عرض الإصدار الكامل : التصوير... إشكالات ومقترحات (1-2) للكاتب: خالد بن مبارك الوهيبي
النور الوضاح
08/07/2006, 03:32 PM
هذا المقال نشرته بالامس صحيفة الوطن، وهي للكاتب الفذ خالد الوهيبي والذي امتعنا بحق في الفترة الماضية بالاطروحات الراقية التي وضعها بين ايدينا في سلسلة مقالاته وفي كتابيه الاخيرين اشراط الساعة وصفة الصلاة عند الاباضية.
لن اطيل عليكم
نبقى مع المقال
النور الوضاح
08/07/2006, 03:33 PM
فجرت ثورة الملتيميديا تساؤلات عديدة، بما أفرزته من منجزات بدأت بالقدرة في الحصول على صورة ثابتة لأي شيء يمكن رؤيته، ثم تطورت إلى الحصول عليها حية متحركة، ولا تزال ثورة الملتيميديا مستمرة، تقذف لنا بالمزيد من اكتشافاتها المذهلة.
وقد تركبت الحياة المعاصرة على تقنيات التصوير من التعليم والإعلام والتجارة وغيرها من القطاعات، بحيث صارت الصورة من المكونات الأساسية في تركيبة الدولة المعاصرة.
وهذه القضية ناقشها الفقه الإسلامي منذ وقت مبكر، واختلفت آراء الفقهاء فيها وتأرجحت بين المنع والجواز والكراهة.وهذا الخلاف الفقهي سببه:
1. ما جاء من روايات وأحاديث في ظاهرها التعارض.
2. الاختلاف في تفسير هذه الروايات وتوجيهها.
والبعد الغائب في كثير من الأحيان هو الرؤية القرآنية لقضية التصوير، والتي لو استحضرها الفقهاء لأراحوا أنفسهم من عناء طويل في فك شفرات مختلف الحديث ومشكله.
النور الوضاح
08/07/2006, 03:33 PM
التصوير في اللغة والاصطلاح
جاء في القاموس المحيط: (الصورة بالضم الشكل وقد صوره فتصور، وتستعمل الصورة بمعنى النوع والصفة).
وقال ابن الجوزي في غريب الحديث: (التماثيل جمع تمثال، وهو اسم للشيء المصنوع مشبها بصور الحيوانات) ، وفي كتاب الله تعالى (وصوركم فأحسن صوركم) (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء) ، وتأتي الصورة بمعنى التمثال، ففي لسان العرب (التصاوير التماثيل).
وفي "النهاية في غريب الأثر" : (والأصنام وهو ما اتخذ إلها من دون الله تعالى، وقيل هو ما كان له جسم أو صورة فإن لم يكن له جسم أو صورة فهو وثن).
مما سبق يتضح أن الصورة في اللغة تشمل المجسم والمرقوم من الصور، كما أن الصورة والتمثال يأتيان بمعنى واحد، أما الصنم فيكتسب معنى عقائدياً مخالفاً لعقيدة التوحيد، ولذا عبر القرآن بالتمثال في بعض الأحيان عما كان مباحاً قال الله تعالى عن سليمان عليه السلام: (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات) وفي أحيان أخرى بما كان مكتسباً للطبيعة الوثنية قال الله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام في معرض مخاطبته لقومه (إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون)، أما الأصنام والأوثان في التعبير القرآني من أوله إلى آخره كانت تعبر عن مضامين عقدية وثنية مخالفة لعقيدة التوحيد.
قال تعالى: (فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم) الأعراف:138
قال تعالى: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) إبراهيم:35
قال تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) الحج:30.
النور الوضاح
08/07/2006, 03:34 PM
الأحاديث الواردة في الموضوع:
وردت في التصاوير عدة أحاديث أهمها:
1. روى الربيع (274): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: اشترت عائشة رضي الله عنها نمرقة فيها تصاوير ، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف بالباب ولم يدخل، فلما رأت في وجهه الكراهية قالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوب إلى الله ورسوله مما أذنبت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ما بال هذه النمرقة؟
فقالت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتتوسدها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون بها في النار ويقال لهم أحيوا ما خلقتم.
ثم قال: إن البيت الذي فيه تصاوير لا تدخله الملائكة عليهم السلام.
وهذا الحديث رواه أيضاً البخاري من طريق السيدة عائشة في عدة مواضع
(1999) (3052 ) (4886 ) .
2. روى البخاري (417) ومسلم (528) عن السيدة عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير فذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة).
3. روى الربيع (276): أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني أنه اشتكى
أبو طلحة الأنصاري، فدخل عليه أناس يعودونه ، فأمر رجلا أن ينزع قميصاً تحته، فقيل له: نزعته يا أبا طلحة .
فقال: لأن فيه تصاوير وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد علمتم .
فقال رجل منهم ألم يقل: (إلا ما كان رقماً في ثوب).
فقال: بلى، ولكنه أطيب لنفسي وأحوط من الإثم.
والحديث بهذا السياق من قصة مرض أبي طلحة الأنصاري رواه أيضاً النسائي في السنن الكبرى (9766) والترمذي (1750) وابن حبان (5851) والبيهقي في السنن الكبرى (14362).
وورد بسياق آخر من قصة مرض زيد بن خالد الجهني عند البخاري (5613) ومسلم (2106) من طريق بسر بن سعيد عن زيد بن خالد عن أبي طلحة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة". قال بسر: ثم اشتكى زيد فعدناه، فإذا على بابه ستر فيه صورة، فقلت لعبيد الله ربيب ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: ألم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأول؟. فقال عبيد الله: ألم تسمعه حين قال: (إلا رقماً في ثوب) وقال ابن وهب أخبرنا عمرو هو بن الحارث حدثه بكير حدثه بسر حدثه زيد حدثه أبو طلحة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
4. روى البخاري (3174) وابن حبان (5861) عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت، ورأى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بأيديهما الأزلام، فقال: (قاتلهم الله، والله إن استقسما بالأزلام قط).
5. روى مسلم (969) عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته ، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته).
6. روى مسلم (2107) من طريق القاسم بن محمد عن عمته السيدة عائشة قالت: دخل النبي صلى الله عليه وسلم علي وقد سترت نمطاً فيه تصاوير فنحاه، فاتخذت منه وسادتين.
7. روى النسائي في السنن الكبرى (8950) وأبو داود (4932) عن أبي
سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة قالت :قدم النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة وقد نصبت على باب حجرتي عباءة وعلى عرض بيتها ستر إرميني، فدخل البيت فلما رآه قال لي: (يا عائشة مالي وللدنيا؟). فهتك العرض حتى وقع الأرض وفي سهوتها ستر، فهبت ريح فكشفت ناحية عن بنات لعائشة لعب فقال: (ما هذا يا عائشة؟) قالت بناتي ورأى بين ظهرانيهن فرس له جناحان قال: (فرس لها جناحان!) قالت أوما سمعت أن لسليمان خيلاً لها أجنحة. فضحك حتى رأيت نواجذه.
النور الوضاح
08/07/2006, 03:36 PM
ومن خلال المناقشات الفقهية في كتب الفقه القديمة والحديثة، يتضح أن هناك عدة اتجاهات في التعامل مع هذه المسألة:
1. الاتجاه الأول: غلَّب الروايات الدالة على منع تصوير ذوات الأرواح بكافة أشكالها وهي الأحاديث (1) و (2) و (4) و (5).
ورأى أن هناك وعيداً وارداً في شأنها لأن فيها مضاهاة لخلق الله، وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن أصحاب الصور يعذبون بها في النار ويطالبون بأن يحيوا ما صنعوا، وهذا دال دلالة صريحة على التحريم.
وهذه الروايات رواها جمع من الصحابة منهم السيدة عائشة وابن عباس وابن عمر وأبو سعيد الخدري.
2. الاتجاه الثاني: القائلون بالجواز، وهؤلاء فريقان:
- فريق غلب الروايات الدالة على جوازها وإباحتها، وحمل ما روي في المنع على النسخ لقوله صلى الله عليه وسلم (إلا رقماً في ثوب) واعتباره أمراً اقتضته ظروف حداثة الناس بالإسلام.
- وفريق رأى انطلاقاً من رؤية قرآنية أن التصوير المذموم هو الذي ينحى منحى مخالفاً لمقتضيات عقيدة التوحيد، وأن المضاهاة والمماثلة لخلق الله تعالى غير ممكنة من أساسها.
3. الاتجاه الثالث: حاول الجمع بين الروايات المجيزة والمانعة بأن حمل المنع على الكراهة. وهناك آراء أخرى في المسألة لم أتعرض لها، لكن هذه الاتجاهات هي مدار أكثر المتعاطين للمسألة.
النور الوضاح
08/07/2006, 03:37 PM
التصوير الفوتوغرافي والمجسم
عندما غلبت النظرة الفقهية التي ترفض التصاوير بكافة أنواعها في المجتمعات الإسلامية، أدى ذلك إلى ضمور كافة أشكال التصوير، وصار التصوير أحد الأمور المستهجنة، أما الآراء التي استجازت بعض أشكال التصوير فتقلصت مع الأيام وصارت من قبيل الآراء المخالفة للسنة في نظر الكثيرين.
ومع بدايات الثورة الصناعية وتعدد المنجزات الإنسانية وتنوعها وغزوها للمجتمعات الإسلامية وقع النظر الفقهي في معضلات لم يكن يحلم بالوقوع فيها حتى في أكثر كوابيسه بشاعة، ومن تلك المعضلات التصاوير بمختلف أنواعها، ومنها التصوير الفوتوغرافي.
لقد احتار الفقهاء في تكييف هذا اللون الجديد من التصوير واحتاروا أكثر في تطلب الحياة المعاصرة للتصوير الفوتوغرافي واليدوي والمجسم في مجالات التعليم والشؤون القانونية والأمن والصحة والتنظيم الإداري وغيرها من الأمور التي تعود على الناس بالنفع، وهذه الحيرة أوقعتهم في مقولات غاية في الغرابة والبعد عن أصولهم المعتمدة. لنأخذ التصوير الفوتوغرافي على سبيل المثال، فعند ظهوره تبنى أكثر الفقهاء تحريمه على اعتبار أن التصوير ورد ذمه في الحديث وورد الوعيد على فعله، ولكن الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية ألف في عام 1345هـ رسالة بعنوان "الجواب الشافي في إباحة التصوير الفوتوغرافي" ذهب فيها إلى إباحة التصوير الفوتوغرافي لأنه
(عبارة عن حبس الظل بالوسائط المعلومة لأرباب هذه الصناعة ليس من التصوير المنهي عنه في شيء، لأن التصوير المنهي عنه هو إيجاد صورة وصنع صورة لم تكن موجودة ولا مصنوعة من قبل يضاهي بها حيواناً خلقه الله تعالى، وليس المعنى موجوداً في أخذ الصورة بتلك الآلة) على حد تعبير المطيعي، أي أن التصوير الفوتوغرافي غير التصوير المتوعد عليه في الحديث! لأنه حبس للظل فقط، وقد أخذ كثير من العلماء بعد ذلك بكلام المطيعي وحججه في هذا الموضوع. والغريب في هذه الحجة أنها عين ما ظلوا يجلدون به الضمير المسلم قروناً طويلة من ذم المعتزلة في تقديمهم العقل على النقل واعتدادهم بالحجج العقلية في مقابل النقل، مع العلم أن المعتزلة لم يكن لهم فقه يذكر مارسوا فيه تقديم العقل على النقل!! فكانوا في الفقه شافعية أو أحناف، أما من قال بذلك من الفقهاء فناقضوا أنفسهم واعتمدوا حجة عقلية صريحة في الإفلات من قبضة النصوص الحديثية، مع أنه يلزمهم القول بدخول كافة أنواع التصوير في الحرمة، إذ لم يرد مخصص يستثني التصوير الفوتوغرافي من هذا العموم حسب رؤيتهم.
النور الوضاح
08/07/2006, 03:38 PM
ووقوعهم في هذا المطب سببه الحقيقي ضغط الحياة وإلحاحها في ضرورة إيجاد مخرج "شرعي" لمسألة التصوير، فكان المخرج في أصل نُسب للمعتزلة شعروا بذلك أو لم يشعروا. وبعض من القائلين بجواز التصوير الفوتوغرافي يمنعون التصوير باليد أي الرسم، وهذا يعكس أزمة أخرى في فكرة أن التصوير جائز لأنه حبس للظل، لأن التصوير باليد أيضاً عبارة عن حبس للظل لكن بصورة أقل دقة وكفاءة من التصوير الفوتوغرافي، فكيف تحرم الصورة الأقل دقة وتباح الأكثر دقة؟!!.
وبعض الفقهاء -وخاصة المشتغلين بالحديث منهم- أدرك هشاشة الحجج التي استند إليها القائلون بالجواز، واعتمد على قاعدة الضرورات في إباحة المحظورات، فتحولت الحياة التي تركبت على التصوير إلى ضرورة من أولها إلى آخرها، فالمجلات والصحف التي تصدر بالصور ضرورة، والتصوير السينمائي والتلفزيوني ضرورة ، والصورة في الجواز والبطاقة ضرورة وقس على ذلك بقية الضرورات، وعليه تحكم الحياة بقانون الطوارئ، أي أن تتحول الحياة بكاملها إلى ضرورة، وتخيلوا مقدار الضرورة التي نمارسها كل حين ولا ندري متى سترتفع هذه الضرورة وخط الحياة متجه إلى "ضرورات أشد وأنكى"؟!!.
القضية إلى الآن لم تحل في نظري، ولا يزال الموضوع يحتاج إلى معالجة أخرى تتجاوز هذه الإشكالات وإلا فإننا قد نتراجع مع اتجاهات تعيد عقارب الساعة للوراء.
محمد الأول
09/07/2006, 06:45 AM
نعم .... يشعرني هذا الكاتب بالتعمق في النصوص الواردة التي تعالج المشكلة التي تطرح امامه ....
كل التوفيق للإعتدال ومن يصاحبه
الحكيم العماني
09/07/2006, 07:11 AM
السلام عليكم
أشكر أخي النور الوضاح على نقله القيم، والشكر موصول لأخي الحبيب خالد الوهيبي على طرحه الرائع وكتاباته المتميزة!
هل هي دعوة أعمق في مضمونها من مجرد مناقشة أحكام التصوير إلى رؤية أوسع لموروثنا الفقهي والفكري؟ أليست دعوة لمراجعة ما كان يوما من "المسلمات"؟ ألا تشمل مواضيع وأبعادا أخرى، مثل الموسيقى والمؤثرات الصوتية على التمثيل لا الحصر؟
دمتم بعافية
الصقر الذهبي
09/07/2006, 08:15 AM
يعجبني كثيرا من يعمل عقله في مثل الأمور ولا يعتمد فقط على النقل
النور الوضاح
09/07/2006, 09:03 AM
نعم .... يشعرني هذا الكاتب بالتعمق في النصوص الواردة التي تعالج المشكلة التي تطرح امامه ....
كل التوفيق للإعتدال ومن يصاحبه
ربما هو التعمق، وربما هو النظر الى النص من زاوية اخرى..!!
النور الوضاح
09/07/2006, 09:05 AM
السلام عليكم
أشكر أخي النور الوضاح على نقله القيم، والشكر موصول لأخي الحبيب خالد الوهيبي على طرحه الرائع وكتاباته المتميزة!
هل هي دعوة أعمق في مضمونها من مجرد مناقشة أحكام التصوير إلى رؤية أوسع لموروثنا الفقهي والفكري؟ أليست دعوة لمراجعة ما كان يوما من "المسلمات"؟ ألا تشمل مواضيع وأبعادا أخرى، مثل الموسيقى والمؤثرات الصوتية على التمثيل لا الحصر؟
دمتم بعافية
اتفق معك في التساؤلات التي طرحتها، واظن انها ليست التجربة الاولى في مراجعة الموروث الفقهي، فبدايات كتاب اشراط الساعة هي الخطوة الاولى في الطريق الصحيح، وهي مراجعة المنهج المعتمد في معالجة الموروث الفقهي.
برج بن زيد
12/07/2006, 08:53 PM
شكراً لك أخي النور الوضاح على نقلك
لهذا الموضوع، بارك الله فيك.
vBulletin إصدار 3.8.11، كافة الحقوق محفوظة ©2000-2026، مؤسسة Jelsoft المحدودة.