف:116،
وكانت النتيجة:
((فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ)) الأعراف:116،
فما قام به السحرة هنا ليس حقيقياً، إنما هو خداع للأبصار بطريقة ما من طرائق السحر لم يذكرها لنا القرآن
((قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى)) طـه:66.
وكثير من الناس اليوم عامتهم وخاصتهم يؤمنون بسحر يمكن السيطرة به على مقدرات الكون،
ويقولون:
إنه مثبت في القرآن.
بينما القرآن لا يعطي السحر سوى مفهوم الخداع والتخييل البصري والنفسي؛ لا أكثر ولا أقل،
فقد حكى القرآن ما ((قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ)) يونس:77،
وبيّن: ((إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى)) طـه: 69،
القرآن يقول لنا صراحة:
إن الساحر لا يفلح حيث أتى، لأن ما يقوم به لا حقيقة له في ذاته، فهو خداع وتخييل،
وجاء ليبيّن لنا أن السحر لا أثر له البتة؛ إلا خداع الناس وتضليلهم.
ومن هنا يجب على من يجد في نفسه مثل هذه الأوهام أن يسعى إلى العلاج الطبيعي الجسدي أو النفسي أو كلاهما معاً ليطلب العلاج حسب السنن الطبيعية،
وأما اللجوء إلى العرافين والكهان، وأمثالهم من الأدعياء –ولو أنهم لبسوا لبوس الدين– فهو بعد شاسع عن حقائق الوجود ومعطيات العقل الذي اعتمده القرآن.
يتبع....
السهم المسدد
26/08/2006, 12:37 PM
(48) القرآن وموقفه من الخرافة (3-5)؛ السحر:
الحلقة السادسة:
5- لابد لفهم هذه القضية من معرفة تاريخها في نشأة الحضارات وقيامها عبر التاريخ،
فمع بدايات اكتشاف الكتابة في حضارات بلاد الرافدين كالبابلية والسومرية كانت الكتابة في ذلك الوقت "سراً من الأسرار"، إلى درجة أن الحاكم أو المتنفذ يكتب في الأداة المتوفرة آنذاك بضع كلمات –وكانت الكلمات عبارة عن رسومات– فيذهب بها المندوب إلى الجهة المعنية، وإذا بذلك الشخص المقصود يفعل ما يؤمر به مباشرة امتثالاً لأمر الحاكم أو خشية من صولته.
والغالبية الساحقة من الناس في ذلك الوقت لا يعرفون الكتابة فهي في بداياتها، ولذلك كانت الكتابة والقراءة في كل مجتمع محصورة في أشخاص بأعيانهم،
فلما رأى الناس ذلك التأثير العجيب على القارئ بسرعة استجابته للكتابة التي اطلع عليها، تصوروا أن في الكتابة تأثيراً ذاتياً، جعل بعد ذلك الكهنة والحكام يحتكرون الكتابة "المؤثرة!" في بلاطاتهم.
فمن هنا كانوا يخدعون الناس بأن في هذه الكتابة شيئاً من التأثير على الآخرين،
وبالتالي سرت في النفوس أن الكتابة تؤثر بذاتها،
وتراود إلى هذه النفوس أن هؤلاء الكهنة الذين يكتبون إنما يضعون أسراراً معينة فيها، وعندما تخرج إلى الأشخاص لابد أن يتفاعلوا عندها وإلا أصابهم شر.
ففي الحضارة المصرية كانوا يعتقدون أن للكلمة تأثيراً على الناس وعلى الأشياء من حولهم؛ إذا ما كان وراءها قلب مخلص يؤمن بتأثيرها،
وهذا هو ما شاع عند الكثيرين إلى الآن،
حيث لا يزالون يتصورون أنه يمكن لكلماتهم أو كتاباتهم أن تؤثر في الأشياء إذا ما صدرت من "قلب موقن" بها،
ولذلك يتكئون على مثل هذه الأعذار عندما تطالبهم بالدليل،
فيقولون:
هذه لا تصدر إلا من شخص بلغ وترقى في "الولاية والإخلاص"، ويروون في ذلك حكايات غريبة وعجيبة،
فكم سمعنا وقرأنا أنَّ أحدهم يُزعم له بأنه أخرج جنياً، أو فعل شيئاً ما بتلاوة البسملة، أو شيء من "الأسرار"، ولكن عندما يفعل أي شخص آخر ذلك لا يتم له، ويأتي الرد منهم على "لسان الجني!"، أن البسملة حق، ولكن القارئ ليس هو.
وهذا كان سائداً في الحضارات الوثنية كالحضارة المصرية، التي يعتقد اتباعها أن للكلمة تأثيراً تنفعل له الأشياء، وذلك إذا ما صدرت من لسان ينطق به "قلب مخلص"، وهذا ما كان ينسب إلى الخاصة، لا سيما الحكام، ويضفون عليهم شيئاً من أفعال الإلوهية،
وكل ذلك لأجل إجبار الناس على الانقياد إليهم، ولذلك كان المصريون القدماء يتصورون أنَّ حكامهم آلهة لأن الأشياء تنفعل لكلماتهم، ولا يحدث ذلك لغيرهم، لأنه لا يقف خلفها قلب مخلص.
وهكذا نجد في الحضارة المصرية القديمة أنهم يصفون من تنفعل له الأشياء بالإله، وهي خاصية يتمتع به الصفوة كالحكام ذوي الصفة الإلهية المدعاة لهم،
جاء في نص مصري قديم:
(بتاح العظيم، إنه "قلب" انيعاد الآلهة و"لسانه"، الذي ولد الآلهة، فتكوّن في "القلب"، وتكوّن على "اللسان" شيء في شكل آتوم).
وهكذا في تصور بعض الواهمين فيما يزعمون أنَّ لهم قدرات خارقة، قادرة على تغيير الأشياء، وفي تصورهم أنَّ لهؤلاء صفات مميزة ترفعهم عن مصاف باقي البشر، فهم تنفعل الأشياء لكلماتهم، في حين أن باقي الناس لا يحظون بهذه الخاصية، ولا يقدرون أن يتصفوا بهذه الصفة،
هذا الداء الذي يمارسه الخاصة انتقل إلينا من الأمم الماضية حيث كان يمارسه الكهان والسحرة.
يتبع....
السهم المسدد
26/08/2006, 12:44 PM
(49) القرآن وموقفه من الخرافة (3-5)؛ السحر:
الحلقة السابعة
6- وفي الحضارة البابلية كانت هذه العملية تمارس على الناس، وقد سجل القرآن ذلك في سورة البقرة،
وسجل أيضاً تأثر بني إسرائيل (وهم فرع من العرب القدماء)، ورد عليهم،
وفي نفس المقام كان بذلك يحذر المسلمين من الوقوع فيما وقعت فيه الأمم السالفة من خرافة السحر،
((وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا
يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ
وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ
وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ
وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ
وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ
وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ
وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)) (البقرة:102).
وبحسب القصة القرآنية؛
عندما أرسل الله "الملكين" بكلماته، كانا ينصحان الناس عن أن يسيروا فيها سيرة السحرة المخادعين الذين اتخذوا من الكتابة هذا الأسلوب المراوغ،
وبيّنا أن كلمات الله إنما أنزلت لهداية الناس، فلا يُنحرف بها عن نهج الهداية إلى التضليل بأن لها فعلاً سحرياً،
وخاصة أنها كلمات دينية، فهي –كما يصفها القرآن– فتنة؛
فإما أن تكون هداية للناس، وإما تكون طريقاً إلى الكتابة الطلسمية السائدة آنذاك،
ولذلك حذّر هذان "الملكان" كل من يتلقى منهم هذه الكلمات قائلين له: اهتد؛ ولا تكفر.
((وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِه)).
وما أنزل على "الملكين" هو كلمات الله،
وإنما بعض المخادعين والواهمين كانوا يستخدمون هذه الكلمات للضحك على الناس، وإيهامهم أن في هذه الكتابة تأثيراً سحرياً يفرّق بين المرء وزوجه،
فليس في كلمات الله وفيما أنزل ما يؤدي إلى هذه التفرقة،
وإنما المخادعون والواهمون أخذوا يتعلمون ما يخدعون به الناس أنها تفرّق بين الأقرباء، وتقطع ما يجب أن يوصل،
واستغلت هذه الكلمات في ذلك، تماماً كما سيحدث بعد ذلك عند بني إسرائيل، وكما سيبتلي به الواهمون من الأمة.
يتبع.....
السهم المسدد
27/08/2006, 01:55 PM
(50) القرآن وموقفه من الخرافة (3–5)؛ السحر:
الحلقة الثامنة:
7- والذي حدث بالنسبة لبني إسرائيل أنه عندما جاءهم الكتاب، استخدموا نفس هذه الخديعة للتحايل على الناس؛ فكانوا يكتبون الآيات ويحاولون أن يخدعوا بها الناس، واستمر بهم هذا الحال حتى عهد الرسالة المحمدية،
ولذلك جاء القرآن ليكشف أمرهم، وليبين أنه ليست من طبيعة الرسالة الدينية الحقة خداع الناس بكتابة الطلسمات، وإنما طبيعتها الهداية والبشارة والدعوة والعمل بمقتضى الرسالة ((وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ(( البقرة:101، وكانت وجهتهم ((وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ)) البقرة:102
فالكتابة الطلسمية توارثوها عن مُلك سليمان،
ففي حضارة سليمان بن داود كان هذا الأمر مستخدماً، إذ انتقل إلى هذه الحضارة من الحضارة البابلية السابقة،
وأدواء الأمم –كما هو معلوم– تنتقل عبر حلقات التأريخ،
ولكن حتى لا يلتبس الأمر يضع القرآن الأمور في نصابها، فيقرر أن هذا الفعل ليس من فعل سليمان، ولا بإذنه ((وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ)) البقرة:102
فهؤلاء "الشياطين" الذين يمارسون هذا العمل الفاسد هم الذين ((كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ)) البقرة:102، سحر الكتابة والطلسمات،
وإمعاناً في الخداع يتكأون على الجانب الديني ((وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ))
ولكن هذين "الملكين" ((مَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ))،
إلا أنّ الخبث واللؤم تظل سجية "للشياطين" ((فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ))
فالله يقطع الطريق على هؤلاء، ويبين أن ما يقومون به لا تأثير له أبداً بمشيئة الله.
و"إلا" هنا للتوكيد وليست للاستثناء –كما يستخدمها القرآن نفسه في مواضع مختلفه منه– كقوله:
((قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللهُ)) الأنعام:128،
وقوله: ((فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)) هود:106–108.
وكذلك قوله: ((قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلا مَا شَاءَ اللهُ)) الأعراف:188، فمحمد لا يملك لنفسه النفع والضر أبداً كما أنه لا يملكه ذلك لغيره، فالله وحده من يملك الضر والنفع.
ونحو ذلك قوله: ((سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى، إِلا مَا شَاءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى)) الأعلى:6–7، فمحمد لا ينسى شيئاً من القرآن، وقد أكد ذلك بـ"إلا" التي تسبق المشيئة.
إذن مجئ "إلا" هنا ليؤكد القرآن أن الله هو المسيطر على هذا الكون،
فهنا الآية لا تستثني بأن هناك تأثيراً يفعله هؤلاء الناس أو من يتعلم هذا العلم، وإنما المقصود أن عدم التأثير واقع تحت هيمنة الله.
فهؤلاء كانوا في الحضارة البابلية يأتون إلى هذا الذي أنزل على "الملكين" ببابل فيأخذونه على أن له تأثيراً، فيعلمون به الكتابات ويصورونها للناس بأنها تؤثر، ولذلك نفى القرآن تأثير هذا العمل وحذر منه.
ومرة أخرى نقول للتأكيد:
بأن ما أنزل على "الملكين" ببابل هاروت وماروت ليس من قبيل السحر؛
لأن الله لا يليق به أن يقرّ السحر،
ولا يليق به كذلك أن ينزل من عنده الباطل على رسله وملائكته،
أي بمعنى آخر أن الله لا يمارس الخداع والتضليل بين الناس.
يتبع....
السهم المسدد
27/08/2006, 02:09 PM
(51) القرآن وموقفه من الخرافة (3-5)؛ السحر:
الحلقة التاسعة:
8- والتفريق بين الزوجين –وغيرهما– يحصل بطرق خداعية،
لعل أبرزها:
– ادعاء الساحر أو الكاهن أو العراف معرفة الغيب، فيقول لأحد الزوجين:
إن الزوج الآخر هو من قام بعمل سحر له.
فتقع العداوة والفرقة.
– أو يقوم بعمل طلسمات وكتابات يضعها أحد الزوجين للآخر في الثياب، أو في مكان النوم، ثم يكتشفها الزوج الآخر فيقع في نفسه رغبة زوجه في إيذائه فتقع الفرقة والعداوة بينهما.
هذه العملية السحرية الخداعية انتقلت من الحضارات القديمة التي كانت تعج بالوثنية كالبابلية والفرعونية إلى بني إسرائيل، شأن هذا الأمر كثير من العقائد الأخرى،
وظل بنو إسرائيل يمارسون هذا العمل حتى مجئ الرسالة المحمدية، واستغلوه بحكم سابق عهدهم في مجتمع المدينة في إبعاد الناس عن القرآن،
فجاء القرآن فاضحاً هذا التصرف، وأن ما يقومون به خارج عن الأخلاق الكريمة، وأن استغلال الضعف الإنساني هو أمر سـافـــــل وتصرف ماكر،
فبنو إسرائيل نبذوا وراء ظهورهم القرآن الذي جاء إلى محمد بن عبدالله الذي يدعوهم إلى إعمال العقل،
واتبعوا السحر والخزعبلات، وعملوا الشعوذات وكتبوا الطلسمات، ونهجوا نهج البابليين والأمم الماضية،
لقد سلكوا هذا المسلك وكان يجدر بهم أن يتبعوا هداية العقل الذي جاء بها القرآن ، بدلاً من استخدامه في الكتابات والحروز والتمائم،
((وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ،
وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ
وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ
وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللهِ
وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ،
وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)) البقرة:101-103.
ولكن وقع كثيرون من هذه الأمة في نفس المشكلة التي حذر القرآن منها، ونعاها على بني إسرائيل، وكشف انحرافهم فيها،
فإذا بأناس يتخذون من القرآن حروزاً وتمائم، يزعمون أنهم يعالجون بها الأمراض النفسية والجسدية.
لقد وقعنا في نفس الأخطاء، وأصابتنا نفس الأمراض التي كانت في الأمم الماضية، وكأن القرآن لا أثر له علينا.
يتبع....
السهم المسدد
28/08/2006, 02:01 PM
(52) القرآن وموقفه من الخرافة (3-5)؛ السحر:
الحلقة العاشرة:
9- أليس هذا النفي الواضح للسحر هو في الوقت نفسه إثباتاً للعقل السببي،
وذلك يعني أن لا مكان للخرافة والأسطورة في القرآن.
ومع كل ذلك؛ جاء الكافرون بالقرآن ليصفوا محمداً بأنه ساحر؛ ((وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ)) (صّ:4)،
و"حجتهم" في ذلك: ((أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ)) (صّ:5)، أي حجتهم الخرافة،
وكانوا يثبّتون الناس عليها، ويحجبون عنهم نور العقل، ((وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ)) (صّ:6).
أما "حجتهم الثانية" فهي: ((مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ)) (صّ:7)،
أي أن أسطورة الوثنية كانت طاغية عليهم، حتى أنهم كانوا يحكمونها فيما جاءهم من القرآن،
وهذا الذي نخشاه على المتعلمنين أن يحكموا موضة العصر "العلمانية" دون أن يعملوا على مخضها عقلياً.
و"الحجة الثالثة":
هي الآبائية والتقليد: ((وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)) (سـبأ:43)،
إذن من هو المسحور؛ الذي يتبع العقل أو من يتبع وهم الآبائية وهيمنة الفكر المطروح دون إعمال العقل فيه؟.
فهل القرآن مارس هذا المنهج الخاطئ وهو يرد على من يتهمه بالسحر؟
لنرَ ذلك:
((الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ،
أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ
قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ،
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ،
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ،
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ،
إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ) (يونس:1-6)،
إذن القرآن وهو ينفي عن نفسه خرافة السحر لا يلجأ إلى خرافة أخرى، أو يلجم العقل، وإنما يحيلنا إلى العقل السببي القائم على القانون الطبيعي لحركة الوقائع في الكون.
ولو أن هؤلاء الناس أعملوا عقولهم ونظروا إلى ما جاء إلى محمد بعين التفكر والتدبر والتفقه لما وصفوه بالسحر،
فالقرآن الذي يعتمد العقل في فهم الأشياء لا يمكن أن يصدر من إنسان يخادع الناس بالسحر،
((وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً،
وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً،
نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً)) (الاسراء:45-47).
وتبلغ المغالطة مداها عندما يصفون محمداً بالسحر، لا لشيء إلا لأنه لم يأتهم بما يخالف القوانين الكونية السارية في الوجود،
((وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً، أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً)) (الفرقان:7-8).
يتبع....
السهم المسدد
29/08/2006, 11:04 AM
(53) القرآن وموقفه من الخرافة (4-5)؛ الكهانة:
وهذا الخيال المحلق في أجواء الأوهام الذي يخلب الناس ببريق لغته هو ما نجده عند من يمارس الكهانة،
والكهانة هي من أسوأ أنواع الخرافة التي تعيّش الناس في مستنقع آسن من الأكاذيب، تخيّل للناس باسم الدين الأوهامَ بأنها حقائق منه، يجب أن تهيمن عليهم،
ولذلك نفى القرآن عن نفسه أي صلة بالكهانة بعد أن نفى عنه أن يكون قول شاعر، وأثبت أنه قول رسول كريم، أي أنه وحي إلهي يتنزل ليقول الحقيقة وحدها ويقيم الحجة عليها:
((فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ، وَمَا لا تُبْصِرُونَ، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ، وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) الحاقة:38–43.
((فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ، أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ)) الطور:29–30.
ففي الإسلام لا توجد كهنوتية ولا كهانة ولا كاهن، كما لا يوجد فيه حبر أو قسيس أو شيخ، إنما يوجد الفقيه الكاشف عن الحجة، وليس له أي سلطة إلا الكشف عن الحكم من الدليل، لا أقل ولا أكثر،
وعلى الإنسان أن لا يمشي وراء الفقيه بكونه فقيهاً، إنما يستمع إلى الحجة منه، فالحجة وحدها الرائجة في سوق الإسلام المعرفي، ومن أتى بها؛ صغيراً كان أو كبيراً تقبل منه.
على أن اكتشاف الحجة ليس حكراً على فقيه بعينه، ولا على طائفة الفقهاء المتخصصين في الدراسات الإسلامية من المسلمين وحدهم، بل قد تؤخذ الحجة من أي إنسان بغض النظر عن انتمائه الجنسي أو الاجتماعي أو الديني،
فالقرآن يحيل الناس الكافرين به إلى من أوتوا "الذكر" قبله، وهم بنو إسرائيل:
((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)) (النحل:43-44).
((وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)) (الانبياء:7).
فالإحالة إلى غير المسلمين إنما هي إحالة إلى كشف الدليل لا إلى المرجعية الكهنوتية التي وقع فيها كثير من المسلمين عبر تأريخهم، حيث جعلوا أنفسهم مقلدين للفقهاء، لا يتحركون في حياتهم قيد أنملة إلا وفق أمر الفقيه،
والتقليد مذموم في القرآن،
وإنما فتح الباب أمام الفقهاء للاستنباط، والاستنباط هو الإيضاح، وليس الهيمنة الفكرية:
((وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً)) النساء:83.
((وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)) (التوبة:122).
في حين يقول القرآن لمحمد:
((فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ)) (الطور:29)
ويقول له: ((فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ)) (الغاشية:21-22).
فمحمد وظيفته التذكير لا الكهانة والسيطرة والهيمنة، فما بالك بمن هو بعده؟.
ونحن نتفق مع الكاتب الرواحي في "ضرورة التخلص" من الإضافات التي لحقت بالدين، وذلك عندما قال:
(من المهم جداً القول هنا: بأن العلمانية ليست ديانة تدخل فـي تنافس مع الأديان الأخرى، ولكنها موقف فكري يضع العقل كأساس أول لكل شيء، ولا يرضى عنه بديلاً. ويجعل النص كتابع للعقل.
وهي إلى جانب ذلك، لا تعني الالحاد (لا توجد نظرة سلبية عن الإلحاد هنا)، بأي شكل من الأشكال، فهي لا تهدف إلغاء الدين أو نفيه، بقدر ما تهدف الى تنقيته من الكثير من الشوائب، ومعظم الإضافات التي ألحقت به عبر التاريخ، وذلك من خلال سلوكيات، أو أقوال وفتاوى الفقهاء، أو ممارسات المؤمنين به).
ولكن بطبيعة الحال نرفض هذا الكم من المغالطات التي زخر بها كلامه، من مثل:
(أن العلمانية ليست ديانة تدخل فـي تنافس مع الأديان الأخرى)،
ومثل:
العلمانية (لا تهدف إلغاء الدين أو نفيه، بقدر ما تهدف إلى تنقيته من الكثير من الشوائب، ومعظم الإضافات التي ألحقت به عبر التأريخ).
فالعلمانية ليست إلا ديناً نافياً لكل دين سواها، بل وناقضة له،
كما أنها لا تهدف إلى تنقية الدين وتصفيته مما علق به، وإنما تهدف إلى إزاحته واجتثاثه ونفيه،
وهذا يعرفه من له أي اطلاع بالعلمانية، وبل هذا هو أساسها الفلسفي الذي قامت عليه،
ويكفي من يقرأ مقال الروحي هذا أن يعرف ذلك،
مع التناقض بين هذا الكلام وبين ما هو موجود في المقال، بل بين العبارات الواردة في ثنايا هذا المقطع من مقاله؛ مع بعضها البعض.
أما "تصفية الدين وتنقيته" فهو عمل العقل المتدين لا المتعلمن،
وليس تعني هذه التصفية والتنقية وضعَ الفأس في كل منتجات الفقهاء، وبترها عن سياقاتنا المعرفية،
بل تعني وضع مبضع الطبيب الماهر والجراح الحاذق في ذلك التراث الفقهي للاستفادة منه بأخذ الحجة منه، والعبرة كذلك، ونفي ضدها.
يتبع....
السهم المسدد
29/08/2006, 03:01 PM
(54) القرآن وموقفه من الخرافة (5-5)؛ الأحلام:
1. وجدت الأحلام والرؤى المنامية بوجود الإنسان، فهو يعيش حياة اليقضة كادحاً في الأرض ضارباً في جنباتها، مكابداً مصاعبها، يعيش آماله المحدودة وآلامه العريضة، وعندما يرهق في يقضته، فإنه يستسلم تلقائياً إلى النوم،
وفي نومه هذا تبدأ مرحلة جديدة من الحياة، إنها عالم الأحلام والرؤى المنامية.
وتدل الدراسات الحضارية على أن الإنسان القديم كان يخلط بين الرؤى المنامية والواقع في اليقظة، فكان ما يحدث له في المنام يظنه جزءاً من يقظته، ولذلك كان يسعى إلى محاولة فهم حركة الحياة التي كثيراً ما يجهل خط سيرها.
وكانت الأحلام تدخل في وضع خطط الإنسان في الحياة، وأحياناً كثيرة ما تكون حاسمة في حياة الناس،
ولا فرق في ذلك بين خاصة الناس وعامتهم، فهو منهج تفكير كان يلف كافة الناس.
وهذا الذي توصل إليه علم الحضارات قد أشار القرآن إليه، فيذكر لنا ذلك عن ملك مصر الذي كان معاصراً ليوسف بن يعقوب أنه كان يرى الأحلام المنامية، ويستدعي لها المعبرين ليأولوها له، وكان يضع خططه وفقاً لهذا التأويل:
((وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ، قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعَالِمِينَ، وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ، يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ، قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)) يوسف:43-49،
وبالفعل اقتنغ هذا الملك بتفسير يوسف، وعيّنه في إدارة شؤون الخزينة والتخطيط الاقتصادي.
وأما عن عامة الناس فيخبرنا القرآن عن رؤى صاحبي يوسف في السجن، فيقول:
((وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) (يوسف:36-37)
ثم أوّلها لهما يوسف بقوله: ((يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ)) يوسف:41.
وقد شكّلت هذه الرؤى المنامية معضلة كبيرة جداً في التفكير، فهي كثيراً ما تسيطر على وجدانه، وتورثه القلق والأرق، وتدفع به إلى اتخاذ قرارت بعيدة عن هداية العقل ومنهج التفكير السليم،
ولذلك جاء القرآن لعلاجها، وقبل الشروع في الحديث عن هذا العلاج يجدر بنا أن نعطي ملخصاً عن أنواع هذه الأحلام.
تأتي الأحلام والرؤى المنامية على ضروب كثيرة جداً:
1. أضغاث أحلام:
وهو الغالب على ما يراه الإنسان،
وذلك أنه وهو يسعى في الحياة أثناء يقظته، يباشر الأمور بوعيه الكامل، ويتصرف بدافع تفكيره الذي يسيطر عليه، ولكن عندما ينام، تنام كثير من حواسه، ومن ذلك أيضاً تنعدم سيطرته على تفكيره،
فيأخذ الذهن الإنساني في الجولان باسترداد كثير مما عاينه في يقظته، ولأنه لا يسيطر على عقله وهو نائم، فإن الأمور تتداخل مع بعضها البعض، فتتضخم أمور بسيطة في يقظته، وتضمر أمور مهمة.
مثلاً: لو حدث أن زرتُ شخصاً في اليقظة، وسلّمت عليه، وانتبهتُ لما يقول، وسرد بعض القضايا التي يمكن أن أستفيد منها في حياتي، وفي أثناء حديث هذا الشخص دخل طفل صغير إلى المجلس بسرعة، وخرج فوراً.
فعندما أنام يمكن أن أرى هذا الشخص خطفة سريعة جداً بحيث لا تلفت الانتباه، بينما يسيطر على حلمي ذلك الطفل، وأراه وقد جرت له أحداث كبيرة، وتتداخل مع هذه الأحداث قضايا قديمة، وأشياء لا أتذكر حدوثها لي في اليقظة... وهكذا.
وأضغاث الأحلام أمور لا يمكن أن يمسك منها بشيء، فهي أشبه بالخيال الذي يرد في الأساطير، أو تلك الخيالات التي يتغنى بها الشعراء، ولذلك وصف الكافرون القرآنَ بأنه أضغاث أحلام وترنيمات شاعر،
فـ((قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ)) الانبياء:5.
2. انعكاس للبيئة المحيطة بالإنسان:
وذلك أن الإنسان عندما ينام لا تذهب حواسه كلية، بل تبقى قادرة على استقبال الأحوال المحيطة بالنائم إلى حدِ ما.
مثال على ذلك:
عندما ينام الإنسان قد يرى نفسه في نومه أنه موجود في منطقة ثلجية، ويأخذ في مصارعة الثلج، وفجأة يأخذ الثلج في الإنهيار، ويصدر في أثناء إنهياره صوتاً قوياً جداً.
وكل هذا ليس أكثر من انعكاس للبيئة التي ينام فيها،
فهو ينام تحت جهاز تكييف برّد المكان بشدة أثر عليه، فرآه على هيئة برودة قارسة،
وأما بياض الثلج فلأنه لم يغلق الإضاة فتسربت آثارها إلى عينيه،
وأما الصوت الهادر فليس أكثر من صوت جهز التكييف أو منبه اليقظة أو رنين الهاتف.
3. استدعاء الماضي القريب أو البعيد:
تميّز الإنسان بخاصية النسيان، حتى يستطيع أن يتجاوز الكثير من الآلام والمنغصات،
ولكن في عقله الباطن أو ذاكرته الخلفية لا ينسى هذه الأمور، وإنما يتم خزنها في هذه الذاكرة،
وعندما ينام يبدأ في استدعاء ما حدث له، وقد يستدعي أموراً حدثت له حال طفولته، وتتداخل الأحداث في المنام، فيرى أموراً حدثت له في مراحل زمنية متباعدة كأنها حدثت متسلسة متتابعة،
أي يعيد الذهن حال نوم الإنسان إخراج لقطات وقائع الحياة في فيلم سينمائي جديد على الرائي.
4. انعكاس حالة الإنسان النفسية وذلك :
أن الإنسان يجوع ويمرض ويفرح ويحزن وهكذا يتقلب في حالات نفسية كثيرة جداً،
وإذا بهذه الحالات تنعكس عليه وتأتيه مختلطة في حال نومه.
5. ما يشير إلى حركة الإنسان:
ونقصد بذلك أن الإنسان يرى أموراً يقع فيها ما يشير إلى حدوثها في المستقبل، وهذه تأتي على ضروب أيضاً:
- فمنها ما يأتي بإشارات خفية يحسها الإنسان ولا يعرف حقيقتها إلا عند وقوعها.
- ومنها ما لا يحسها ولكن تتكشف له بعد وقوعها.
- ومنها ما يأتي صريحاً.
- ومنها ما يأتي رمزاً.
وهذه الأمور واقعة حاصلة للإنسان، وما من أحد إلا وقد وقع له البعض من ذلك، وهذا ما يجعل الإنسان غير قادر أن يتخلص من أحلامه ورؤاه.
وحتى الآن –على حد علمنا– لم يجد العلم الحديث لها تفسيراً حاسماً، مع أنه قطع شوطاً كبيراً في تفسير حدوث أصناف كثيرة من الأحلام.
يتبع.....
السهم المسدد
29/08/2006, 03:04 PM
(55) القرآن وموقفه من الخرافة (5-5)؛ الأحلام (الحلقة الثانية):
2. والقرآن في علاجه لظاهرة الأحلام المنامية هذه خطا خطوة مهمة جداً،
حيث قام بتحييدها ومنع من تأويلها، حتى لا تدخل في المخطط الإنساني في الحياة؛ سواء كان مخططاً فورياً يومياً، أو مخططاً آجلاً بعيد المدى، وكذلك حتى لا تنغص عليه نفسيته، وتورثه الاضطرابات النفسية والعصبية.
والمنع من التأويل يعني عدم الركون إليها، وعدم تأويلها من قبل الناس لأنهم لن يتكلموا عنها بمنهج علمي صحيح،
وجعل القدرة على تأويلها من حق الله الذي يلقيه إلى المبلغين عنه، فها هو يوسف بن يعقوب يرجع تأويله لها إلى تعليم الله له،
أي أن التأويل يجب أن يرجع إلى "المحرك الأول" الذي يحرك –حقيقةً– كل المحركات التالية، وفي المقام نفسه نفى خرافة الشرك،
وما كل ذلك إلا ليقوم بغلق باب الاعتماد على التأويلات الساذجة للأحلام القائمة على الخرص والتخمين:
((وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ،
قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ،
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ،
يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ،
مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ،
يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ)) يوسف:36-41.
إذن الإنسان ليس من حقه أن يفسر الأحلام بدون أن يأتيه علم تأويلها من الله وحده، وإلا سيقع في بؤرة الخرافة،
وعلى ذلك يتضح خطأ مسلك أولئك الذين نصبوا أنفسهم مفسرين للأحلام والرؤى المنامية، لأنه لا علم لهم بذلك، إن هم إلا يخرصون.
وبذلك نرى خطورة تصديق تلك الكتب التي تسمى بتفسير الأحلام كالكتاب المنسوب إلى ابن سيرين، ومواقع تفسير الأحلام عبر شبكة الأنترنت،
فما هؤلاء إلا راجمون بالغيب، ما لهم به من علم ولا سلطان مبين، وإن هم إلا يخرصون.
فهل بعد هذا الغلق المحكم للخرافة التي تلج من باب الأحلام والرؤى المنامية؛ يجوز عقلاً أن نصف القرآن بأنه أسطورة؟.
ومهما قلنا في الأحلام فقد نفى القرآن أن يكون من جنسها، بل هو حقائق قائمة في الوجود.
ولا يكتفي القرآن أن ينفي عن نفسه الأحلام التي هي إحدى منافذ الخرافة التي اتهمه بها المكذبون عندما:
((قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) (الانبياء:5)،
بل أقام العقل حجة عليهم فقال:
((مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ،
وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ،
وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ،
ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ،
لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (الانبياء:6-10).
يتبع...
السهم المسدد
02/09/2006, 08:54 AM
(56) القرآن ينفي الظنون ويثبت العلم:
هل اكتفى القرآن بنفي الخرافة والأسطورة وأخواتها؟،
لا؛ بل سدّ كل منافذ الظن، وأقام العلم والبرهان حجة دونهما،
ولا نريد أن نطيل الكلام في ذلك، بل نترك القرآن يتكلم بنفسه:
1.((وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)) (الجاثـية:24)
2. ((وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ )) (النساء:157).
3. ((وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)) (الأنعام:116)
4. ((قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ)) (الأنعام:148)
5. ((وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ)) (يونس:36)
6. ((أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)) (يونس:66)
7. ((إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى)) (النجم:23)
8. ((وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)) (النجم:28)
9. ((وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)) (الاسراء:36)
10. ((قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) (البقرة:111).
11. ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً)) (النساء:174)
12. ((قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ)) (الانبياء:24)
13. ((أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) (النمل:64)
14. ((قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)) (الأعراف:33)
15. ((قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ)) (الأعراف:71)
16. ((قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)) (يونس:68).
17. ((مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)) (يوسف:40)
18. ((هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً)) (الكهف:15).
19. ((وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ)) (الحج:71).
20. ((الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ)) (غافر:35)
21. ((إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)) (غافر:56)
22. ((أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)) (الطور:38).
فهل بعد كل هذا يمكن أن ينعت الإسلام بأنه دين قائم على الأسطورة؟
ونحن لا نثرّب على من يقول ذلك من أول مرة!، فلعله لم يقرأ القرآن في حياته،
ولذلك ندعوه صادقين أن يقرأ هذا الكتاب بعيداً عن النقل غير الممخوض فلسفياً، والمردود عقلياً،
راجين له أن يجد حقائق العقل ماثلة بين يديه في هذا الكتاب المبين.
يتبع....
السهم المسدد
02/09/2006, 08:58 AM
(57) قصة بداية الخلق في القرآن:
وقد ضرب كاتب المقال الرواحي على "أسطورية" الدين بقصة الخلق الأولى؛ فقال:
(فالأسطورة إلى جانب امتلاكها لصفات ذاتية داخلية، تتصف بأنها من الأدب الرفيع، فهي تتحدث عن آليات الخلق الأولى، وعن كيفية وأسباب نشوء الثنائية الكونية الأزلية: الخير والشر، فهي لا تكتفي بأنها تتحدث عن بعض الأحداث، بل أنها مصدر لرؤية جديدة ومختلفة للكون، ولأسباب نشوئه.
لذلك لا يخلو أي دين من بناء أسطوري، يضعه فـي مكانة عالية ورفيعة غير قابلة للمحاكاة والاتيان بمثلها، حتى وإن تعددت المسميات وتباينت الرؤى حول هذا النوع من الحكايات والقصص التي تحكي لنا عن تواريخ ماضية وأحداث سابقة).
والآن بعد كل هذا المخض الفلسفي العقلي لا نريد أن نزيد شيئاً في مناقشة كلام الكاتب هذا،
فقد بيّنا بما فيه الكفاية أنه لا يصمد فلسفياً،
ولكن دعونا نقرأ قصة بداية الخلق من القرآن، ولنحكم بعدها؛ هل يوجد نفي للعقل فيها؟
مع استحضار أن هناك حلقات علمية في قصة الخلق لم تكتمل بعد في البناء العقلي الإنساني، إلا أن عدم الاكتمال شيء، ومنافاة العقل شيء آخر،
فالقضية الأول توجه تبعتها إلى العقل ذاته، والقضية الثانية هي التي تعود بالنقض على الدين إن وجدت،
ولكن لننظر في القرآن أولاً، ثم نحكم:
1. الدعوة إلى الدراسة الحضارية والبحث العلمي في بداية قصة الخلق:
((قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) (العنكبوت:20)
((قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)) (يونس:34)
2. الإنسان خلق وفقاً لقانون التطور الكوني:
((وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً، أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً، وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً)) (نوح:14-17)
3. الوحدة الأولى للخلق بما فيها الإنسان:
((وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) (النور:45)
((وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ)) (الانبياء:30)
((وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (الجاثـية:4)
4. من مراحل خلق الإنسان:
((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ)) (الروم:20)
((الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْأِنْسَانِ مِنْ طِينٍ)) (السجدة:7)
((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ)) (الأنعام:2)
((وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ)) (المؤمنون:12-13)
((فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ)) (الصافات:11)
((خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ)) (الرحمن:14)
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) (الحج:5)
((وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (فاطر:11)
((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمّىً وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (غافر:67)
6. تكريم الإنسان بحرية الاختيار بين نوازع الخير ونوازع الشر:
((وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ، وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ، وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ، فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ، قَالَ يَا إِبلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ، قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ)) (الحجر:26-33)
((وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)) (الأعراف:11-12).
7. التطور الاجتماعي الإنساني:
((يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)) (الأعراف:27).
((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)) (الاسراء:70).
هذه بعض الآيات الواردة في قصة خلق الإنسان.
ولنا أن نسأل أي علماني وغير العلماني؛ هل أتى العلم بشيء غير هذا، فضلاً عن أن يكون ناقضاً له؟.
ولا ندري لعل بعضهم استكثر مسألة سجود الملائكة لآدم وامتناع إبليس،
ومع ما في هذه القصة من دلالات عميقة ومهمة في فهم النفس الإنسانية، التي غالباً ما يتخطاها العلماني،
فإننا نقول:
إن غياب حلقة من حلقات الفهم لا تعني أبداً رفض الحدث،
وهذا أمر أصبح واضحاً بعد أن قطعت الإنسانية شوطاً كبيراً في العلم، وبعد أن ولى القرن التاسع عشر الميلادي الذي يعطي الكشوفات صفة القطع الحاسم، وبعد أن مررنا بالقرن العشرين الذي وضع النسبية العلمية، وأحيى مذهب الشك العلمي الذي كان سائداً في القرون الثلاثة (16 و17 و18م).
نقول ذلك؛ خاصة أن العلم لم يأتِ بنقض ذلك، وإنما يفتح المجال واسعاً أمام آفاق مستقبلية جديدة من الاكتشاف الذي يرينا الآيات في أنفسنا وفي الآفاق.
يتبع.....
السهم المسدد
02/09/2006, 09:03 AM
(58) المعجزة في القرآن (1-12):
فهم "المعجزة" مشكلة المتدين والمتعلمن على حد سواء:
"المعجزة" في القرآن؛ يتكئ عليها المتدين والمتعلمن على حدٍّ سواء في القول بأن الدين يفسر الكون بأسلوب أسطوري.
أما المتدين فهو على قسمين:
قسم: تشكّل بعقل سلفي أسطوري،
ويرى –شعورياً أو لاشعورياً– في نزع الأسطورة من تفكيره نزعاً لعقله السلفي،
والخلف عنده دائماً تبعاً للسلف، وبالتالي نزع لكينونة عقله القائمة فيه.
وقسم آخر: ركّب فهم دينه على الخرافة،
ويجد "المعجزة" التي ذكرها القرآن سنداً له، فهو يرى في نزع الأسطورة عن تفسير الكون نزعاً لقواعد تدينه.
أما المتعلمن؛ فهو على قسمين أيضاً:
قسم سلفي: لا يرى إلا ما يراه أسلافه العلمانيون،
وقد قال أسلافه: إن الدين قائم على الأسطورة.
فهو ينزع منزعهم، فعقله أخٌ لعقل المتدين السلفي.
وقسم آخر: مؤدلج عقدياً؛
يرى في مغالطته بين حقيقة الدين وفهم المتدين اللبنة التي تطيح بالدين وتقيم معتقده العلماني،
وأن التخلي عن هذه المغالطة سيؤدي إلى إضعاف العلمانية أمام الدين،
وهذا عقله أيضاَ أخٌ لعقل القسم الثاني من العقل المتدين.
وفي رأينا لا يفترق في هذه القضية عقل المتعلمن عن عقل المتدين إلا في الشكل دون الجوهر،
ففحين يعتبر المتدين "أسطورية" تفسيره للدين أمراً إيجابياً، يعتبره المتعلمن أمراً سلبياً،
وكلاهما -في نظرنا- بعيدان عن حقيقة الدين ومقاصده.
ولذلك يستلزمنا الأمر أن نقوم بتفكيك "المعجزة" والنظر إليها من الداخل، في ضوءٍ من الرؤية العلمية والفلسفية والمنطق القرآني ذاته،
وعلينا أيضاً أن نحرر عقلنا من كثير من الأطر الكلاسيكية التي تهيمن على تفكيرنا؛ سواء على المستوى المتدين أو المتعلمن،
وعلينا أن نغوص في عمق خاصية الاتساع القرآنية لنصيد لآلئ المعاني المتجددة؛
ألم يقل القرآن نفسه عن خاصية اتساعه هذه:
((وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) (لقمان:27).
((قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً)) (الكهف:109).
وهي خاصية سنطرقها لاحقاً؛ ولو طرقاً خفيفاً بما يتسع به المجال ويستلزمه المقال.
يتبع.....
السهم المسدد
02/09/2006, 09:11 AM
(59) المعجزة في القرآن (2-12):
الآية المعتادة:
بداية نقول:
إن مصطلح المعجزة لم يرد في نصوص القرآن، وإنما وردت لفظة "سنة الله" ولفظة "آية الله" للتعبير عن "السنن التشريعية" و"السنن الكونية".
والآية التي ذكرها القرآن على أضرب، وما يهمنا هنا هما ضربان:
- ضرب معتاد وقوعه؛ وهو السنن والشرائع الكونية:
((الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ،
هوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ
ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ، هُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ
وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ،
مَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ)) (الأنعام:1-4).
((خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ،
خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ،
وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ، وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ،
وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً
وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ،
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ،
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ،
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ،
وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ،
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ،
وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ،
أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ،
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ،
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)) (النحل:3-21).
((وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ
فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ
وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً
لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً)) (الاسراء:12).
((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ
وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا
وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ
وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ
وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ
لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)) (البقرة:164)
((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ)) آل عمران:190.
((وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ،
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ
قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ،
وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ
فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً
وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ
وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ
انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ
إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) (الأنعام:97-99).
((يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً
وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ
ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)) (الأعراف:26).
((هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً
وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ
لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ
مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ،
إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ)) (يونس:5-6).
((إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ
فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ
حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ
وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا
أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) (يونس:24)
((اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ
وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
يُفَصِّلُ الْآياتِ
لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ،
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً
وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ،
وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ
وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ
وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)) (الرعد:2-4).
وهذا الضرب من الآيات كثير جداً وروده في القرآن،
وتم التعويل عليه في إقامة الحجة على الناس في بيان الحق.
يتبع.....
السهم المسدد
02/09/2006, 09:15 AM
(60) المعجزة في القرآن (3-12):
الآية غير المعتادة:
الضرب الثاني من الآيات هو الآية غير المعتاد وقوعها؛
وتختلف في ظاهرها عن السنن والشرائع الكونية المعتادة:
((أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا
قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا
فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ
ثُمَّ بَعَثَهُ
قَالَ كَمْ لَبِثْتَ
قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ
فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ
وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ
وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ
وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ
قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة:259)
((قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ،
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ،
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ)) (الأعراف:106-108).
((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ
فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً
فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ،
فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ
وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ) (العنكبوت:14-15)
((فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ
لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ)) (يونس:92).
ولم تأت الآية غير المعتادة إلا لغة لخطاب المشركين الخرافيين، ومع ذلك أعرضوا عنها،
أما المؤمنون فقد كفتهم السنن الاعتيادية.
فالآية غير المعتادة ليست قاعدة،
وإنما هي استثناء محدود جداً في ظل سياقاته الاجتماعية،
فنستطيع أن نقول:
إن الآية غير المعتادة هي ليست لغة الحجة، وإنما هي لغة تفنيد الشبهة.
ففلسفياً؛ هي لغة نقض وليست إشادة.
كما أنها لا تخالف قانون السببية، ولا تخرج مبتدأ عن الجواز العقلي.
وهذا ما سنعرض له لاحقاً.
يتبع...
السهم المسدد
02/09/2006, 09:21 AM
(61) المعجزة (4-12):
بين نوعي الآيات:
القرآن يسمي كلا النوعين –المعتاد وغير المعتاد– آية وآيات،
ومعنى الآية العلامة الدالة على قدرة الله في إيجاد الكون وتحريكه ورعايته،
فالآيات المعتادة أقامها الله حجة على كل الناس،
وأما الآيات غير المعتادة فقد أقامها نقضاً لشبه المشركين المعاندين وحدهم،
وفي ذلك سبب نأتيه لاحقاً.
والآيات المعتادة ليست أقل شأناً من الآيات غير المعتادة،
بل في مجال المخض الفلسفي؛ نجد أن الآيات المعتادة هي أعظم شأناً وأخطر قدراً من غير المعتادة،
لأن المعتادة تحصل باستمرار من بداية الوجود وإلى نهايته، وهي حاسمة غير قابلة للتأويل،
في حين أن غير المعتادة لا تحدث إلا مرة واحدة فحسب؛ وهي مع ذلك قد يلحقها التأويل.
فما هو الأعظم والأعجب والأكثر مدعاة للتفكر؛
الذي يحدث مرة ويولي،
أم ما يتكرر حدوثه ولا ينخرم ناموسه؟.
((الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ)) (الملك:3-4).
وأما أن القرآن سمى هذه الأحداث غير المعتادة بالآيات دون المعجزات؛ ففي تقديرنا أن "المعجزة" هي التي يعجز الناس عن الأتيان بها، ولا تحمل أي مضمون فلسفي آخر.
أما الآية فإنها:
- تعني العلامة الدالة على قدرة الله.
- وتدل على امتداد أثرها إلى أمد بعيد غير محدود،
((وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ)) (الانبياء:91)
- وهي لا تعني بحال عدم معرفة "سر" وقوعها،
((فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ)) (يونس:92).
- كما أن في الآية حفزاً للعقل الإنساني لاكتشاف القانون الذي يحركها، بعكس كلمة معجزة التي تعني التيئيس المطلق من الوقوع.
- والأهم من ذلك أنه سوف تتكشف إمكانية وقوع الآيات غير المعتادة كما يتكشف وقوع الآيات المعتادة،
ألا ترى أن القرآن سمى النوعين آيات،
وأنهما في الحقيقة لا يختلفان عن بعضهما البعض،
وأن الاختلاف –مع حقيقة وقوعه– ظاهري فقط،
أي أن القانون السببي تمظهر بأكثر من مظهر،
بعكس السحر الذي لا حقيقة داخلية له مطلقاً، فهو منبت عن القانون السببي، وهو خداع ومكر،
وهذا فارق جوهري يجب أن يفطن له فلسفياً.
وأخبرنا القرآن عن انكشاف الآيات مستقبلاً؛ دون تمييز بين معتاد وغير معتاد:
((سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)) (فصلت:53).
ولذلك مع عنونتنا هذا المبحث باسم المعجزة لأجل مقام الموضوع المطروح إلا أننا لن نستعملها في مفردات حديثنا عنها.
يتبع...
السهم المسدد
02/09/2006, 09:26 AM
(62) المعجزة (5-12):
أشراك في طريق فهم الآية غير المعتادة:
وفي ميزان مخض هذا الصنف من الآيات غير المعتادة فلسفياً يتحتم علينا أن ننتبه إلى مجموعة أشراك قد يقع فيها قارئ الآية،
من ذلك:
- الشَرَك التأويلي الذي ينصبه التراكم التأريخي لقارئ الآية:
مثاله:
ما تَصَوره بعض المفسرين من ابتلاع الحوت ليونس، وأنه دخل بطنه ثم لفظه بعد ذلك؛ أخذاً لغوياً من الآيات:
((وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ، فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ، فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ)) (الصافات:139-145).
((وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ)) (الانبياء:87-88)
((فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ، لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ، فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ)) (القلم:48-50).
فالقرآن لا يقول؛ لا من بعيد ولا من قريب:
إن الحوت قد ابتلع يونس ثم فلحه.
بل يبيّن أن الحوت التقمه، والالتقام هو الوقوع في الفم أو الإمساك به،
ولذلك يطرح القرآن إمكانين لمصير يونس:
- إمكان الابتلاع واللبث في البطن دون خروج، أي أن الحوت يأكله،
((لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)).
- وإمكان النبذ والإلقاء واللفظ:
((لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ)).
ولأنه مؤمن فقد اختار الله له النبذ والاجتباء.
ولكن لما سبق إلى العقل تأويل تأريخي قادم من الإسرائيليات، وقع في هذه المصيدة التأويلية، وقال بابتلاع الحوت ليونس ثم فلحه إياه.
وأما التقام الحوت للإنسان بفمه ثم دفعه إلى البر فليس مما هو مستنكر عادة،
وإنما جعله الله عبرة للعالمين في سياقه التأريخي بالنسبة ليونس.
- الشَرَك اللغوي البياني الذي يمكن أن يقع فيه قارئ الآية:
مثاله:
ما وقع فيه بعض المفسرين من ذهابهم بأن نجاة بدن الفرعون في الآية:
((فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ)) (يونس:92)،
بأن التنجية مأخوذة من النجي وهو الرفع في ربوة من المكان،
وقالوا:
بأنه لما لفظ البحر فرعون ألقاه في ربوة، وأن الناس المقصودين في الآية هم بنو إسرائيل،
مع أن الآية لا ترتبط بلفظ البحر للفرعون، ولا برفعه في بقعة رابية،
وأن هذه الآية التي ظهرت للعالمين، لا تخرج أبداً عن ناموس السببية،
ولكن عدم فهم المفسرين للتأويل الحقيقي للآية، ووقوعهم في شَرَك اللغة، أسقطهم في هذا المكمن.
- الشَرَك العقلي الفلسفي الذي قد لا يتبيّنه قارئ الآية:
ومثاله:
ما حاوله الملك مع إبراهيم بن آزر، كما روى ذلك القرآن:
((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) (البقرة:258)
فقد حاول هذا الملك أن يمارس مع إبراهيم خداعاً عقلياً لولا فطنة إبراهيم بن آزر.
- شَرَك السياق الاجتماعي الذي لا يعيه قارئ الآية:
لا ريب قد حصلت تغيّرات بيئية في الكون، وكذلك تغيّرات اجتماعية، كلها أثرت على الحركة الاجتماعية للإنسان في الحياة،
ولكن لتقادم الأزمنة خرجت عن الاستحضار العقلي الآني،
ولذلك فالإنسان يقرأها بعقل غير ذلك العقل الذي وجدت في بيئته،
فمثلاً القصة الواردة في سورة الفيل:
((أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ،
أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ،
وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ،
تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ،
فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ))،
فقد حاول المفسرون؛ منذ الطبري والقرطبي ومن سبقهما؛ إلى محمد عبده ورشيد رضا ومن لحقهما، أن يفسروا هذه السورة بسياقاتهم الاجتماعية التي تهيمن على عقلهم،
فجاءت تفاسيرهم تحمل غرائب التأويل،
ولو انتبهنا إلى أن كل ما طار فهو طير، وقرأنا أيضاً هذه السورة في ظل الآيات التالية؛ لربما زال عنا الكثير من الإشكال:
((قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ، فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ، مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ)) (هود:81-83).
((فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ، فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ)) (الحجر:73-74).
ولا نريد هنا أن نقدم تأويلاً نهائياً لهذه الآيات،
وإنما قصدنا أن نشير إلى أن هناك حاجباً اجتماعياً قد يجنح بالمفسر إلى التأويل الذي لا يقصده القرآن، فيقع في مصيدة التفسير الواهم الذي يبعده عن السببية المعهودة.
يتبع....
السهم المسدد
02/09/2006, 01:30 PM
(63) المعجزة (6-12):
لغة القرآن في قراءة الآية غير المعتادة:
ويلزمنا هنا التوضيح أن القرآن وهو يسوق لنا هذا الصنف من الآيات لا يقصد إثبات غرابتها، وإنما يقصد الهداية الحاصلة من ورائها للناس،
وعلى ذلك علينا أن لا نتشبث بتأويل سلفي بمقدار أن نبحث عن العبرة والعظة في الآية.
وهذا يلزمنا أن نعرف لغة القرآن الخاصة به،
ويجب أيضاً أن نتجاوز كل الأشراك الحاجبة للعقل عن الوصول إلى هدايته.
ومما تتميز به لغة القرآن:
- نسبة كل ما يحصل في هذا الكون إلى الله؛ أي إلى "المحرك الأول"،
وهذه النسبة ضرورية ولازمة في القانون السببي، وقد تكلمنا عنها سابقاً،
والنسبة إلى الله لا تلزم حدوث الشيء بصفة غير اعتيادية:
((وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ)) إبراهيم:32.
((خَلَقَ الْأِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)) (الرحمن:3-4)
((يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)) (الأعراف:26)
((لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)) (الحديد:25)
وهذه لغة القرآن المعتمدة من أوله إلى آخره،
فإذا قرأنا فيه:
((فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)) (آل عمران:37)
فإضافة الرزق هنا إلى الله لا تعني أن الرزق يأتي إلى مريم بنت عمران بطريق غير معهود.
- القرآن يستثمر الوقائع الكونية التي أبادت الأمم السالفة في ترسيخ مفهوم الطاعة لله وخطورة معصيته،
فإذا أخبرنا القرآن أن الله أهلك قوماً بصاعقة أو زلزلة أو طوفان، فإنه بذلك يحدد صراحة أنه لا مجال لتلك المثيولوجيا الوثنية التي تروى في كتب الأولين، وأن الإهلاك لم يحدث إلا بما هو قائم في الكون وفق نواميس الله العاملة في خلقه:
((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ)) (العنكبوت:14)
((فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ)) (الأعراف:78)
- القرآن في لغته يطوي الأزمنة والأمكنة،
فيجب أن ينتبه قارئ الآية إلى ذلك حتى لا يذهب عقله بعيداً عن السياق التأريخي،
فقد جعل القرآن نبوة عيسى بن مريم علماً للساعة:
((وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)) (الزخرف:61).
واليومُ في الطي الزمني الكوني عند الله قد يصل إلى ألف سنة عندنا:
((وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)) (الحج:47) .
ومن أراد أن يتبين بجلاء طي الأمكنة والأزمنة في القرآن فعليه بقراءة سورة يوسف.
- القرآن له لغته الخاصة به في العدد:
((إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ)) (الأعراف:54)
((وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) (لقمان:27)
((هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) (البقرة:29)
((مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)) (البقرة:261)
((وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ)) (المؤمنون:17)
((اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً)) (الطلاق:12)
ليس هدفنا هنا استقراء جميع أوجه لغة القرآن؛ فما أكثرها،
وإنما ضربنا لذلك أمثلة، حتى يتبيّن لنا أن ما قد نراه خارجاً عن القانون الاعتيادي في كثير من الآيات، ليس ذلك راجعاً إلا إلى عدم وعينا بقراءة لغة القرآن.
ولغة القرآن أمر بحث في مجال الجدل العقدي في علم الكلام كثيراً،
وقد برع الكلاميون فيه كثيراً فيما يتعلق بالذت الإلهية وشؤون اليوم الآخر، ووجد علم المحكم والمتشابهة،
لكن في مجال حركة نواميس الحياة الدنيا لم تقرأ لغة القرآن بعد بالحجم المطلوب،
ولذلك ندعو إلى علم كلام جديد يقرأ لغة القرآن بما يتعلق بهذه الحياة،
فالقرآن أولاً جاء لحياتنا هذه، وما يترتب على فعلنا فيها ينتقل إلى الآخرة،
فمباحث الدنيا لا تقل أبداً أهمية عن مباحث الآخرة.
فيجب علينا كما نهتم بعالم الغيب أن نهتم بدراسة عالم الشهادة والبحث فيه.
ولا ننسَ أيضاً المباحث اللغوية القرآنية التي قدمها الفقهاء في مجال استنباط الأحكام الشعائرية والقانونية،
وهذا يستدعينا أن نواصل قراءة لغة القرآن في جانب السنن الكونية، وهو علم قائم بذاته، إلا أنه لم يخدم بعد إلا قليلاً، ولم تقدم فيه إلا دراسات محدودة جداً.
يتبع....
السهم المسدد
02/09/2006, 01:39 PM
(64) المعجزة (7-12):
القطع والتأويل في معنى الآية غير المعتادة:
وعلى ذلك فمن يريد أن يقرأ الآيات التي ساقها القرآن أن يفقه لغته الخاصة به،
وأن لا ينزلها القارئ حسب سياقاته الاجتماعية الآنية،
وأن لا يكون أيضاً محملاً بتأويلات سلفية تجنح به بعيداً عن الواقع المعقول،
وأن يكون منتبهاً للأشراك التي تحول بينه وبين الحقيقة.
والتأويل يمنحنا مقداراً هائلاً من السعة لقراءة عاقلة للقرآن، وذلك لأن القرآن يتسم بما أسميناه بخاصية الاتساع.
والاتساع في القرآن كثير جداً لا يحصى،
والمقصود بالاتساع هو أن الكلمة القرآنية أو الجملة أو الآية تتسع لأكثر من معنى في نفس الوقت، مما يجعلها أكثر شمولاً، وصالحة لكل زمان ومكان، ومتوائمة مع طبيعة تغيّر الفهم الإنساني.
ولنأخذ على ذلك مثالاً واحداً من القرآن:
((وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا)) البقرة:31،
ما هي هذه الاسماء؟
وما طبيعة هذا التعلم؟
المجال مفتوح للعقل الإنساني ليحلل عبر هذه اللفظة الشخصية الإنسانية وطبيعتها، وبإمكان القارئ للقرآن أن يستنبط العديد من المعاني الإنسانية، وأن يعالج بها النفس البشرية.
والاتساع هو من خصائص النص القرآني الذي يمد القارئ بمعاني لا نهائية تستوعب المتغيرات الحضارية.
وخاصية الاتساع القرآني هذه قد تكلم عنها أستاذنا الفذّ المستشار عبدالجواد ياسين في كتابه "السلطة في الإسلام" تحت مسمى خاصية "الاكتناز"، وقد أبدع في عرضها،
إلا أننا آثرنا مصطلح "الاتساع" لما يوحي به من التمدد اللانهائي لمعاني كلمات القرآن:
((وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) (لقمان:27).
((قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً)) (الكهف:109).
في حين أننا نرى أن إيحاء كلمة "الاكتناز" يدل على المحدودية والانكماش.
وعلى ذلك فعلينا أن لا نحكم على الآية بأنها غير معتادة، حتى يتحقق الآتي:
- مجئ الخبر المقطوع بتواتره أن الآية قد حدثت، فلو دخلت نسبة ضئيلة من الظن فلا تقبل، فوقائع الكون المقطوع بها مقدمة على أي ظن، ولو كان ضئيلاً جداً،
وعلى ذلك فلا نقبل الآية إلا من القرآن وحده.
- أن نفقه لغة القرآن الخاصة به.
- أن نتجاوز الأشَرَاك الحاجبة عن الوصول إلى الحقيقة.
- أن لا تقبل الآية التأويل أبداً، فإن قبلته فيجب الذهاب إليه، دون الوقوف عند التفسير الذي لا يتسق مع العادة الجارية في الكون.
ومثال ذلك:
ما نجده في كثير من كتب التفسير من حمل عدم إحراق النار لإبراهيم مع رميه فيها، حسب تفاسيرهم،
ولكن دعونا ننظر في هذه القضية حسب منطق القرآن نفسه:
((فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) العنكبوت:24.
((قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ، قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ، وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ)) الأنبياء:68-71.
فالقرآن لا يقول لنا إن إبراهيم رُمي في النار،
وإنما هنالك محاولة من قومه الكافرين به بقتله أو حرقه بالنار،
وقد اختاروا تحريقه بالنار، فجعلها الله برداً وسلاماً على إبراهيم،
وجعلُ النارِ برداً وسلاماً عليه لا يستلزم دخوله فيها، بل أن الله أنجاه منها فلم تلفحه أبداً،
وهذا أسلوب قرآني معهود، وهو من أساليب التيئيس،
أي أنكم فشلتم في حرق إبراهيم، فلم يصبه منها إلا البرد والسلام.
وهذا مثل قوله:
((يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ)) الرحمن:33،
فليس فيه دعوة إلى محاولة النفاذ، وإنما هو تيئيس منه.
وكذلك تنجيته من النار لا تعني دخوله فيها، بل النجاة من الشيء عدم الولوج فيه، فقد جاء في القرآن:
((فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً، ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً، ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً، وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً)) مريم:68-72.
والتنجية كما قلنا عدم الولوج في الشيء أصلاً بدليل أن المؤمنين لا يسمعون حسيس جهنم؛ فضلاً عن ولوجها:
((إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ، لَوْ كَانَ هَؤُلاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ، لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ، إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ، لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ، لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ)) الأنبياء:98-103.
فقبول الآية للتأويل يبعدنا أن نقبل لها تفسيراً وفق أمر غير معهود.
يتبع....
السهم المسدد
03/09/2006, 02:44 PM
(65) المعجزة (8-12):
الآية غير المعتادة في سلك السببية:
تكلمنا فيما سبق وقلنا:
إن قانون السببية يستلزم:
- وجود محرك أول.
- الجواز العقلي لوقوع الحادثة.
- وجود محركات خارجية تالية.
- وقوع الحدث "الوجوب العقلي".
ولننظر الآن إلى الآية غير المعتادة بعد أن نأخذ بالحسبان كل ما ذكرناه سابقاً.
ولتكن هذه ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ)) (العنكبوت:14).
سنتجاوز هنا عن كل ما يمكن أن يكون صارفاً عن حقيقة الزمن، هل هو بلغة زماننا أو بلغة أخرى، وندرس هذه الحياة الطويلة بلغة عصرنا.
أولاً: علينا أن نقرر أن القرآن كله لا يعطي البشر أعماراً غير أعمارهم الاعتيادية،
فإذن القرآن لا يصرفنا عن القانون العام،
وإنما نوح وحده من يذكره القرآن أنه عاش هذا العمر الطويل، فهو حالة فريدة،
بدليل أن قومه استنكروا طول عمره، فرد عليهم قائلاً:
((يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ)) (يونس:71)،
فلو كان عمرهم من عمره لما استطولوا مكثه واستثقلوا مقامه بينهم.
وإذ قلنا ذلك فنقول:
- إن وجود الحياة ذاتها آية من الآيات العظيمة، ووجود الإنسان آية أخرى أعظم من سابقتها،
فلماذا نستشكل أن يعيش إنسان "ألف عام"، ولا نستشكل وجوده ذاته، وما ذلك راجع إلا إلى الإلف والعادة، وليس إلى الاستحالة العقلية.
والعادة تختلف بحسب مقام الشيء؛ سواء كان اجتماعياً أو تكوينياً،
فالأكل باليد مباشرة في مجتمعات مستغرب،
في حين الأكل بالأداة هو المستغرب في مجتمعات أخرى،
هذا على المستوى الاجتماعي،
أما على المستوى التكويني؛
فمشي الدجاج على بطنه مستغرب مستبعد،
في حين مشي الثعابين على رجلين مستغرب مستبعد،
مع أن الانتقال من مكان إلى آخر حاصل من الاثنين،
أي أن قانون السببية تمظهر بمظهرين مختلفين شكلاً متفقين جوهراً.
- أعمار الموجودات تختلف؛
فمنها ما يعيش لأجزاء أقل من الثانية، ومنها ما يتجاوز ملايين السنيين،
فإذا جاز هذا فلماذا لا يجوز أن يعيش إنسان ما "ألف عام"، أي أن العقل لا يحيل وجوده، بل يجيزه.
- عمر الإنسان نسبي،
ولنتصور إنساناً يولد ويعيش يوماً واحداً ثم يموت؛ وليكن "زيد"،
وإنساناً يعيش مائة عام؛ وليكن "عمرو"،
وإنساناً يعيش ألف عام؛ وهو "نوح"،
والآن نحلل هذه الأزمان وفق المعادلة التالية:
زيد = 1 يوم.
عمرو = 1 يوم × 360يوم ×100 عام = 36000يوم.
نوح = 1يوم × 360 يوم × 1000 عام = 360000يوم.
فنسبة عمر "زيد" إلى عمر "عمرو" هو 1/36000.
بينما نسبة عمر "عمرو" إلى عمر "نوح" 1/10 فقط.
وعلى هذا؛ وعلى حسب البرهنة الرياضية، فإن مشكلة أن يعيش "عمرو" مقارنة بعمر "زيد" أكبر من مشكلة عمر "نوح" مقارنة بعمر "عمرو"،
ولكن لأن عقلنا اعتاد على النسبة التي بين عمري "زيد" و"عمرو" مع ضخامتها قبلها،
في حين ترفض بعض العقول النسبة بين عمري "عمرو" و"نوح"، وهي ضئيلة جداً مقارنة بأختها.
- وأيضاً الإنسان وهو "محرك تالي" مع إمكاناته المحدودة؛ استطاع أن يحسّن من معدل عمر الناس بصفة مستمرة من 40 سنة إلى 80 سنة تقريباً، أي بنسبة 1/2،
فلماذا نستنكف من قبول أن يحسّن الله وهو "محرك أول" –مع إمكاناته المطلقة– نسبة 1/10 لمرة واحدة،
مع أن الله بإيجاده الإنسان من العدم حرّك النسبة بدرجة لانهائية؛ أي من العدم إلى الوجود،
فأيهما أعظم؛ النسبة اللانهائية أم نسبة 1/10؟.
فإن قال قائل:
ولماذا لم تقبلوا أن يكون الناس في زمن نوح كلهم قد عمِّروا بأعمار نوح أو قريبة منه؟.
قلنا:
ليست المشكلة في تعميرهم، فهذا مما هو جائز عقلاً في ظل قانون السببية لو توفرت حلقة واحدة وهي ثبوت الواقعة قطعاً،
فنحن قبلنا عمر نوح لأنه حدث ذلك قطعاً، فالمخبِر عن ذلك هو الله؛ أي المحرك الأول، فيما جاءنا عنه يقيناً وهو القرآن،
وقد مخضنا القرآن فلسفياً فوجدناه لا يصدر إلا عن الله، أي صدر وجوباً عن الله،
فإذ قام الدليل عقلاً على صدور القرآن من الله ووجب قبوله؛ وجب بنفس القدر قبول وجود ما يذكره.
ولأن العقل حسب المبدأ النظري يجيز أن يعيش الإنسان ألف عام أو أكثر أو أقل، فإنه يصبح هذا الجائز واجباً عقلاً لثبوت وقوعه.
وحتى لا يتوه القارئ في هذه المعمة الفلسفية نرتب القضية حسب الخطوات المنطقية التالية:
1. أن يعيش الإنسان مائة عام جائز عقلاً.
2. رأينا إنساناً يعيش مائة عام؛ إذن أصبح واجباً التسليم به.
3. أن يعيش الإنسان ألف عام جائز عقلاً.
4. القرآن أخبرنا أن نوح عاش ألف عام.
هنا علينا أن نقوم بخطوات فلسفية في حق القرآن، للتحوِّل من الجواز العقلي إلى الوجوب العقلي؛ وهي:
6. القرآن جائز أن يصدر من الله؛ لأن الله وهو "المحرك الأول" صدرت منه الكائنات، وهو أمر أثبتنا وجوبه في قانون السببية.
7. اختبرنا القرآن فوجدناه لا يصدر إلا من الله.
8. إذن؛ وجب علينا عقلاً التسليم بالقرآن أنه من الله.
9. وبالتالي وجب أيضاً أن نأخذ بما يأتي به.
10. إذن؛ القرآن حوَّل الجواز العقلي في عمر نوح إلى واجب التسليم به عقلاً.
وأما أعمار غير نوح فلا تثبت لافتقاد إثبات وقوعها عقلاً،
ولذلك مع جواز إمكان وجودها لم تتحوَّل إلى الوجوب، لأنها خالفت القانون الكوني العام،
ولذلك فيجب رفضها.
ويقال في بقية الآيات غير المعتادة ما قلناه هنا، ولولا خشية الإطالة لأتينا عليها كلها.
وفي نيتنا أن نناقش كل الآيات غير المعتادة التي ورد ذكرها في القرآن وفق المخض الفلسفي الذي يقيم العقل حجة ودليلاً، فعسى أن يكون ذلك قريباً.
يتبع.....
السهم المسدد
04/09/2006, 01:41 PM
(66) المعجزة (9-12):
الآية غير المعتادة والحلقة المفقودة؛ والامتداد المعرفي لها:
قلنا فيما سبق:
إن فقد العقل لفهم حلقة من حلقات السببية لا يقتضي خروج الحادثة عن قانون هذه السببية.
ونذِّكر هنا بظاهرة الثقب الأسود،
كما نذِّكر بالعديد جداً من الظواهر، كالفيروسات؛ فقد كانت قبل فترة غير معروفة، وكذلك الكهرباء، مع أن أثرهما كان قائماً منذ القديم، وربما منذ بداية الخلق.
وهكذا إذا فقدنا فهم حلقة من حلقات الآية غير المعتادة لا يفضي بنا أن نجعلها في دائرة الأسطورة،
ومن عالم الآيات غير المعتادة التي ذكرها القرآن نأخذ مثلاً:
تكليم سليمان للنملة والهدهد،
((حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ، فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ، وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ، لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ، إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ)) النمل:18-24.
فإذا تجاوزنا الأشراك المذكورة، ونظرنا إلى هذه المخلوقات لوجدناها بلغة عصرنا أن لها لغة،
وأصبحت لغات الحيوانات والحشرات داخلة ضمن العلوم الطبيعية،
هذه اللغة قبل برهة من الزمن كانت حلقة مفقودة من الفهم العقلي،
بينما كشفت لنا الدراسات الآن كثيراً من "حروفها الأبجدية"،
وهذا طبعاً يتجاوز الفهم الساذج الذي يجعل من هذه الحيوانات والحشرات تتكلم بكلامنا البشري.
لو قرأنا هذه الآية قراءة حضارية؛ ألم يكن من الممكن أن ينشأ لدينا علم "لغة الحيوانات والحشرات" قبل فترة طويلة، وبذلك نكون قد خدمنا الإنسانية خدمة جليلة؟،
لكن ظللنا نلهث وراء مثيولوجيا الأولين، فوقعنا في بؤرة الخرافة، وأصبح امتدادنا المعرفي متجهاً إلى الخلف الأسطوري، بدلاً من الأمام العلمي الحضاري.
وخذ مثالاً آخر؛
الفزيائيون الآن يتكلمون عن إمكانية نقل المادة من مكان إلى آخر عن طريق تحويلها إلى طاقة، واستعادتها مرة أخرى،
وهي خطوة إلى الآن أشبه بالحلم،
ولكن كثيراً من أبوابها الفيزيائية أصبحت مفتوحة نظرياً، ولا غرابة في تحققها، فكم من الأحلام العلمية أصبحت حقائق قائمة،
وبناء على هذا يكمننا أن نقبل بسهولة أكثر من ذي قبل انتقال عرش ملكة سبأ،
مع فقداننا لفهم بعض الحلقات التي تفسر حصول هذا الحدث؛ خاصة في تلك الأزمنة المتقدمة:
((قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ، قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ، قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)) النمل:38-40.
ونحن لو غضضنا الطرف عن الأشراك المذكورة وكذلك آلة التأويل، ونظرنا إلى هذا الحدث بنصية ظاهرة، لما وجدنا فيه الآن تلك الغرابة التي يمكن أن تكون قبل الفيزياء النسبية والفيزياء الحديثة.
وهنا أيضاً نقول:
إننا ارتددنا إلى الخلف لمّا فهمنا "علم" ((الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ)) بأنه كتابات طلسمية يتم نقل الأشياء بها،
وكأن علم الكتاب هو علم الطلسمات والخزعبلات والخرافات، لا علم البناء الحضاري،
لم نأخذ حقيقة الانتقال، وسعينا إلى فك رموز هذه الآية بالبحث العلمي العقلي،
بل قرأناها بعقل خرافي وهمي،
وقلنا:
إن هذا العلم هو علم الأوفاق والطلسمات.
وأخذنا نكتبها ليل نهار لقرون متعاقبة، فلم ينتقل شيء، بل لم يتزحزح قيد شعرة،
حتى جاء العلم ليقول قوله الصحيح.
وعلى كل حال نجمل القول في ذلك:
طالما أن "المحرك الأول" أخبرنا بالحدث وثبت لدينا خبره، فإن علينا أن نبحث عن الحلقة الفقودة من الفهم، لا أن نردَّ الحدث.
وبهذا نستطيع أن نقول بناءاً على تكشف بعض الآيات غير المعتادة التي ذكرها القرآن، وللوعد الذي وعده الناس بقوله:
((سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)) فصلت:53،
وقوله: ((وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)) النمل:93،
بناءاً على ذلك نستطيع أن نقول:
إن من المأمول في هذه الحياة أن ينجلي غموض فهم الناس لهذه الآية،
فنحن نرى في الآية غير المعتادة امتداداً معرفياً مستقبلياً، يمكن للإنسان أن يقطع أشواطه العلمية فيصل إليه،
فبدلاً من وصم هذه الآيات بالأسطورة يجدر بالعقل الإنساني أن يسعى إلى حل رموزها اللغوية والفلسفية والعلمية والسببية.
وقولنا هذا لا يعني بحال أن الآية تتحقق بنفس ما قامت به أول مرة،
وإنما نقصد أن ما تحقق بالآية غير المعتادة يمكن أن يتحقق بأمر معتاد،
أي أن السببية طالما تمظهرت بمظهر ما –وإن بدا غريباً على العقل– فيمكن أن تتمظهر بمظهر آخر لا يكون غريباً عليه.
على أننا مع كل ذلك نتفهم حركة أدوار التأريخ ولزوم أخذها الزمن الكافي للتطور العقلي والعلمي،
ولكننا ننكر على المتدين أن يظل يعتنق الخرافة ويلصقها بالدين بعد قطع العلم كل هذه الأشواط الحضارية والمعرفية،
وننكر أيضاً على المتعلمن أن يأتي بعد ذلك ولا يفرق بين حقيقة الدين ووهم المتدين.
يتبع.....
السهم المسدد
04/09/2006, 01:52 PM
(67) المعجزة (10-12):
الآية غير المعتادة طلب الخرافيين:
القرآن لم يردّ الناس إلى الآية غير المعتادة،
وإنما كان الكافرون به والمشركون الخرافيون هم من يطلب هذه الآيات،
والقرآن لم يستجب لهم ولا مرة واحدة،
بل كان في كل مرة يردهم إلى السببية الطبيعية.
ولنا هنا أن نستعرض بعض هذه الطلبات:
((وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً، وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً، أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً)) الاسراء:89-93.
((وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)) (البقرة:118) .
((وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ)) (الأنعام:109).
((هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ)) (الأنعام:158).
((وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ)) (العنكبوت:50).
((وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ)) (الأنعام:37).
((وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) (الأعراف:203).
((وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ)) (يونس:20).
((وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)) (الرعد:7).
((وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ)) (الرعد:27).
((الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) آل عمران:183.
((وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ)) (الأنعام:8)
((فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ)) (هود:12)
((وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً، أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً، انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً)) (الفرقان:7-9) .
((وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً)) (الفرقان:21).
ومن العجب أن يتشبث الناس الآن بالخوارق، ويجعلوها من أمر الدين، وهم يتلون القرآن، فهلّا تدبروه ووعوه؟.
يتبع.....
السهم المسدد
05/09/2006, 09:58 AM
(68) المعجزة (11-12):
الآية غير المعتادة جاءت لدحر الخرافة:
قلنا:
إن الخرافة جاءت جواباً لخطاب المشركين الخرافيين. فهم كانوا لا يعرفون إلا لغة الغرائب والأوهام والأساطير،
وهذا أمر كان سائداً في العصور الغابرة، حيث كان السحر والكهانة والأسطورة تسيطر على عقول الناس آنذاك،
وقد تكلمنا في موضوع الخرافة؛ أن بالسحر والكهانة ادعى الملوك الألوهية، واستعبدوا الناس، وجعلوهم سخرياً،
كما أن سدنة الدين آنذاك أكلوا باسم الكهانة المؤصلة للسحر أموال الناس سحتاً،
ولذلك جاءت الآيات غير المعتادة لدحر هذه الخرافات،
وذلك لأن هؤلاء الذين يستغلون السحر والخرافة والكهانة يزعمون أنهم قادرون على السيطرة على مفردات الوجود،
فهم يزعمون أن الأشياء تنفعل لهم،
وأنهم قادرون على تغيير حقائق الأشياء، وأن بالسحر يديرون الكون،
فجاءت هذه الآيات لفضح كل ذلك، وبيان حقيقة أنهم أناس عاديون كسائر الناس،
ولكن لأن الخرافة قد رسخت في أعماق الناس، وتغلغلت في سويداء قلوبهم، وانطوت عليها تلافيف نفوسهم، فقد حالت بينهم وبين رؤية حقائق الأشياء المتمثلة في الآيات الظاهرة البيّنة التي تعمل كل حين في الوجود، ولم يعتبروا بمن جاءهم بالحق إلا إن يأتيهم بالآيات العجيبة.
وكانوا أيضاً يتوهمون أن في الكائنات خصائص إلهية،
فالبشر آلهة لأنهم يؤثرون في الآخرين بالسحر،
والنار آلهة لأنها قادرة على الإحراق،
والمياه آلهة لأنها قادرة على التدمير،
والكواكب آلهة لأنها علوية تسيطر على المخلوقات السفلية، وهكذا.
فجاءت الآيات لتفضح كل ذلك، وتقول:
إن هذه أوهام وخرافات وخزعبلات، والله هو المحرك لكل الوجود ومفرداته ونظامه،
فالنار محرقة لأن الله جعلها كذلك لا لكونها قادرة بذاتها على الإحراق،
والكواكب لا قدرة لها على التأثير على الكائنات الأرضية،
والسحر ضرب من الوهم الخادع الذي لا حقيقة وراءه ولا تأثير،
وهكذا في بقية الأمور.
وحتى تتضح الأمور أكثر نضرب على ذلك مثالين:
المثال الأول: آية موسى بن عمران التي أبطلت السحر:
فقد كانت الحضارة الفرعونية قد ساد فيها التصور السحري، حتى كان للفرعون السحرة الكبار الذين يحشدهم لخداع الناس وسوقهم بعصا المكر،
فهو إلهٌ تطيعه الأشياء، وتتغير على يده حقائق الأمور،
فلما جاءهم موسى بن عمران وبدأ دعوته معهم اصطدم بالسحر والسحرة،
وكان لابد من زحزحة خرافة السحر من عقول الناس لإقامة صرح الإيمان في النفوس شامخاً صلباً،
وبالتالي هذا يستدعي إبطال السحر، فالناس قد تعلقت بأفعال السحرة وخدعهم الماكرة،
ولذلك أيده الله بآية الحية التي تلقف هذا السحر، وتبطل ما كانوا يأفكون ويكذبون.
دعونا الآن نتأمل هذه الآيات من القرآن:
((وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائيلَ، قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ، وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ، قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ، يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ، قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ، يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ، وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ، قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ، قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ، قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ، فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ، وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ، قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ، قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ، قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقلِبُونَ، وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ)) الأعراف:104–126.
فالفرعون كان يمارس هيمنته على الناس باستخدام السحر،
وذلك باسترهاب نفوسهم وخداع عيونهم،
فجاءت آية موسى بن عمران للكشف عن بطلان هذا السحر، وأن لا حقيقة وراءه،
فالآية كما أنها جاءت جواباً على خطاب الفرعون الوثني؛ فهي في المقام نفسه جاءت لزحزحة الخرافة من عقول الناس، وإقامة حجة الإيمان محلها،
ولذلك لما رأى السحرة أن ما جاء به موسى ليس من جنس السحر، وإنما هو حقيقة قائمة، آمنوا برب موسى، وتحملوا في سبيل ذلك نكال الفرعون.
وكان هذا يكفي أن يؤمن الناس زمن موسى، لولا أن الخرافة قد تأصلت في نفوسهم، وأن البشرية تحتاج إلى أدوار تأريخية تتحرك بها إلى الأمام.
وكان أيضاً هذا الكشف العظيم في القرآن لمكر السحر وخداعه كافياً للناس من هذه الأمة لولا سريان أدواء الأمم إليها، ولولا تأصل السحر بقوة في النفس البشرية،
بيد أن خلود القرآن وقوة حجته جدير أن ينقل البشرية إلى حجة العقل وبرهان الحق.
وهكذا نجد الآية غير المعتادة تأتي لدحر الخرافة،
ولأن الإنسان مقهور بفكر أسلافه يظل غير قادر بسهولة على التحلي بحقائق العقل التي جاء القرآن ليشيد بها بنيان الحياة.
يتبع....
السهم المسدد
05/09/2006, 10:03 AM
(69) المعجزة (11-12):
الآية غير المعتادة جاءت لدحر الخرافة:
المثال الثاني:
ولعت الأمم بتأليه عظمائها من الملوك والعظماء وغيرهم، ومن خطورة الأمر وخطورة فساده أن سرى إلى المتدينين بالرسالات السماوية فأُلّه الأنبياء،
فكانت الآلهة لدى الأمم الغابرة تتسلسل آباً عن جد، فالإله يلد إلهاً وهكذا،
وقد سرى هذا الأمر الجلل في بني إسرائيل الذين خرج فيهم مجموعة أنبياء، فجعلوا أنبياءهم آبناءاً لله، بل جعلوا من أنفسهم شعوباً مقدسة مختارة تتصف بخصائص الألوهية.
وهذه خرافة بشعة جداً يستلزم علاجها، فجعل الله المسيح عيسى بن مريم آية للناس، ليعالج هذا الداء العضال، فبيّن لهم أنكم إن كنتم تزعمون أن لأسلافكم صفة الألوهية والتقديس الرباني، فها نحن نرسل إليكم عيسى بن مريم، وخلقته أعجب من خلقتكم وخلقة آبائكم، فهو من أم دون أب، وتظهر على يديه الكثير من الآيات.
((إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ، وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ، قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ، وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)) آل عمران:45-51.
((إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)) المائدة:110.
ورغم هذه الآيات التي تحدث لعيسى وتتحق على يديه إلا أنه بشر بن بشر، وهو يبيّن ذلك للناس بنفسه، وينفي عن نفسه أي صفة للألوهية:
((وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ)) المائدة:116.
فمجئ عيسى بن مريم إنما لنفي خرافة ألوهية البشر، ولبيان أن ما يحدث في هذا الكون هو من الله وحده، وإن ظهر الأمر غريباً على الناس.
وهكذا جاء عيسى ليحارب أسوأ خرافة عرفتها البشرية، وهي خرافة الشرك وادعاء الألوهية، ويقيم صرح الإيمان مكانها،
ولكن البشرية لا زالت تنتكس في حمأة الخرافة فيُدّعى لعيسى من قِبَل من يزعم اتِّباعه ما ادّعي للسابقين من الألوهية، وقد حكى القرآن ذلك فقال:
((وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَللهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)) المائدة:18،
وقال:
((وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)) التوبة:30.
وهكذا نرى أن الآيات تظهر لخمد الخرافة واجتثاثها، وتأبى عقول الناس السادرة في الانحراف العقلي إلا أن تحيي الخرافة وتسلك مسالكها.
ونحن لو تاملنا كافة أنواع الخرافة لوجدنا القرآن جاء لدحرها والقضاء عليها، إلا أن عقول الناس تقلب حقائق القرآن لصالح الخرافة التي توارثوها من الأمم السابقة وتعمقت في نفوسهم،
فإذا بمحاربة القرآن للسحر يتكئ عليها الناس من هذه الأمة لإثبات حقيقة تأثيره،
وإذا بنفي الألوهية والمشابهة لله الخالق، يتحول إلى تشبيه الله الخالق بخلقه، وتشبيه المخلوقين بخالقهم،
وإذا الآية غير المعتادة التي جاءت للقضاء على الخرافة يثبت بها الخرافة باسم "الكرامة".
وهكذا حال البشر، يأتي الأنبياء لطمس الخرافة وقلعها وإقامة منهج العقل والحق، وإذا بالعقول الخرافية تطمس معالم هذا المنهج الإلهي في الوجود، لتسير وراء أهوائها، وتعربد تحت أوهامها.
يتبع.....
السهم المسدد
05/09/2006, 11:33 AM
(70) المعجزة (12-12):
القرآن جاء بإيقاف الآيات غير المعتادة:
ورغم تلك الآيات التي كانت تأتي إلى الناس الأقدمين لتخرجهم من عالم الخرافة إلى عالم الحقيقة، إلا أنها لم تجدي فيهم،
وقد آذن القرآنُ بمجيئه دخولَ البشرية إلى مرحلة عقلية واعية، تختلف عن الحقب الزمنية التي سبقتها،
ولذلك كان يخاطب القرآن الناس خطاباً عقلياً، وكان يردهم إلى العقل السببي في الكون، ويحيلهم إلى التدبر في حركة مفردات الوجود والحياة.
فبمجئ القرآن أغلقت الآيات غير المعتادة كلياً،
وأصبح الخطاب خطاباً عقلياً،
((وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ
وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا
وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً)) الاسراء:59،
((وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ
قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ
وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ،
أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) العنكبوت:50-51.
فالآية الوحيدة هي القرآن التي يعجز الناس عن الإتيان بمثلها، ولم تأت إلى محمد أي آية أخرى غير معتادة.
ولم يوجه القرآن إلى الناس أي خطاب غير خطاب الآيات المعتادة،
ورفض الاستجابة لمطالب الوثنيين الخرافيين:
((وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ
فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً،
وَقَالُوا
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً،
أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ
فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً،
أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً
أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً،
أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ
أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ
وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ
قُلْ
سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً)) الاسراء:89-93.
وحدد القرآن صفة محمد بن عبدالله بأنه بشر مثلنا، لم يُعط شيئاً من الآيات غير المعتادة،
فالقانون الطبيعي الذي يسري علينا يسري عليه؛ دون زيادة أو نقصان،
إلا أنه يوحى إليه:
((قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
يُوحَى إِلَيَّ
أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ)) فصلت:6،
((قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
يُوحَى إِلَيَّ
أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)) الكهف:110.
وبيّن القرآن أن محمداً عبدٌ لله،
يبلغ القرآن ويتلوه على الناس،
وأن أمر الهداية راجع إلى الناس أنفسهم،
وأن الآيات التي يطلبونها حلّت محلها الآيات الكونية الطبيعية التي وجه القرآن الناس إليها وسيعرفونها أنها لا تصدر إلا من الله:
((إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ، وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)) النمل:91-93.
ولذلك لم تحدث في حياة محمد بن عبدالله أي خارقة من الخوارق غير الاعتيادية،
ومن ينسب له هذه الخوارق فهو لم يفقه القرآن بعد، فعليه بقراءته تدبراً وتفكراً،
والقرآن وحده هو الآية العظيمة التي لا يستطيع الخلق أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً:
((قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً)) الاسراء:88.
يتبع....
السهم المسدد
05/09/2006, 02:06 PM
(71) جدلية العقل والنقل:
لقد شارفنا على نهاية ما أردنا قوله في هذا الموضوع،
وبقيت لنا قضية واحدة؛ وهي "تقديم العقل على النقل، أو العكس"،
وهذه قضية كثر الجدل فيها،
وتطرح دائماً على هيئة السؤال التالي:
هل النقل مقدم على العقل أو العكس؟.
وفي رأينا أن هذا السؤال غير مستقيم فلسفياً أصلاً،
ورأينا هذا يتضح إذا عرفنا طبيعة العقل؛
فالعقل -كما قلنا- لا يأتي بشيء من العدم، فلابد له من مقدمات، ثم يقوم هو بتحصيل النتائج من هذه المقدمات، سواء بالتحليل أو التركيب أو الدراسة أو الإضافة أو التفكيك أو البناء أو الاستنباط أو الإدراك أو الاستقراء... الخ.
بمعنى؛
أن العقل ليس من وظيفته إنشاء الحكم "الواقعة والحدث"،
فإنشاء الحكم يكون من الواقع أو "الوحي، مجازاً"،
وإنما العقل وظيفته أن يفقه ويدرك هذا الحكم،
فاختلف موطن عمل كل منهما،
فالوحي "مثله مثل" الواقع منشئ للأحكام، بينما العقل مدرك لهذه الأحكام.
وبتحديد أكثر نقول:
إن المحرك الأول "الله" هو منشئ الوقائع "الأحكام" في الوجود،
والوحي الذي يأتي من عنده وظيفته تسجيل هذه الوقائع والأحداث "الأحكام" لأجل العِبرة والعِظة،
بينما العقل مدرك لهذه الوقائع "الأحكام" وعِبرها.
والواقع والوحي كلاهما ينبني عليهما فهم العقل،
وقد عرفنا أن الواقع قطعي،
ويبقى اشتراط القطع في الوحي "المؤسِس" للحكم "الحدث والواقعة"،
فالعقل بالضرورة تابع لهما لأنه يعمل فيهما إدراكاً وتدبراً وتفقهاً،
وبذلك يتبيّن لنا -بما يشبه البداهة- أن سؤال "تقديم العقل على النقل أو العكس" غير مستقيم فلسفياً،
لاختلاف المحل أولاً؛
فالعقل والوحي لا "يتخاصمان" على مكان واحد، وإنما لكل مكانه،
بل الواقع والوحي هما ذاتهما محل عمل العقل، فالمحل -ضرورة- سابق على العامل فيه، وهذا ثانياً.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا،
هل الوحي يخالف الواقع "الحدث والواقعة"؟،
طبعاً لا يخالفه؛
إلا ما كان قد يتصور من أمر الآية غير المعتادة التي أقيمت حجة لأجل إيمان المشركين ولأجل إبطال خرافتهم،
وفي رأينا ليس في ذلك مخالفة، وإنما هو تمظهر للواقع بطريق غير معتاد، وقد مخضنا ذلك فلسفياً.
فالوحي عندنا ليس شيئاً مختلفاً عن الواقع،
وإنما للواقع حركته وللوحي رسالته،
فالواقع لغة حركته مجردة يفهمها كل من يتسنى له وعيه أن يفهمها، بغض النظر عن الجهة التي ينتمي إليها؛ عرقاً وديناً،
أما الوحي فله رسالة محددة بلغة تحمل مضامين الهداية،
فقراءته تستوجب الرغبة في فهمه وهدايته، أي التسليم به والإيمان بمقتضاه،
بينما الواقع يتجرد من ذلك، ولأنه متجرد جُعل المرجعَ والمعيارَ في اختبار صدق الوحي.
وإذا شئنا أكثر تفلسفاً قلنا:
الواقع يقرئك نفسَه، وعليك أن تغترف بنفسك من عِبره، بينما الوحي نفسُه يعظك بعِبره، وإنما عليك أن تبذل نفسَك لقراءته،
ففي الواقع الحدث يسبق العِبرة؛ والعِظة تكمن تحت الواقعة،
بينما في الوحي العِبرة تسبق الحدث، والعِظة تبرز فوق الواقعة.
هذا ما نراه من فارق بين الواقع والوحي،
وإلا فالوحي في حقيقته لا يقول إلا الواقع وحده؛ دون زيادة عليه.
يتبع....
السهم المسدد
05/09/2006, 02:36 PM
(72) الخاتمة؛ في "اغتيال العقل":
وختاماً بعد شوط من الطَرق الفسلفي والمخض العقلي للطُرِق المتقاطعة بين الدين والعلمانية؛ يروق لنا هنا أن نسوق للمتدين والمتعلمن معاً العبارة التالية من كتاب "اغتيال العقل" لبرهان غليون:
(وأصبح معيار المعرفة اليقينية عندنا هو قرب هذه المعرفة من معرفة الآخر، فبقدر ما تكون مكتوبة بلغة الآخر، ومستمدة من أقواله ومناهجه ومعاييره، ومرتبطة باسمه ومعاهده وكتبه وشهاداته، فهي معرفة حقة وحقيقية، وأصبح الصراع على الشهادة الأجنبية، ومظاهر المعرفة الأجنبية، هو أساس التنافس بين الباحثين والمفكرين على المكانة والمركز في اكتساب السلطة المعرفية أو الثقافية، أي أصبح التقليد أيضاً أكثر فائدة في هذا الصراع من الإبداع الذي يفترض الخروج عن القواعد وتحطيم الشعارات والأحكام المسبقة المكرورة، إن نجاح المثقفين في العالم العربي يتماشى أكثر فأكثر مع انسجام أفكارهم وأحكامهم وأسلوب كتابتهم ولغتهم واهتماماتهم وتطابقها مع المستشرقين أو المتكلمين الغربيين عن المجتمع العربي) !!! ط2004/ص188.
كلام معبّر واقع؛
إلا أنني أضيف؛
بأن حالنا هذا ليس مع المستشرق والمتكلم الغربي فحسب،
بل مع كل ما قُدّم إلينا على طست من القداسة، وتعاملنا معه بانبهار، قديماً وحديثاً، داخلياً وخارجياً؛ على حدٍّ سواء، دون مخض فلسفي عقلي واعِ.
والسلام عليكم جميعاً.
السهم المسدد
12/09/2006, 08:27 AM
أهلا بالقراء الجدد!
الحركيون البلوش
15/09/2006, 12:30 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
يبدو ان عقدة الآخر لم نتخلص منه الى الآن وقد قابلت الكاتب المذكور الرواحي ...المحترم ووجدته شابا في غاية الثقافه وقارئا نهما فلماذا تسقيطه ومحاولة تشويه سمعته فالرجل قدم فكرا وهو حر في عقيدته فأذا كان هناك نقاش فهو في فكره وليس في شخصه ويبدو ان الأخ السهم المسدد متخصص في تحليل الشخصيات وتحليلها حسب مزاجه الخاص .وأتقوا الله في الرجل
التوقيع : الحركيون البلوش
السهم المسدد
16/09/2006, 03:15 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
يبدو ان عقدة الآخر لم نتخلص منه الى الآن وقد قابلت الكاتب المذكور الرواحي ...المحترم ووجدته شابا في غاية الثقافه وقارئا نهما فلماذا تسقيطه ومحاولة تشويه سمعته فالرجل قدم فكرا وهو حر في عقيدته فأذا كان هناك نقاش فهو في فكره وليس في شخصه ويبدو ان الأخ السهم المسدد متخصص في تحليل الشخصيات وتحليلها حسب مزاجه الخاص .وأتقوا الله في الرجل
التوقيع : الحركيون البلوش
أولا: شكرا على النصيحة :rolleyes:
ثانيا: أشرب كوبا من عصير الليمون وهدأ أعصابي ثم أقرأ الرد على الرواحي لترى أنه رد موضوعي بعيد عن الشخصنة والانفعال.
ثالثا: شكرا على مرورك.
الإباضي
17/09/2006, 11:33 AM
أرجو من الجميع متابعة الحوار الشيق في ذات الموضوع بين "طوي منصور" و"الجامعي"..
smart.world
17/09/2006, 12:44 PM
التلقّي بين الذاتي والموضوعي.
مقارنه بين "السهم المسدد" و"العدوي".
لا حاجة لنا هنا , ان ندخل في نظرية التلقي ,و حيثياتها......
ولكننا في هذه العجالة نحاول ان نستكنه كيف تعامل شخصين/ متلقيين , مع موضوع ٍ واحد , والهدف هو البرهنة على ان بعض المتلقيين في حاحة ٍ ماسة لمراجعة ذواتهم وعقلياتهم بالدرجة الاولى.
في مشاركته الثانية , المتعلقة بهذا الموضوع, يقول لنا " السهم المسدد" بأن كاتب الموضوع " علي الرواحي " بأنه (مصاب بعقدة (الجهل) وعدم القراءة إلى درجة (الأمية)).
وهو يعلن بعد ذلك في نبرة ٍ عارمة بالفرح والسرور ممزوجة ًبالتعجب عندما قال: (لم أكن أتصور أن يكون مستوى العلمانيين في بلدنا بهذا المستوى المتواضع من الخلفية المعرفية والمنهجية الأكاديمية في الطرح!
مضيفا ً ( وهذا شيء يفرح كثيرا لأنه يدل على أن الشعب العماني يرفض ثقافة (الجهل) و(الأمية)التي ينظر لها صاحب المقال (الهزيل).
ثمة تساؤلات بديهية , وسريعة , تنبثق لدينا لحظة قراءة هذا الرد :-
1) كيف لقاري ٍ مهما كان , أن يصدر مجموعة أحكام , كما هو واضح أعلاه, عن كاتب ٍ لم يقرأ له إلا مرة ً واحدة فقط ؟!!
2) على افتراض صحة صفة الجهل الذي تم إلصاقها بكاتب المقال, لماذا يدعوا ذلك للفرح؟ وما العلاقة بين ذلك والشعب العماني؟
3) وكيف تبيّن له أن الشعب العماني, رفض هذا النوع من الثقافة ؟
ننتقل وبشكل ٍ سريع, للرؤية الشخصية المبدئية , وكيفية تلقيّها من قبل (العدوي).
ينقل لنا "السهم المسدد" , من موقع المجرة , كلاما ً مهما ً , فيما يتعلق بالرؤية الشخصية " العدويه" – نسبة الى خميس العدوي- حول المقال وكاتبه.
يقول "العدوي" : هذا المقال أعتبره نقلة نوعية في التفكير في حدود ساحتنا الفكرية العمانية، فلأول مرة نقرأ –بالنسبة لي على أقل تقدير– للكاتب الرواحي، ولأول مرة أيضاً نقرأ بهذا الطرح المتناسق مع نفسه إجمالاً –مع ملاحظات نبينها لاحقاً– فقد تعودنا في مثل هذه المقامات على "خطابات الدعاية" و"الدعاية المضادة" التي يلفها الكثير من الحماس، وربما شابها أيضاً الكثير من التوتر. راجع المشاركة رقم 5 .
يضيف العدوي في مداخلة ٍ لاحقة ما يلي وفي نظري: أن "طُرُق الخلاص" جاء يحمل شكلاً ليس متهلهلاً، فهو مؤدى وفق "شكل معرفي" يحمل الكثير من التناسق والانسجام،
وهذا لا يعني بطبيعة الحال أنه لم يطرح متناقضات معرفية، بل في تقديري جاء لعلاجها في مسألة "الدين والعلمانية"، فلحقه شيء من غبارها. راجع المشاركة 6 .
نتسائل هنا كقراء موضوعيين , من الأكثر صوابا ً هنا , طبعا ً فيما يتعلق بالرؤية الشخصية للمتلقيين تجاه الكاتب؟
ولماذا هذا التوقف المفاجئ من قبل "السهم المسدد " عن الرد على الموضوع, في حين أن "العدوي" استمر فترة ليست قصيرة في ردوده على الموضوع؟
السهم المسدد
18/09/2006, 02:30 PM
التلقّي بين الذاتي والموضوعي.
مقارنه بين "السهم المسدد" و"العدوي".
لا حاجة لنا هنا , ان ندخل في نظرية التلقي ,و حيثياتها......
ولكننا في هذه العجالة نحاول ان نستكنه كيف تعامل شخصين/ متلقيين , مع موضوع ٍ واحد , والهدف هو البرهنة على ان بعض المتلقيين في حاحة ٍ ماسة لمراجعة ذواتهم وعقلياتهم بالدرجة الاولى.
في مشاركته الثانية , المتعلقة بهذا الموضوع, يقول لنا " السهم المسدد" بأن كاتب الموضوع " علي الرواحي " بأنه (مصاب بعقدة (الجهل) وعدم القراءة إلى درجة (الأمية)).
وهو يعلن بعد ذلك في نبرة ٍ عارمة بالفرح والسرور ممزوجة ًبالتعجب عندما قال: (لم أكن أتصور أن يكون مستوى العلمانيين في بلدنا بهذا المستوى المتواضع من الخلفية المعرفية والمنهجية الأكاديمية في الطرح!
مضيفا ً ( وهذا شيء يفرح كثيرا لأنه يدل على أن الشعب العماني يرفض ثقافة (الجهل) و(الأمية)التي ينظر لها صاحب المقال (الهزيل).
ثمة تساؤلات بديهية , وسريعة , تنبثق لدينا لحظة قراءة هذا الرد :-
1) كيف لقاري ٍ مهما كان , أن يصدر مجموعة أحكام , كما هو واضح أعلاه, عن كاتب ٍ لم يقرأ له إلا مرة ً واحدة فقط ؟!!
2) على افتراض صحة صفة الجهل الذي تم إلصاقها بكاتب المقال, لماذا يدعوا ذلك للفرح؟ وما العلاقة بين ذلك والشعب العماني؟
3) وكيف تبيّن له أن الشعب العماني, رفض هذا النوع من الثقافة ؟
ننتقل وبشكل ٍ سريع, للرؤية الشخصية المبدئية , وكيفية تلقيّها من قبل (العدوي).
ينقل لنا "السهم المسدد" , من موقع المجرة , كلاما ً مهما ً , فيما يتعلق بالرؤية الشخصية " العدويه" – نسبة الى خميس العدوي- حول المقال وكاتبه.
يقول "العدوي" : هذا المقال أعتبره نقلة نوعية في التفكير في حدود ساحتنا الفكرية العمانية، فلأول مرة نقرأ –بالنسبة لي على أقل تقدير– للكاتب الرواحي، ولأول مرة أيضاً نقرأ بهذا الطرح المتناسق مع نفسه إجمالاً –مع ملاحظات نبينها لاحقاً– فقد تعودنا في مثل هذه المقامات على "خطابات الدعاية" و"الدعاية المضادة" التي يلفها الكثير من الحماس، وربما شابها أيضاً الكثير من التوتر. راجع المشاركة رقم 5 .
يضيف العدوي في مداخلة ٍ لاحقة ما يلي وفي نظري: أن "طُرُق الخلاص" جاء يحمل شكلاً ليس متهلهلاً، فهو مؤدى وفق "شكل معرفي" يحمل الكثير من التناسق والانسجام،
وهذا لا يعني بطبيعة الحال أنه لم يطرح متناقضات معرفية، بل في تقديري جاء لعلاجها في مسألة "الدين والعلمانية"، فلحقه شيء من غبارها. راجع المشاركة 6 .
نتسائل هنا كقراء موضوعيين , من الأكثر صوابا ً هنا , طبعا ً فيما يتعلق بالرؤية الشخصية للمتلقيين تجاه الكاتب؟
ولماذا هذا التوقف المفاجئ من قبل "السهم المسدد " عن الرد على الموضوع, في حين أن "العدوي" استمر فترة ليست قصيرة في ردوده على الموضوع؟
أهلا بـ (كونان إيديجاوا):ضحك: :p
السهم المسدد توقف لإن خميس العدوي ابتدأ:بلابلا:
وإذا وجد الماء بطل التيمم:)
وما قاله السهم المسدد من تقويم لكلام علي الرواحي أثبته خميس العدوي من خلال نسف منهج الرواحي وأمثاله من المستغربين التائهين والذين يظنون السراب الذي ينفثه محمد أركون وأمثاله ماءا!
أما علاقة الموضوع بالشعب العماني فهي علاقة ثقافة شامخة شموخ القلاع والحصون وقديمة قدم الغاز والبترول والنحاس والأفلاج بنفايات فكرية عفنة يحاول بعض الحيارى الذين أسكرهم بريق العلمانية والليبرالية أن يدفنوها في التربة العمانية الخصبة بفكرها وثقافتها وتراثها.
وما طرحه الرواحي من أفكار إنما هي نبات شيطاني لسموم تسربت إلينا خلال الحقبة الماضية إلا أن ضعف المنهج الذي اتبعه الرواحي وهزالة قراءته للفكر الإسلامي وزجه للإسلام في خانة الأديان الخرافية الأسطورية أكدت لنا أمية الرواحي ورجعيته ومثله لا يخاف منهم لا على الدين ولا على الوطن لإنهم في تصوري المتواضع مرضى نفسيين مصابين بعقدة حب الظهور ولو على حساب القيم والمباديء والتراث والدين!
النور الوضاح
18/09/2006, 03:54 PM
التلقّي بين الذاتي والموضوعي.
مقارنه بين "السهم المسدد" و"العدوي".
لا حاجة لنا هنا , ان ندخل في نظرية التلقي ,و حيثياتها......
ولكننا في هذه العجالة نحاول ان نستكنه كيف تعامل شخصين/ متلقيين , مع موضوع ٍ واحد , والهدف هو البرهنة على ان بعض المتلقيين في حاحة ٍ ماسة لمراجعة ذواتهم وعقلياتهم بالدرجة الاولى.
في مشاركته الثانية , المتعلقة بهذا الموضوع, يقول لنا " السهم المسدد" بأن كاتب الموضوع " علي الرواحي " بأنه (مصاب بعقدة (الجهل) وعدم القراءة إلى درجة (الأمية)).
وهو يعلن بعد ذلك في نبرة ٍ عارمة بالفرح والسرور ممزوجة ًبالتعجب عندما قال: (لم أكن أتصور أن يكون مستوى العلمانيين في بلدنا بهذا المستوى المتواضع من الخلفية المعرفية والمنهجية الأكاديمية في الطرح!
مضيفا ً ( وهذا شيء يفرح كثيرا لأنه يدل على أن الشعب العماني يرفض ثقافة (الجهل) و(الأمية)التي ينظر لها صاحب المقال (الهزيل).
ثمة تساؤلات بديهية , وسريعة , تنبثق لدينا لحظة قراءة هذا الرد :-
1) كيف لقاري ٍ مهما كان , أن يصدر مجموعة أحكام , كما هو واضح أعلاه, عن كاتب ٍ لم يقرأ له إلا مرة ً واحدة فقط ؟!!
2) على افتراض صحة صفة الجهل الذي تم إلصاقها بكاتب المقال, لماذا يدعوا ذلك للفرح؟ وما العلاقة بين ذلك والشعب العماني؟
3) وكيف تبيّن له أن الشعب العماني, رفض هذا النوع من الثقافة ؟
ننتقل وبشكل ٍ سريع, للرؤية الشخصية المبدئية , وكيفية تلقيّها من قبل (العدوي).
ينقل لنا "السهم المسدد" , من موقع المجرة , كلاما ً مهما ً , فيما يتعلق بالرؤية الشخصية " العدويه" – نسبة الى خميس العدوي- حول المقال وكاتبه.
يقول "العدوي" : هذا المقال أعتبره نقلة نوعية في التفكير في حدود ساحتنا الفكرية العمانية، فلأول مرة نقرأ –بالنسبة لي على أقل تقدير– للكاتب الرواحي، ولأول مرة أيضاً نقرأ بهذا الطرح المتناسق مع نفسه إجمالاً –مع ملاحظات نبينها لاحقاً– فقد تعودنا في مثل هذه المقامات على "خطابات الدعاية" و"الدعاية المضادة" التي يلفها الكثير من الحماس، وربما شابها أيضاً الكثير من التوتر. راجع المشاركة رقم 5 .
يضيف العدوي في مداخلة ٍ لاحقة ما يلي وفي نظري: أن "طُرُق الخلاص" جاء يحمل شكلاً ليس متهلهلاً، فهو مؤدى وفق "شكل معرفي" يحمل الكثير من التناسق والانسجام،
وهذا لا يعني بطبيعة الحال أنه لم يطرح متناقضات معرفية، بل في تقديري جاء لعلاجها في مسألة "الدين والعلمانية"، فلحقه شيء من غبارها. راجع المشاركة 6 .
نتسائل هنا كقراء موضوعيين , من الأكثر صوابا ً هنا , طبعا ً فيما يتعلق بالرؤية الشخصية للمتلقيين تجاه الكاتب؟
ولماذا هذا التوقف المفاجئ من قبل "السهم المسدد " عن الرد على الموضوع, في حين أن "العدوي" استمر فترة ليست قصيرة في ردوده على الموضوع؟
اخي الكريم
اهلا وسهلا بك في سبلة الثقافة والفكر
اتمنى عليك ان تبتعد عن شخصنة الموضوع والرد على اطروحات الاستاذ خميس العدوي فهذا اثرى للحصيلة المعرفية والنتاج الفكري.
منهج التلقي قام الاستاذ خميس العدوي بتفنيده في سلسلة الـ"طرق" اعلاه فان كانت لديك اية اشكالية مع الطرح فتفضل بنقده، اما الشخصنة فهي مرفوضة..!!
تحياتي..!!
smart.world
18/09/2006, 04:01 PM
الى النور الوضاح....
اعتقد أن الشخصنة واضحة في آراء وأفكار " السهم المسدد"...ولكن ربما هناك بعض الأمور التي تحصل ما وراء الكواليس هي التي جعلتك ترى أمورا ً خارج السياق.
من الواضح انه لا توجد إمكانية في "السبلة العمانية" وبالأخص في سبلة "الثقافة والفكر", لا توجد إمكانية للحوار الجاد , والموضوعي , لذا فمن الأفضل ترك الساحة لأصحابها.
النور الوضاح
18/09/2006, 04:31 PM
الى النور الوضاح....
اعتقد أن الشخصنة واضحة في آراء وأفكار " السهم المسدد"...ولكن ربما هناك بعض الأمور التي تحصل ما وراء الكواليس هي التي جعلتك ترى أمورا ً خارج السياق.
من الواضح انه لا توجد إمكانية في "السبلة العمانية" وبالأخص في سبلة "الثقافة والفكر", لا توجد إمكانية للحوار الجاد , والموضوعي , لذا فمن الأفضل ترك الساحة لأصحابها.
طلبت منك عدم شخصنة الموضوع بينك وبين الاستاذ خميس العدوي، ما بينك وبين السهم المسدد هو بينكما، فهو احق بالرد عن نفسه ان شاء.
الطرح العلمي هنا هو ما طرح للاستاذ خميس العدوي.
والمواضيع في سبلة الثقافة والفكر خير شاهد ودليل على ان المساحة مفتوحة للجميع.
تحياتي
vBulletin إصدار 3.8.11، كافة الحقوق محفوظة ©2000-2026، مؤسسة Jelsoft المحدودة.