المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : الباحث محمد الحجري: ((عمان حالة ثقافية وفكرية خاصة في الثقافة العربية والإسلامية))


لابتوب
26/07/2006, 11:09 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الباحث محمد الحجري: عمان حالة ثقافية وفكرية خاصة في الثقافة العربية والإسلامية
دراسته غطت جزءا مهما من ذاكرة الشعر العماني

حوار ـ عبدالحليم البداعي:محمد الحجري باحث عماني، حصل مؤخرا على درجة الماجستير في اللغة العربية وآدابها، وكان موضوع بحثه حول الشعر العماني في العصرين النبهاني واليعربي، وهو موضوع فريد من نوعه، إذ لم يتطرق إليه باحث من قبل بهذه التخصصية، وقد استفرغ الباحث في دراسته جهده، وأفرغ مكنون فكره، فجاء بحثه شاملا لكل متعلقاته، بل إنه أضاء في بحثه بعض الجوانب التي أغفلها من سبقوه، وذكر بعضا مما تجاهلوه، مما يجعل منه مرجعا في بابه، وهنا كان لـ(أشرعة الوطن) الثقافية محطة حوارية مع الحجري حول بحثه وما جاء فيه، فخرجنا منها بالتالي..
* كيف جاءت فكرة هذا البحث؟
** كانت هذه الدراسة استكمالاً لمقرر دراسة الماجستير في اللغة العربية وآدابها، وقد انصرف من خلال هذه الدراسة إلى الاطلاع على التراث الأدبي العماني أو على شطر منه على الأقل، وأن أخلص إلى نتيجة ما في جانب منه، ما دفعني إلى اختيار هذا الموضوع بالذات هو قلة الدراسات الشاملة للشعر العماني بل وللتراث العماني بصفة عامة، أقصد بهذه الدراسات تلك التي تحاول أن تنظر إلى المشهد الشعري نظرة كلية في المقام الأول وأن تلاحظ الظواهر والتحولات الكبرى، وتجمع أجزاء الصورة لتصنع مشهداً شاملاً حتى وإن تخصصت في دراسة ظاهرة أو مجموعة ظواهر. فهي لا تعتمد على دراسات النموذج، ولا تقف عند لحظة تاريخية معينة في مسيرة الشعرية العمانية لتعمم نتائجها. بمعنى أن الدراسات العلمية الأكاديمية على وجه الخصوص انصرفت خلال السنوات الماضية إلى معالجة التفاصيل عن طريق الدراسات الوصفية التي تدرس شاعراً واحداً، أو ظاهرة شعرية عند شاعر بعينه أو بعض شعراء يضمهم جيل شعري واحد، وهذه النوعية من الدراسات مهمة بلا شك، وتغطي جزءا مهماً من المشهد الشعري، ولكنها لا تقدم نتائج في مستوى الظواهر العامة أو التحولات الكبرى التي تحتاج في دراستها إلى رصد على مدى زمني طويل يتجاوز الشعراء والأجيال الشعرية إلى العصور الشعرية. هذا من جانب ومن جانب آخر فإن الدراسات الشاملة ـ على قلتها ـ فهي دراسات معدودة وقليلة خاصة حين نقارنها بمساحة الإنتاج الشعري الهائلة والغزيرة، هذه الدراسات القليلة مع احترامي الشديد لنتائجها وللجهد الذي قدمها، قد وقعت في ورطة التعميم والأحكام القاطعة، خاصة فيما يتعلق بالظواهر الشعرية التي قمت بمعالجتها في هذه الدراسة، أعني ظواهر التكلف والبديع والتغيرات في اللغة الشعرية وفي أغراض الشعر وموسيقاه وإيقاعه وفي هيكل القصيدة وبنيتها تلك التي يسميها البعض تجاوزاً بظواهر القرن الرابع نسبة إلى بدايات ظهورها، أجل لقد وقعت هذه الدراسات في ورطة الأحكام العامة التي أحالتنا إلى نوعين من الأحكام على الشعر العماني بأسره (تقريباً) فهي بين قائل بأنه ـ أي الشعر العماني ـ كان استثناء من حالة الضعف التي مر بها الشعر العربي عامة أو القول بأنه حمل جميع سمات تلك المرحلة وأنه اتسم بالضعف والتكلف في لغته الشعرية والجمود والعقم في المعاني.
وهذه الأحكام العامة تفوت علينا كثيراً من التفاصيل المهمة، وأسباب الخروج بها كثيرة ليس أقلها المجاملة، والعجلة، والرغبة في التصنيف، والنزوع إلى إصدار الأحكام والانتهاء من معالجة الظواهر بإصدار أحكام جازمة هي في حد ذاتها مغرية جداً على مستوى الإنجاز العلمي، لكنها إنجاز موهوم للأسف أهدر كثيراً من الاستثناءات، وفوت علينا في ذات الوقت منهج المعالجة والرصد والتتبع وتفسير نشوء الظواهر. وهذا بالطبع له تبعاته وامتداداته على حقول الفكر الأخرى كالفقه والتاريخ التي تحتاج إلى معالجات شاملة ودقيقة بالقدر ذاته، بل إن أهميتها ربما تفوق ذلك الجانب الذي حاولت معالجته في هذه الدراسة. من هنا رأيت أن هناك حاجة ماسة إلى دراسة تعيد النظر في تلك الأحكام وتضع يدها على نقاط الإبداع ولمعاته المنبثة في أرجاء المساحة الشعرية الهائلة للعصرين، وتضع يدها في الوقت ذاته على دوائر ومسارات الإتباع ومدى تغلغل ظواهره في الشعر العماني في العصرين النبهاني واليعربي. ويبدو لي الآن بشكل جلي أن هذا التتبع التاريخي يتميز بنتائج لا تؤدي إليها مناهج أخرى بالقدر ذاته، فهو يؤدي إلى إدراك حقيقي ووعي حاد بالذات وبالآخر، وإدراك لتلك التحولات الكبرى التي شكلت الذات الثقافية الجمعية، وسيرورة تلك التحولات ومساراتها وعوامل نشوئها، إنك تقف هنا أمام مرآة صادقة ودقيقة إلى حد كبير تريك الصورة النهائية وما قبلها كذلك، بمعزل عن التأثر بما يقوله الآخرون في حق تاريخنا وأدبنا وشعرنا، هذا الذي تنطوي عليه الدراسات التاريخية في نظري وهو أمر مهم للغاية.
* ما سبب اختيار هذين العصرين (النبهاني واليعربي) لتسليط الضوء عليهما؟
** هذان العصران يمثلان تقريباً أكثر من ثلثي التراث الشعري العماني، وهما عصران متناقضان إلى حد بعيد سواء على مستوى الأوضاع السياسية، أو في جهة الأوضاع الفكرية والعلمية، وكذلك من ناحية الإنتاج الشعري في كمه ونوعه، لقد كان العصر النبهاني عصراً غامضاً ومضطرباً من الناحية السياسية في كثير من حلقاته، وهو عصر ممتد على مساحة زمنية تنوف على الخمسة قرون، ولكنه كان عصر إنتاج علمي غزير ونوعي، بينما كان الإنتاج الشعري فيه قليل. مقارنة بالعصر اليعربي الذي لم يمتد أكثر من مائة وعشرين عاماً، وكان عصرا مزدهراً من الناحية السياسة والعمرانية، لكن في المقابل كان الإنتاج العلمي فيه قليلاً، وهو عصر ازدهار شعري من الناحية الكمية على الأقل إذ يظهر فيه ـ على مساحته الزمنية الضيقة ـ ثلاثون شاعراً تقريباً منهم تسعة أو عشرة شعراء كبار لهم دواوين أو مجموعات شعرية. ومن ثم فإن دراسة عصرين تاريخيين متناقضين على كل هذه المستويات هو في حد ذاته مهم من نواح كثيرة ربما يطول المقام بشرحها.
لكن الناحية الأهم في دراسة هذين العصرين تأتي من جهة أنهما يوازيان تقريباً العصرين المملوكي والعثماني في المجال العربي العام، والعصران المملوكي والعثماني هما العصران اللذان وسم الإنتاج الشعري فيمها بالضعف والجمود والعقم، ووصفه البعض بأنه انحطاط في مستوى الشعر حيث استفحلت فيهما ظواهر البديع والتكلف وحدثت جملة تغييرات في اللغة الشعرية وفي أحوال الشعراء أوصلت إلى نشوء الشعر العامي، وبرزت بعض الأغراض الشعرية الجديدة، كما حدثت تغييرات أخرى في الإيقاع والوزن وفي هيكل القصيدة، هناك ظواهر كثيرة جدا ارتبطت في ظهورها وتوسعها واستيلائها على الحالة الشعرية بهذين العصرين أعني المملوكي والعثماني، ومن هنا كانت الأسئلة الجوهرية أو الإشكالية لهذه الدراسة هي: هل دخل الشعر العماني هذه المرحلة أم كان استثناء منها كما حاولت بعض الدراسات أن تقول؟ وهل اتسم بهذه الظواهر وهل تقبلها وتمثلها؟ وإن كان كذلك فإلى أي حد تقبلها؟ وهل رفض بعضها؟ ولماذا؟ وما الظواهر التي سمح بتغلغلها وإلى أي حد بلغ فيها؟.
وفكرة (العصور الموازية) هذه التسمية التي استخدمتها عن قصد. تأتي من جهة أن للتاريخ العماني استقلالاً واضحاً في سيرورته، وهذا الاستقلال كان يزداد في وضوحه ومداه منذ العصر الأموي، ومن هنا أطلقت هذا الوصف (الموازية) عليها على أساس أنه من غير المنهجي أن نضم حقبتي النباهنة واليعاربة إلى العصرين المملوكي والعثماني، إذ سيكون ذلك مناقضاً للمنطق التاريخي الذي قضى بهذا الاستقلال النسبي لحركة التاريخ العماني عن التاريخ العربي العام، ومن ثم فإن العصرين المملوكي والعثماني يوازيان في سيرورتهما التاريخيـة (تقريباً) العصرين النبهاني واليعربي في التاريخ العماني. أتصور أنها حالة شبيهة إلى حد ما بالتاريخ الأندلسي الذي لم يخضع إنتاجه الأدبي لذات التقسيم التاريخي الذي اخضع له الشعر في المجال العربي العام. هذا إضافة إلى تفاصيل أخرى مهمة في هذا السياق تتعلق بالأوضاع السياسية والاجتماعية ربما لا يتسع المجال لذكرها ولكنها مؤثرة بدرجة أو بأخرى.
* ما المصاعب التي واجهتها في جمع مادة البحث والخروج به إلى النور؟
** الصعوبة الأكبر تمثلت في اتساع المساحة الزمنية لموضوع البحث فهي تغطي أكثر من ستة قرون من التاريخ العماني، وقد نتج عن هذا تلقائياً ضخامة في المادة الشعرية المبحوثة، فقد برز في العصرين عامة وفي العصر اليعربي خاصة عشرات الشعراء، كثير منهم له ديوان مطبوع أو مجموعة شعرية غير منشورة. هذه هي الصعوبة الأهم وهي التي تبرر خروج الدراسة بهذا الحجم وكذلك الوقت الطويل الذي استغرقته، هناك مصاعب أخرى نعم لكني أتصور أن الباحث لابد أن يتوقعها وأن يستعد لها فهي طبيعية بل وربما ضرورية وممتعة في ذات الوقت، وهذه المصاعب تتشتت وتضمحل حين يكون الباحث تحت عناية ورعاية مشرف خبير ومخضرم يسدد العمل ويوجهه، ويدعم جهود الباحث ويتميز بالإخلاص للمعرفة، هذا ما أعتقد أني كنت محظوظاً جداً به فالمشرف الذي تولى الإشراف على هذه الرسالة العلامة الدكتور وليد خالص لم يكن فحسب من الأساتذة المتمرسين في العمل البحثي والإشراف على الرسائل العلمية، بل هو كذلك من الخبراء بالتراث العماني ومن المؤمنين بأهميته الكبرى للثقافة العربية، أتصور أن هذا المستوى من الإشراف هو أحد مميزات هذه الدراسة وتأتي قبل جهد الباحث وما بذله من عمل.
* ما أسباب عزوف مؤرخي الأدب العربي عن التطرق إلى ذكر الشعر العماني؟
** أولاً أقول بأن هذا الكلام ليس نهائياً، فهناك من اعتنى بتاريخ الشعر العماني ونبه إلى جوانب منه منهم شوقي ضيف على سبيل المثال، هذا عدا عن بعض الدراسات العلمية الحديثة كدراسات علي عبدالخالق وشكري بركات وأحمد درويش وغيرهم.
ولكنها على وجه العموم تبقى قليلة ومحدودة وحديثة، بل إننا سمعنا عبارات في كتب التراث العربي تعبر عن استغرابها أن يكون في عُمان شاعر، وهذا التجاهل الذي تفضلت بالسؤال عنه له أسباب كثيرة ربما يحيلنا بعضها إلى ما سبق أن ذكرته من ذلك الاستقلال النسبي للتاريخ العماني، والذي وصل في بعض مراحله إلى مستوى العزلة ولا أقول القطيعة مع المحيط العربي، وهذا الأمر ناتج بدوره عن أسباب منها ثقافية فكرية فعمان هي حالة ثقافية وفكرية خاصة في الثقافة العربية الإسلامية. بل إن منها ما هو جغرافي ولا أبالغ في القول بأن ذلك أدى في مراحل تاريخية معينة إلى حالة انفتاح على الشرق الآسيوي والأفريقي أكثر من الانفتاح على المحيط العربي. ولا يتحمل العمانيون وحدهم مسؤولية ذلك الانصراف عن تاريخهم وتراثهم، بل هي مسؤولية غيرهم كذلك فقد نشأت حالة يمكن أن نسميها بالمركز والأطراف في الثقافة العربية تعتمد على أن هناك قلباً للعالم العربي والإسلامي يتمثل في أقطار بعينها وعلى الأطراف الأخرى أن تكون تبعاً لذلك القلب أو المركز، وضاع بسبب تلك النظرة (المركزية) إن صح التعبير كثير من تراثنا وتاريخنا العربي أو ضعف الاهتمام به على الأقل، وأتصور أيضاً أننا لسنا وحدنا في ذلك هناك أقاليم عربية أخرى ربما تم التعامل مع تراثها بذات الطريقة، لكن ما ضاعف الأمر في حالتنا أن الثقافة العمانية حالة خاصة كما ذكرت، لست أنا من يقول بهذه الخصوصية بل هناك من تحدث عنها وأشار إليها. أتصور أيضا أن علينا مسؤولية كبرى في الخروج من ذلك، بذلنا جهداً خلال العقود الماضية ولا يزال أمامنا الكثير، فالتراث العماني هو جزء مهم من الثقافة العربية وهو ملك لهذه الثقافة الجامعة، بل هو حق للإنسانية جمعاء.
* ما أبرز النتائج التي توصلت إليها؟
** يصعب أن أقول ذلك في عبارة موجزة ولكن على وجه العموم الذي أرجو أن لا يكون مخلاً أقول بأني توصلت إلى نتيجة مفادها أن الشعر العماني في العصرين تقبل كثيراً من تلك المظاهر وتلك السمات التي عرفت في العصرين المملوكي والعثماني على مستوى اللغة الشعرية، والمعاني والأغراض الشعرية وهي تشكل في هذه المجالات أغلب تلك السمات، ولكنه تقبلها في وقت متأخر نسبياً وقد أخذت في تغلغلها في الشعر العماني مدة زمنية أطول مما كان عليه الحال في المجال العربي العام، مع ملاحظة أن اللغة الشعرية من حيث سلامتها اللغوية ظلت محتفظة بنضارتها وفصاحتها في المرحلتين جميعاً وإن وجدنا ظهوراً طفيفاً ومحدوداً للشعر العامي في العصر اليعربي. كما خلصت إلى أن الشعر العماني رفض سمات شعرية أخرى لمناقضتها للطبيعة الاجتماعية والدينية للمجتمع العماني، أو لضعف اتصال الشعراء العمانيين في المرحلتين بالإنتاج الشعري العربي العام، مما حد من استقبال بعض المظاهر خاصة تلك التي تتعلق بالأغراض الشعرية المستحدثة وتلك التي تتعلق بموسيقى الشعر وبنية القصيدة حيث لم تشهد هذه الجوانب سوى تغييرات طفيفة جدا. هذا على وجه العموم الذي يمكن أن أقول عنه بأنه ملخص للنتائج عدا عن ذلك هناك نتائج تفصيلية مهمة للغاية منها ما يتعلق بمحور الدراسة وإشكاليتها الرئيسية، ومنها نتائج أخرى ثانوية هي أيضا بعض ثمرات الدراسة، وأحيلك هنا إلى النتائج التفصيلية للدراسة فهي أكثر دقة وأكثر شمولاً من العبارات الموجزة التي قد تظلم العمل ولا تعطيه حقه.
* ما تقييمك للجهود المبذولة من قبل الجهات والمؤسسات المختصة من أجل إبراز التراث العماني؟
** لا أحب أن أسمح لنفسي أن أكون مقيماً لجهود الآخرين ولا شيء يعطيني الحق في ذلك، ولكني أقول بأن جهوداً كثيرة بذلت منها ما يصدر من مؤسسات حكومية ومنها ما تقوم به جهات خاصة أو أفراد يهمهم أمر التراث العماني، بدأت هذه الجهود منذ الستينيات تقريباً بنشر بعض الأعمال الشعرية والعلمية العمانية وتضاعفت هذه الجهود وأخذت سياقاً منظماً وواضحاً منذ السبعينيات ودعمت بقوة من أجل إصلاح الأضرار الهائلة التي سببتها فترة العزلة والانغلاق الطويلة على الثقافة والفكر والتراث العماني ومن أجل تعويض سني الحرمان، لقد بذلت هذه الجهود الكثير لتقدم الثقافة العمانية والتراث العماني للعالم، ولا تزال مطالبة بالكثير، والدرب لا يزال طويلاً، وأي جهد مهما بلغ سيكون إزاء ضخامة هذا التراث وترامي أطرافه قليلاً، فهذا التراث لا يحتاج إلى خدمة كمية متعجلة تعتني بالنشر السريع، ولكنه يحتاج كذلك إلى خدمة نوعية متخصصة تبرز القيم الحضارية والدينية الكبرى التي حكمته وشكلته، ومن المعيب هنا أن نحمل الجهات الرسمية المسؤولية وحدها في أي خلل أو قصور في هذا الاتجاه بينما هذا التراث هو مسؤولية الجميع، علينا أن نتساءل عن دور المؤسسات الخاصة والأهلية والأفراد، إننا ننظر بكثير من الغبطة إلى تلك المؤسسات الخاصة في بعض الدول الشقيقة التي تحملت مسؤليتها تجاه تراث الأمة كله وقدمت خدمات جلى في هذا الاتجاه، بينما لا نجد شبيهاً لذلك في المؤسسات الخاصة الكبرى لدينا، بل إننا لا نجد إلى الآن أثراً يذكر في هذه الناحية للجامعات الخاصة. وما لدينا من جهات خاصة ومكتبات قدمت جهوداً هي محل تقدير وإجلال ولكنها تتحرك وفق إمكاناتها المحدودة ليس من الناحية المالية فحسب بل من جهة الكوادر المتخصصة كذلك.
قدمت وزارة التراث والثقافة متمثلة في أجهزتها المختلفة جهوداً مشكورة في هذا الاتجاه وحققت إنجازات في بعض الجوانب، ولا تزال مطالبة بالكثير وأن يعاد تحقيق ما تم نشره بلا تحقيق أو بتحقيق متعجل ومتواضع، وهو أمر يحتاج منها إلى تمويل سخي، وإلى تخطيط يفيد من تجربة المرحلة الثقافية الماضية بكل إنجازاتها واخفاقاتها.
المنتدى الأدبي على سبيل المثال اعتنى ولا يزال بجوانب من هذا التراث وكان ما قدمه نوعياً ومميزاً من سلسلة ندوات (من أعلامنا) خلال التسعينيات، ويبدو أنه يسعى لمواصلة هذا الجهد في الآونة الأخيرة عبر ندواته المختلفة.
علينا هنا أن نكف عن هذا المراء الذي أدمنه البعض، وعن لعبة تبادل اللوم وتبادل تحميل المسؤولية، الذي يفرق الدماء بين قبائل الثقافة المختلفة، وتضيع فيه الحقيقة، فالأمر مسؤولية الجميع، وما لم ينجز أكثر مما أنجز بكثير وهو يستلزم تكاتف الجهود وأن تضطلع المؤسسات الخاصة بنصيب من هذا الجهد، وأن يتوجه الباحثون أيضاً إلى تلك المناطق المظلمة والتي لم تضاء بعد، وألا يستسهلون معالجة المواضيع التي أشبعت بحثاً وتغري سهولة تسلقها الكثيرين.
الأمر الآخر المهم في نظري أن الأمر يتجاوز المؤسسات، التي أجد أن هياكلها ماثلة وموجودة، ربما ينتقد البعض أداءها وفاعليتها ويحاكمها إلى حجم إنتاجها ويقارنها بسواها من المؤسسات النظيرة لها، وكثير من هذا النقد في محله.
ولكن الأمر كذلك يعتمد كثيراً على المثقف العماني، وعلى إدراكه لمسؤوليته فبعض هذه المؤسسات إدارتها موكلة إلى مثقفين ينتمون إلى صلب العمل الثقافي ومن ثم فهم يتحملون جزءا من النجاح أو الإخفاق في مهمتها، أعلم أن الأمر ينطوي على تعقيدات كثيرة وجوانب غامضة وغير محددة بالقدر الكافي. لا أحب أن أنصرف إلى التصنيف والتقسيم ولا أحسب أني مؤهل لذلك، ولكن ثمة ظواهر ماثلة وواضحة يلمسها الجميع فالمثقف العماني فقد قدرته على اقتحام كثير من مناطق الفكر وتهيب منها كما يقول بعض أساتذتنا. ربما لأنه لم يبتكر مناهج المعالجة المناسبة لكل وضع وظروفه. وفقد البعض الآخر صلته بالواقع وضاع في عوالم التنظير واصطدم بثوابت المجتمع ومن ثم فهو يشتكي دائماً من أن كتبه لا تقرأ ولا أحد يلتفت إلى إنتاجه. البعض الآخر أحاط نفسه بالخطوط الحمر وعديد منها موهوم وغير حقيقي وتهيب أن يعالج قضايا المجتمع وشؤونه وشجونه، وآثر أن يحلق في سماوات التنظير والإنشاء التي لا تسلم إلى نتيجة.
والبعض كما هو معلوم يؤدون مهمتهم بنجاح ويقومون بما عليهم القيام به ويتحملون مسؤوليتهم على وجه مرض ويقدمون إنتاجاً محموداً وإن لم يكونوا كثرة، يمكنني أن أذكر هنا بعض الأسماء والكتب التي صدرت والكتابات التي نشرت لمثقفين اقتحموا مناطق فكرية لم تطرق من قبل على المستوى العماني على الأقل، وهؤلاء وجدت كتاباتهم رواجاً وانتشاراً وطبعت عدة طبعات متلاحقة، ولفتت أنظار المهتمين والنقاد والدارسين في مجالات ثقافية متنوعة. ولكن الاهتمام يتوجه دائماً إلى جوانب القصور والنقص، إنها محاولة لإكمال الحياة بما ينقصها.
* ما انطباعك حول الشعر العماني المعاصر؟
** أولاً لست من محبي التصورات والأحكام الانطباعية، وهي مجازفة وفتنة تضيُّع الحقيقة ولا تؤدي إلى العلم بل تسوق إلى الجهل. ولكن هناك ظواهر لا تخطئها العين، الشعر العماني المعاصر كما هو الحال في البيئات العربية الأخرى يتبدى في شكل مدارس تقليدية وحداثية قلما اعترفت إحداهما بالأخرى، ووسط هذا كله أجواء غير محمودة تسيطر عليها الأحكام المسبقة الجاهزة وعدم الاعتراف المتبادل والشللية، وأسوأ من ذلك المجاملة التي تعطي الفرصة لكثير من الأدعياء بالظهور والبروز، وسيطرة من تيار أو مدرسة معينة على الساحة الإعلامية وتهميش لما يقدمه التوجه المختلف، للأسف هذه الحالة قديمة جديدة لا نزال نكرر مأساتها وبتفاصيلها، بين شعر بلا جمهور فقد تأثيره على الجماهير فغدت شاعريته محل شك، أو نظم ميت فقد روح الشاعرية منذ البداية فلا نعرف ما الذي يستمع إليه جمهوره؟! إنها المجاملة مرة أخرى.
إنني أضيق بالنصوص المغلقة المقفلة التي لا تعطي مفاتيحها لأنه ليس ثمة مفاتيح، لكني ومع ذلك مستعد للمحاولة، مستعد لكسر أقفال القصيدة، مستعد إن لزم الأمر لتسور الجدران والعبور من خلال الشقوق، ولكن على أن أجد شيئاً في المقابل وأن أصل إلى متعة ما وإلى قيمة ما وإلى شعر ما، على أن أعلم أن الأمر يستحق كل هذا الجهد وكل هذا العناء وأن وراء الجدران والأقفال والشقوق شيئاً يستحق وأن وراء الأكمة ما وراءها. للأسف الكل يرهب أن يقول ذلك، ويرهب أن يصرح بالحقيقة حتى لا يتهم بالجهل أو بالرجعية أو بالغباء أو خوفا من أن ينفى خارج السرب، أو من السرب كما أقول أنا. وأنا أومن بما يقول محمود درويش:
قصائدنا بلا لون بلا طعم بلا صوت
إذا لم تحمل الصباح من بيت إلى بيت
إذا لم يفهم البسطا معانيها
فأولى أن نذريها
ونخلد نحن للصمت
أظن أن المشكلة الحقيقية هي في هذه النخبوية التي فرطت في حق البسطاء في الشعر والقصيدة، بل إننا انتقلنا من طور النخبوية إلى حالة خاصة جداً من الذاتية المنغلقة، ولا أقول الذاتية فالذاتية سمة طبيعية للشعر فهو ملتصق بالذات ومنطلق منها، ولكنها ذاتية منغلقة ومقفلة تكاد توصلنا إلى نظام لغة خاص بكل شاعر، وهذا أمر يفوق طاقة القارئ المتلقي، بل ويفوق طاقة المتخصص في أحيان غير قليلة. بصدق وبتواضع هذه حالة مدمرة للشعر ولرسالته ولقيمته ولقدرته على التغيير، ربما يقول البعض بأن هذا الكلام قديم ومعروف ولكن ما الذي يمكن أن يوصف به المشهد إذا لم يتغير؟ لا يمكننا أن نجد وصفاً آخر لحالة شبه ثابتة.
الحالة النقيضة الأخرى هي في القصيدة العمودية وتيار التقليد ـ خاصة بعد موت العمالقة ـ فالقليل الذي يطفو على السطح الإعلامي يقدم لنا شعراً لا يزال يقف أمام نفس القيم الشعرية التقليدية ولا يتجاوزها ولا يزال يستخدم نفس التشبيهات والاستعارات ونفس المطلع وذات الخاتمة، فكثير من هؤلاء التقليديين لا يبنون على تلك التجارب التي سبقتهم بل على استنساخ تلك التجارب، بل وعلى استنساخ أسوأها أحيانا.
نعم وسط هذا المشهد المتداعي وبين حين وحين تظهر زخات إبداع خاطفة ترد الحياة إلى هذه الجداول المجدبة، تفرض نفسها وتقدم شيئاً مختلفاً ومميزاً ومؤثراً وعندئذ لا يهمنا لأي مدرسة أو توجه أو تيار انتمت فقد انتمت إلى عالم الشعر ابتداءً وهذا يكفي، وهذه الأسماء الشعرية لا تدمن الهذر والثرثرة والظهور في شلل المدعين عادة، إنها تقدم نفسها عندما تحمل إلينا شيئاً يستحق عناء الشعر وجهد القراءة، بعض هذه الأسماء لم تنشر ديواناً شعرياً أو مجموعة شعرية بعد ولا تزال تبحث جاهدة عن الكمال، وبعض هذه الأسماء قدم مجموعته الشعرية بعد سنوات طويلة من العطاء والإنتاج ولم يتعجل النشر، ولا أراني بحاجة إلى ذكر أمثلة لهذه الأسماء فمقامها أعلى من أمثالنا من المتابعين البسطاء ولا يزيد في قيمتها شيئا تنويهي بها أو ذكر مثلي لها، وهي أسماء لها تاريخ وقامات شعرية محترمة، وأعتقد أن المعول على هؤلاء في تحقيق معادلة أعـلم أنها جد صعبـة (شعر حديث وجماهيري في ذات الوقت).
لكن من وجهة نظري الساحة الشعرية الحقيقية الآن ليست عند أحد من تلك التيارات المتناطحة التي سبق أن تحدثت عنها، إنها عند شعراء العامية، إنها في أنواع الشعر الشعبي المختلفة، رضي من رضي وكره من كره هذه هي الحقيقة التي تعبر عن نفسها في كل شيء، في الأدبيات والإصدارات والدوريات، في الحضور الجماهيري الضخم، في الأسماء التي تستحق كثيرا من الاحترام. جماهير الشعر لن تنتظر حتى يحسم الجدل أو تنجلي المعركة بين أنصار الشعر الحديث أو القديم، إنها تبحث عن متعتها وتطلعها إلى الجمال والامتاع والتفاعل في واد شعري آخر، ولنذر الشعراء في أوديتهم يهيمون.
* تعدد المدارس والأشكال في الشعر المعاصر هل يعد نوعاً من الفوضى؟ أم هو ظاهرة صحية؟
** لقد وصفت المشهد بما فيه الكفاية عندما أجبتك على السؤال السابق. إن التنوع حالة صحية بلا ريب ومن هذا الوسط الموار بالتنوع يولد الإبداع الذي يتخلص من أسر النمطية والتكرار والتماثل إلى فضاءات الفرادة والتميز والإبهار، هذه الحالة حالة صحية من حيث المبدأ دون شك.
لكني أزيد هنا بأنه وفي ظل هذه الحالة الراهنة من التهميش وعدم الاعتراف المتبادل بل والازدراء لما يقدمه الآخرون سيكون من المجانبة للحقيقة أن نصف الحالة بأنها صحية أو أنها ليس فوضى، إلا إن أردنا أن ندفع هذا التشاؤم بالنظر إليه إيجابياً بأن الوضع غير المستقر هو دائماً وضع مولد للتحولات أي إنها (الفوضى الخلاقة) بتعبير سياسي حديث جداً.
ما يقلقني أن هذا التجاهل المتبادل أو هذا التهميش يتجاوز الناحية الإعلامية التي يسيطر عليها كما هو واضح التوجه الحداثي، إلى ميادين النقد فهناك تجاهل نقدي لكل ما سوى الشعر الحديث، ومعنى ذلك أن تبقى التجارب الشعرية بلا إنضاج وبلا تطوير، أدى هذا التجاهل إلى أحد أمرين رأينا شيئاً منهما إما أن يكف الشاعر عن القول وينكفئ عن الشعر تماماً ويغادر عوالمه ويذر الجمل بما حمل أو بلا أحمال، أو أن يكفر الشاعر بالقصيدة القديمة ويلتحق بالركب بلا وعي لعله يدرك شيئاً من الاعتراف بالانخراط في سرب الشعراء الحداثيين ثم يكون عبئاً أيضاً على القصيدة الحديثة.
ثمة شيء آخر مهم وهو مرتبط إلى حد ما بإشكالية الدراسة التي قدمتها، وربما يسهل علينا فهم ما يجري على الساحة الشعرية الراهنة، وهو أنه وللأسف هذه الحالة قديمة جديدة كما قلت من قبل، أي أنها ليست حديثة في ظهورها في تاريخ الشعر العربي وإن كانت جديدة في شكلها، لقد مر بالشعر العربي حالة من هذا النوع أصيب فيه مفهوم الشعر بالسيولة والتميع، وغدا الشعر في ذات الوقت جزءا من الوجاهة الاجتماعية، أو من مستلزمات وضرورات الشخصية العلمية التي لا بد منها، ومن ثم فقد أدرج في عالم الشعر كثير مما ليس منه أصلاً وتداخلت حقول الشعر والنظم والعلم، وكثر الشعراء بهذا الاعتبار وكثرت مساحة القول الشعري التي لم تكن سوى ورمٍ غير حميد. ما يحدث هنا هو شكل آخر من أشكال هذه الصورة التي أدى إليها هذا التميع والسيولة في مفهوم الشاعرية، والتي عززتها الفضاءات الإعلامية المفتوحة وسهولة النشر.



جريدة الوطن 5\7\2006م

شيك من غير رصيد
29/07/2006, 02:20 PM
شكرا لك ...
وارى فعلا جمال تراث عمان بكل ما يضمه من ادب واثار وغيره ...