الغابه
03/07/2006, 05:06 PM
يعتبر زاهر الغافري أحد الأصوات الأساسية في الشعر العربي الحديث خلال السنوات العشرين المنصرمة، ومن الأصوات المؤسّسة للقصيدة الحديثة في عُمان. عاش في بغداد والمغرب والسويد، وعاد مؤخّراً إلى عُمان. صدرت له مجموعات شعرية عديدة منها: «أظلاف بيضاء» باريس ١٩٨٤، «الصمت يأتي للاعتراف» كولونيا ١٩٩١، «عزلة تفيض عن الليل» مسقط ١٩٩٣، «أزهار في بئر» كولونيا ٢٠٠٠، «ظلال بلون المياه» دمشق ٢٠٠٥.
«المشاهد السياسي» التقته في عُمان في حديث جريء ومطوّل معه.
سألت الشاعر زاهر الغافري:
> عدت مؤخّراً إلى عُمان.. وها نحن نجلس إليك في مسقط عاصمة بلادك .. ما الذي تفعله هنا في عُمان.. بعد غياب سنوات طويلة في الأسفار ومقام أطول في السويد؟
< لا أعرف، ولا أضمن أن تكون هذه العودة نهائية، فالخيارات دائماً مفتوحة وأفق الرحيل دائماً أمامي. لنقل أنها محاولة للعودة. وأظن أن العودة النهائية بالمعنى الوجودي للكلمة، لن تكون سوى العودة برفقة الموت.. عودة إلى الطفولة. لسركون بولص سطر شعري يعبّر عن الفكرة: «العودة دائماً مستحيلة». متغيّرات الزمن حادة جداً، وإذا كان هناك من عودة بالنسبة إليَّ، فهي عودة إلى الطفولة، أما من الجانب العملي، فوجودي في مسقط هو أولاً بحث عن طريقة ما للتكيّف مع المكان بعد ترحال طويل، والبحث عن عمل، وربما عن أفق آخر للعيش.. ثم هناك شيء عزيز عليّ، وهو رؤية أصدقائي ولقاؤهم، وأنا مدين لهم بالكثير، فقد عشت كثيراً بفعل محبتهم ووجودهم في حياتي.. وعندما كنت أرحل، طالما كانت ظلالهم تصاحبني حيثما رحلت.
مسقط بعد غياب
> ماذا يعني لك المكان بعد طول غياب؟
< جزء من تفكيري أن المكان عادة ما يكون جرحاً أول.. علامة. وبعد هذه السنوات، فهو بالنسبة إليَّ بمثابة أسلوب عيش وكتابة. علاقتي بالمكان معقّدة بعض الشيء، بسبب نمط من الألفة السريعة والفراق الداهم.. لذلك لم يحدث أن كتب نص يدلّل على مكان بعينه، ولم أذيّل نصّاً بمكان وتاريخ معيّنين، كما يفعل كثير من الشعراء.. كأن المكان كائن هارب، وهنا اعتراف مسبق بهروبه. وربما كان هذا ما يمكن أن يتمظهر في التجربة الشعرية: الاحساس الدائم بالغياب والفقدان. كأن المكان ليس إلا عتبة زمان هارب، وكأن الشعر هو صوت هذا الهروب وصوره وآثاره.
علاقة المكان بالحنين غالباً ما تكون في شعري ملتبسة، وهو التباس لا يعود إلى ما عرفت من أمكنة وحسب، وإنما إلى أمكنة لم أرها بعد، أمكنة الحلم والتخيّل والتوقّع.
بغداد واليتم
> بخلاف مجايليك كانت بغداد أواخر الستينيات، بكل زخمها الثقافي والاجتماعي، محطة أساسية في تكوينك الثقافي المبكّر.. كيف انعكست هذه المحطة في شعرك ورؤيتك للشعر؟
< هذه المحطة والمفارقة تشكّل أفقًا مؤلماً بالنسبة إلى تجربتي، لأنني عندما رحلت إلى بغداد في شتاء عام ١٩٦٨، حدث هذا مباشرة بعد غياب الأم.. فكأنني انقذفت في يتم مدينة حديثة وفي عالم جديد.. في بغداد تعرفت إلى النقاشات الأساسية والحادة أحياناً في ما يتعلق بالشعرية العربية.. هذه المرحلة شكّلت رافعة جمالية بالنسبة إليَّ في النظر إلى العالم، وهناك بدأت قراءاتي المبكّرة المهمة في مجالات مختلفة: الشعر والفلسفة، واكتشاف السيّاب، وتوفيق صايغ. في بغداد، عرّفتني التجربة اليومية إلى التجارب الحديثة في الشعر العربي، بما في ذلك تجارب الشعراء السبعينيين العرب عموماً والعراقيين خصوصاً. لم أجد نفسي قريباً من مزاج وانشغالات ذلك الجيل، الذي عبّر شعره عن كلف بالأيديولوجي ونحت قصائده منحى أساساً في التعبير عن الصراع الأيديولوجي، إنما كنت أتأمل التجربة عن كثب، وكانت التجربة الشعرية الحديثة في العراق مرموقة. كانت تجربتي في بغداد تجربة انفجارية.. والغريب أنني لم أكتب عن هذه التجربة، رغم التأثير العميق للمكان العراقي في تكويني، إلا في مجموعتي الأخيرة «ظلال بلون المياه»، وتحديداً في قصيدة «كلمة تعني مدينة أو امرأة»، فقد احتجت إلى سنوات طويلة لأستوعب ذلك الجرح المتعلّق ببغداد، والمتصل بجرح فقد الأم أيضاً.. رغم ذلك، فقد عشت في بغداد السبعينيات حياة صاخبة ومميّزة في إيقاعها، في المقاهي والحانات العراقية التي لم تعد اليوم سوى ذكرى مؤلمة عن شارع الرشيد و«مقهى البرلمان»، و«مقهى المعقدين»، و«حانة شريف وحداد»، الحب الأول، والقراءة الأولى، والشغف الأول والصداقات الأولى.. ما الذي حدث لكل هذا؟ أين هي الآن هذه العناوين والعلامات؟ أين هي الآن من مشهد الشرطة العراقية الجديدة، والسيارات المتفجّرة وجنود المارينز؟ إنه فقدان آخر، خصوصاً أنني أنتمي إلى جيل كان يموج بالأفكار والتطلّعات والمشاريع الكبيرة.. لقد سقطت كل تلك المرحلة، وها هي تسفر عن مشهد عصيّ عن الوصف، مشهد يحتاج وصفه إلى قاموس لغوي جديد. ما زال لديّ حنين إلى العراق.. حنين يشبه حنيناً إلى الصبا..
السفر من عُمان
> نحن نعرف أن وجودك المبكّر في المغرب، حفز شعراء ومثقّفين عُمانيين آخرين على السفر إلى المغرب والاقامة هناك. ما الذي حملك في ذلك الوقت على السفر إلى الشمال الأفريقي؟
< ذهبت إلى المغرب أساساً لألتحق بجامعة محمد الخامس في الرباط، وهناك درست الفلسفة.. كان هذا في أواخر السبعينيات، وكان اليسار المغربي يخوض تجاربه الكبيرة.. وقد لمست هذا خصوصاً في الوسط الطلابي.. في المغرب تسنّى لي أن أقيم علاقات أعتزّ بها مع المثقّفين والكتّاب والسينمائيين والتشكيليين المغاربة..
رفقة محمد شكري
> حدّثنا عن علاقتك المميّزة بمحمد شكري.. نحن نعرف أنكما تصادقتما لسنوات؟
< حدث ذلك عندما أقمت في طنجة.. هناك تعرفت إليه، وكان وقتها معروفاً في الأوساط الأدبية، ولم يكن قد أصدر أياً من أعماله بالعربية.. أظن كانت روايته ـ السيرة قد صدرت بالفرنسية، وبدأ يشتهر ويترجم إلى لغات أوروبية: الإسبانية والإنكليزية عموماً والفرنسية خصوصاً.
> مرحلة أخرى من حياتك قضيتها في المغرب، وتحديداً في طنجة، اتّسمت بخصوصية، وبعلاقة خاصة مع الكاتب الراحل محمد شكري.. كيف يمكن استعادة بعض ملامح تلك المرحلة؟
< تجربة المغرب تمتاز بنوع من الوعي المعرفي العالي، وهي فترة شكّلت خصوبة استثنائية في كتابتي وحياتي.. مع معالمها وتعرّفي إلى ثقافة المكان المغربي في فترة لم تكن الثقافة العربية في المشرق، قد انتبهت إلى ما يعتمل ويُولد هناك.
> هناك كما سمعت قصص وطرائف ومفارقات لك مع شكري.. هلاّ حدّثتنا عن بعضها؟
< كثيرة هي طرائف محمد شكري.. ولكن ينبغي أن أضيء نقطة قبل ذلك، وهي أن محمد شكري شخصية تمتاز بنبل خاص وكرم روحي.. وهو كشخصية عامة كان معروفاً، ولكنه كان في منتهى التواضع. كنا نسهر حتى أواخر الليل.. وكنت أضطر الى حمله على ظهري من شدّة إعيائه.. وأصعد به إلى شقته في الطابق الخامس حيث يسكن. كان شكري يربّي كلباً اسمه جوبا.. وكان هذا يلازمه حتى في جولاته على الحانات، فكنت أسأله: ما علاقتك بهذا الكلب يا شكري؟ فكان يجيب: إنه أفضل لي من البشر!
لازمت شكري لخمس سنوات، وبفضله تعرّفت إلى بول بولز، وجان جينيه، وآخرين.. ومما أعرفه ـ وليس معروفاً ربما للمشارقة على الأقل ـ أن صاموئيل بيكت كتب عن محمد شكري، وكان صديقاً له.. وكنت وشكري نمرّ ونجده جالساً في مقهى باريس في طنجة خلال زياراته إلى المدينة.. وكان شكري يحترم خصوصيات بيكت، الذي كان يؤثر العزلة والابتعاد عن الناس. هناك جانب آخر عند شكري وهو علاقته بالمرأة التي عادة ما كانت تمتاز بالتوتر، إلا أنه في لحظات الصفاء الخالص كان يتذكّر حبه الأول، وتكاد الدموع تتفجّر في عينيه.. ومن الأشياء الجميلة لدى شكري، مهارته في الطبخ فقد كان يعتني بصحته.
على أية حال طرائف شكري وحكاياته لا تنتهي. وقد أصبت بصدمة قاسية عندما قرأت خبر وفاته في الصحف، حين كنت في السويد. هو الذي طالما سخر من الموت. وحتى هذه اللحظة أتهيّب من زيارة طنجة، تحسباً من رؤية ظلّه في زوايا المدينة ومنعطفاتها، فشكري هو الذي عرّفني بطنجة الهامشية التي لا يعرفها سواه.. طنجة المهمّشين والمعذّبين الذين انتمى شكري إليهم وعبّر عنهم في أدبه.. فقد كان ابن الحياة بكل ما تتيحه من مفاجآت حياة فقراء الناس في مدن الشرق.
على الصعيد الشخصي كان شخصية أريحية، لكن أكثر ما كان يؤلمه هو رؤية الخديعة أو الاستغلال.. وكان هو نفسه في بعض المرات محلّ استغلال من بعضهم.
من جهتي عرفت شكري بالتجارب الشعرية العراقية، خصوصاً قبل أن يلتقي أصحابها فيما بعد، أعني: سركون بولص، وصلاح فائق، وعبد القادر الجنابي، وأنور الغساني، وآخرين.. وكان شكري محبّاً للموسيقى الكلاسيكية الغربية والعربية. وأذكر أنني أهديته، للمطربة العراقية الشهيرة سليمة مراد، شريطاً غنائياً ففرح به كثيراً. هذا ملمح ليس إلا من ملامح شخصية مؤثّرة كشخصية محمد شكري الذي سأظلّ أعتزّ بصداقته.
سماء عيسى الرائد
> تاريخياً .. من كتب أول قصيدة نثر في عُمان ومتى كان ذلك.. السؤال ليس من باب فحص الريادة، ولكن من باب تلمّس التاريخ الشعري؟
< أعتبر سماء عيسى هو المحرّك الأول، ليس في كتابة قصيدة فقط، وإنما ريادة التجربة الشعرية الحديثة في عُمان. وقد نشر في أواخر الستينيات في مجلّة «الحكمة» اليمنية سنة ١٩٦٨، قصائد ونصوصاً تنتمي إلى الشعرية الجديدة، وسرعان ما نشر في أوائل السبعينيات نصوصاً تنتمي إلى ما صار يعرف بقصيدة النثر. إذن المسألة ليست مسألة قصيدة نثر، وإنما الوعي الجمالي الحديث برمّته، معبّراً عنه في ممارسة شعرية جديدة، من معالمها قصيدة النثر.
عن سماء عيسى هناك حقيقة غائبة عن الأذهان، وهي أنه عادة ما يشتغل ثقافياً من منطقة الظلّ، مؤثراً الهدوء والابتعاد عن الضوء والضجيج. وهو الذي دفع وحفز تجارب شعرية أساسية في عُمان، إلى جانب تشجيعه وحفزه للعديد من التجارب التشكيلية والسينمائية والقصصية الحديثة.. سماء عيسى شخصية مجدّدة وداعية تجديد، كان باستمرار له فعّاليته الكبيرة وتأثيره الكبير بمنتهى النبل، ومن منطقة الظلّ في الحياة الابداعية والثقافية الجديدة في عُمان، وأنا أدعو الجميع إلى الاعتراف بهذه الحقيقة.
الشاعر العرّاف
> التصقت بك من بين أقرانك صفة «العرّاف» بالمعنى النبوئي في الشعر، وقد كتبت قصائد في بعض أصدقائك وبلادك ونفسك.. رأيت فيها ما حدث من بعد، وهو ما ميّز جانباً من تجربتك الشعرية.. لا سيَّما في مجموعتك قبل الأخيرة «أزهار في بئر»؟
< أولاً أنا لا أؤمن بالفكرة النبوئية في الشعر، فليس الشاعر نبيّاً في أي حال. وهذا المفهوم للشاعر الذي ساد في الستينيات والسبعينيات ربما، إنما ساد بسبب مشاريع التفاؤل الكبيرة التي أثبت التاريخ أنها أقدر على السقوط من أي شيء آخر. ولم تعد بالتالي موجودة في النظرة إلى الشاعر ولا إلى المثقّف. وهي في أصلها فكرة متعالية على الحياة والنص، وبالتالي غير حقيقية. لكنني أميل إلى فكرة الحدس عند الشاعر.. الحدس بدلاً من النبوءة. وربما كان على السؤال أن يطرق هذه الأرض..
في تجربتي الشعرية أبحث عمّا يمكن تسميته بالشفافية مع العالم.. وعادة ما أشتغل بهدوء وبعيداً عن الضجيج.. قريباً جداً من روح الأشياء والكيان الكلي للوجود. بمعنى آخر، لا أفتعل أي نوع من الصدامية مع العالم، وأبحث عن الانسجام العميق مع الوجود والأشياء، مفتشاًً في الأماكن الغائمة والغائبة والمتباعدة عن الفظاظات والقريبة من جذر الروح. لذلك، هناك تيمات حاضرة دائماً في تجربتي، وفي كل مرة من زاوية.. بعض هذه التيمات هو: الفقدان، الغياب، الحب، الحنين، الصداقة، والموت أيضاً بصفته رفيقاً ملازماً لهذا كله.
العودة إلى مسقط الرأس
> بعد هذه التجربة الطويلة وعودتك إلى مسقط الرأس، ومتابعتك للتجارب الشعرية العربية وغيرها.. كيف ترى إلى الصورة الجليّة للمشهد الشعري الحديث في عُمان والخليج العربي، في إطار التجربة العربية الكاملة التي أنت إبن لها؟
< في ظنّي أن التجربة الشعرية الحديثة في عُمان التي تمتلك سمات وملامح واضحة، وبخاصة في إطار التجربة العربية الحديثة، إنما تتمتّع تجارب شعرائها أنفسهم بتمايز واختلاف مثيرين للسؤال.
بالنسبة إلى التجارب الشعرية العربية الحديثة في الربع الأخير من القرن العشرن، وإلى اليوم، ظهرت ملامح جديدة أعطاها بعض النقّاد مسمّيات: كقصيدة التفاعيل، والقصيدة اليومية، وقصيدة البياض، وقصيدة الجسد، وقصيدة الحروفية في موازاة التشكيل.. إلخ..
ما أراه أن المشهد الشعري العربي تكوّن عبر مخاض من التجارب الواضحة المعالم مرة والغائمة مرات.. ولو شئنا أن نتحدّث عن تجارب الأجيال التالية علينا أجد أن نصوص هذه التجارب، في غالبيتها، تفتقر إلى عنصر المعرفة، والرؤية الفلسفية، وأذكر في هذا السياق ما قاله أوكتافيو باث: إن على القصيدة أن تلتصق بالمعرفة، والمعرفة هنا ليس المقصود بها المقولات الجاهزة، وإنما أن تسري المعرفة في دم النص وأن تذوب فيه. هذه المسألة أعتبرها أساسية حتى لا تكون التهمة جاهزة ضد القصيدة الحديثة، بصفتها تجارب تتشابه كالقطط السيامية.
السرد مصدر أساس للشعر
> دعنا نتحدّث عن القراءات بصفتها مصادر للدم الذي يضيء مصابيح الشاعر..؟
< الغريب في الأمر أنني قارئ روايات في الأساس، وقارئ سرود.. أكثر مني قارئ شعر. السرد في ما يمنح من متخيّل أنت وحدك المسؤول عنه، وهو مصدر أساس من مصادر تفجّر الشعر فيَّ. من هنا أرى أن الرواية في الغرب تمتلك مساحة شاسعة من التخيّل، وهذا ما تفتقده الرواية العربية، مع أنه غالباً ما نتباهى بألف ليلة وليلة، بصفتها مستودع خيال وغرائب وعجائب مثيرة، من دون أن نستفيد من هذا المستودع الذي ألهم كبار كتّاب العالم في مختلف الثقافات. من هنا، ينبغي أن نتفكّر بجدّة بالسرد، بصفته مصدراً هائلاً للشعرية، من دون أن يكون داخل التجربة الشعرية ذلك السرد الذي يتكلف الحداثة، وأظنك تنتبه إلى ما أرمي إليه.. هناك تجارب شعرية عربية وعُمانية أيضاً، نزع أصحابها إلى اعتماد السرد بطريقة متكلفة، ومن دون أن يتمكّن هذا السرد من أن يصبح عنصر تفجير للشعر.. وهو بالتالي أقرب ما يكون إلى التعبير الصحفي، أو الانطباع الأدبي السريع، أو التمسّح السطحي بالصوفي والروحاني، كما ذهبت بعض التجارب.
وبالمناسبة، إنني أعمل منذ فترة على عمل سردي طويل يجمع ما بين السيرة والرواية، نشرت فصولاً منه في الصحافة، وهذا العمل من المفترض أن ينجز في غضون السنتين المقبلتين.
السينما والشعر
> قصيدتك تكشف عن عين هذّبتها رؤى السينما وفعلت فيها.. ما علاقتك بالسينما؟
< هناك فعلاً في شعري، أو في قصيدتي، ما يكشف عن ولع بالسينما.. ربما في التقطيع الزمني والانتقالات من حالة إلى حالة عبر الصور مثلاً.. إلا أن القصيدة تبقى مبنية ويشدّها خيط رفيع يكاد يكون مخفيّاً لشدّة رهافته.. وعلاقتي بالسينما قديمة ومتعدّدة الجوانب. وقد درست التحليل السينمائي على واحد من أهم أساتذة السينما، وكان صديقاً للمخرج الإنكليزي الكبير ألفرد هيتشكوك، وذلك في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة. تابعت السينما من البدايات الصامتة عبر مراحلها المختلفة، بما في ذلك سينما الأندرغراوند، والسينما الطليعية الفرنسية، والسينما الإيطالية الجديدة، وسينمات العالم الثالث الجديدة. ربما رأيت من الأفلام أكثر مما قرأت. وأعتبر السينما وعوالمها مصدراً سحرياً للغنى الروحي الذي يولّد الطاقة الشعرية.
_____
المصدر: (http://www.almushahidassiyasi.com/ar/9/1203)
«المشاهد السياسي» التقته في عُمان في حديث جريء ومطوّل معه.
سألت الشاعر زاهر الغافري:
> عدت مؤخّراً إلى عُمان.. وها نحن نجلس إليك في مسقط عاصمة بلادك .. ما الذي تفعله هنا في عُمان.. بعد غياب سنوات طويلة في الأسفار ومقام أطول في السويد؟
< لا أعرف، ولا أضمن أن تكون هذه العودة نهائية، فالخيارات دائماً مفتوحة وأفق الرحيل دائماً أمامي. لنقل أنها محاولة للعودة. وأظن أن العودة النهائية بالمعنى الوجودي للكلمة، لن تكون سوى العودة برفقة الموت.. عودة إلى الطفولة. لسركون بولص سطر شعري يعبّر عن الفكرة: «العودة دائماً مستحيلة». متغيّرات الزمن حادة جداً، وإذا كان هناك من عودة بالنسبة إليَّ، فهي عودة إلى الطفولة، أما من الجانب العملي، فوجودي في مسقط هو أولاً بحث عن طريقة ما للتكيّف مع المكان بعد ترحال طويل، والبحث عن عمل، وربما عن أفق آخر للعيش.. ثم هناك شيء عزيز عليّ، وهو رؤية أصدقائي ولقاؤهم، وأنا مدين لهم بالكثير، فقد عشت كثيراً بفعل محبتهم ووجودهم في حياتي.. وعندما كنت أرحل، طالما كانت ظلالهم تصاحبني حيثما رحلت.
مسقط بعد غياب
> ماذا يعني لك المكان بعد طول غياب؟
< جزء من تفكيري أن المكان عادة ما يكون جرحاً أول.. علامة. وبعد هذه السنوات، فهو بالنسبة إليَّ بمثابة أسلوب عيش وكتابة. علاقتي بالمكان معقّدة بعض الشيء، بسبب نمط من الألفة السريعة والفراق الداهم.. لذلك لم يحدث أن كتب نص يدلّل على مكان بعينه، ولم أذيّل نصّاً بمكان وتاريخ معيّنين، كما يفعل كثير من الشعراء.. كأن المكان كائن هارب، وهنا اعتراف مسبق بهروبه. وربما كان هذا ما يمكن أن يتمظهر في التجربة الشعرية: الاحساس الدائم بالغياب والفقدان. كأن المكان ليس إلا عتبة زمان هارب، وكأن الشعر هو صوت هذا الهروب وصوره وآثاره.
علاقة المكان بالحنين غالباً ما تكون في شعري ملتبسة، وهو التباس لا يعود إلى ما عرفت من أمكنة وحسب، وإنما إلى أمكنة لم أرها بعد، أمكنة الحلم والتخيّل والتوقّع.
بغداد واليتم
> بخلاف مجايليك كانت بغداد أواخر الستينيات، بكل زخمها الثقافي والاجتماعي، محطة أساسية في تكوينك الثقافي المبكّر.. كيف انعكست هذه المحطة في شعرك ورؤيتك للشعر؟
< هذه المحطة والمفارقة تشكّل أفقًا مؤلماً بالنسبة إلى تجربتي، لأنني عندما رحلت إلى بغداد في شتاء عام ١٩٦٨، حدث هذا مباشرة بعد غياب الأم.. فكأنني انقذفت في يتم مدينة حديثة وفي عالم جديد.. في بغداد تعرفت إلى النقاشات الأساسية والحادة أحياناً في ما يتعلق بالشعرية العربية.. هذه المرحلة شكّلت رافعة جمالية بالنسبة إليَّ في النظر إلى العالم، وهناك بدأت قراءاتي المبكّرة المهمة في مجالات مختلفة: الشعر والفلسفة، واكتشاف السيّاب، وتوفيق صايغ. في بغداد، عرّفتني التجربة اليومية إلى التجارب الحديثة في الشعر العربي، بما في ذلك تجارب الشعراء السبعينيين العرب عموماً والعراقيين خصوصاً. لم أجد نفسي قريباً من مزاج وانشغالات ذلك الجيل، الذي عبّر شعره عن كلف بالأيديولوجي ونحت قصائده منحى أساساً في التعبير عن الصراع الأيديولوجي، إنما كنت أتأمل التجربة عن كثب، وكانت التجربة الشعرية الحديثة في العراق مرموقة. كانت تجربتي في بغداد تجربة انفجارية.. والغريب أنني لم أكتب عن هذه التجربة، رغم التأثير العميق للمكان العراقي في تكويني، إلا في مجموعتي الأخيرة «ظلال بلون المياه»، وتحديداً في قصيدة «كلمة تعني مدينة أو امرأة»، فقد احتجت إلى سنوات طويلة لأستوعب ذلك الجرح المتعلّق ببغداد، والمتصل بجرح فقد الأم أيضاً.. رغم ذلك، فقد عشت في بغداد السبعينيات حياة صاخبة ومميّزة في إيقاعها، في المقاهي والحانات العراقية التي لم تعد اليوم سوى ذكرى مؤلمة عن شارع الرشيد و«مقهى البرلمان»، و«مقهى المعقدين»، و«حانة شريف وحداد»، الحب الأول، والقراءة الأولى، والشغف الأول والصداقات الأولى.. ما الذي حدث لكل هذا؟ أين هي الآن هذه العناوين والعلامات؟ أين هي الآن من مشهد الشرطة العراقية الجديدة، والسيارات المتفجّرة وجنود المارينز؟ إنه فقدان آخر، خصوصاً أنني أنتمي إلى جيل كان يموج بالأفكار والتطلّعات والمشاريع الكبيرة.. لقد سقطت كل تلك المرحلة، وها هي تسفر عن مشهد عصيّ عن الوصف، مشهد يحتاج وصفه إلى قاموس لغوي جديد. ما زال لديّ حنين إلى العراق.. حنين يشبه حنيناً إلى الصبا..
السفر من عُمان
> نحن نعرف أن وجودك المبكّر في المغرب، حفز شعراء ومثقّفين عُمانيين آخرين على السفر إلى المغرب والاقامة هناك. ما الذي حملك في ذلك الوقت على السفر إلى الشمال الأفريقي؟
< ذهبت إلى المغرب أساساً لألتحق بجامعة محمد الخامس في الرباط، وهناك درست الفلسفة.. كان هذا في أواخر السبعينيات، وكان اليسار المغربي يخوض تجاربه الكبيرة.. وقد لمست هذا خصوصاً في الوسط الطلابي.. في المغرب تسنّى لي أن أقيم علاقات أعتزّ بها مع المثقّفين والكتّاب والسينمائيين والتشكيليين المغاربة..
رفقة محمد شكري
> حدّثنا عن علاقتك المميّزة بمحمد شكري.. نحن نعرف أنكما تصادقتما لسنوات؟
< حدث ذلك عندما أقمت في طنجة.. هناك تعرفت إليه، وكان وقتها معروفاً في الأوساط الأدبية، ولم يكن قد أصدر أياً من أعماله بالعربية.. أظن كانت روايته ـ السيرة قد صدرت بالفرنسية، وبدأ يشتهر ويترجم إلى لغات أوروبية: الإسبانية والإنكليزية عموماً والفرنسية خصوصاً.
> مرحلة أخرى من حياتك قضيتها في المغرب، وتحديداً في طنجة، اتّسمت بخصوصية، وبعلاقة خاصة مع الكاتب الراحل محمد شكري.. كيف يمكن استعادة بعض ملامح تلك المرحلة؟
< تجربة المغرب تمتاز بنوع من الوعي المعرفي العالي، وهي فترة شكّلت خصوبة استثنائية في كتابتي وحياتي.. مع معالمها وتعرّفي إلى ثقافة المكان المغربي في فترة لم تكن الثقافة العربية في المشرق، قد انتبهت إلى ما يعتمل ويُولد هناك.
> هناك كما سمعت قصص وطرائف ومفارقات لك مع شكري.. هلاّ حدّثتنا عن بعضها؟
< كثيرة هي طرائف محمد شكري.. ولكن ينبغي أن أضيء نقطة قبل ذلك، وهي أن محمد شكري شخصية تمتاز بنبل خاص وكرم روحي.. وهو كشخصية عامة كان معروفاً، ولكنه كان في منتهى التواضع. كنا نسهر حتى أواخر الليل.. وكنت أضطر الى حمله على ظهري من شدّة إعيائه.. وأصعد به إلى شقته في الطابق الخامس حيث يسكن. كان شكري يربّي كلباً اسمه جوبا.. وكان هذا يلازمه حتى في جولاته على الحانات، فكنت أسأله: ما علاقتك بهذا الكلب يا شكري؟ فكان يجيب: إنه أفضل لي من البشر!
لازمت شكري لخمس سنوات، وبفضله تعرّفت إلى بول بولز، وجان جينيه، وآخرين.. ومما أعرفه ـ وليس معروفاً ربما للمشارقة على الأقل ـ أن صاموئيل بيكت كتب عن محمد شكري، وكان صديقاً له.. وكنت وشكري نمرّ ونجده جالساً في مقهى باريس في طنجة خلال زياراته إلى المدينة.. وكان شكري يحترم خصوصيات بيكت، الذي كان يؤثر العزلة والابتعاد عن الناس. هناك جانب آخر عند شكري وهو علاقته بالمرأة التي عادة ما كانت تمتاز بالتوتر، إلا أنه في لحظات الصفاء الخالص كان يتذكّر حبه الأول، وتكاد الدموع تتفجّر في عينيه.. ومن الأشياء الجميلة لدى شكري، مهارته في الطبخ فقد كان يعتني بصحته.
على أية حال طرائف شكري وحكاياته لا تنتهي. وقد أصبت بصدمة قاسية عندما قرأت خبر وفاته في الصحف، حين كنت في السويد. هو الذي طالما سخر من الموت. وحتى هذه اللحظة أتهيّب من زيارة طنجة، تحسباً من رؤية ظلّه في زوايا المدينة ومنعطفاتها، فشكري هو الذي عرّفني بطنجة الهامشية التي لا يعرفها سواه.. طنجة المهمّشين والمعذّبين الذين انتمى شكري إليهم وعبّر عنهم في أدبه.. فقد كان ابن الحياة بكل ما تتيحه من مفاجآت حياة فقراء الناس في مدن الشرق.
على الصعيد الشخصي كان شخصية أريحية، لكن أكثر ما كان يؤلمه هو رؤية الخديعة أو الاستغلال.. وكان هو نفسه في بعض المرات محلّ استغلال من بعضهم.
من جهتي عرفت شكري بالتجارب الشعرية العراقية، خصوصاً قبل أن يلتقي أصحابها فيما بعد، أعني: سركون بولص، وصلاح فائق، وعبد القادر الجنابي، وأنور الغساني، وآخرين.. وكان شكري محبّاً للموسيقى الكلاسيكية الغربية والعربية. وأذكر أنني أهديته، للمطربة العراقية الشهيرة سليمة مراد، شريطاً غنائياً ففرح به كثيراً. هذا ملمح ليس إلا من ملامح شخصية مؤثّرة كشخصية محمد شكري الذي سأظلّ أعتزّ بصداقته.
سماء عيسى الرائد
> تاريخياً .. من كتب أول قصيدة نثر في عُمان ومتى كان ذلك.. السؤال ليس من باب فحص الريادة، ولكن من باب تلمّس التاريخ الشعري؟
< أعتبر سماء عيسى هو المحرّك الأول، ليس في كتابة قصيدة فقط، وإنما ريادة التجربة الشعرية الحديثة في عُمان. وقد نشر في أواخر الستينيات في مجلّة «الحكمة» اليمنية سنة ١٩٦٨، قصائد ونصوصاً تنتمي إلى الشعرية الجديدة، وسرعان ما نشر في أوائل السبعينيات نصوصاً تنتمي إلى ما صار يعرف بقصيدة النثر. إذن المسألة ليست مسألة قصيدة نثر، وإنما الوعي الجمالي الحديث برمّته، معبّراً عنه في ممارسة شعرية جديدة، من معالمها قصيدة النثر.
عن سماء عيسى هناك حقيقة غائبة عن الأذهان، وهي أنه عادة ما يشتغل ثقافياً من منطقة الظلّ، مؤثراً الهدوء والابتعاد عن الضوء والضجيج. وهو الذي دفع وحفز تجارب شعرية أساسية في عُمان، إلى جانب تشجيعه وحفزه للعديد من التجارب التشكيلية والسينمائية والقصصية الحديثة.. سماء عيسى شخصية مجدّدة وداعية تجديد، كان باستمرار له فعّاليته الكبيرة وتأثيره الكبير بمنتهى النبل، ومن منطقة الظلّ في الحياة الابداعية والثقافية الجديدة في عُمان، وأنا أدعو الجميع إلى الاعتراف بهذه الحقيقة.
الشاعر العرّاف
> التصقت بك من بين أقرانك صفة «العرّاف» بالمعنى النبوئي في الشعر، وقد كتبت قصائد في بعض أصدقائك وبلادك ونفسك.. رأيت فيها ما حدث من بعد، وهو ما ميّز جانباً من تجربتك الشعرية.. لا سيَّما في مجموعتك قبل الأخيرة «أزهار في بئر»؟
< أولاً أنا لا أؤمن بالفكرة النبوئية في الشعر، فليس الشاعر نبيّاً في أي حال. وهذا المفهوم للشاعر الذي ساد في الستينيات والسبعينيات ربما، إنما ساد بسبب مشاريع التفاؤل الكبيرة التي أثبت التاريخ أنها أقدر على السقوط من أي شيء آخر. ولم تعد بالتالي موجودة في النظرة إلى الشاعر ولا إلى المثقّف. وهي في أصلها فكرة متعالية على الحياة والنص، وبالتالي غير حقيقية. لكنني أميل إلى فكرة الحدس عند الشاعر.. الحدس بدلاً من النبوءة. وربما كان على السؤال أن يطرق هذه الأرض..
في تجربتي الشعرية أبحث عمّا يمكن تسميته بالشفافية مع العالم.. وعادة ما أشتغل بهدوء وبعيداً عن الضجيج.. قريباً جداً من روح الأشياء والكيان الكلي للوجود. بمعنى آخر، لا أفتعل أي نوع من الصدامية مع العالم، وأبحث عن الانسجام العميق مع الوجود والأشياء، مفتشاًً في الأماكن الغائمة والغائبة والمتباعدة عن الفظاظات والقريبة من جذر الروح. لذلك، هناك تيمات حاضرة دائماً في تجربتي، وفي كل مرة من زاوية.. بعض هذه التيمات هو: الفقدان، الغياب، الحب، الحنين، الصداقة، والموت أيضاً بصفته رفيقاً ملازماً لهذا كله.
العودة إلى مسقط الرأس
> بعد هذه التجربة الطويلة وعودتك إلى مسقط الرأس، ومتابعتك للتجارب الشعرية العربية وغيرها.. كيف ترى إلى الصورة الجليّة للمشهد الشعري الحديث في عُمان والخليج العربي، في إطار التجربة العربية الكاملة التي أنت إبن لها؟
< في ظنّي أن التجربة الشعرية الحديثة في عُمان التي تمتلك سمات وملامح واضحة، وبخاصة في إطار التجربة العربية الحديثة، إنما تتمتّع تجارب شعرائها أنفسهم بتمايز واختلاف مثيرين للسؤال.
بالنسبة إلى التجارب الشعرية العربية الحديثة في الربع الأخير من القرن العشرن، وإلى اليوم، ظهرت ملامح جديدة أعطاها بعض النقّاد مسمّيات: كقصيدة التفاعيل، والقصيدة اليومية، وقصيدة البياض، وقصيدة الجسد، وقصيدة الحروفية في موازاة التشكيل.. إلخ..
ما أراه أن المشهد الشعري العربي تكوّن عبر مخاض من التجارب الواضحة المعالم مرة والغائمة مرات.. ولو شئنا أن نتحدّث عن تجارب الأجيال التالية علينا أجد أن نصوص هذه التجارب، في غالبيتها، تفتقر إلى عنصر المعرفة، والرؤية الفلسفية، وأذكر في هذا السياق ما قاله أوكتافيو باث: إن على القصيدة أن تلتصق بالمعرفة، والمعرفة هنا ليس المقصود بها المقولات الجاهزة، وإنما أن تسري المعرفة في دم النص وأن تذوب فيه. هذه المسألة أعتبرها أساسية حتى لا تكون التهمة جاهزة ضد القصيدة الحديثة، بصفتها تجارب تتشابه كالقطط السيامية.
السرد مصدر أساس للشعر
> دعنا نتحدّث عن القراءات بصفتها مصادر للدم الذي يضيء مصابيح الشاعر..؟
< الغريب في الأمر أنني قارئ روايات في الأساس، وقارئ سرود.. أكثر مني قارئ شعر. السرد في ما يمنح من متخيّل أنت وحدك المسؤول عنه، وهو مصدر أساس من مصادر تفجّر الشعر فيَّ. من هنا أرى أن الرواية في الغرب تمتلك مساحة شاسعة من التخيّل، وهذا ما تفتقده الرواية العربية، مع أنه غالباً ما نتباهى بألف ليلة وليلة، بصفتها مستودع خيال وغرائب وعجائب مثيرة، من دون أن نستفيد من هذا المستودع الذي ألهم كبار كتّاب العالم في مختلف الثقافات. من هنا، ينبغي أن نتفكّر بجدّة بالسرد، بصفته مصدراً هائلاً للشعرية، من دون أن يكون داخل التجربة الشعرية ذلك السرد الذي يتكلف الحداثة، وأظنك تنتبه إلى ما أرمي إليه.. هناك تجارب شعرية عربية وعُمانية أيضاً، نزع أصحابها إلى اعتماد السرد بطريقة متكلفة، ومن دون أن يتمكّن هذا السرد من أن يصبح عنصر تفجير للشعر.. وهو بالتالي أقرب ما يكون إلى التعبير الصحفي، أو الانطباع الأدبي السريع، أو التمسّح السطحي بالصوفي والروحاني، كما ذهبت بعض التجارب.
وبالمناسبة، إنني أعمل منذ فترة على عمل سردي طويل يجمع ما بين السيرة والرواية، نشرت فصولاً منه في الصحافة، وهذا العمل من المفترض أن ينجز في غضون السنتين المقبلتين.
السينما والشعر
> قصيدتك تكشف عن عين هذّبتها رؤى السينما وفعلت فيها.. ما علاقتك بالسينما؟
< هناك فعلاً في شعري، أو في قصيدتي، ما يكشف عن ولع بالسينما.. ربما في التقطيع الزمني والانتقالات من حالة إلى حالة عبر الصور مثلاً.. إلا أن القصيدة تبقى مبنية ويشدّها خيط رفيع يكاد يكون مخفيّاً لشدّة رهافته.. وعلاقتي بالسينما قديمة ومتعدّدة الجوانب. وقد درست التحليل السينمائي على واحد من أهم أساتذة السينما، وكان صديقاً للمخرج الإنكليزي الكبير ألفرد هيتشكوك، وذلك في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة. تابعت السينما من البدايات الصامتة عبر مراحلها المختلفة، بما في ذلك سينما الأندرغراوند، والسينما الطليعية الفرنسية، والسينما الإيطالية الجديدة، وسينمات العالم الثالث الجديدة. ربما رأيت من الأفلام أكثر مما قرأت. وأعتبر السينما وعوالمها مصدراً سحرياً للغنى الروحي الذي يولّد الطاقة الشعرية.
_____
المصدر: (http://www.almushahidassiyasi.com/ar/9/1203)