عرض الإصدار الكامل : النصوص القصصية في الملتقى الأدبي الثاني عشر
الرجل الضرب
07/07/2006, 10:51 PM
... طبول...
الحركة غريبة في بيتنا الطيني هذا اليوم. و الأغرب في الأمر تزامنها المفاجئ بمرض جدتي. المسكينة أنهكتها الستين محنة و ألم. ليلتها تجمع حشد غريب في مجلس بيتنا. و نقلنا أنا و أخوتي إلى غرفة قصية, بعيدة عن المجلس. طلبت منا أمي النوم و التزام الهدوء. و كعادتي لا أرد سؤال فرض نفسه علي. سألتها ماذا هناك؟ و لماذا الطبول معلقة على أكتاف بعض الرجال؟!
رمقتني بنظرة لم أدرك معناها حينها. و قالت ستعرف و لكن ليس الآن.
* * *
تركتنا و شيء من الحيرة تسلل إلى ذاتي الفضولية. حاولت الربط بين الأشياء التي رأيتها و الناس الحاضرين. أيعقل أن تقرع الطبول في وقت متأخر كهذا؟! و النار التي أوقدها أبي خلف البيت منذ المغرب ما علاقتها بالموضوع. مرت دقائق حتى ترامت إلى مسمعي أغان و أهازيج ممزوجة بأصوات طبول مجوفة. أن هذا السر يجب أن تنكشف معالمه. أيحتفل الكبار هكذا بعيدا عنا؟!!!
* * *
ألصقت أذني بباب الغرفة. أصغي لصراخ و كلمات صارت تتكرر باستمرار (مجمر, لبان,... ) و غيرها التي لم أفهمها. آه.. و ألم يباغتني في فمي الصغير!. سني المسوس أبى إلا أن يشارك في هذا السر. أحاول أن اضغط عليه بإبهامي لمحاولة خلعه من مكانه لكن اختلاجة من الألم ثنتني.سمعت جلبة في الخارج. عرفت من الصوت إنه صاحب البطن المترهل الذي جاء قبل يومين إلى بينا. أتذكر يدي المتبعة بعد تسعة فناجين من القهوة سكبتها بنفسي إليه.
: إنها مسكونة من زمان
:(تصرف أنت وربعك). و لكن من غير ضرب فهي أمي.
:(ما يهمك بينزل الشيوخ و بترجع مثل الخيل تربع).
مسكونة, ضرب, شيوخ, تزداد حيرتي أكثر. من سكن من؟ و لماذا الضرب في الحفلة؟! و لا أستطيع تخيل شيوخ الحارة بين تلك الثلة من الغريبين.
* * *
قررت اقتلاع السن بكل قوة. اضغط.. اضغط محاولا اجتثاثه. شيء حار أمتزج بلعابي. الألم ارتفعت حدته و امتزج مع إيقاع الطبول المقروعة. مشكلا مقطوعة الألم و الحيرة. صراخي لم أطق أن اكتمه أكثر. قررت الخروج, أذرع الدرب الممتد من الغرفة إلى المجلس ( الحفلة ). أقترب و خوف أحتل جوانبي . أغنية غريبة اجتاحتني (( ملعونة و بنت الملاعين و شباكة ... )). بالطبع لم أفهم أي شيء بحكم سني و عقليتي التي لم تدرك تلك الكلمات الغريبة. يقاطع مروري صوت أبي الذي تنرفز لوجودي, بررت موقفي باحمرار وجهي. بعدها أمسك يدي و جرني و هو يردد ( ما ناقص إلا يدخلوك أنته). الحفلة صاخبة, الرؤية ضبابية. و صراخ متبعثر الاتجاهات يملأ المكان. الجدة هناك في منتصف النسوة و الإنهاك بادئ عليها. و ضرسي أعلن حربا شرسة, و السائل الأحمر يتدفق بشراهة. ابتلع تلك الدماء الحارة لتمتزج في داخلي.
* * *
في تلك الزاوية كان يترنح كالسكران. و جسده النحيل يضخ زخات العرق المالحة. يقترب من المجمر. فيرتعش جسده. و يصبح الضرب على صدره ذا و قع أقوى. يلتهم الجمر بكلتا يديه, و يمضغه و هو ملتهب. و ثغره الملتهب يبتسم من المتعة. آه.. أه الألم بلغ ذروته عندي. أزم شفتي بقوة, و لكن لا جدوى. و هذا النحيل تحول إلى وحش يلتهم النار الحارقة. التصق بأبي كالباحث عن الأمان. يحيط بي بيده و ينسحب من تلك الحفلة الغريبة ليوصلني لغرفة النوم, لولا صوت نبح به أحد الغريبين أن تعال الشيخ نزل. تركني لأكمل الطريق وحدي.
* * *
تقدمت بكل خوف. حاولت الركض بكل ما تحمله قدماي من ثقل. النحيل و فمه الممتليء جمرا أراه يركض خلفي و كأني جمرة فرت من مصيرها. أركض ... أركض أسقط على وجهي متعثرا بحصاة كانت قد غرست نفسها في الطريق الطويل. استيقظت بعد إغماءة قصيرة بتراب يلطخ وجهي ممتزج بدم حار. تحسست بلساني سني المسوس الذي انخلع من مكانه مخلفا حفرة مقعرة. وقفت على قدماي. نظرت إلى أصحاب الحفلة. طبول حمقاء تقرع. و أغنية غريبة تنساب من بينهم. واصلت طريقي للغرفة. برأس يتفصد ألما. قررت النوم وعدم مشاركة الكبار في حفلاتهم الغريبة, التي لا تجلب سوى الحيرة و الألم...
علي الغافري
الرجل الضرب
07/07/2006, 10:52 PM
الغريب!!
في قرية صغيرة تقع على سفح الوادي الغزير والبساتين الخضراء التي تحف بها من كل جانب كنا نعيش في سلام ووئام ترفرف علينا طيور السعادة والسلام ، كنت وأصحابي كثيرا ما نعيب على المجنون الذي يسكن في حارتنا والذي يلعب معنا وكان الكبار يعطفون عليه ويعطوه وكان ينام في أحد الأكواخ الصغيرة الملاصقة للقرية وكثيرا ما سألت أمي عن هذا المجنون وعن أصله وكانت أمي ترد علي إن هذا المجنون عثر عليه بالقرب من المسجد وقد رباه شيخ القرية وعند موت شيخ القرية مقتولا في يوم من الأيام على يد احد اللصوص ، حزن هذا المجنون حزنا عظيما وأصبحت حالته على ماهية عليه ومضت السنون وهو على هذا الحال ..
وفي يوم من أيام الشتاء الباردة وفي ليله اختفى فيها ضوء القمر حل بقريتنا الصغيرة شاب غريب ملامحه تبدو أنه في ريعان شبابه، وكان طويل القامة قوي البنية جاء لوحده واستأجر بيتا يبعدا عن بيتنا بأربعة بيوت ، كانت نظرات الغريب نظرات مخيفة ومرعبة وكنا نتحاشى المرور من أمام منزله ، وكان الغريب حديث الحارة منذ قدومه لغرابة أفعاله وجلوسه لوحده أمام منزله دون أن يتحدث مع أحد أو أحد يكلمه ومع مرور الأيام بدأنا نعتاد على رؤيته ونظراته التي لم تصبح مرعبة لنا ومعطفه الطويل إلى ركبتيه ، ومع ذلك كنا نتحاشى الحديث معه وفي يوم من الأيام كنا نتسابق أنا وصديقي بالدراجات الهوائية وحدث أن اصطدمت بصديقي فوقعت على الأرض أمام بيت هذا الغريب وكان هو جالسا أمام المنزل كالعادة وفجأة هب ليساعدني وكنت قد جرحت في ساقي ودخل إلى بيته وأحضر لي مطهرا ورباطا طبيا وأخذ يداوي جرحي بنفسه كل ذلك وأنا لم أنطق بكلمة واحدة حتى انتهى من تضميد الجرح وأنا مندهش من هذا الغريب ومن تصرفه وكيف إنني ظلمت نظراته وقمت واقفا وشكرته على ذلك وذهبت إلى البيت وأخبرت أمي بذلك الموقف وما كان من أمي إلا أن حذرتني من الجلوس معه مجددا لأننا لا نعرف عنه أي شيء ولكنني عندما كنت أمر بجانب منزله كنت ألقي عليه التحية ..
وبعد يومين من هذا الموقف حدث حادث غريب هز قريتنا من أولها إلى آخرها حيث شاهدنا جثة العم صالح وهو أحد المزارعين ملقاة على الطريق المؤدي إلى مزرعته.. كان مشهد الجثة المتيبسة والجرح الكبير على رقبته يشير إلى أن أحدا جرحه أو تعمد قتله بكل وحشية وجاءت الشرطة للتحقيق في الجريمة وأنكر الجميع معرفتهم بالحادث بما فيهم الغريب ، وكان العجيب في مقتل العم صالح أن الجثة خالية من الدم وكأن الدم تبخر أو تم شفطه وسحبه ، وأصبحت الجريمة حديث القرية الصغيرة الكل يفسر على هواه والكل يعطي تخمينات وبدأت بعض الأصابع تشير إلى الغريب على أنه القاتل وكنت طوال الوقت أحاول أن أبعد صورة القاتل عن هذا الغريب ، ومع مرور أسبوع على الحادث بدأت الناس تكف عن الحديث عن هذه الحادثة وبدأت أعداد الشرطة تقل حدثت الحادثة الثانية وكانت هذه المرة بنت صغيرة في عمر الزهور وكثيرا ما لعبنا معا مع هذه البنت التي أذكر نظراتها وضحكاتها والتي أسمعها في أذني تمنيت أن تنشق الأرض وتبتلعني ولا أشهد موت هذه البنت بهذه الطريقة المأسوية والوحشية ، وهنا قامت الدنيا ولم تقعد في القرية الصغيرة وصار هذا المسلسل الدموي حديث القرى المجاورة وبات الكل يهاب زيارة القرية وهاجر بعض الأهالي إلى القرى المجاورة ، وقام بعض الأهالي بالذهاب إلى مركز الشرطة كي يعطوا شكوكهم تجاه الغريب والذي لم يشارك الأهالي في البحث عن القاتل ، وقامت الشرطة تنفيذا لطلب الأهالي باستجواب الغريب والذي بدأ هادئا كعادته وذلك الغليون الغليظ لا يفارق فمه وبعد ساعات من الاستجواب لم يتوصل فيها الشرطة إلى أي دليل يؤكد أو ينفي التهمة عن الغريب ومع ذلك تم وضع الغريب في السجن على ذمة التحقيق وكانت المفاجأة أن وقت الحادثة الثالثة للعامل الذي كان يعمل في مزرعة شيخ القرية في السابق وبنفس الطريقة الوحشية وهنا أحتار الأهالي ورجال الشرطة والذين لم يصدقوا عقولهم كيف يعقل أن تتم هذه الحوادث في هذه القرية الصغيرة دون أن نعلم من هو الفاعل ..
وفي تلك اللحظات كنت أنا وصاحبي نتجول على أطراف القرية عندما شاهدنا المجنون يجري بسرعة كبيرة وثيابه ملطخة بالدماء ماذا يفعل هذا المجنون ولماذا هذه الدماء على ثيابه ؟ وقمنا بالجري خلفه إلى أن دخل إلى الكوخ فشاهدنا منظرا غريبا : المجنون يشرب من طاسة مملوءة بالدم وثيابه ملطخة بالدم وهناك سكين موضوعة على المائدة وبها آثار الدم واضحة ...وعدنا إلى القرية وفي لحظات كان الأهالي جميعهم يحيطون بالكوخ الصغير وأقتحم بعضهم الكوخ ووجدنا المجنون قد شنق نفسه وهو معلق بأحد أعمدة السقف ليموت معه سر مسلسل القتل وقبل أن يموت كان قد كتـب على جدار الكـوخ أسم شيخ القرية وشيء من الحروف الغامضة والغريبة !!!
تمت....ماهر الزدجالي
الرجل الضرب
07/07/2006, 10:53 PM
المؤسسة "س"
صديقي العزيز: عزيز
إن كنت ترضى أن أدعوك صديقي بعد السنوات التي عصفت، والذكريات التي شحبت.
مذبوحة هي الكلمات حين تكتب بعد فوات الأوان، وهذا فوات الأوان، لعل الدهشة قد أخذت من مقلتيك ما أخذت وأختلط لديك برزخ الحقيقة بالخيال وأنت تمسك برسالتي. أراهن أن سؤالك الكبير الذي يتردد في أصداء قلبك الطاهر قبل عقلك في هذه اللحظة: لماذا يكتب لي الآن والآن بالتحديد؟
انه الوجع ذلك الشيطان الذي حرك أصابعي المنهكة لتمسك بلوحة المفاتيح وتطبع لك، وإنه لعمل شاق لو تعرف فهي الحقيقة المرة التي أتجرعها؟
حين قررت كتابة هذه الرسالة طويت معها أحساس شعوب كاملة بالعذاب، والألم، والندم.
قبل البدء لا تصدق كل ما قالوه لك عن سفري وهجرتي، فحكاية السفر كانت كذبة صغيرة ضمن كذبة أكبر ضمن خيانة كبرى كنت شريكا فيها، بل المدبر لها.
لا.. لم أسافر،
كنت لخمس سنوات مضت نزيلا في السجن المركزي، لا تستغرب أبدا فحين تعرف الأسباب ستقول ليتهم أعدموه في غرفة غاز قذرة، ولكن ضمن الخطة كان في الحسبان أن تقلص العقوبة إلى خمس سنوات، كل الورق معد والدليل معد والاتهامات معدة حتى أصغر التفاصيل.
لعلك ستسائل عن القضية التي دخلت بها السجن، لم تكن مشاكستي ولا رفضي ولا ثورتي هي السبب إنما فسادي وضميري الميت كانت طريقي إلى الحبس.
لا تستغرب .. أبدا لا تستغرب.
سأخبرك القصة بالكامل، وأقسم لك بكل عزيز بيننا أن لا أكذب عليك في شيء.
قبل قصة سجني سأعود بك إلى أيام لقائنا الأول في الجامعة، كان في أمسية شعرية، بعدها اكتشفت أنك في صفي، وتوالت الأمسيات واللقاءات حتى أصبح لا يرى أحدنا إلا والآخر معه، عزيز وغازي دائما معا.
لماذا اخترتك ولماذا اخترتني لنكون أصدقاء، أعتقد أن التوافق الفكري والروحي وحتى الأحلام كانت متقاربة حد الالتصاق.
آه أيام الجامعة، كانت أيام النزاهة والفضيلة، كانت أيام الطموح والأحلام. بالطبع لا تنسى الجماعة الطلابية التي أوجدناها من العدم، تذكر الليالي الطويلة من التفكير والتخطيط والإصرار، تذكر كل المواقف المؤلمة والصعبة والهزلية أيضا. لم تكن الجماعة بحاجة لانتخابات لأحصل على الرئاسة بالتزكية، ولم أرجح بين أية خيارات لكي أختارك نائبا لي، عملنا واحترقنا بدون مقابل، عرفت نزاهتي أكثر من أي شخص، وجربت لمعان أمانتك في كل موقف.
إن كنت تذكر ذلك فحكما تتذكر كل الأموال التي جمعناها للحملات الخيرية، أنا على يقين أن صورة الحقيبة البنية التي احتوت 15 ألف ريال عماني لا تزال عالقة في ذهنك. كانت تبرعات لمرضى السرطان، واحتفظنا بها حتى اوصلناها لمستحقيها بدون إيصالات ولا عقود ولا أية ورقة إثبات.. ولم نلمس منها ريالا واحدا حراما على الرغم من حاجتنا وقلة حيلتنا.. لم يكن لدينا حقدا اجتماعيا ولم نكن عباد مال، كنا عباد الطموح والأحلام وآه من الأحلام!
ذات مرة كنا خارجين من اختبار صعب، كالعادة كنا نضحك ونسخر من كل شيء، وفي ذات البقعة وقفت تراقب العابرين وأمسكت أنا بالجريدة، لأرى الخبر: فضيحة اختلاس كبرى في المؤسسة "س"، ففاجأتك بالسؤال: عزيز، لو كنت المدير العام للمؤسسة "س" فماذا ستفعل؟ استغربت سؤالي ولكنك أجبت بسرعة: سأقدم على أكبر مذبحة إدارية أقطع فيها رؤوس الفساد، سأنظف المؤسسة من المرتشين والمنتفعين والمتسلقين، ثم أصلح البقية!
قلت لك يومها هازئا لهذا السبب لن تكون المدير العام في أي يوم من الأيام.
كنت أحاول السخرية ولكن الفجيعة أن تلك المزحة كانت حقيقة، مثلك لن يكون في المؤسسة "س" لأن كفك بيضاء وهم لا يقبلون إلا الأيادي المتسخة.
لا أعرف لماذا سألتك هذا السؤال؟ ربما لأنها أحد تحدياتي، فقد كنت أطمح أن أغير هذه المؤسسة "س" بالتحديد للسمعة السيئة التي تحظى بها.
وحين أتى التخرج كان حلمنا الأكبر عمل حقيقي نبدع فيه ونبتكر، لم نكن نفكر في الراتب بقدر الإبداع، صياغة القرارات، التطور، النمو، الإنتاج.. ولكن صدمنا بجدار الحقيقة في كل مقابلة كنا نخوضها للعمل. ففي المرة الأولى حين خرجت مكفهر الوجه؟
سألتك يومها: خير.. ماذا حصل؟
- لن يوظفونا
- لماذا؟
- سألوني عن أشياء لا تمت بصلة للدراسة ولا المعرفة ولا للعقل ولا المنطق.. إنهم يعبثون بنا.
- مستحيل، سأشتكي عليهم.
لم أشتكي بل انتظرت مثلك المقابلة الثانية والثالثة والرابعة والعاشرة، لم نستسلم قاومنا حتى النهاية، أحرجناهم أكثر من مرة.
نحسي المعتاد كان حاضرا يوم اتصلوا بي يعلموني خبر قبولي في الوظيفة.
أتى الصوت غلظا من الهاتف: ألو
- ألو.. أهلا
- غازي؟
- نعم غازي .. من المتكلم؟
- أنا من قسم التوظيف أبشرك بأنك قد اجتزت المقابلات وتوظفت عندنا، راجعنا لتستكمل إجراءات.
- آه نعم مبروك! نعم! قصدي الله يبشرك بالخير. أين أذهب؟ أي مؤسسة!
- نحن المؤسسة"س".
نشوة تلتها تنهيدة طويلة، "س" تعني الخوض في حرب طويلة من التحديات والرفض والتغير.. لا مشكلة، لدي من الإصرار والتحدي ما ينهكهم.
وفي الصباح حملت أوراقي وعدلت من عمامتي وخرجت إلى الدوام قبل بدايته بساعتين، تعرف أحوال "التكاسي" في بلادنا، ليس من السهولة أن تجد "تاكسي" في صباحات مسقط الرطبة. بعد معاناة وصلت إلى المؤسسة قبل الجميع وانتظرت مديري حتى وصل، دخلت عليه بابتسامة ملأها الاحترام، قابلني بوجه كالح وكأني شيطان أمامه، قال لي بالحرف الواحد: لا تعتقد بأنك تعرف أكثر منا، شهادتك عبارة عن "كرتون" في مقياسي، ونحن أهل الخبرة هنا فلا تتدخل إلا في الأشياء التي نعطيك إياها.
ابتلعت ابتسامتي ومضيت إلى مكتبي، ومكتبي يعني الطاولة الخشبية المهترئة التي أجلس عليها، مهترئة بعد أن أحيل الموظف الذي كان عليها إلى التقاعد.
أتت الأعمال الأولى واستقبلتها برحابة صدر، وأتت الثانية والثالثة والرابعة، واكتشفت أخيرا ما هو عملي.. باختصار شديد أنا فراش ولكن بشهادة جامعية. كنت أوصل الملفات من مكان لآخر، بعد أن أهوي بالختم على الأوراق ثم أعيدها لأدراجها، وأختم عليها بشكل روتيني لا يحتاج إلى مراجعة أو تدقيق.
أحضر شرائح "الباوربوينت" لرئيس القسم، أطبع له محاضر الاجتماع، أصور له ما يريد من الأوراق.. قلت لك فراش برتبة جامعي. لم أتبرم، لم أيأس بل عملت كل هذه الأعمال التافهة بكل إخلاص وإتقان. وليتني لم أفعل، فحتى هذه الأعمال التافهة كانت محط حسد الكثيرين، فدخلت في دائرة الحسد الوظيفي القذر: أكاذيب تلفق، وإشاعات تنقل، ومسامير توضع لك لتجلس عليها، أفخاخ تنصب لك كي تدميك.
كما تعرفني، لا أتحمل.. منذ أول تعد على كرامتي ثرت وأشهرت كل أسلحتي، ولكن للأسف لم تكن الوظيفة كالجامعة، فأسلحتي في الوظيفة مكبلة براتبي آخر الشهر، وكم كنت أحتاج لكل ريال فيه بعد أن تكالبت علي الظروف، صدقني كنت في حرب مع الروتين والواسطة والرشوة والموظفين وفاتورة النقال وأقساط السيارة وقصائد محمود درويش وأغاني كاظم الساهر.
تحملت كل تلك العداوات لأهداف سامية، للأسف ليس لها أية قيمة في المؤسسة"س".
لحسن حظك لم يوظفوك في المؤسسة "س"، وبعد محاولاتك الكثيرة رجعت إلى قريتك وفتحت دكان أبيك القديم وعمرته من جديد، واخترت حياة البساطة بعيدا عن الضوضاء وتركتني وحدي رهين الفساد في "س" وبعدك عني.
وفي أخر الجولات قررت أن أشتكي الفاسدين للمدير العام، وهذا الأخير أتهمني بالتلفيق والنميمة والحسد! عندها اكتشفت أنه الرأس المدبر لكل الفساد، هنا قررت أن ألعب لعبتهم، أن أكون أسوء منهم، وأتاجر بهم، ولو لم أفعل لكانوا قد أكلوني.
في البداية استخدمت قلمي ولساني لأجمل قبحهم، وأخفي عيوبهم، فاطمأنوا لي وأرخوا لي اللجام.. جمعت من المستندات الكثير، كنت أحتفظ بكل غلطة يسقطون فيها، كنت أتتبع أدق التفاصيل في العقود والفواتير، حتى سلال المهملات كنت أفتشها وما أكثر ما تخفيه تلك السلال!
ثم طالت يدي لتأخذ من جيوبهم، وطال لساني ليبتزهم، وأخذت أنسفهم واحدا تلو الآخر وأصعد على أكتافهم، وبسرعة وصلت لرئيس قسم وبعدها لمدير دائرة وبعدها لمدير عام ليس باجتهادي ولا خبرتي بل بالابتزاز والرشوة والتزوير.
وفي آخر اتصال بيننا قلت لك بكل صفاقة مصطنعة:
- عزيز، إعذرني لن استطع التواصل معك.
- فأجبتني: غازي!! أنت تمزح؟! ربما تهذي!
- أنا مشغول ولا وقت لدي.
- مشغول!! أنا سأتدبر الأمر وسأزعجك في كل مرة باتصالي، لا تشغل نفسك أنت.
- لا.. قلت لك بأني مشغول ولدي الكثير من الأمور أرجوك لا تتصل.
- غازي، أنت لست طبيعيا، لماذا ترفض صداقتي بعد كل هذا العمر؟!
- لا تتعب نفسك، أنا سأرتب أموري لوحدي، مع السلامة.
أقفلت الخط، وسعيت دائما لأتجنب اتصالاتك وسؤالك عني. قررت قطع صداقتي بك.. أتعرف لماذا؟ لأني أحبك يا عزيز، لم أرد أن ألوثك، كنت غارقا في الفساد من رأسي إلى أخمص قدمي، وأنت كل ما بقي لي من الزمن الجميل.
أما المؤسسة"س" فقد عثت فيها فسادا أكثر من البقية، حلبت كل شيء فيها حتى القرطاسيات، وأتت الصفقة الكبيرة مع الشركة الأجنبية، هندست الصفقة وورطت رؤوسا كبيرة معي، وظننت أني سأفلت، ولكن تأتي الرياح بما لا يشتهي الفاسدون، فكما كنت أبتز الذين قبلي، كان الذين بعدي يبتزونني، ويتتبعون أخطائي، ويبحثون في سلال مهملاتي.. خرجت بصفقة، مبلغ كبير من المال مقابل أن أمكث في السجن لخمس سنوات، وبعملية حسابية تبين لي بأني لن استطع جمع ذلك المبلغ خارج السجن حتى في عشرين سنة.
ودخلت السجن.. ويكذب من قال بأن السجن للرجال، فما السجن إلا للوجع والوحدة والعذاب، كنت أموت في اليوم مئة مرة، أنا المعتاد على الحرية، أنا الذي أعشق الصحراء لفسحتها، والبحر لامتداده، أجدني بين أربعة جدران يدهنها السواد والقهر. كيف مرت تلك الخمسة أعوام لا أعرف، ولكنها مرت وخرجت لأتمتع بمبلغ الصفقة.
صدمت حين خرجت! لم أعرف إلى أين أمضي؟ أو عن من أسأل! لا أهل ولا قرية ولا أصدقاء، إلا عزيز،أردت الاتصال بك ولكن فضلت زيارتك، أتيت إلى قريتكم الهادئة، لم تتغير كثيرا غير الشارع المسفلت الذي يصل إلى دكان أبيك، عجبت حين شاهدت الدكان فقد حولته إلى متجر كبير، أعجبني التصميم والألوان، كعادتك حين تصمم تحب الأزرق مثلي.
وحين وصلت منزلك كان طفل صغير يلعب، الشبه الكبير أخبرني أنه ابنك، اقتربت منه وسلمت عليه، سألته ما اسمك؟ قال: غازي بن عزيز. أحسست أن الزمن الجميل يعود أمامي، وأحسست أن الحياة تدب مرة أخرى في قلبي الذي تحجر. عرفت أنك لازلت تحبني، ولأني أحببتك أكثر لم أرد أن أغير شيئا في حياتك، فهي رائعة هكذا بدوني، لذلك قبلت غازي الصغير وعدت أدراجي.
كنت في السجن أبرر كل أفعالي وأقول: ليس ذنبي أنا.. فأنا ابن الواقع الذي يسحقنا، أنا ابن التجربة المرة التي عشتها، أنا ابن الفساد الذي يغرق فيه الجميع بطريقة أو بأخرى، أنا ابن المجتمع الذي ما عادت تحكمه الرحمة ولا الفضيلة. وحظي العاثر هو من ألقى بي في شباك المؤسسة الملعونة "س"، هذه المؤسسة محرقة الشرفاء. وكنت أخطط حين أخرج أن أفتح شركة بالمبلغ الضخم وأعيش متمتعا بالحياة فلدي من النقود ما يكفي لحياة فارهة.
ولكن صفعتني براءة غازي الصغير، ومثله الكثيرون، فلو فتحت الشركة وأصبحت من كبار التجار فسأكون قدوة سيئة لتك الأجيال التي ستلوث تجربتي أحلامهم.. صحوت من جديد وأيقنت أن الفساد لا يبرر، وأن الشماعات تسقط حين نصحوا من غفلتنا.. أنا المذنب الوحيد.
أنت وضعت في ذات الظروف، ولو تريثت قليلا لوجدت مئة مؤسسة"س" لتوظفك، ولكنك عرفت أن طريق الغواية لا عودة منه، وأن المبادىء الشريفة حين نثلمها لا تعود.
لم أعد أرغب في أي شيء، لا نقود ولا حياة فارهة، ولا أصدقاء، ولا أي شيء.. لا أعرف ماذا أريد.. والله العظيم لا أعرف.
صديقك أيام الشرف: غازي
. . . . . . . . . .
بعدها بيومين ورد خبر في كل الصحف المحلية:
أعلن مصدر مطلع في الشرطة عن مصرع مختل عقليا بعد أن أشعل النار في نفسه ومات متأثرا بحروقه، وقع الحادث في مبنى المؤسسة "س"، شهود عيان قالوا أن المعتوه كان يصرخ بهستيرية: وداعا عزيز، وداعا عزيز.
حشر المنذري
الرجل الضرب
07/07/2006, 10:54 PM
مــنـــبـــع الـــشـــمــــع
أرسل يسألني : " وما هو برأيك المنبع الذي يجعلنا نصبح كالشمعة..." 4\8\2005
لكأنه يطلب مني البحث عن حِبر ٍفقدته منذ زمن ، أجبته هرباً من البحث : أفكار ساذجة تجعلنا نصبح كالشمعة لذلك أكره الشموع ..
لم أكن أعي يا صديقي كرهي للشموع سوي عندما طرح سؤاله عليَّ ، هل نحتاج للاسئلة حقا لنكتشف ذواتنا لنعرف ما نحب ما نكرهه و ما نفكر به ! تذكرني الشموع ببعض الامهات ، الشمعة كتضحية الأم بعمرها و جمالها لأجل طفل وإن بلغ الخمسين من العمر يبقى طفلا ًفي عينها ، الشمعة كالأم - أيها الوفي - تحرق نفسها لأجل الآخرين فكيف أكرهها ألأني لا أقـدر على مجاراتها في العطاء؟! تقذفني الأفكار بعد علامة الاستفهام و التعجب الاخيرة و انا اكتب هذه الحروف بجوارك إلى فكرة المصباح الكهربائي الذي يعيش طويلا ًدون أن يحرق نفسه في ليلة وحيدة كشمعة ، هنا تبدوا الشمعة بلهاء لأنها ضحت بنفسها في ليلة مفرده و رحلت ، فلماذا لا يتغنى بالمصابيح الكهربائية كالشموع ؟ أم أننا نُحب الأشياء و الاشخاص بعد أن نفقدهم ، مغرمون بما نفقد و بما لا نملك ، فقط نبحث عن مصالحنا ، لا تـَقـُل يا صديقي أنك لست منهم الراكضون وراء الأنا و استهلاك الذوات ، أنانيون بالفطره - تقطع حروفي رنه من زميل بؤس أو مستهلك بالأدق - ولدنا نرسل الرنات لأصحاب القلوب الضعيفة كقلب الام ، يعطي وهو يحترق و لا يقاضي ..
مَن قال أنه لا يحق للأم أن تشكو وليد؟
مَن قال أنه لا يحق للشمعه أن تطالب بمجدها ؟
كَذِب من قال أنه صَنَعَ مجداً دون أن يشكر شمعة يا صديق و قد يكون صادقا اذا كان ابن العشرين عام مثلي لا يذكر شكل الشموع ولكن هل يصنع المجد ابن العشرين ؟!
رنه أخرى تتبعها رسالة بعشر بيسات ، هذه هي منتهى قيمتي لديهم عشرُ بيسات فقط تقول على عجل " أتصل بي " لأكن الان بقلب شمعة و أضحي ب45 بيسة المتبقية و اتصل ..
" ألو .. حياك حمد .. شخبارك .. نعم بس كذا تريد تسمع ربعك رنتك الجديدة! لا أبداً ما فيها ازعاج عادي بس هي الساعة ثلاث الفجر "
خسرت البقية الباقية في رصيدي ..
لنعد إلى حديثنا كنت أحدثك يا صديقي عنه عندما سألني عن المنبع الذي يجعلنا كالشمعة فأنطلقت احلل الشمعة ناسياً سؤاله عن المصدر ، ليتك تستطيع التفكير معي لو كنتَ تملك عقلا ً لفعلت اعرف أنك وفي ، و أعرف أنك لن تطلب اتصال مني لتسمع آخر يهمك أمره و تهمك صورتك في اذنه رنتك الجديدة!
لنعد .. دعك منهم ؤلائك فكل شيء سواي و سواك آخر خارجٌ عن نقاط الدائرة و زوايا المثلث ، دعني اذكرك يا صديقي و انت المثخن بالجراح مني ، دعني اذكرك كم سعيت مراراً لاستبدال جلدك المشوه بالجراح ، و كم بحثتُ لك عن لون جلدٍ مناسب لك لأبتاعه ولكن و هناك دائماً لكن التي تغتال ما يسبقها من الكلماتِ ، ولكن لم ترحمني فواتير الماء و الكهرباء لأن أبقي شيء من المال لأنقفه على جلدٍ جديد لكَ ، هل ستضاف فاتورة أخرى للصرف الصحي كما قيل حقا؟ أ تعرف كم هي مكلفة جراحات التجميل اليوم ؟ نعم .. اخالك تعذرني في زمن يتم استبدال جميع الالوان فيه من لون العيون و الشعر إلى لون الجلد و الاسنان ، و أمست الوجوه قطعاً مركبة الملامح من وجوه آخرين ، نبحث دوما يا صديقي عن شماعة نعلق عليها الاعذار فاعذرني ..
كنا نسأل عن المنبع أو كان يسألني بالاصح عن المنبع ، و فجأة اصبحت ابحث معه لكأني تبنيت عملية البحث ، مالذي يجبرني على البحث يا صديقي و هو السائل بعشر بيسات أيضا عن ما أرقه ، دعك منهم و لنتحدث عن علاقتنا ، نعم .. أنا و أنت سنوات مضت و أنت الصابر علي الساكت عن سهواتي و زلاتي و تجريحي ، حان الوقت لأشكرك يا صديق و لأجعلك تحس بمدى أهتمامي بك و تقديري لوقفتك بجانبي كل هذه السنين ، انظر لما ابتعته لك الليلة ، كنت معي اثناء شرائي له و لكنك لم ترى ما اشتريت ، كنت في الظلمة التي اودعك فيها كلما انهيت حديثي ، ما رأيك بهذا الغلاف الجديد لك يا صديقي ؟
آه .... اوقعتك !
لم أكن اقصد ايذائك !
آسف لم اكن اقصد!
يا إلهي لقد كسرت !
تكلم معي طمني هل تشعر بألم ؟
نسيت رباه انت لا تستطيع الكلام !
ماذا أفعل ؟
علي ان اجمع إجزائك المكسوره عن غير قصد ، آه كم انا آسف ، لم اقصد صدقني أنا آسف ، اردت فقط إشعارك ببعض ما احمله لك من مودة لم اقصد ، صدقني لم اقصد إيذاءك ، سأخذك الى اختصاصي اعرف انه بارع في الكسور ، سبق و ان اخذتك له ذات صيف ، اعرف انه يعمل في وقت متأخر مثل هذا الوقت.
ها أنا اسلمك ليديه ، تتغير تعابير وجهه عندما يحملك مني مكسرا تكاد تسقط منك بعض الأجزاء ، تسألني عيناه بنظرة اتهام " كيف حصل هذا ؟ " ، لا اجيب سؤال عينيه فقط أسأله " هل تستطيع فعل شيء ؟ " ، لغه العيون تتحدث لأنك لا ترى عيناه و انت الفاقد لوعيك بين يديه اخبرك انه يعدني بأن يحاول ما استطاع ، ثواني مرت كساعات و دقائق خلتها أيام ، إلى أن فضل الاختصاصي التخلي عن لغة العيون وهو يقول لي " آسف .. هاتفك النقال لا يمكن اصلاحه عليك ان تشتري واحدا آخر !"
كل شيء بدأ بتلك الرسالة التي أرسلها لي صديق يسأل عن الشمعه ، الشمعة التي تضيء ، لذى اذهب الان لأقرب محل ابحث فية عن شمعة لانير بها ليلي بلا نور هاتفي النقال!
و اقول لمن سألني عن المنبع الذي يجعلنا نصبح كالشمعة ، أن المنبع هو الحاجه!
إيمان بنت فضل بيت بن سليم
الرجل الضرب
07/07/2006, 10:55 PM
لم تكن زيارة الأب للشركة التي تعمل بها عائشة ، ابنته الوحيدة من زوجته التي توفيت بمرض السرطان قبل سنوات بالحدث العادي ، فهي ستكمل السنتين بعد أيام ، عندما وصلتها رسالة من والدها ،محددا بعد ساعة تقريبا موعد حضوره ، حاولت أن تستوعب مشاعرها لتصنفها في أي خانة ستضع هذا الحضور وتضع الأب معه، فالأب مرتبط بالحضور والحضور مرتبط بالأب وكل ذلك يعتبر استثنائيا بعد سنتين ،وأن يغزو الاب حياتها ويلامسها بكل هذا القرب .
ربما يأتي إلى ذهن البعض بأن عائشة تذهب إلى القرية بشكل مستمر، فأين الاستثناء؟؟ فهي على الأقل تذهب لتطل مرتين عليهم كل شهر ، ولكن الاختلاف يأتي من اقتحام الاب الحاجز الذي جهدت وهي تلفه حول نفسها ،والذي استطاع إلى حد معقول أن يحقق الحد الأدنى من الاستقرار النفسي لها ، فهي قبل ذهابها للقرية تحاول بقدر كبير من الحذر أن تتخفف من رائحتها التي تخص بها العاصمة ،ابتداء من الملابس الداخلية وانتهاء بالحجاب الذي تضعه على رأسها ، فملابس القرية مفصولة تماما عن ملابس العاصمة ، هذا الفصل يعتبر حاجز أمان توظفه حتى لا يشتم أحدهم حياتها القريبة إلى العبث والتي لا تخص تلك الفتاة الهادئة الصامتة ،التي تدخل عليهم من باب التدين والالتزام وتقضي أغلب إجازتها في الصلاة ، لتأكيد الثقة التي منحت لها وأنها ما زالت الفتاة الصالحة التي لن تغويها المباهج التي تنفتح عليها العاصمة.
سيلاحظ كل من يقترب من عائشة ارتباكها ودقات قلبها الناتئة من صدرها ، حاولت أن تتدارك كل ذلك ،استبدلت الكعب العالي مع إحدى زميلاتها ثم دخلت الحمام مسحت ما بوجهها من مساحيق والتي أخذت الساعة تقريبا وهي ترتب وضع طبقاتها على وجهها الحنطي، أدخلت خصلة الشعر التي صبغتها هذه المرة باللون الأحمر قبل عدة أيام، والساقطة على جبهتها ، نظرت إلى المرآة وتأكدت من أن الصورة مطابقة إلى حد بعيد مع صورتها في القرية ، باستثناء عطر " لوكوست" المختلط بالعود الذي بخرت به ملابسها هذا الصباح .
وفي الممر الموصل إلى قاعة الاستقبال كانت عائشة تسترجع الزيارة الأولى والأخيرة التي قام بها الأب ، أثناء دراستها في الكلية ،لأنها تخرجت بعد أشهر مهندسة لتقنية المعلومات وبجسم متناسق متوسط الطول ، وعينين لوزيتين تميلان إلى الحزن ، ونهدين يستشف صلابتهما من العباءة الملتصقة على جسدها ، الجسد الذي اصبح فيما بعد مورد دخل مقابل راتبها الذي تستلمه.
قبل دخولها إلى قاعة الزيارة كان صوت الأب يصلها ، بعد أن أخذ يصرخ في المشرفة التي تمنح تصاريح الخروج، "الفتيات لا أحد يضبطهن ويذهبن "يتقحبن " مع الشباب "، كانت الحمية ظهرت دفعة واحدة بعد أربع سنوات وهي سنوات دراستها وتعالت درجة حرارة الاب المختلطة بوجه ابن عم له في القرية والذي يعمل في سلك الشرطة وهو يخبره بأن الكثير من القضايا سجلت ضد فتيات من نفس الكلية ، بعد أن رجعن إلى أهلهن وقد تكور في بطنهن ولد الفاحشة .
لم تستطع المكوث في القاعة وأعين الشفقة المصوبة تجاهها من قبل الطالبات خرجت وقد احمر وجهها والدموع تشوش الرؤية أمامها .
وصلت والأب كان قد بدأ في نقاشه مع سامي موظف الاستقبال حول الترتيبات الأمنية الموجودة في الشركة ، قطعت حوارهما ، وبعد ان أصبحت في الخارج وهي تودعه وتدس ما قيمته العشرة ريالات في يده ، و تصر على كل حرف يخرج من بين اسنانها " أبوي إذا بغيت شي خبرني وأنا برسل الفلوس ، لا تجي الشركة ".
كان وجه سامي اول من صادفته ، وهو يستفسر عن الزائر، وكان ردها مقتضبا : "واحد من الجيران" ، أردفها بغمزة من عينه يذكرها بموعد اليوم ،قبل اختفائها في الممر مخلفة وراءها رائحة العطر الممزوج بالعود.
بدرية الاسماعيلي
الرجل الضرب
07/07/2006, 10:56 PM
حــــرمة
إلى سعيد :
مازلنا نعارك الدنيا ويرقبنا من عل موعد الرحيل يا حرمة اتركيني : المثل يقول : " اضرب عباس ف دباس ، واللي في القدر يطلعه الملاس " سأذهب لأرى أي حظ يحمله هذا الرأس ذلك آخر ما قاله لها قبل أن يهم بما في نفسه . ويمضي .. كانت تزم بشفتيها حتى كاد الدم أن ينفجر ، رفع الأذان كان صداه شفيفا يأتي من هناك حيث القرى في الأقاصي البعيدة. ليست كعادتها اليوم .. كان خبر تعرضه لحادث غصة تمنعها من التنفس ناهيك عن الأكل أو الإفطار . في أحد أيام رمضان.. كانت تئن بخفوت وتمسح دموعها بطرف ثوبها . أشاحت بوجهها ونظرت إلى اللاشئ في تلك الغرفة : تساءلت " ما الذي دفعه إلى ذلك أما كنا بأحسن حال لو لم يذهب . كان دائما يخبرني بأنه يريد وأنه يريد. ولكن قلما يهم بما في نفسه. لا أعلم السبب الذي دفعه لذلك فجأة " .
مرت ساعة على دخول وقت الإفطار.. غصتها كانت تسد عليها كل شئ .. أرادت أن تفصل بين الصيام والفطر فارتشفت مذقة قليلة من الماء تبخرت قبل أن تصل إلى جوفها ، نظرت إلى طفليها .ببراءتهما كان يجللهما شئ من الحدس بما يحدث وما قد يحدث .كان ما ابتلعته مرا كصبرها. كان صدرها يشتعل لهبا . تساءلت : " ماذا لو ؟؟ نفضت ذلك الخاطر عن رأسها وقالت " يا رب جيب العواقب سليمة ياااارب" ! .. القلق يحاصرها.. منذ الصباح لم يأتها أحد بأنباء جديدة ..
كان الليل متلفعا بسكون غريب......ثمة صوت يقترب ..اجتمع الخوف والقلق بترقب حينها ، إذ من هذا القادم في هذه الساعة؟ وما خطبه مع بيت ناء ؟ اللصوص وقطاع الطرق لا حرمة لديهم لشهر ولا ليوم.. ساورتها الشكوك ، واستبد بها الخوف . المنزل في مكان ما - ولكنه مكان حميم - وعلى ربوة تقبع ثلاث حجرات متقابلة بلا سياج كان ذلك بيتها
. أحدهم يترجل من سيارة . كانت حجرتها الأقرب له.. ثم (هود،هود،هل من أحد هنا؟ ) نهضت من مكانها توجهت خلف الباب تبعها الطفلان . كان الخوف من القادم يغشيهم جميعا ، كرر الرجل (هود،هود) دفعت بابنها خارج الغرفة وأخذت تصيخ السمع ، علها تتعرف على هوية القادم أو تستشف شيئا من مبتغاه بالخارج كان الفقد غلالة بدأت تكبر حينها شيئا فشيئا كما بدت الحجرات المهجورة كالأموات فاغرة أفواهها بينما الريح بدأت تعول وتصفق بالأبواب وتعوي بنشيد جنائزي .............. كان أول ما قاله القادم لابنها هو : "السلام عليكم" .إذن فهو قادم لأمر غير الذي خافت منه . خرجت من خدرها ، كرر الغريب السلام وهو ينظر إلى الأرض فأجابته. ثم :
- هل أنت زوجة سعيد ؟
- نعم
- هل تعلمين بأنه قد تعرض لحادث؟
- نعم . كان ذلك منذ الصباح
- إذن علي إخبارك بأنه قد مات .
كانت رائحة الضياع قد اندلقت على المكان . بينما الحجرات قد ارتفعت والأطفال اختفوا كان المكان ساعتها يخلو من كل شئ إلا العدم.بشهقة المفجوع صرخت : أمات ؟ !!!
أتراها نسيت ساعتها كل شيء ...نسيت أنه لم تكن له حرمة لـ"حرمة"
تمت ،،،
لـ : عيسى البلوشي
الرجل الضرب
07/07/2006, 10:57 PM
الأقربون أولى بالبنات
كتبها : سالم بن محمد بن سالم العمري
- الشيخ يريدني؟! ... يريدني أنا وليس أحد غيري ... هل أنت متأكد ؟!
- بالتأكيد هو الذي أرسلني إليك.
- وهل هو هنا في مسقط؟ أم في قصره في البلد ؟
- لا . هو هنا ويريدك أن تحضر غدا بعد صلاة العشاء .
لم أعلم أن بعد هذا الحديث ستفتح لي ليلة القدر ... أي ليلة قدر بل ليالي قدر ... اتجهت على الموعد وأنا أتساءل: ماذا يريد مني الشيخ ... هل فعلت شيئا ؟!... هل قمت بشيء أزعجه أو أزعج القبيلة ؟!... لابد أن هناك من اشتكاه من كثرة سخطي على المركز الصحي في البلد أو شكواي دائما أمام الكل من أن المدرسين الذين يعلمون ابناء البلد في المدرسة سيئين ... وهو يعتبر نفسه وكيل الدولة في البلد ووكيلنا أمام الدولة ... ليت أني أطعت أمي واستمعت إلى حديثها بأن لا أكثر من إظهار سخطي أمام الناس فالوشاة كثر وناقلو الحديث مثل تراب المزارع البائرة ... لا .لا أعتقد أنه سيسألني لماذا لم أذهب لأهنئه بالعيد طوال السنوات العشر الأخيرة ... فأنا منذ وفاة أبي لم أذهب لأسلم عليه في عيد الأضحى حين يأتي للبلد ... ولكن لست أنا وحدي ممن لم يعد يذهب لقصره في العيد .. ثم أني لست من دائرة أقربائه ولا حتى من الدائرة الأكبر قليلا .. صحيح أني من القبيلة لكني من تلك الأسر البعيدة عنه نسبا ومالا وجاها، والتي لا يهتم بأخبارها وأحوالها كثيرا ...
...
وصلت للمكان..
هو كما هو لحيته المصبوغة وابتسامته الغامضة .. رحب بي وقال لي بأنه كان صاحب أبي وانهما اشتغلا معا في ( الكويت ) ... أيام ما قبل النهضة ... أعرف أن أبي لم يذهب خارج حدود البلد إلا للحج مرة واحدة فقط، ولكن رواية الشيوخ لا يشكك فيها فما كان مني إلا أن استمع لحديثه المطول عن أهمية أن يتواصل ابناء القبيلة مع بعضهم البعض، وأنا أستمع ويستمع معي مجموعة ممن رأيت وجوههم في بعض مناسبات الأفراح والاتراح في البلد دون أن أتذكر أسمائهم ، وقبل أن ينهي حديثه وهو يخرج من ( المجلس) قال لي :. سيعرفك الرائد محمد لماذا طلبتك اليوم .
...
انتابني قليل من الخوف عندما أخرج هذا الرائد الذي تعرفت على اسمه ومسماه العسكري مصحفا لا أعرف من أين أخرجه ، ربما من خلف أحد الكراسي وزاد خوفي حين قال لي:
- أقسم بالله على أن يكون ما بيننا سر لا يخرج ولا تتفوه به لأحد.
وبما أن في المسألة رائد وأمر شيخ أقسمت دون أن أسأل على ماذا أنا مقبل ودون أن افكر ، وبعد القسم شرع يعرفني على المجموعة بدءا من محمد الأقرب عمرا لي اذا أنه اكبر مني بعشر سنوات وهوخبير اتصالات وانتر نت وحاسب ألي ووصولا إلى من سماه منسق المجموعة ابو علي .
وجاء دور أبو علي للحديث :
- انت منذ تخرجت كطبيب نفسي والكل يشهد بقدرتك في مهنتك وقبيلتك أولى بخدماتك هذه والشيخ جزاه الله خيرا وأطال في عمره رأى أن نفيدك وتفيد مصلحة القبيلة العامة .
قلت في نفسي الحمد لله أن الشيخ تنبه إلى جنون نصف أبناء القبيلة ويريدني أن أعالجهم ولكن قبل أن أكمل حديثي لنفسي أكمل ابو علي حديثه :
... والحقيقة يا بني أنت تعرف أن الزمن تغير وأن المجتمع لم يعد كما كان وتعرف أن بناتنا يدرسن ويسافرن ويعملن وتعرف كذلك أننا قبيلة ذات أصل عظيم ونسب رفيع و يصعب عليها أن تناسب كل القبائل وتعرف قدرنا ومنزلتنا وبما أن الشيخ أطال الله في عمره رجل لا يحب أن يضايق أحد أو يزعج أحد ويحرص في الوقت ذاته على أواصر القبيلة . شكل هذه المجموعة منذ عشر سنوات ومهمتها متابعة زواج بنات القبيلة من أبناء القبيلة .
رأى علامة استغراب على وجهي وقبل أن أقول له مامعنى مايقول؟.واصل أبو علي حديثه :
- اقصد ان هذه المجموعة تهيء الفرص لأن يتزوج ابناء القبيلة من بنات القبيلة وذلك دون أن نرغم الفتيات على الزواج غصبا عنهن فالشيخ رقيق القلب ثم أن إطلاعنا على تجارب القبائل الأخرى التي تغصب بناتها بأت بالفشل ونشرت البغضاء وتمرد الكثير من الفتيات. لذلك رأى الشيخ أن نساعد الفتيات على حب أبناء عمومتهن من خلال مواقف أو ظروف ندبرها نحن ... اعرف أن الأمر عصي قليل على الفهم ... احضر له يامحمد بعضا من الملفات ليطلع عليها ...
بدأت أنظر إلى الملفات : أولها ملف كتب عليه: ( تمت المهمة بنجاح) وتفاصيل الحالة كانت مكتوبة على الصفحة الأولى كالتالي :
الطرف الاول :. الفتاة 22 ....... الطرف الثاني : ابن العم 23 .
المشكلة :. توجد رغبة لدى الشيخ بأن يتزوج الولد23 من بنت عمه22 والفتى موافق أما الفتاة رافضة .
النوع : توفيق بين الطرفين .
المتعاونون : الشاب 23 ووالد الفتاة .
الحل : لتزويج الفتاة( 22 ) من إبن عمها ( 23 ) نقترح خلق موقف بطولي للشاب فتحبه بنت عمه من خلاله وذلك بأن يتظاهر أبوها بأنه مديون وبأنه سيحبس عما قريب وبعد ذلك بفترة يعلن الأب لأسرته بأن أبن أخيه دفع الدين عنه وأنقذه من السجن وأنقذ العائلة .
النتيجة : تمت المهم بنجاح .
ملف آخر واضح أنه حديث من خلال شكله ومن التاريخ وكانت معلومات الصفحة الأولى كالتالي :
الطرف الأول :. الفتاة 74 ....... الطرف الثاني : 74-صفر.
المشكلة : نشأت قصة حب بين الفتاة 74 وبين الشاب 74- صفر وهو من خارج القبيلة والشيخ غير موافق .
النوع : تفريق بين الطرفين .
المتعاونون : متعاونون بأجر مادي .
الحل : دفع مبلغ مالي لإحدى ( ... ( وأن تستدرج الشاب لأحد الأماكن المنزوية خلف سور الكلية وتقوم بتقبيله بينما يكون هناك اتصال هاتفي مجهول للفتاة 34 يخبرها بان الشاب سيكون في وضع خيانة في ذلك المكان.
النتيجة : المحاولة الأولى لم تنجح لتأخر الفتاة 74 نجحنا في المحاولة الثانية بعد تعديل بسيط في الخطة وتمت المهمة بنجاح .
...
كل ملف كان بالنسبة لي مفاجأة ، لكن المفاجأة الكبرى أن لي دور منتظر في هذه المجموعة: ستكون مهمتي تطوير العمل ومراقبته من الجانب النفسي بحكم تخصصي ، أما الحوافز المادية فقطعة ارض ورضى الشيخ ،بالإضافة إلى سفرات للعمل، فأينما تدرس بنت من بنات القبيلة سيكون علي متابعة أوضاعها النفسية وتحليلها : للتفريق في حال ما إذا أحبت شابا من خارج القبيلة و التوفيق فيما إذا أراد مني شيخ القبيلة التوفيق بينها وبين من يريد، وفي العادة معظمهم من القبيلة ماعدا إستثنائات بسيطة جدا لشباب من ابناء جاه ونسب ومال وهي حالات نادرة . أما المجموعة فتحضر لي كل المعلومات التي أحتاجها : فخبير الإنترنت يستطيع فتح بريدهن الالكتروني ومنسق المجموعة ( ابو علي )يدفع لعمال أجانب في شركات الاتصالات لمراقبة هواتف الفتيات، والرائد يتابع الضبط والربط في العمل لدى المجموعة ،والكل يجتمع في نهاية الأسبوع في المكتب المخصص لنا في بيت الشيخ بمسقط لمتابعة كل الأحوال ومناقشة الحالات المستعصية والصعبة .
...
أعجبني دوري كثيرا فليس هناك أجمل من أن تصنع قصص الحب، أما أولئك الذين نفرق بينهم وبين من أحبوا فكانوا سيواجهون المصير ذاته حتى ولو لم نتدخل، فالرفض من أباء البنات سيكون قاطعا ،فنحن نوفر على الجميع وعلى الفتيات خاصة معاناة إضافية ... استمتعت كثيرا بتنقلي بين الاردن ومصر والامارات وقطر ومختلف المناطق فأينما تدرس بنت من بناتنا أذهب . و عندما سألت لماذا يصرف الشيخ كل هذه الأموال لأجل هذا الأمر؟. علمت أن تكاليف هذه المجموعة وعملها لايدفعها الشيخ وحده، بل تأتي الأموال من كل وجهاء القبيلة وبعض أفرادها و معظمهم لا يعرف بعمل مجموعتنا ولا حتى بوجودها ،ويعتقدون أن مايدفعونه يذهب لصالح فقراء القبيلة أو لمساعدة المحتاجين .
...
أصبحت حياتي ممتعة جدا بملاحقة قصص الحب لقتلها وصنع أخرى جديدة، و قررت أن أستمتع أكثر، وأن أصنع قصة خاصة بي ، وبما أن كل الملفات عندي وبما أني اكتسبت الخبرة في صنع قصص التفريق والتوفيق قررت أن تحبني من تفتح لي أبواب القدر : بنت الشيخ ، أوابنتة الوحيده .
دبرت القصة وحدي ،وخططت لها وحدي، ولم أعلم احدا من المجموعة بأي شئ ،لأن ذلك كان يعني نهاية ما سأخطط له ،وحصلت على معلوماتي من شركات الاتصالات بعد أن عرفني (ابو علي) منسق المجموعة على أصحابه فيها. واكتشفت أن البنت تعيش قصة حب مع أحدهم ، ولم يكن من خارج القبيلة فقط ، ولا من خارج البلد ،بل من بلد عربي آخر ، فصنعت قصة تفريق ولا أروع ، ثم صنعت لنفسي حكاية توفيق ولا أروع ودعمتها بمواقف أخرى من صنعي وأذبت البنت في بحر من وله وعشق بي ...
...
أدركت أن القصة مع بنت الشيخ يجب أن تكون مختلفه ،فلكل مقام قصة تناسبه كما كنا نفعل مع مختلف الحالات التي تعاملنا معها في المجموعة ،وبالتأكيد موافقة الشيخ علي كزوج لابنتة ضرب من الخيال ،حتى لو بكت دموعا من دم لأجلي . فما أنا في النهاية إلا شبه خادم عنده ، وما أنا في النهاية إلا من أبعد افراد القبيلة عن مقامه، وحسب القوانين التي نعمل بها في المجموعة كان تصنيفي بين شباب القبيلة سيكون في الدرجة الثالثة فلا حتى الثانية ولا الأولى. فأين أنا من بنت الشيخ لدى الشيخ ؟ . لكني قررت أن اعتبر العملية شبه انتحاريه فإما أن أنجح وأصعد إلى الأعلى كثيرا . وإما أن أسقط وأسقط .
...
صنعت حكاية توفيق فوق العادة هذه المرة التحم فيها جسدي بجسدها لا بشهوة الجنس المحرم فقط ،ولا بشهوة النيل من مقام الشيخ العالي ،بل لصنع طفل في أحشائها وكان التحامنا أكثر من مرة حتى تأكدنا من أن الطفل في بطنها سيكون شاهدا علينا ولنا لديه فإما أن يقتل ابنته الوحيدة ويقتلني ويقتل معنا هيبتة وإما أن يزوجنا وكفى الله الشيوخ شر الفضيحة.
...
كاد أن يجن في بداية الأمر ،حاول أن يسافر بها لتجهض ، لكنها قالت بأنها ستفضحه في المطار وأن موتها أهون لديها من ذلك ، كانت أقوى حتى مما توقعت . دار حول نفسه بعض الوقت ثم أستسلم على أمل ان أطلق بعد أن تنجب . وكتب الله لنا التوفيق زواجا وبعدها بمدة وفق الله بين الشيخ وبين عزرائيل فالتقاه وفرقه عنا إلى الآخرة .
وهذا أنا أعيش من خيراته - رحمه الله وغفر له - وصرت شيخا بأمواله توكل لي القبيلة أمورها مع بقية الوجهاء وبعدها أدركت بأن خدمات المركز الصحي في البلد نعمة مابعدها نعمة وبأن المدرسين في مدرسة البلد عباقرة . أما مجموعة التفريق والتوفيق فظلت تواصل عملها وأحضرت لها خبيرا أجنبيا يحل محلي .
الرجل الضرب
07/07/2006, 10:58 PM
نعيٌّ ..
فتح باب الغرفة ودخل ، أشياؤه تكومت في أنحاء الغرفة كيفما اتفق ، مكتبة صغيرة يمين الباب فيها بعض كتب متفرقة ومجموعة مجلات وأوراق ، وعلى يسار الباب طاولة وكرسي خلفهما نافذة تطل على شارع تلتف حوله مجموعة أشجار غير مهذبة وبانت عليها سطوة الصيف والجفاف وفي الواجهة أكوام جرائد وأكياس مليئة فوقها ركام غبار .
دخل بهدوء غير عابئ بما حوله .
ثم جلس لا يلوي على شيء .
وبعد برهة هالة بياض الأوراق أمامه فتذكر وعده لفاطمة بكتابة سيرتهما الذاتية ، ووعده لصديقه سليمان بكتابة قصة منذ سنة وتهربه المستمر عند سؤله عنها و..و.. وانهالت أمامه الكثير من المشاريع المؤجلة التي شاخ معظمها ودنا من القبر .
تناول جريدة مبعثرة على طاولته قلب أوراقها في الصفحة الأخير شده عنوان بارز " انتحار شاب جامعي "..
قرأ:
( قضى شاب جامعي نحبه أمس حين عقد حبلا في رقبته وعلقه في مروحة المطبخ ليهرع إليه أهله وقد فارق الحياة )
ذكره المشهد بالأفلام الهندية ، فكر أن المنتحر لابد وأنه شاهد الكثير من الأفلام الهندية حتى تمثل المشهد بعمق.
- موضوع جميل لكتابة قصة .
خاطب نفسه بصوت مسموع في الوقت الذي مر فيه مجموعة من الصبية خلف النافذة وهم يلعبون بمرح ، كانت حرارة الشمس قد خفتت وبدأت الظلال تغطي المساحة التي يشغلها الشارع خلف النافذة .
- إذا لابد أن أكتب قصة من وحي هذا المنتحر لينشرها سليمان في جريدته كما وعدني .
ها هو يمسك القلم ويبدأ بالكتابة بقلمه الأحمر الذي لا يفارقه دائما وبدأ يخط أولى كلمات قصته الجديدة ..
" لا بد أن أخرج من هذا النفق المظلم ، وأضع نهاية تليق بما عانيته طويلا ، سوف أنفذ ما فكرت فيه بالأمس.. وبدأ في التنفيذ .. أحضر عدة مخططه ، حبل سميك وناعم .. وكرسي .."
توقف قليلا عن الكتابة، وقف ونظر للظلال من خلال النافذة مشكلة الكثير من الأشكال على الأرض يخربشها آثار أقدام الصبية ، فكر : ما الذي دفع بهذا الجامعي للانتحار؟.. قرأ الخبر مرة ومرتين وثلاث ولم يظفر بشيء .. حاول أن ينتشل خياله وينشطه كما أشار إليه صديقه القاص الذي يكتب في كل يوم قصة .
لابد أنه انتحر لرسوبه في الجامعة ، وعندما علم والده بذلك عنفه وأسمعه كلاما قويا كالذي اعتاده منذ طفولته فقرر أخيرا أن ينتحر بطريقة سينمائية وبها نوع من الإثارة لتتناسب مع مكانة والده ولابد أنه دار في خلده أن تمثل قصته فيلما عربيا .
- ولكن هل هذا السبب مقنع ؟ حيث أنه صادر من طالب جامعي ؟ وهل يحقق الخيال والإثارة المطلوبة لنص قارب مخاضه الحول ؟
قال ذلك وهو يتراجع عن النافذة والظلال وخربشاتها ، وقرر أن خياله غير مقنع بتاتا وربما يكون مدعاة لسخرية صديقه القاص ، ولابد أن يعتق تفكيره في حبك قصته حتى تظهر بشكل مشرف في جريدة صديقه سليمان ، والذي ربما يضع عنوانها على الصفحة الأولى ، وربما يذهب إلى أبعد من ذلك بوضع صورته بجنب العنوان .
عاود تلمس الخبر وتفحصه من جديد وقرأ مرة أخرى أن الطالب جامعي وتوقف عند هذه الجملة ..
" إذن فالطالب جامعي وفي هذا ما يفسر انتحاره بشكل مقنع وخيالي ، فهو بكل تأكيد قد مر بقصة حب فاشلة كان طرفها الآخر زميلته في الدراسة ولابد أنهم التقوا ذات محاضرة أمام القاعة ، وسقط دفتر محاضرة من يد زميلته ، ولأنه طالب جامعي ومهذب ويعرف الأصول تناول الدفتر وناولها إياه وهو يبتسم – الابتسامة ضرورة هنا حتى تكتمل القصة بكل أبعادها – فشكرته ودخلا ، ومنذ ذلك اليوم وهو ينظر إليها بعمق ويهديها ملخصاته الدراسية ، ويكتب لها قصائد شعر ، إذن فهو شاعر أيضا وهذا في صالح القصة ، وعاش قصة شكلت معالم شخصيته " ..
- القصة هكذا تسير في اتجاه ايجابي ولا بد من شرخ يوصلها إلى المطبخ ، والحبل الناعم والمشنقة .
قال ذلك وابتسم على غير عادته في مثل هذه المواقف ، لكن يبدو أن خياله الخصب قد اهتدى لإكمال القصة التي بدأها .
" بعد مرحلة الهيام اكتشف العاشق أن من أحبها قد تزوجت ، فاستذكر كل المشاهد التي مرت عليه من أول بسمة بينهما فضاقت به الدنيا فقرر أن ينتحر كما يليق بشاعر جامعي مثله ..
وانتحر " ..
كتب النهاية كما تصورها بقلمه الأحمر الذي سال حبره فحول بياض الورقة الناصع إلى لون أحمر زاد حمرته انعكاس لون الشفق في الخارج الذي داهم غرفته من النافذة حيث تلاشت الظلال وحل الظلام في الشارع . ولم ينس حينها أن يكتب في نهاية قصته كلمة ( تمت ) .
شعر بالظفر والفرح وتناول نقاله وأرسل لصديقه سليمان رسالة أخبره فيها أنه أخيرا كتب وأرسل رسالة أخرى لصديقه القاص أخبره فيها أن خياله قد نشط وكتب قصة عن منتحر ثم هاتف فاطمة وأسمعها قصته وجدد وعده لها بكتابة سيرته وحل الظلام في الغرفة وتلاشت الأشياء وحلت وحشة غريبة في المكان .
* * *
بعد أسبوع من حادثة الانتحار نشر سليمان قصة لصديقه المنتحر بعنوان ( ..... ) قدم لها صديقه القاص نعى فيها صديقه المنتحر .
تمت
عاصم الشيدي
الرجل الضرب
07/07/2006, 10:59 PM
بداية النهاية
ككل يوم بذات المكان والزمان .. تظل قابعا هناك لساعات تعد الليالي ليلة بعد ليلة .. يوم واحد يفصلك عن يومك المنتظر
* * *
كنت لا تزال صغيرا حينما أخذتك أمك لزيارة أحدهم ذات صباح كساه السكون .. كان الطريق طويلا وقد تعبت قدماك
من المشي سألت أمك لحظة راحة لم تعرك انتباها .. مشيت ومشيت .. عاودت الكرة .. إلا أن توسلاتك لم تأثر على موقفها الصارم .
خلال طريقكم الطويل التقيتم عشرات الوجوه الملونة .. أصواتا مختلفة من هنا وهناك .. خطوتين .. فجأة صوت قوي.. بقع حمراء .. تلقائيا التصقت بثوب أمك وقد ضمتك بقوة .. مسحت رأسك بيد .. وغطت عينيك بالأخرى
دقائق معدودة لتعود المدينة لضجيجها ..
لم تفهم شيئا مما يدور حولك .. حتى أمك دخلت دكانا واشترت لك طائرة على غير عادتها ..
كان نصرا لتقفز وتصرخ وقلة تهذيب منك قوبلت بالنظرات الحادة ..
مرور الأعوام بفصولها .. وكبر سنك أو حتى نظرات أمك لم تزدك إلا تعلقا بها ..
كل ليلة كنت تداعبها وتحادثها .. أيقظت الشك بجوف أمك لتجرؤ وتسألك بقلق عن سر مناجاتك ليلا ؟ .. استعنت بهذيانك الدائم أثناء النوم ..
ذات مساء استلقيت فوق سطح بيتك .. لا لشيء إلا لتمتع ناظريك برؤيتها .. فقد بدت كالنجمة المتراقصة وسط ظلمة حالكة ..
إجلالا منك أن تقف لتؤدي التحية لها كلما التقطتها عينيك وهي محلقة في الفضاء ..
لازلت تذكر عندما اتفقت وأصحابك للذهاب في رحلة بحرية خطوة جريئة وطيش فتية يعشقون المغامرة ويدفعهم العنفوان انمحت نظرتك المتحدية وانطبع التجهم ملونا ملامحك اثر معارضة أمك ..
ذهبت إليهم مطأطأ الرأس تجرجر أذيال الخيبة .. أبحروا بقاربهم إلى أن اختفي شيئا فشيئا ..
عدت لقوقعتك وانعزالك يمتطيك الغضب .. أي جنون أصابك لتبث شكواك لطائرة ؟ .. وأي طائرة تلك التي تنصت لك وتوليك اهتمامها ؟؟؟
بعد عناء طويل أنهيت دراستك .. ولأول مرة سيتسنى لك تحقيق حلم رافقك لسنوات ..
عدت للبيت مستبشرا .. سريعا لتذهب لوالديك وتزف لهما تفوقا يؤهلك لتصبح طيارا.. كانت فرحتهما بك لا توصف مع ذلك لم يشجعانك على السير نحو الطيران .. فأمك ترى مهنة التدريس أفضل وأسلم لك من الطيران .
تسلل البرود ليشل أطرافك ويمنعك عن الإتيان بأي حركات.
أربع سنوات قضيتها في الدراسة التى لم تكن يوما محل شغفك إنما واجبا وجب عليك تأديته .
رغم كل شي فلا تزال أمانيك تدور حول فلك واحد .. والطيران يستهويك .. هذه المرة لن تحسب حسابا .. قررت السفر لم تحدد إلى أين إنما رفعت سماعة الهاتف قدمت حجزا بتذكرة سفر واحدة .. ما زاد لذة السفر لديك وقت إقلاع الطائرة ليلا ..
أعددت حزم أمتعتك .. بقي وداع والديك . بحزم صافحت والدك .. حمل ثقيل نظرات أمك المتوسلة بعدم الرحيل ..
علت وجهك ابتسامة .. ببطء دنوت من أمك لتمس جبينها بقبلة حارة ..
خطت قدماك أرض المطار وهناك بقاعة الانتظار رميت جسدك فوق أحد الكراسي .. بقلق ونفاذ صبر ترقب ساعة يدك .. تك .. تك .. علا صوت ليعلن عن وقت إقلاع الطائرة وتمني رحلة موفقة للمسافرين ..
بخطي واثقة صعد ت الطائرة .. ونشوة عارمة تدفعك لتعلن بداية النهاية .
عبير بنت سيف الشبلية
الرجل الضرب
07/07/2006, 11:00 PM
القتيل
كان يمشي بسرعة شديدة، أفاق من سرحانه بصرخة بوق سيارة كادت أن تصدمه. ابتسم لذلك وتلملمت أفكاره بعدما تعثرت خطواته متفاديا السقوط على الأرض. أخيرا وجد ما يبحث عنه، مرتميا خلف زجاج المحل البلوري، نظر بحذر يمنة ويسرة، دخل المحل بعد تردد مهيب.
سأل: هل يوجد مثل هذا بشرط أن يكون أكثر سمكا ؟
- نعم سأجلبه لك في الحال
وكذلك هل يوجد مثل هذا بشرط أن يكون أكثر ارتفاعا ؟؟
- نعم سأجلبه مع الطلب الأول
أخذ طلبه الأول في كيس أسود، وأسند طلبه الثاني إلى ظهره وحمله ذاهبا.
ذهب بالطلبين إلى أبعد منطقة في قريته حيث يوجد جبل يتيم وشجرة يابسة. اختار المكان المناسب ثم ثبت طلبه الثاني على الأرض.
&&&
"دائما نعتمد على الثوابت في الحياة وأنها هي الركيزة التي تدلنا عندما نتوه وأنها الأساس الذي نرجع إليه وقت الأزمات لكن يا ترى هل أصبح لدي ما يملكه الجميع من هذه الثوابت؟؟
الإيمان بالله / أم – أب وأهل يقفون معي / دراسة جامعية تردعني/صديق ينصحني بدل أن يمسح الدمعة من عيني / ابتسامة طفلة وقت الغروب "
&&&
اقترب وقت الغروب وحين اعتقد أن الوقت قد حان، اختار غصنا ثابتا ثم ثبت الكرسي تحته، تسلق على الشجرة، وأحكم ربط الحبل جيدا على ذلك الغصن. وقف على الكرسي وأدار الحبل على عنقه ، تاركا علامة على دائرة الحبل حول عنقه لقطع الحبل الذي كان طويلا بعض الشيء.
&&&
" الدائرة "
كنا نلعب، كنا أطفالا، وكانت قلوبنا فارغة.
كنت أنا الطفل الوحيد الذي يستطيع أن يهرب من تلك الدائرة الإنسانية، مخترقا الباب الذي يطلقون عليه (باب حديد أو باب خشب) وأنفذ من بين أيديهم،، أشعر بطعم الانتصار وأنا أكسر ذلك الحصار البشري بكل صعوبة، وها أنا الآن أنكسر أمام صعوبة هذي الحياة، ولا أستطيع قطع خبزه يتيمة أو حجرة ميتة تقف أمامي."
&&&&&&&&&&
التقط من الأرض حجرين أحدهما حاد من الأمام والأخر سميك، وضع السميك في يده اليسرى ووضع الحبل بينهما، مكان الإشارة التي وضعها عليه.
تراك
تراك
تراك
استمر في ضرب الحبل بالحجرين حتى انقطع حيث وضع الإشارة. رمى ما تبقى من الحبل، وعقد الباقي قياسا على عرض عنقه. ترك مسافة ضئيلة بين عنقه والحبل. قال لنفسه: لقد حان الوقت.
&&&
"لا .. لا .. وقت الغروب لا.
أنه وقت مقدس"
كانت أمي دائما تقول لنا: (( صلاة يا عباد الله ))
أذهبوا إليها، نفسها يذهب سريعا، وشهيقها يرحل بصورة أسرع.
تنزل به ملائكة الليل لكي تريح ملائكة النهار.
" حتى الملائكة تحتاج إلى راحة "
وتعاود: (( صلاة يا عباد الله )) لا يجب عليكم الانتظار.
&&&
" لا لن أفعلها الآن، يجب علي الانتظار، ليس لقدسية الوقت، إنما لقدسية كلام أمي"
اتكأ بظهره على الشجرة، وخرت عيناه في البكاء.
" أهكذا تكون دموع الوداع ؟؟ "
أحس بالدفء، وما هي إلا دقائق حتى تسلل النوم إلى عينيه.
&&&
يمشي فوق قطعة من خشب، يلازمه صديقه المخلص، على يمينهما طريق من الشوك، وعلى يسارهما عناقيد من حديد ينصهر، وأمامهما امرأة متشحة بالسواد، القطعة الخشبية غير متزنة، يجب على أحدهم أن يضحي بنفسه و إلا ذهب الاثنان إلى الجحيم.
يقرر هو أن يقفز عندما يلامس النقطة السوداء.
يسقط على الشوك بعد محاولته الفاشلة.
فيهب صديقة لإنقاذه.
&&&
هب صاحيا من غفوته وكان الوقت قد اقترب من الثلث الأخير من الليل.. قام وهو يصرخ: لا .. لا.
بسرعة وقف على الكرسي، وقال : هذا آخر ***** من مسرحية حياتي، آن الأوان أن يموت البطل، آن الأوان أن يموت البطل.
قبل إطاحته بالكرسي، سمع نداءً خفيا من وسط الجبل يقول :
( البطل )
نزع الحبل منه وذهب يمشي في اتجاه الجبل.
&&&
كان دائما يمشي اتجاه المقبرة يخاطب أخاه الميت منذ عشر سنوات، يحبه كثيرا ويعشق روحه المرحة الطيبة، يتعجب من ذكائه المفرط وردة فعلة السريعة اتجاه المواقف والأحداث، ورغم ذلك رحل، وعندما رحل قالوا : دائما الإنسان الطيب /الفطن / المرغوب به في الحياة
( يرحل)
ازداد إصراره وقرر أن يقدم على فعلته مهما كلف الأمر.
&&&
عاد بعد بزوغ الفجر، وقال: هذه المرة لن يردعني شيء عن فعلتي، وقف على الكرسي ووضع الحبل على عنقه، وبدأت أطراف أصابع قدميه ترتجف عندما وضع قدميه على الكرسي.
مترددا
خائفا
متسائلا : هل سينجح هذه المرة أم لا؟
نهر من العرق يجري على جسمه رغم أشعة الشمس الباردة في ذلك الصباح!!
&&&
صباحَ يوم جامعي دخل عليهم المدرس سعيدا بابتسامة مرسومة على شفتيه، وبعد تربعه على الكرسي، قال:
أريد أن أسمع من كل طالب بيتا من الشعر يحضره الآن.
ولما وصله الدور قال:
ألا موت يباع فأشتريهِ ... يخلصني من العيش الكريهِ
وبعد الانتهاء.
قال له المدرس: لا يتذكر الإنسان صباحا إلا ما يشغله كثيرا.انتبه لنفسك يا ولدي.
&&&
تذكر بعمق تلك اللحظة، وقبل أن يفعلها، أبعد الحبل من عنقه ونزل على الأرض وقال لنفسه:لم يكن ذلك ما يشغل ذهني ولكنه هذا البيت:
أقذفوني في الفلا من بعد موتي ... حبذا عيشي وموتي في الفلاةِِ
نقشها على الشجرة وصعد محاولا من جديد.
وضع الحبل وهيأ نفسه.
" لم تبق إلا حركة واحدة"
&&&
" حركة واحدة "
تبعثر ما في جسدي إلى عالم الغيب
"حركة بسيطة "
تميت كل الأشياء الدفينة بداخلي.
لا أستطيع.
مضت نصف ساعة
همس : فاشل في الحياة مثلما فاشل في الموت.
بصوت عالٍ : فاشل في الموت مثلما فاشل في الحياة. كلاهما نفس المصير
نزل من على الكرسي
فكَّر:
"يبدو أن الثوابت ما زالت موجودة لدي، ربما كانت تحتضن أنفاسها الأخيرة لكنها موجودة "
صعد من جديد
"لكن ما الفائدة من ثوابت مهزوزة وضعيفة يجب أن أقضي عليها ".
نزل.
"هل الهروب يعتبر شجاعة"
صعد.
" وهل السجود يعتبر عبادة ".
ظل يتردد بين صعود ونزول، ودون أن يدري أنزلق حجر كبير من أعلى الجبل متدحرجا بسرعة كبيرة متجها إلى الكرسي.
صفع الحجر الكرسي بقوة وتعالى صوت تهشم.
تهشم الكرسي.
وبعد ذلك تهشمت روحه.
يوسف صالح الناصري
الرجل الضرب
07/07/2006, 11:01 PM
قصة غير مكتملة
ابتسم لنفسه وهو ينزل من سيارة الأجرة إلى المكان الذي أراد أن يتعشى فيه منذ لحظة وصوله إلى ارض ويلز .. إلا انه لم يستطع أبداً أن يحضر سابقاً لقلة ذات اليد وتقشفه المعيشي والفقر المدقع الذي يعيشه ، ابتسم مرة أخرى حين دخل إلى المطعم الكبير الفخم ..لم تكن ابتسامته لمن حوله من ناس .. إنما كانت ابتسامة انتصار وغرور لأنه اثبت لنفسه انه قادر على فعل المستحيل حتى لو اضطره ذلك إلى العيش بتقشف إلى آخر العمر .. والله وحده يعلم انه تقشف امتد لشهور طويلة في حياته وطعامه وملبسه كي يوفر ثمن هذه الوجبة ..
وسيتفاخر بذلك ، سيقول لكل أصدقائه انه تعشى في هذا المطعم .. وسيردد ذلك أمام صديقاته البريطانيات اللاتي سيتخذهن بعد ذلك .. وأيضا لن ينسى زملاءه في العمل وكل من سيلتقي به !
سيستغربون بالتأكيد ..سيضحكون وربما سيغارون !! فليفعلوا وليقولوا ما يحلو لهم وليذهبوا إلى الجحيم انه رجل بمعنى الكلمة .. رجل يحقق أحلامه دائماً وينفذ ما يعد نفسه حتى لو طالت المدة !!!
جلس على إحدى الطاولات الثنائية الكراسي اللامعة .. طاولة مربعة يفترشها مفرش بدرجات اللون البني ، يتناثر فوقها صحنان مع أداوت الأكل ..انتقل نظره هذه المرة إلى منتصف الطاولة حيث يتوسطها مزهرية بيضاء اللون صغيرة في داخلها وردة حمراء طبيعية طازجة..حينما انتهى من استكشاف المكان بلذة عاد إلى واقعه ليقرأ قائمة الطعام أمامه وكأنما شعر به النادل فظهر أمامه فوراً بابتسامة جوفاء .. وليتدارك الاضطراب الذي اعتراه طلب قهوة حلوة .. وانصرف النادل !
وعادت إليه روحه !! وبدأ يقلب قائمة الطعام بغباء وسرعة كي يجد شيئاً ما يستطيع أن يأكله بدون أن يقلق من تسديد ثمنه فهو لا ينوي أن يفتح فمه كالمعتوه إذا أتت الفاتورة متجاوزة المبلغ الذي بحوزته ... وأخيراً اختار الطبق المناسب ..شهي ويناسب المبلغ الذي في جيبه ولن ينسى أن يضع بعض المال ليدفع به أجرة سيارة الأجرة .. لعن الله الغربة !!
إنها اكبر ذل يتعرض له الإنسان في حياته !!
أن تتضور جوعاً وتموت عطشاً ..وتزهد في معيشتك أمر لا يطاق ..أن لا تستطيع أن ترى والدتك كل صباح تبارك لك يومك أمر مبكي .. أن لا تستطيع أن ترى جيرانك يلوحون لك حينما يروك في الشارع متوجهاً إلى عملك أو لقضاء حاجة أمر محزن !!
أن أمر مضن حقاً !!
وقطع صوتها الرقيق تلاشيه في أفكاره البائسة ..رفع رأسه إلى مصدر الصوت فإذا بها شقراء رائعة الجمال تقول له بلكنة بريطانية :
- هل استطيع الجلوس معك ؟؟ لقد اكتظ المطعم بالزائرين ويبدو انك شاب طيب !
للحظات ظن أنها من صنع خياله ..وما هي إلا تجسيد لخيالاته الخصبة .. إلا إن ابتسامتها أثبتت له أنها حقيقية ...دقات قلبه تسارعت وعن جموحها أعلنت !! بالكاد استطاع أن يقول :
- بالطبع تفضلي !!
وكاد أن يصفق فرحاً بالدخيلة الجميلة .. والآن هناك شيء آخر سيتباهى به أمام أولئك الأصدقاء البائسين !!
ابتسمت له ولأنها امرأة ما كادت تقلب قائمة الطعام حتى سارع إليها النادل ليسألها بأدب عن طلبها ..طلبت ما أرادته بسرعة وانصرف النادل ونسيه !! لقد أتى إلى هنا أولاً ولكنه بكل بساطة نسيه ولكنه تدارك موقفه وعاد إليه سائلاً إياه بابتسامة جافة عن طلبه ..طلب عشاء خفيفا وما هي إلا دقائق حتى وصلت القهوة الحلوة التي طلبها قبل فترة ..بدأت الفتاة بشرب الماء ثم سألته وهي تزيح بعض الخصلات المتمردة عن جبينها الأبيض :
- هل أنت عربي ؟؟
- نعم ... ادرس هنا .
- جيد .. ادعى جين !
- تشرفت بمعرفتكِ .. وأنا فيصل !
وليداري ارتباكه بدأ يرتشف قهوته .. هذه هي المرة الأولى التي يتناول عشائه فيها مع امرأة ..ولا يعرف كيف يجب أن يتصرف برقي أو كلاسيكية ..ماذا يقول لها وكيف يقنعها بالتواصل معه ؟!!
يبدو أن جين هذه تود الكلام أكثر لكنه يقتل كل محاولاتها فهو يقلب نظره شمالاً ويميناً حين تحدثه بل انه لا ينظر إليها إلا بالخطأ !! كاد أن يصرخ بنفسه " هل هناك مغفلاً أكثر تغفيلاً منه؟؟!" وكلما تلاقت عيونهما كان يشعر بالاختناق . إن مجرد تواجدها بالقرب منه يرسل حريقاً في جسده .ما به إنها مجرد فتاة أجنبية .. إنها عادية كغيرها من الفتيات !!
بعد فترة جاء العشاء الفخم ..وابتسمت حدقتاه قبل شفتيه .. وهم يتناول عشاءه ناسياً أن يطلب من الفتاة الانضمام إليه من باب الأدب والرقي في التعامل رغم أنها طلبت منه أن يشاركها عشائها من باب التهذيب إلا انه لم يفعل !! وهذا خطأ آخر يضيفه إلى قائمة عيوبه الطويلة !!
بصوت يفيض أنوثة سألته مجدداً :
- أنا آتي إلى هنا دائماً ...هل تأتي أنت ؟؟
- بالطبع !! .......... وكانت هذه كذبة كبيرة !
ابتسم لها للمرة الأولى وبدءا تبادل الأحاديث رويداً رويداً .. حتى انفجرا ضاحكين فجأة .. انه يتقدم !! انه يحرز تقدماً .. لقد استطاع جعلها تضحك بقوة .. لقد استطاع جعل السعادة تلمع في زرقة عينيها القاتمتين !! كم هو فخور بنفسه .. وهذا شيئاً آخر سيقوله لأصدقائه الذين سيغتاظون بالطبع !!
إيه يا فيصل منذ الآن سيغار منك كل أصدقائك خصوصاً حين يعلمون ما جرى .. ومن يعلم ربما سيمن عليه القدر بشيء اكبر عند نهاية العشاء !!
فتح فمه ليطلب منها موعداً خاصاً يلتقيا فيه إلا أن ظهور رجل بريطاني من العدم أمامهما جعله يطبق فمه بقوة بينما قفزت جين من مقعدها لتتعلق بعنقه قائلة :
- لقد تأخرت حبيبي !!
فغر فيصل فمه كمغفل ..لا سيما حين ابتسم له الرجل ومده يده ليصافحه ..اخذ فيصل يده وابتسامة متكلفة مرسومة على شفتيه .. صاحت جين :
- هذا فيصل ..صديق تعرفت عليه للتو !!
ابتسم له مرة أخرى صديقها وشكره على تسلية جين في غيابه .. ودعته جين متمنية أن تراه مرة أخرى هنا ..دفعت حسابها وانصرفت !!
زفر بحدة ثم صاح بيأس : والآن كيف سأنهي القصة لأصدقائي المغفلين ؟؟!!
لمياء الحراصي
الرجل الضرب
07/07/2006, 11:02 PM
النــــبـــؤة
شيءٌ ما كانَ خاطئاً ذلكَ اليوم. هاجمه شعورٌ بالضياع وهو يمشي بهدوء متتبعًا الإرشادات المكتوبة على الورقة الصفراء. تجاوزَ نفقَ المُشاة واتجه مُباشرةً إلى الشجرة التي وُصِفَتْ بدقَّة. كان متقدما على الخط الزمني المحدد له بعشر دقائق، ولم يجد في الورقة الصفراء تفاصيل مما دفعه للانتظار.. أمسكت يدُه الحقيبة بقوَّة بينما أنشب أسنانه في سبَّابَةِ يده الأخرى. برزَ خيطٌ رفيع من الدم إثرَ قضمه المتواصل وأطلق صرخة مكتومةً عندما انتزع بقوة أحد أظافره الناتئة مبللاً الورقة التي في يده بقطرات من الدماء سالت من يده الأخرى التي لُفَّت بشاشٍ طبيٍّ. أنساه الألم الحقيبة التي سقطَت وتدحرجت داخل قناة تصريف المياه بالقرب من الشجرة، كما أنساه الورقة التي تلطخت ببقع أكثر من دمائه. تحرك بسرعة إلى الحقيبة وانتشلها من القناة. تسبب ذلك في فقد شعوره بالاتجاه فخرج من الجهة الأخرى من القناة ولم يخرجه من قلقه غير نفير السيارة التي أصدرت إطاراتها صوتا عاليا. استعادَ توازنه وهرع إلى المكان المحدد أسفل الشجرة. مرَّت خمس دقائق قبل وصول السيارة الصفراء " اللعنة .. الشمس .. إنها تخسف" .. كانت الصرخةُ تتضخم في دماغه عندما أشارت له الفتاة الجالسة على الكرسي الخلفي أن يقطع الشارعَ نحوها .. تعالت صرخة مُحذرة في دماغه تبعها صرير لإطارات ونفير قصير انتهى بصوت اصطدام مكتوم، وعلى الخطِّ الذي يتوسط الشارع كانت يده تُفلت الحقيبة في اللحظة ذاتها التي أفلتت فيها يده الأخرى الورقة وحاولت أن تمسك السيارة الصفراء التي ابتعدت ببطء.
&&&
إنَّ أكْثَرَ اللحَظَاتِ اضْطِرَابَاً هِيَ تِلْكَ التي نُحَاوِلُ فيها إخفاءَ اضطرابِنا. ومهما حاولنا فإن ذكرى ما ستحيلنا إلى ذلك التوهم المُسْتَقِر أن كل شيء بخير. أدرك تمام الإدراك اضطرابنا ونحن نحاول تجنَّب الخلط المُخيف لهذه السعادة المؤقتة التي نعيشها الآن، بالأسى الذي يُحرق صدورنا كالجمر ..
من كلمة عادل
&&&
قد تشعرُ بندمٍ طفيف أحيانا. لكنك لستَ من النوع الذي يغرق في تأنيب ضميره. أنت يا عادل من هؤلاء الذين يموتون مبكرا بعد أن يُنجزوا كُل شيء. لم تفعل خطأً ولكنك اتبعت ما يُمليه عليك ذلك النسرُ الجريح بداخلك.. ما كان له أن يسرقَ منك شيء فما بالك بشيئين؟ وما كان له أن يجرحَ يدكَ وأنت تبكي عليه أمام الجميع. أنت لها يا عادل ومهما انطفأ النور بداخلك، ثمة نور آخر سيرشدك إلى طريق الخلود؛ لأنك لست من الفانين، ولكنك من الخالدين.
الرسالة الثالثة
&&&
هذه الرسائلُ تدفعني للجنون. أتُراه أحد أتباعه يحاول اللعب بعقلي؟!! .. من المُدهش قدرته على فهمي، وعلى كتابته لي بهذه الدقة، ومن الغريب أنَّه استطاع تجاوز الحرَّاس لأجد رسالة ثانية أسفلَ وسادتي .. ثمة من يحاول اللعب بعقلي ودفعي للجنون. أتراها نسرين؟ وقد أرادت إرباكي قبل ليلتي الموعودة. أم هي تلك الفتاة في السيارة الصفراء، ثمة من يحاول إرباكي ولن أسمح لهم. غدا ليلتي التي أنتظرُ مذ وُلدتُ ولن أسمح لأحد أن يضيعها من يدي.
..
..
لا أستطيع إخفاء قلقي أمام نفسي .. أكاد أنهار من وطأة الخوف، ثمة كثيرون سيعتمدون عليِّ ولن أسمح لنفسي بخذلهم، سأراجع كلمتي للمرة الأخيرة، وسأنسى الرسائل، وموعدي بعد غد، سأنسى تلك العبارة السخيفة وكل شيء سيؤثر على كلمتي غدا .. سأنام بهدوء. أنت لها يا عادل، ستفرح أمك أن تراك شامخا والكل يسمع كلمتك في التلفاز، ستموت نسرين وسينفجر رحمها المُنتفخ غيظا.. كما آمل
من مذكرات عادل
&&&
قارنَ ساعة يده بالساعة الضخمة في نهاية الشارع. تأكد من رقم السكة، ومن رقم البيت. تنفَّس بشكل متسارع ليتغلب على ارتجافة يديه وقدمه. وصلت رسالة إلى هاتفه: "لقد رأيتك ولكنني لم أستطع النزول لرؤيتك .. هناك طفلٌ صغير سيأتيك بمظروف بني ستجد به تفاصيل اللقاء .. لا تخبر أحدا وسأفسر لك كلَّ شيء لاحقا .. احضر في الموعد وأحضر الحقيبة التي أهداك إياها أبوك" .. شاهدَ السيارة وهي تبتعد وحاول اللحاق بسيارته إلا أن قدمه المُرتجفة أعاقته، كما أعاقته يده المرتجفة أن يمسك السيارة التي تلاشت تدريجيا عن عينيه.
&&&
إنهم الموتى الذين امْتَلَكُوا الشجاعةَ الكافيةَ أن يبقوا في ذاكرتنا مُكللينَ بحُسنِ الذِّكْرِ. وحدهُ الموتُ استطاعَ إقناعي أننا لن ننسَاهُ. وأننا كما نختان أنفسنا بالفرح المُفتعل هذا، فإنا حزنا أكبر وأسى، وحسرة تُحرق صدورنا الآن وكأن ألف جمرة تحترق بداخلنا.
من كلمة عادل
&&&
لن يمكنك النجاةُ من حقد الآخرين عليك. أنت من هؤلاء الذين يثيرون الجدلَ إن اختفوا وإن ظهروا، وإن تحدثوا أو صمتوا. الكُل يتربص بك وكما تُثير أحلامَ فتياتهم بك غضبهم، يهيِّج وجودك على قيد الحياة شعورهم بالنقص، فيكادون أن يفترسون أنفسهم. أنت تعرف يا عادل أنك كالشمس، تُحرقُ إن أردتَ كُل شيء، ولكنك تُنير ظلامَ قلوبهم.
الرسالة الثانية
&&&
كان يومي تعيسا. رسالةٌ أسفل الفراش .. اللعنة .. ساورني الشك حتى في نفسي، وخفتُ أن يعرف أحد فعلتي، ألهمتني الرسالة الصبرَ حتى خِلتُها من نسرين، ولكنني بددت هذا الوهم بسرعة فتلك الحاقدة لن تُرسل لي إلا كأسا مملوءا بالسم، وستبرق عيناها عندما تراني أشربه حتى الثمالة .. آآه لو أعرف كيف وصلت هذه الرسالة أو من أرسلها .. لا أريد تعكير صورة الصابر على وفاة أخيه، سأتمالك نفسي حتى ألقي كلمتي، وحينها سأحكم بالإعدام على الحراس جميعهم.. لا زال جزء في داخل يأمل أن تكون نسرين قد أرسلتها .. اللعنة على هذا القلب الضعيف...
..
..
كدت أن أفترس منسقي الذي حملَ لي الخبر السعيد، حتى كدت أن أنسى ادعاء البكاء على المرحوم، وعلى ابنه الذي لن يراه. أخفيت ابتسامتي ببراعة اليوم، وأنا سعيد لأنني استعدت سيطرتي على أعصابي. كلمتي جاهزة، وستُدهشهم جميعا بعد أسبوع. كم أنا سعيد هذه اللحظة، سأنام بهدوء كطفل، وسأنير ظلام قلوبهم ثم سأحرقهم جميعا.
من مذكرات عادل
&&&
حتى وإن طعنَك الجميع يا عادل، هنالك ما تستطيع فعله. أنت أجدر منهم جميعا وأنت الذي عملت مع أبيك السنين الفائتة. ذلك المريض لن يفعل شيئا، ولن يدير شيئا، ولكنها تلك الحاقدة عليك زوجته التي سيعطيها دفة الإدارة. أنت أحقُّ بها منه. فافعل ما تُمليه عليك نفسُك، إن ذلك في صالح العائلة.
الرسالة الأولى
&&&
فَعلها أبي إذن، وأعطى كل شيء لأخي. ولكنني لن أتركَ الأمر هكذا. سرقَ قبل سنة حبيبتي نسرين واستطاع أن يؤلبها ضدي. وها أنا ذا أخاطب دفتري ****** مُدركا أن ذلك ****** سيقضي الأيام القادمة في قراءة الكِلمة التي ستعدها له زوجته المُحبة –ولا ريب- .. ماذا فعلتُ بك يا أبي .. أتُراها زوجتك الأولى التي دفعتك لتغيير رأيك .. ألم تُهدكَ زوجَتُكَ العجوزُ ابنَك الذي كان ساعدك الأيمن .. أهكذا يا أبي .. أتعطي لذلك المريض، الضعيف ولاية عهدك وتتركني أنا الذي تركتَ أمه ولفظتها دون شيء ..
..
خطتي جاهزة وقد أعددت لها من قبل. غدا سيأكلُ ذلك ****** آخر وجبة له في الحياة. وسيدخل كبير حرسه السجن بتهمة تسميمه. وبعد عام ستكون نسرين نائمة على فراشة بجوار دفتري هذا. وسيعرفون جميعهم من هو عادل... سيعرفون.
من مذكرات عادل
&&&
صمت الجميع، وتوجس الابنان وهما جالسان بالقرب من كرسيِّ أبيهما الضخم. كان صوت أبيهما ضعيفا وحاسما:
- قررتُ أن يخلفني وأن يدير هذه العائلة من بعدي ابني الأكبر محمود.
خرجت الزوجتان وقد أخفقت إحداهما في إخفاء فرحها، كما أخفقت الأخرى في إخفاء حسرتها. كذلك فعل الولدان إذ فشل الأكبر في إخفاء شفقته، كما فشل الأصغر في إخفاء دموعه. تفرَّق الجمع بينما مضى الابن الأصغر للشارع وهو يقضم سبابته بعنف مُنتزعا أحد أظافره بقسوة. كان يتنفس بشكل متكرر ليتغلب على نوبة الهلع التي أصابته قبل أن تقف بجواره سيارة صفراء وبها فتاة جالسة على الكرسي الخلفي. ألقت له الفتة ورقة التقطها بصعوبة وقد كُتب في الورقة بخط كبير.
"إنه ذلك الأعمى الذي ستخسفُ شمسُه، والذي سيموت بعد يوم من تحقيق مجده"
كانت إحدى يديه تُمسك بالورقة، بينما حاولت يده الأخرى الإمساك بالسيارة الصفراء التي اختفت عن ناظريه.
&&&
من منَّا سينسى أخي الأكبرَ محمود الذي راح ضحيةً بريئة للمؤامرة الدنيئة. أعرف أن الجميع الآن مضطرب، وأنكم جميعا –مثلي- تتذكرون محمود الذي طالما جاهد جسده المُنهك ليلبي مطالب المُحتاج. وإنه لم يكن واقفا مكاني اليوم، فإنه واقفٌ في التاريخ الذي سطَّره، والتاريخ الذي سُطِّر له، والتاريخ الذي سُطِّرَ به. وأن الموتَ كما أخذَ منَّا حُلَّته الطِّينيةَ فإنه وهبنا إيَّاها، ليتردد هو عصفورا في ذاكرتنا للأبد
ختام كلمة عادل
معاوية الرواحي
الرجل الضرب
07/07/2006, 11:03 PM
صورة مرعبة
"لا تقلقي إنها بخير في الأعلى!" قال لها بوقار ..وكعادتها صرخت به بفزع والعرق ينز من جسدها الرطب "من أنت؟"
مذ رحلت ابنتها الصغيرة في حادث سيارة وشبح والدها يزورها باستمرار لا لشيء ..سوى أن يصيبها بالجنون ..عاد شبح والدها ليقول بصوت خافت وهو يقترب من سريرها خطوة خطوة "أنا والدك ..أتيت إليك لأطمئنك على حال ابنتك أنها في الجنة وبخير !"
- اصمت!! اخرس !! من أنت ؟
- قلت لك أنا رجل طيب أراد أن يخفف عنك وحشة المساء والدموع الغزيرة!
- ابتعد عني لا تقترب مني !!
ولكنه كان يزداد اقتراباً أكثر وأكثر مبتسماً ، صاحت به تهدده :" سأصرخ سأنادي زوجي والأولاد " ولكنه لم يهتم بل ابتسم لها ابتسامة شيطانية .. تراجعت في سريرها الموحش وهي تشعر بالشلل يسيطر على رجليها ..بحثت بهستيريا عن ما تحمي نفسها به فلم تجد سوى صورة .. رمته بصورة أبيها - التي لا زالت تحتفظ بها - التي أحدثت شرخا في نافذة الغرفة وارتدت إلى الداخل لترتمي مكسورة وشظايا الزجاج تلفها بإحكام ..وهي تطلق دوي صرخة عنيفة خرجت من أعماق روحها الخائفة !!
حين دخل زوجها وولداها إلى الغرفة كانت تشهق بخوف وترتجف بقوة وتغطي عينيها بيديها ,.سألوها ما أصابها إلا أنها طفقت تردد كالعادة شبح أبي كان هنا .. نظر زوجها وولداها إليها بغرابة واستهجان واخذوا يفتشون في الغرفة وكالعادة لم يجدوا شيئاً أبداً يعزز خرافاتها .. صرخت بهم حين نظروا إليها كمجنونة ...نهضت من سريرها متجاهلة يد زوجها الممتدة إليها .. إنهم هكذا دائماً يعتبروها مجنونة !!!
دائماً يكذبون رؤيتها لشبح والدها الطيب في الغرفة .. وكانوا يتهامسون كثيراً إلا أن هذه المرة إنها متأكدة أنهم سيصرون على أخذها إلى مستشفى نفسي ليعالجوها !!!
لكنها لن تقبل .. إنها ليست مجنونة ..لقد كان والدها هنا ولكنه لم يكن طيباً كان ينظر إليها نظرات تبث في جسدها القشعريرة .. وتتجسد ملامح الشر في عينيه بقوة .. انه ليس طيباً .. انه ليس ملاك والدها .. انه شيء آخر ربما شبح ربما جان ..أو أي شيء آخر من العالم الآخر !!
اقتربت من صورة والدها.. حملت الصورة ولكن هذه المرة كان والدها فيها مبتسماً وطيباً.. يا الله! .. بل أكثر من ذلك .. كانت نظراته ملائكية .. وابتسامته كفيلة بجعلك تعيش الجنة !! لم يكن فيه شيئاً مرعباً !!
إذا لماذا رأته بتلك الصورة ؟؟ هل هو الرعب !!
نوف الحراصي
الرجل الضرب
07/07/2006, 11:04 PM
جذام
هدى الجهوري
"عائشة" تقف تحت السدرة اليابسة، في الوقت الذي تقف الشمس على رأسها حارة في انتظار أن يمد أحدهم يده إليها ببعض الطعام ...
لم تكن وحدها من تمسح العرق المتسرب من جبهتها فقد كانت وجوههم المتعبة تخرج بين الفينة والأخرى من وراء السدر اليابس في انتظار الأيدي الكريمة التي تمدهم بالتمر واللبن والخبز، و "العيش المحلى باللحم " في أحسن الأحوال ..
يخرجون من وراء السدر على استحياء، يفردون كفوفهم ذات الأصابع المتآكلة ، ومنهم من هو دون كفوفه، ودون أذنيه، وأصابع قدميه...
خلف "عائشة" يقف زوجها "بخيت" ممسكا بـ "قفير صغير" يساعدهما على التقاط ما يقدمه أصحاب الخير .. يتهافتون جميعا مادين "قفرانهم" ، وهم يمسكونها بكفوفهم عوضا عن أصابعهم ، يتقدم أصحاب الخير منهم بحذر ليتركوا " ما قسمه الله لهم" كما يقولون داخل القفران ليعودوا إلى عرشانهم الصغيرة والمنفية عن القرية .. ويتقاسموا مع أبنائهم تلك الوجبة الشحيحة ...
ما تزال "زيون" مربوطة إلى أحد الزوايا في العريش ، و"حمد" بالقرب منها يبكي، وهو يحاول أن يلقمها التمرة التي كانت في يده ، دون أن يفهم لماذا يربطها أبويه كلما خرجا ليجلبا الطعام ، في حين أن " زيون" كانت تشيح بوجهها عنه، وترفس التراب بأصابع قدميها ليبتعد عنها كلما ارتفعت سحابة الغبار حول وجهه...
تدخل "عائشة" و"بخيت" بقفيريهما الذي جمعا فيه زادهما ليوم كامل ، و"حمد" الذي لم ينه عامه العاشر يركض صوبهما باكيا .. تحتضنه "عائشة" إلا أنه سرعان ما ينتشل رأسه من صدرها صائحا:
- ليش تربطوا "زيون" ...!!
ترفع "زيون"" رأسها بنظرة صلبة، وهي تستمع لوالدها "بخيت" الذي يردد بعجز:
- "حمد" يا ولدي أنا وأمك عاجزين عن تربية "زيون" ... إنت شايف حالتنا، وهي بنت كبيرة الحين ، وإحنا نخاف الفضيحة ....
تفتح "عائشة" القفير، كمن يفتح هدية أو عالما سحريا ، وهي تخرج اللبن، وقروص الخبز المدهونة بالعسل صائحة:
- شوف وش عطونا أهل القرية اليوم ...
يفك "بخيت" بانكسار قيد "زيون" ، وهو يقول بنبرة هادئة:
- تعالي كلي معنا ....
تتلمس رصغيها المحمرين، وتطمئن على أماكن أصابعها الطويلة، تمسح على وجهها لتبعد شعرها الملتصق من على وجنتيها من أثر العرق، في الوقت الذي كانت فيه "عائشة" تنظر إليها بحقد كبير، وهي تقول:
- بنتك تسير تداور وراء الرجال، وإنت عاجز عن تربيتها ، أنا وأنت أكلنا المرض ، وكل الناس المنبوذة هنا صابت العدوى أغلب أولادهم، وبنتك ماخذة حريتها ....
التفتت "زيون" إلى والدها الذي احمرت عيناه بغضب ككل مرة يشعر فيها أنه لا يستطيع فعل شيء سوى رفسها بقدميه، أو لطمها بصفحة كفيه ... لكن "زيون" ركضت قبل أن ينغرس فيها ألم آخر ... ركضت ليدلها الخوف على منافذ أخرى لا يقبع خلفها الجوع والضرب والحرمان، منافذ أكثر صلاحية للعيش ، وأكثر رحمة من دمعة يحرقها إثم لم ترتكبه ...
صرخت "عائشة" في "بخيت" وهي تنظر إلى الباب الذي تركته "زيون" يترنح خلفها ذهابا وإيابا :
- سير وراها .... هذي البنت بتفضحنا .... هذي ما مثل بنات الأوادم ...
ركض "بخيت" كالمعتوه في الاتجاه الذي ركضت فيه، لكن ساقيها القويتين لم تخلفا ما يدل عليها ، اقتفى أثرها لخطوات ، ثم سرعان ما ضيعه ، التقط أنفاسه الخائبة ، وعاد أدراجه ....
المقبرة ... تبدو المكان الآمن ، والكل هنا يرقد بسلام احتاجه ... هكذا رددت "زيون" بصوت متقطع مع نفسها.. الخوف كان يتلبسها، والحرارة كانت تلسع قدميها الحافيتين رغم أنه مر وقت لا بأس به على غروب الشمس، الجوع أيضا كان يأكل معدتها الصغيرة التي بدأت تقرقر ...
- عرفت أنك هنا
هكذا خرج الصوت من قلب العتمة .. لكنها استطاعت أن تتجاوز خوفها ، وهي تميز نبرة الصوت المألوفة، والمكتنزة بالحنان التفتت فرحة :
- بشير ...!!
- والدك وزوجته قلبوا العرشان ... يدوروا عليك !! ... حسيت إنك بتكوني هنا ... وجيتك ...
انفرجت شفتاها عن ابتسامة خضراء، استدل عليها من الضوء الخافت المناسب من سراجه الذي حمله في معصمه الأيمن اقترب منها، والشحوب يغطي وجهه:
- زيون ... أهلك بيذلوك ... هربي ...
تعالت أنفاسها، وانكمشت ابتسامتها كما انكمش جسدها، وهي تكوره على جذع يابس كان قريبا من بوابة المقبرة
- بشير ... أنا صابرة عشانك ...
اقترب منها أكثر حتى كاد أن يلتصق بها
- لكن أنا مصاب ... وأخاف عليك العدوى .. المرض بينتشر بكل جسمي !!
ابتلعت ريقها، قلبت عينيها في المكان الفارغ ، تذكرت عندما كانت تلعب مع أبناء المنبوذين لعبة الغميضة ، تذكرت أن "بشير" كان يحميها من الصبية المشاكسين الذين يقذفونها بالحجارة ، وأنه كان يتسلق النخيل ليحضر لها ألذ "الرطب" .. "بشير" الذي كان يستخدم أصابعه بمهارة ليعجن الطين ، وهي تصب له الماء ليصنعا قلعة محصنة ضد الأعداء ـ كما كان يقول لها ـ لكن أصابعه ذابت في الطين ، وخرج كفاه بأصابع معطوبة، ومتآكلة حتى مفاصلها، وعندما انزوى بعيدا عنها في محاولة منه لتركها تنساه تآكلت أصبعين من كل قدم من قدميه ، ولم يعد "بشير" الصبي الراكض، والمقدود من الضوء، والأمطار الموسمية ...
ينظر إليها بألم كبير ..
كان ثمة جرح لم ينشف دمه جيدا في عنقها ، كما أن حزنا هائلا كان يمرق في عينيها الواسعتين والمغسولتين بكحل إلهي تجعل الناظر إليها مرتجفا بدهشته، ومملوءا بحلاوتها المستترة تحت التعب والذبول الذي يزحف على جسدها النافر كشلال أغنية قديمة يرددها المسافرون على ظهور إبلهم .. كان "بشير" يعرف أن والدها ضعيف جدا أمام الكلام الذي أخذ يتطاول .. ككل الرجال الذين يعرفون أن ابنتهم تواعد رجلا ما في الخلاء بحثا عن الحب ، والعصافير.. امرأة مثلها تحاول أن تتلمس عالما خفيا يتكشف لها من قامته، وصوته الذي يتساقط عليها كالمطر ... كما كان يعرف أنه مريض، وقد يصيبها بالعدوى ، وأن الخيار الأفضل لها أن تهجر هذا المكان اللاإرادي والذي فرضه عليهم قدر تعيس
- اهربي يا "زيون" شيوخ القبيلة لما يعرفوا إنك ما مصابة بيحموك من كل هذا الظلم ....
حفتت أنفاسه ، وكأنه يخفيها في قفصه الصدري وهو يردف:
- أنا بوصلك لراس القرية ، وانت كملي مشوارك ...
ارتجفت حتى كاد رأسها يسقط على صدره كثمرة ناضجة ، وبعدها بكت طويلا جدا ، وهي تفكر في ذنب "حمد" الصغير في أن يعيش في مكان خرب كهذا ، وفي ذنب "بشير" الذي دفعه ليطلب منها أن تغادر المكان إلى مصير أجمل ودون رجعة ...
تلفتت في المقابر التي لم يتضح منها سوى علو الطين الذي يدلل على وجود ميت، وانسيابه في الجهات الأخرى التي تدلل على أمكان فارغة، ومستعدة تماما لاستيعاب متآكلين آخرين ...
أدارت له وجهها المكتئب لتسأله إن كانت الحياة الأخرى هي أقل إيلاما ، وأكثر دفئا، ولكنها لم تستطع فتح فمها كان صوت الخطوات خارج المقبرة يفتق أذنيهما، والحناجر ترتفع لتنادي باسمها، وقع قلبها منها وهي تحيط بذراعيها على كتفيه في الوقت الذي أطفأ "بشير" مصباحه ولف ذراعه أسفل كتفيها ودفع بنفسه ، و بها إلى وراء الحشائش التي طالت بطول تكورهم خلفها ، وبقيا متلاصقين إلى أن ابتعدت أضواء مصابيحهم التي تسللت خيوط ضوئها أرض المقبرة في محاولة للتلصص عليهما ...
عندما اطمأنت "زيون" لمغادرتهم المكان انتشلت نفسها من حضن "بشير"، وانتصبت سريعا على قدميها المرتجفين، في الوقت الذي تحسس "بشير" فيه دفئها الذي تركته يغدق في صدره ، وهو يقول:
- لازم تتركي المكان ... "بخيت" بيذبحك
- تتزوجني ...!!
تأمل تعبها، وعينيها المسكونتين بالخوف ، وصوتها المطعم بالارتباكات دون أن يستطيع قول أي شيء، وهو الذي لم يستطع منذ عشرة أعوام أن يترك يده في يدها ليحثها على الركض في مزارع "القت" بحثا عن بيض "الصفارد"، لم يستطع أن يقذف بها عاليا في الأراجيح المعلقة بأشجار الغاف أيام العيد ، والتي يتزاحم عليها كل أولاد الحلة، الأمر الذي يتطلب منه أن يصحو من "الغبشة" ليحجز لها أرجوحة، ويدفعها صوب الفرح...
أراد أن يخبرها أن الأيام تسربت من بين يديه قبل أن ينتبه ، وأن لعبة "عريس وعروسة" التي كانوا يلعبونها قديما
هي لعبة لا تعدو الضحك، والتهريج ، وإن كانت الحكايات في أحلام الطفولة تنتهي بالنهايات السعيدة ، فإنها الآن ستوقع بهما في فخ لا ينجيهما من التعب، لذلك وجد نفسه يقول لها:
- والدك ، زوجة أبوك ، والناس أجمعها ما رح أحد منهم يوافق على زواجنا... إنت مجنونة !!
- أنا مجنونة .... ويا ريت كنت مصابة مثلكم ... ما كنت انذليت ....!!
يتشاغل عنها بإضاءة المصباح من جديد ، قبل أن تفقس الأسئلة التي لا حلول لها، وقبل أن يقع في شرك حضورها الطاغي على روحه ، وتنحني هي بالقرب منه لتلتقط خيط الضوء الضئيل الذي سرعان ما عبأ الفراغ ....
تكتفي بتأمل المكان الذابل، وصمت "بشير" الذي يهرب من التحديق بها ، وهي تطارده بعنينيها ، وتعاود التحديق في أصابعها الأنيقة لتتساءل مع نفسها إن كانت تستحق مصيرا أفضل .. بنتبه "بشير" إلى الفكرة التي ومضت في رأسها فأومأ لها برأسه موافقا ...
أمسكت دمعتها لأنه رجل نبيل بأكثر مما ينبغي، ومن تم قالت:
- كيف أروح لراس القرية ...!
امتعضت ملامحه وبدا كمن يبتلع وجعا كبيرا يتنامى في صدره ، أو كطفل تطالبه أن يعطيها قطعة الحلوى الشهية التي في يديه لأنه لا يجيد فتحها ، رغم ذلك حاول كثيرا أن يبدو مبتسما وفرحا وهو يقول:
- أنا أوصلك ....
ضغط أكثر على أنفاسه قبل أن ترف من صدره كعصفور وهو يضيف:
- الليلة ....
لم يعد هنالك ما تقوله "زيون" فخطوة للوراء تعني أن والداها الغاضب سيشرب من دمها، كما أن بقاءها في المقبرة بصحبة "بشير" لن يجلب لها سوى الفضيحة التي لم تعد معنية بها كثيرا ، ربما كان عليها لمرة واحدة أن تفكر بإيجابية، وأن تترك هذا القدر التعيس خلفها ضمن إمكانية أن تحتضنها القرية ..
كان "بشير" يفهم نظراتها جيدا دون أن تقول الكلام الذي تريد .. كان يمتطي السكون، والحزن ليخطف التفاتة منها، كان مسكونا بها ، كما كان الأمر عندما كان صغيرا يقطف من أجلها "اللوبياء" الطازجة من مزرعة عمه خفية ، ليجلسا خلف الوادي يتبادلان الحكايات السرية والتي لا تعني أحدا غيرهما ....
وقف على ساقيه وسارت بالقرب منه ، ومن ثم خرجا من المقبرة .. سألته وهي تتشبث بذراعيه :
- تعرف الطريق ...!!
- أعرفه زين ...
أرادت أن تسند رأسها على كتفه ، أن تغرز تعبها، وجوعها والضرب الذي أوجعها في صدره ، لكنها امتصت رغباتها ، وسارت دون أن تتبادل معه أي كلمة إضافية..
في أثناء سيرهما، وبعد أن ابتعدا بمسافة جيدة عن المقبرة، أفلت "بشير" الحزام الذي كان يلفه فوق مئزره فانفلت كيس صغير على الأرض تناولته "زيون" وهي تشتم رائحة "القروص المحلاة بالعسل" اللذيذة التي أحضرها من أجلها، وفكر بتقديمها لها بعد أن لاحظ وهنها في السير ، فتحت الكيس على عجلة واقتطعت قطعة صغيرة منها ، وألقمته إياها في فمه ، وهي تبتسم ومن ثم اقتطعت قطعة أخرى ودستها في فمها الصغير .. ارتفعت ضحكته ، وهي تمازحه بأن تسرق اللقمة من فمه المفتوح لتزرعها في فمها الصغير ...
تفاجآ من قدرتهما على الضحك في أجواء معكرة كهذه، وتمنت "زيون" أن لا تنتهي الطريق ، وأن تطول المسافة وتطول ..
كانت تتأمله وهو يسير بقربها أرادت أن تقول له أن الحياة معه ستكفيها لفرح طويل، لكنها كانت تعرف أن "بشير" يريدها أن تكون في أماكن آمنة ، وأن يبعدها عن شبح المنبوذين الذين يأكلونها بعيونهم كل يوم لكونها الوحيدة التي تجاوزت الثامنة عشر ولم تصب بالعدوى .. ما يزال جسدها سليما لم يشوهه المرض، و"بخيت" بالرغم من قسوته إلا أنه لا يريد أن يزوجها لأحد من المرضى حتى "بشير" الذي نما حبها في قلبه منذ الطفولة .. أرادها أن تكون بعيدة عنه لتضيء بالفرح ....
تبدت لهما من البعيد أضواء القرية، والبيوت الطينية الجميلة التي لا يعرفان كيف يطاق العيش بين جدرانها التي لا تكشف شيء، ولا تسمح للهواء بالعبور إلا عبر فتحات التهوية، فمنذ أن فتح" بشير" و"زيون" أعينهما لم يعرفا سوى "العرشان" التي تقع على بعد مسافة طويلة خوفا من تفشي المرض المعدي الذي يأكل من لحمهم، وأعصابهم ، ضغطت "زيون" على مرفقه لتحسسه بخوفها من المجهول الذي يترصدهما ، لكنه طمأنها بأن ربت على كتفها بأصابعه القصيرة:
- ما أريد أروح ... أبغى أكون معك ...
- صعب ... صعب ... لازم تروحي .... أنا سمعت "بخيت" ناوي يذبحك
ارتجفت، وأنفاسها تختلط مع رغبة البكاء ، وهو يضيف وقد أصبحت البيوت الطينية أكثر اتضاحا لمرآهم :
- روحي عند الشيخ، وهو لما يشوفك سليمة بيحميك ، وبتتغير حياتك ...
طاف حلم جميل في مخيلتها عن حياة أخرى يمكن أن تجدها خلف البيوت الطينية أخف وطأة من الحبال التي ترسغ يديها كل يوم، لذا تقدمت خطواتها منفردة عن "بشير" الذي كان يحفزها على الاستمرار، وكانت كلما تقدمت خطواتها إلى الأمام كلما ابتلعت العتمة "بشير"، هكذا تركته دون أن تبادله الكلام الكثير الذي تكاثر في صدرها، كل ما استطاعت فعله هو أن تضغط على مرفقيه ليسري خوفها في أعصابه، وربما تسرب بعض من الحنين والحب الذي لم يستطيعا قوله جيدا لبعضيهما ...
جرت نفسها وهي تضغط على الخجل الذي بدأ يتسلق قدميها، لكن صوتا قويا خرم أذنها من الخلف
- نقع فيها .... قبل ما تجيبلنا الفضايح ...
التفتت نصف التفاتة لتتبين الصوت الحاد الذي نمل جسدها لكنها لم تحتمل الألم الذي ثقب قلبها ، وجعل نبضه يتوقف، ويضخ دمه إلى الخارج، هكذا فتحت عينيها باتساع الدهشة لتجد الدماء تثور من صدرها لتلوث دشداشتها الخضراء، وروحها تتصاعد إلى أعلى، وهي تسقط بين البيوت الطينية قبل أن تدخلها، وقبل أن ينام عصفور مرتجف وحزين ..
لكن قبل أن ترتطم "زيون" بالأرض، وقبل أن يغلق الوجع عينيها الجميلتين عن كل التعب تحول العالم من حولها فجأة إلى بقعة بيضاء، استعاد فيها "بشير" أصابعه التي غرسها في قلبها لتنبت قرنفلة، واستعادت هي حاجتها للأمان في مساحة تكفي للعيش دون أمنيات إضافية ....
الرجل الضرب
07/07/2006, 11:05 PM
حصار
خائفٌ منه. مع إنه بين يديك وتحتَ رحمةِ أصابعك إلا أنك تخاف استيقاظَه المباغتَ الذي يذكرك بالتماسٍ كهربائيٍ صعق جزءًا من طفولتك ، لذلك سخّرْتَ أرقكَ القديمَ لكي ينبهَك إلى استيقاظ النائم دون أن تُفاجأ بوخز اهتزازاته.
* * *
ها أنت تستغيث بالأرق مشمِّراً عن جفنيكَ لتكشف عن عينين ذابلتين تسدِّدان نظرةً مرتعشةً باتجاهِ مَن يتوسد راحتيك ويرفع من غليان أعصابك .
* * *
ليس مهمًا أن تتشنَّجَ عيناك لشدة تركيزك ، أو تتنمّلَ قدماك لفرطِ جلوسِكَ المقرفص.
وليس مهمًا أن يمطرَ جسمُكَ كلَّ هذا العرقِ بفعلِ سوءِ أحوالِك النفسية.
وليس مهمًا أن تستسلمَ لبعوضةٍ منذ اللدغة الأولى دون أن تفلح في استفزازِ كفيكَ لتسحقَها مفضِّلاً أن تكونَ أُمثولةً تافهةً على جسارةِ البعوض.
حتى لو غامر فأرٌ - جعلْتَه على رأس لائحةِ أعدائِكَ الوهميين - بالخروج من لا مكانِه في هذا البيت لما وجدَ فرصةً أفضلَ من هذه في سلوكِ طريقٍِ اعتاد أن يتسلل منه إلى ثقبٍ في مستودع أسرارك ليقرضَ ما تبقى لكَ من ذاكرةِ الأوراقِ المهملة بدولابٍ هَرِم .
المهم من هذا كلِّه أن يستيقظَ نائمُك بإشارةٍ من شاشتِه المظلمة حتى تنالَ وعدَك بمشاهدةِ فيلم الليلة.
* * *
الأفلام ! ما أغربَ علاقتَك الطارئةَ بها !لم تكن تحبُّها يومًا، ولم يدُرْ في بالٍكَ أن تدخلَ داراً للسينما حتى وقعتْ أذناكَ في غرامِها أخيراً في حين لا تزالُ عيناكَ ترفضانِ الاعترافَ بهذا الغرام.
ومنذ انضمامك القريب إلى السلك السينمائي وأنت تعيش حصارا لا يشبع من أكل هدوئك أو من السخرية على ترددك الفاضح في إرضاء أذنيك على حساب عينيك وكأنك عاشق منذور لحبيبتين تتكافآن في فرصهما للفوز بقلبك.
* * *
ربما كان نومُه ثقيلاً وهو بحاجةٍ إلى من يوقظُه من سباتِه العميق.لكنْ قبل أن تفكِّر جدِّيا في إيقاظِه فكِّرْ أن صوتاً خشناً قد يرفضُك بأبغضِ أساليبِ الرفضِ وهو يتعذرُ لكَ من (الحصول على المشترك المطلوب) ويرجوكَ أن تعاودَه (فيما بعد) ، وبذلك ستخسر كل ما أتلفْتَه من أعصابٍ وساعاتٍ للنوم بلا فلمٍ صوتي يُرطِّبُ جفافَ أذنيك.
* * *
وقد لا يكون نومًا بل إغماء بسبب ضربةٍ عاقبتَ فيها هدوءه المتكررَ وهو الآن يعاقبُكَ بلعبةِ استغماءٍ تترككَ في حصارٍ آخر بين رغبةِ أذنيكَ في معرفةِ بقيةِ تفاصيلِ فيلم الأمس وشحوبِ جيبِك الذي لن يسمحَ لكَ إلا بستين ثانية من إثارةٍ أجّلتَ اكتمالَها إلى هذه الليلة.
* * *
بإمكانِكَ أن تتجاوزَ هذا الخيارَ الذي لن تتحملَ نتائجَه، كأنْ تستثيره للاستيقاظِ بطريقةٍ لا تكبِّدُكَ عناءَ الخوفِ من جديد. طريقةٌ ثمنُها أتفه من ثمن علكةٍ رديئةِ الطعم تنقدها لمشتركِك المطلوب في احتمالِ أن يرفعَ عنكَ حصارًا قد يطولُ إلى ما لا تطيقه أعصابك التالفة ، لكنكَ في هذه الحالة مضطرٌ إلى نسيانِ أمرِ الستين ثانية لأنها ستتلاشى إنْ فعلْتَها ، وبذلك تصبحُ سجينَ انتظارٍ لمن لنَ يعاودَكَ الاتصالَ فيما بعد إفلاسك .
* * *
أعلنتَ استسلامكَ لعينيكَ إذنْ ؛خوفاً من حصارٍ آخرَ قد تطوِّقُكَ به أمُّكَ التي استيقظتْ عوضًا عن نائمِك ؛ مُتجِّهةً بالنداءِ الفَجْريّ إلى مَنْ قطعْتَ اتصالَكَ به انتظارًا لشيءٍ لم يأتِ بعد .
وليد النبهاني
روح الأخوة
07/07/2006, 11:21 PM
:) قـرأت بعض القصص على عجـالة ،، ولقد أعجبت بالسرد الأكثر من رائع :)
;) ولي عودة أخرى لأكمل البقية ;)
:) وكل الشكر والتقدير لأصحـااب هذه القصص المميزة ،، والتي ستكون العون لنا في طريق كتابة القصص وسردها :)
;) كـل الشكـر ;)
ابتسامة
07/07/2006, 11:45 PM
رائــــع :) كنت ابحث عنهم
يرجى ذكر المصدر لأبحث عن نسخة منه :)
العنــا
08/07/2006, 01:30 AM
شكـرا لـك أستاذنـا علـى هـذا الجهـد الرائـع
حقـا أنهـا ميـزة تضـاف إلـى سبـلة الشعـر والأدب .،
سأعـود لأقـرأ علـى مهـل .
:o
حمراوووي
09/07/2006, 11:20 AM
كم بحثت عن هذه النصوص ...وكم تمنيت أن أقراها...لقد وصلتني رساله من أعز اصدقائي ، وهو كاتب من ضمن هذه المجموعات القصصية ...كانت نص الرساله تقول (( أقول عزيزي...ألم تقرأ صحف الأمس ، ولم تسمع الخبر بالهمس ، أم أنك غائب خلف أشعة الشمس، الجميع عرف وانا أنتظر منك ولو رساله يتيمة ولم تأتي ...لماذا ...؟؟؟ )) هنا توقفت وزدادت الدهشة في نفسي ، لم ولن ارد عليه قبل ان اقرأ نصه ، قلت هذا في داخل نفسي ، وبدات رحلة البحث ...وأستمرت إلى أن حصلت على مبتغاي ، وهنا يا صديقي سوف أرد عليك ، وسوف أجيبك على كلمة لماذا ...؟؟ فشكرا لك وللجميع مع تمنياتي لكم بالتوفيق والى الامام دائما يا أدباء عمان....
إليك يالساهر ...
يطير يمسافر لك .......وصله هذا الكلام .....ميت حبيبك قله .... والليل أبد ما ينام
أنا يوسف يا أبي
09/07/2006, 01:12 PM
نصوص قصصية في منتهى الروعة أعتقد جازما أن القصة هذا العام كانت وحدها المتالقة في ملتقى صور ، فالنصوص كانت متحققة وتعد بكتاب قصة يعون أدواتهم الفنية والكتابية فئنيئا للساحة القصصية بهم . وننتظر منهم أعمال اكثر إبداعا .
vBulletin إصدار 3.8.11، كافة الحقوق محفوظة ©2000-2026، مؤسسة Jelsoft المحدودة.