المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : حوار مع المفكّر العماني : صادق جواد سليمان


البسيوي
22/06/2006, 09:37 AM
شدني كثيرا حوار أجراه الكاتب ناصر الغيلاني ونشرته مجلة نزوى في عددها الأخير مع رئيس المجلس الإستشاري لمركز الحوار العربي بواشنطن : صادق جواد سليمان.
الحوار يحمل كمّا كبيرا من المعلومات عن أحد رموز الفكر العمانيين الذين غيّبهم المهجر عن أوطانهم، يحمل كمّا أكبر من المعرفة والأراء التي تحتوي على عمقا وسعة في المعرفة والتفكير.

سأقوم بنقل الحوار هنا لفائدة وإطلاع الأخوة.

البسيوي
22/06/2006, 10:02 AM
فضلا عن خبرته الدبلوماسية كسفير سابق لسلطنة عمان في إيران وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية وعدد من دول أمريكا اللاتينية، وبما أتاحه ذلك من مشاركات واسعة ومهمة في المحافل الدولية، كالجمعيات العامة للأمم المتحدة، وعدد من المنظمات الدولية والإقليمية والعربية، وتعامله في السياسة الدولية والعلاقات بين الدول، وتماسه المباشر مع الكثير من القضايا والأحداث العربية والدولية، تفرغ صادق جواد سليمان منذ إنصرافه عن العمل الدبلوماسي في عام 1983م للتوسع في العلم والمعرفة، حيث أكمل دراسة الماجستير في السياسة الدولية العامة بمعهد الدراسات الدولية العليا بجامعة جونز هوبكنز، وواصل قراءاته المتعمقة في الأديان والفلسفات والعلوم والثقافات والحضارات المختلفة، معمقا بذلك رؤيته المستقصية لجذور المشكلات والقضايا المعاصرة، وهو ما أثمر حصيلة معرفية وافرة، وسعة وعمق في النظر والتحليل، بما له من دقة في العبارة.

عبر صادق جواد سليمان عن رؤاءه وأفكاره في العديد من مقالاته وأبحاثه التي نشرها في عدد من الصحف والدوريات العربية والأجنبية، فضلا عن الدعوات التي وجهت له لإلقاء محاضرات في عدد من الجامعات الأمريكية كجامعة جورج تاون والجامعة الأمريكية وجامعة العلوم الإسلامية والإجتماعية، إضافة إلى مشاركاته الكثيفة في المؤتمرات والندوات عبر دول العالم وأقطاره.

ويعد صادق جواد سليمان مع مجموعة من المفكرين العرب المعروفين في أمريكا من أبرز المؤسسين لمركز الحوار العربي في واشنطن عام 1994م ، والذي يعد من أبرز المراكز العربية في أمريكا والغرب عموما من حيث عنايته بالفكر والحوار الحضاري، عبر ما يزيد عن 500 ندوة نفذها المركز فضلا عن الأنشطة الأخرى، حيث يعتبر صادق جواد سليمان رئيسا للمجلس الإستشاري لمركز الحوار العربي، كما أنه أحد الخبراء المرموقين في الشأن الأمريكي نظرا لإقامته الطويلة هناك منذ ما يقارب الثلاثين عاما، فضلا عن دراسته وقراءاته المتعمقة في الفكر والتاريخ، وملاحظاته الدقيقة عن قرب للسياسة والمجتمع الأمريكي، ولأنه لا يكاد يمر عام دون أن تتخلله فترات يقضيها صادق جواد سليمان في مدينته مسقط فقد إنتهزنا هذه الفرصة وأجرينا معه هذا الحوار ..

البسيوي
22/06/2006, 10:17 AM
في بداية الحوار سألناه عن سيرته فقال :

هي سيرة ليس فيها شيء مرموق. وفيها عديد من مساحات عجز، بعضها بحكم ظروف، والبعض الآخر عن قصور شخصي أو تقصير. ولادتي كانت بمدينة مطرح، بسور اللواتية عام 1933، دراستي المبكرة تعلم القرآن المجيد، ثم قدر من تحصيل في العربية والأنجليزية والحساب، بمدارس أهلية بمطرح كان يعقدها بعض المتعلمين, أعقب ذلك دراسة علوم العربية لعامين على يد عالم دين من كتاب يسمى "جامع المقدمات".

بعد الحرب العالمية الثانية ضاقت على كثير من العمانيين سبل العيش، فسعوا للعمل في أقطار الخليج، كنت أحدهم. أول عمل لي كان في دبي، ثم في البحرين، وأخيرا في الكويت، حيث عملت إداريا وصحافيا لعقدين. خلال هذه الفترة أنجزت دراسة مع جامعة لندن بالمراسلة بما يعادل الثانوية العامة، وأيضا بالمراسلة درست مع معهد في الولايات المتحدة عبر أجهزة الراديو، وكان الراديو وقتئذ في طور بدائي.

بعد العمل في الكويت إلتحقت بوزارة الخارجية العمانية عام 1972، فعيّنت سكرتيرا أولا ثم مستشارا في سفارتنا بواشنطن. وبعد واشنطن، في عام 1976 إنتدبت سفيرا إلى إيران وتركيا. وبعد عامين عدت إلى ديوان عام الوزارة لأسهم في إعادة تنظيم الشؤون السياسية وأتولى رئاستها. ثم بمنتصف عام 1979 عينت سفيرا لدى الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من دول أمريكا اللاتينية، وبقيت هناك حتى ربيع عام 1983 حيث أعدت إلى ديوان الوزارة من جديد وكلفت برئاسة شؤون المراسم.

في صيف ذلك العام استقلت من الوظيفة، وعدت إلى أمريكا حيث أكملت دراسة الماجستير في السياسة الدولية العامة بمعهد الدراسات الدولية العليا بجامعة جونز هوبكنز، والتي كنت قد بدأتها وأنا في الوظيفة. لم أتول أي عمل وظيفي منذ إستقالتي من السلك الخارجي، فقد انصرف إهتمامي إلى التوسع في المعرفة عن طريق مطالعة دائبة، كان تركيزي فيها في مجال الفلسفة والدين.

البسيوي
22/06/2006, 10:37 AM
لو عدنا للبدايات لوجدنا أن المعرفة وتحصيل العلم خيار صعب ومستبعد عن ذهن شاب نشأ في مسقط أربعينيات القرن الماضي، حدثنا عن نشأتك والعوامل التي لعبت دورا في تكوينك الفكري والمعرفي، وما أدى لاحقا إلى تفتحك على معارف العصر الحديث وعلومه؟

هنالك جوانب في الإنسان قد لا يعيها وضوحا، أو قد يعجز عن تفسيرها، رغم أنها جزء من من تكوينه، مع ذلك سأحاول شيئا من التفسير.
البيئة التي نشأت فيها بمطرح خلت من كثير من الإنشغالات التي تملأ خبرة يافع ينشأ في هذا العصر. كانت حياتنا بسيطة للغاية، وكانت في أوقاتنا فسحة للتأمل. كنا نتحرك في دائرة محدودة الوعي، لكنها مطلقة في فرص التفكر. مثلا، المشي يوميا بين مطرح ودارسيت أو روي، حيث كنا نبيت معظم ليالي القيض، كانت لدي بمثابة خلوة مع النفس - أي فرصة ممتدة للتفكير. عامل آخر: البيت الذي نشأت فيه تحت ظل الوالد أيضا أوجد لدي شيئا من النزوع المعرفي. كان الوالد، رغم كثر مشاغله، يفرغ وقتا للمطالعة، ويذكر لي من حين لآخر شيئا مما قرأ وأستحسن. مناخ البيت الذي تنشأ فيه لاشك يؤثر في نشأتك. فإذا تواجد حواليك من الأهل من لمحت فيهم مزايا المعرفة والفضل إنجذبت إليهم وابتغيت لنفسك حظا كمثل ما لهم. بذلك يتشكل بعد هام في وجدانك ربما لازمك على امتداد مشوار الحياة.

من وجه آخر، لا ريب لدي أن في ممارسة الفكر المتعمق عوضا، ولو لم يكن لما أشقى المفكرون أنفسهم بتعميق تحصيلهم في هذا المجال الفارغ من اي عوض مادي يذكر. سوى أن في بلورة الفكر نوعا من الإشراق، فعندما تبزغ في أفقك فكرة كانت وراء حجاب، أو يلج في دائرة وعيك مدرك جديد، عند ذلك تشعر بتمدد في فضائك الداخلي وترى شروقا على أفقك يجلي ما كان غامضا أو باهتا في مدركاتك من قبل، ولعلنا نتذكر قول ابن رشد أن التفكير أرقى وظيفة يمارسها الإنسان، وقولا مأثورا آخر أن تفكر ساعة خير من عبادة ألف ساعة.

الخلاصة إذن، فسحة للتأمل في الصغر، ومناخ منزلي مثمن للمعرفة بعناية الوالد كانا في صلب ما دفعني لاحقا إلى أن أنحو منحى فكريا في فهم الخبرة الإنسانية قديما وفي هذا العصر، وفي التماس وجه السداد في إستقراء مختلف الأمور.

البسيوي
22/06/2006, 10:58 AM
كنت إذاً ضمن الثقافة التقليدية القديمة فمتى بدأت الإنفتاح على علوم العصر ومعارفه الجديدة ، أنا أتذكر قصة رويتها لنا مرة عندما رأيت لأول مرة سفينة تعمل بالمكائن الحديثة ترسو في البحر أمام مسقط وكيف أنها كانت مدعاة لتأملك ، ومن ثم سؤالك عن هذه المعرفة الجديدة التي لا يملكها الشيخ الذي كنت تتعلم على يديه؟

نعم، كان أمرا مثيرا للتفكير لدي في ذلك السن المبكر. في جانب من حياتي كان هذا العالم الذي أدرس عليه علوم العربية، وهو أيضا مرجع فقهي. كان، إلى جانب تحصيله المتقدم في علوم الدين، شخصا متميزا في مسلكه، يسطع فيه الجانب الأنساني مما يتحلى به من تواضع وبساطة وعفة ووقار. كنت أرى في السيد حسين أسد الله الموسوي هذا نموذج إنسان أتمنى أن أحققه في نفسي بمحوريه المعرفي والخلقي. على الجانب الآخر، كان هذا الطبيب الأمريكي النصراني (ويلس تومس) الذي بدوره كان إنسانا نموذجيا بمعيار خدمة الناس. كان يقوم بخدمة جليلة للعمانيين بمستشفى الرحمة ( سابقا مستشفى الإرسالية )، بمقابل رمزي ممن يستطيع الدفع، وبدون مقابل ممن لا يستطيع. كان يطببنا في بيوتنا عندما لا نقوى على الذهاب للمستشفي بسبب مرض منهك، ويستقبل حالات مرضية من مختلف أرجاء عمان، وأحيانا يذهب إلى مناطق الداخل لتطبيب حالات صعبة.

ولو أنك نظرت إلى الرجلين – هذا العالم الديني وذاك الطبيب العامل بالمعرفة المستنبطة إنسانيا - لوجدت في الظاهر بينهما فارقا يستعصي على التجسير: هذا يرتدي بشتا ويتعمم، ويمشي ويتحدث بوقار، وذاك يلبس شورتا ويلعب التنس، ويمازح ويداعب كسراً للرتابة ورفعاً للتكلف. هذا تتبع علوم الأوليين، وذاك استقبل معارف العصر، وكلاهما يفيد الناس بما تعلم من أمور دينية أو دنيوية.

هذه المفارقة أوحت لي أن هناك نوعان من المعرفة، وأن كل نوع يتكامل باستيعاب النوع الآخر. أوحت لي أيضا، ولو بشكل باهت في حينه، أنه حيثما يوجد فصم بين الاثنين فإن صاحبيهما لا يهتديان إلى شيئ مشترك. وإذن، لو أنك جمعت بين هذا العالم وذاك الطبيب لندر أن يلقيا محورا معرفيا يتحاوران حوله.

مع ذلك، بالنسبة لي بقي التساؤل: أي المعرفتين أصوب؟ أيتهما حقيقية والأخرى بناء ظني أو تخيل؟ أي العلمين أجدى: العلم بالطبيعة وأسرارها وما يستتبع من استغلال لسننها ومعطياتها لتحسين خبرة الحياة، أم العلم المعني بأمور الآخرة بدافع تأمين حظوظ المرء هناك. لقد لح علي هذا التساؤل بشدة أن أحسم.

وأنا على هكذا حال، ركبت يوما قاربا مع أناس آخرين إلى باخرة كبيرة راسية في عرض البحر أمام مسقط. ذهلت لضخامتها، وما أن صعدت إليها حتى صرت أجوبها وأتمعن بما فيها، ثم تسللت إلى قاعها حيث شاهدت المكائن الضخمة فأدركت أنها المحركة للباخرة والمولدة للطاقة الكهربائية فيها. كانت تلك أول إطلالة لي على عمل بشري بهذا الحجم وبهذا المستوى من المهارة والجهد. إلا أنني لم أدرك تمام أهمية هذا الذي شاهدت إلا بعد سنين، عندما قرأت لمؤرخ الحضارات البريطاني آرنولد توينبي (1889-1975) قوله أن من أهم عوامل تفوق الغرب الأوروبي على حضارات العالم ابتداء من القرن الخامس عشر كان استبداله طرائق البر بطرائق البحر في استكشاف العالم واستعماره، ابتداء بسفن شراعية ثم بسفن بخارية منذ القرن التاسع عشر. وعندما أكملت سفينة أوروبية دورة حول العالم عام 1522 عرف الناس لأول مرة أن البحر أكبر مساحة من البر، وأنه أيسر اجتيازا ونقلا للمعدات والمؤن ما بين مختلف بقاع الأرض.

هنالك أدركت أن هذا نوع من العلم محجوب عني تماما، ليس لي، ولا للعالم الذي أدرس عليه، ولا لوالدي نصيب منه. من هناك خرجت بأول تثمين حقيقي للعلم الطبيعي: أنه في جوهره إدراك للواقع على ما الواقع عليه، ثم تسخير المدرك بشكل عملي. قدرت أيضا أن جدوى أي علم هي بقدر ما يفيد في شأن حياتي. من هنا كان باكورة وعيي بمدى العجز المعرفي الذي كنا واقعين فيه، فلا نفهم كيف تصنع الباخرة أو تدار، ولا كيف يصيبنا المرض وكيف نشفى منه، بل ولا نعلم عن أشياء أبسط من تلك بكثير. هذا بينما نفهم عن أمور الآخرة – أو هكذا نظن – تقريبا كل شيئ.

عقب ذلك، عندما كنت ألاحظ الطبيب وهو يمارس مهنته كنت أدرك أن طبيعة معرفته هي من جنس المعرفة التي تصنع بها البواخر وتسير، فارتبط الطبيب والمهندس في ذهني في منظومة معرفية واحدة، وبقيت المعرفة التي يعمل بها عالم الدين ووالدي مميزة في حقلها الخاص، وأدركت أن في الحالتين لا بد لك من تمكن معرفي لتستبين حقائق الأمور، أيا كان المجال.

ابن اليماني
22/06/2006, 11:25 AM
ما شاء الله!
شيء يُثْلج الصدر
صدق المأمون: الفلاسفة صفوة الخلق
متابعين:!

راجي الفوز
22/06/2006, 11:56 AM
( سابقا مستشفى الإرسالية )، بمقابل رمزي ممن يستطيع الدفع، وبدون مقابل ممن لا يستطيع. كان يطببنا في بيوتنا عندما لا نقوى على الذهاب للمستشفي بسبب مرض منهك، ويستقبل حالات مرضية من مختلف أرجاء عمان، وأحيانا يذهب إلى مناطق الداخل لتطبيب حالات صعبة.



ماكانوا يعالجوا عشان سواد عيون العمانيين بل لاهداف التبشير بالدين النصراني
في احد مراحل التاريخ العماني طلب من هؤلاء الاطباء العلاج دون ان يمارسوا التبشير
وتصورا انهم رفضوا قالوا ولا تبشير وطب ولا ماشيء البر
يا امة ضحكت من جهلها الامم!!!!!!1

ابن اليماني
22/06/2006, 01:24 PM
ماكانوا يعالجوا عشان سواد عيون العمانيين بل لاهداف التبشير بالدين النصراني
في احد مراحل التاريخ العماني طلب من هؤلاء الاطباء العلاج دون ان يمارسوا التبشير
وتصورا انهم رفضوا قالوا ولا تبشير وطب ولا ماشيء البر
يا امة ضحكت من جهلها الامم!!!!!!1
التبشير أو الدعوة إلى معتقد المرء هو حالة فطرية وغريزة في النفس البشرية بل الحيوانية
فكل انسان يتمنى أن توافقه بدافع غريزة بقاء النوع فهو يريد منك أن توافقه في (مطلقاته)
وهذا ليس عيباً لأنه شيء غريزي. وهو حالة ايجابية.
ونحن كما قال الشيخ جمال الدين الأفغاني رحمه الله لا نخاف على المسلم أن يُصبح نصرانيّاً لأن(الإسلام نصرانية وزيادة) أو كما قال الشهيد الدكتور اسماعيل الفاروقي رحمه الله في محاضرته عن لقاء الحضارتين الإسلامية والغربية التي ألقاها في المجمع الثقافي بأبو ظبي 1986 :"إنّنا لا نخاف من التبشير لأن مهزلة التثليث لا يمكن أن تصمد أمام عظمة التوحيد"

ثم أخي راجي الفوز:
من أجلك قبل أجل الآخرين أتمنى عليك بل أدعوك أن لا تقتطع جملاً من سياقها، فالفكرة التي يتحدث عنها الدكتورهي وجود نزعة إنسانية لدى صنف من الناس ينتمون الى ثقافة تغاير ثقافتنا، ثم هو يصف حالة وعيه بناء على ظاهرة معينة.
فليس من الحكمة تحريف مجرى الفكرة بغير مجراها الفعلي،
يجب توجيه عدسة كامرتك إلى زوايا معينة في المشهد، وأن تلقي الضوء على ما هو معتم فعلاً لا أن تفترض أنت العتمة.
وإذا لم تكن متأكدا من ذلك فظني أن من الحكمة والأجدى على روحك المتقنعة بوسم راجي الفوز أن تفوز بلياذها بالصمت.
والاسترشاد بقول الخليل الفرهودي:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيعُ:)

البسيوي
22/06/2006, 03:36 PM
ثم أخي راجي الفوز:
من أجلك قبل أجل الآخرين أتمنى عليك بل أدعوك أن لا تقتطع جملاً من سياقها، فالفكرة التي يتحدث عنها الدكتورهي وجود نزعة إنسانية لدى صنف من الناس ينتمون الى ثقافة تغاير ثقافتنا، ثم هو يصف حالة وعيه بناء على ظاهرة معينة.
فليس من الحكمة تحريف مجرى الفكرة بغير مجراها الفعلي،
يجب توجيه عدسة كامرتك إلى زوايا معينة في المشهد، وأن تلقي الضوء على ما هو معتم فعلاً لا أن تفترض أنت العتمة.
وإذا لم تكن متأكدا من ذلك فظني أن من الحكمة والأجدى على روحك المتقنعة بوسم راجي الفوز أن تفوز بلياذها بالصمت.
والاسترشاد بقول الخليل الفرهودي:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيعُ:)

كفيّت ووفيّت أخي اليماني .. أرجو من جميع الأخوة المتابعين الإسترشاد بهذا النهج !!

البسيوي
22/06/2006, 03:40 PM
يبدو أنك انصرفت بعدها للتعمق في القراءة الفلسفية ، واخترت الفكر طريقاً محاولاً أن تنتهج التفكير الفلسفي كوسيلة للمعرفة والتدقيق في الأمور ، إلى أين انتهى بك الطريق ، وإلى أي مدى منحك التفكير الفلسفي المتقصي لجذور الحقيقة اطمئناناً معرفيا؟

في الواقع الفلسفة هي أحد الرافدين الذين عُنيت بهما. الرافد الثاني هو الدين، إذ أن النظر في مضامين الدين شأن مصاحب لنظري في قضايا الفلسفة. وكخلاصة، أرى الدين والفلسفة يشكلان معاً السياقين الأهم في تبلور فهم الإنسان حول الكون والحياة ومكانه فيهما، ثم أيضاً حول مصيره بعد الموت. جميع الأمم صاغت فكرها إبتداءً بنسق ديني، بمعنى أنها محورت فهمها لطبيعة الوجود حول خالق يثيب ويعاقب على إتيان خير أو شر، ويُتعبَد له من خلال إيمان به وبعدله وفضله...هذا طبعاً مع تفاوت مدارك الناس حول الخالق. لكن الأمم، إلى جانب الدين، صاغت فكراً من نوع آخر، يلتقي عموماً مع الدين في عموم مقاصد التربية والتهذيب وتنظيم الحياة الاجتماعية تنظيما سليما، إنما بمنهج فلسفي، أي بنظر معرفي للأمور مستقل عن عقائد الدين. ولأن المنظومة الأخلاقية من وراء المقاصد هي ذاتها لدى الناس، وهي لذلك ذاتها المشخصة في الدين والفلسفة، فإن التصاحب ظل تاريخياً السمة الغالبة على العلاقة بين الدين والفلسفة في خبرات الأمم إلا ما ندر. من هنا وجدت أن التكامل في المنظور الفكري لا يتحصّل للمرء بدون استيعاب للمنظورين الديني والفلسفي معاً في نسق معرفي واحد.

أما السؤال: أين أوصلني النظر على هذا المسار الفكري العريض ، ففي الواقع من الصعب تحديد المواقع على مسارات الفكر. نحن ننمو ونتحرك على مسار لا مأوىً ثابتا عليه، ولعلنا في ذلك بحال وصفه جبران خليل جبران مرة بالقول: " نحن قوم لا نصبح حيث نمسي ولا نمسي حيث نصبح ": بمعنى أن كل أحوالنا عبور وكل محطاتنا ارتحال. أما إذا تطرقت لموضوع معين وسألتني تحديداً : ما رأيك في هذا الأمر؟ ما منظورك حول هذه القضية؟ فردي، إذا أجبتك بشيء محدد، لا يمثل إلا رأيي أو منظوري في الوقت الذي أجبتك فيه، إذ أنه قد يتغير في غد أو بعد غد. ذلك يعني أن الاعتداد بالمعرفة التي بحوزتنا في أي وقت لا يكون مطلقا، فنحن باستمرار في عملية استدراك وتصحيح وإكمال نقص. لذا لا يجدر بنا أن نغلق فهمنا حول أيما أمر باعتبار أننا فهمناه بالتمام والكمال كما يقال، بل أن نقول هكذا نفهمه اليوم، وغدا قد نفهمه على نحو مغاير أو أوسع أو أدق.، ولا من ضير. من ذلك ينشأ اطمئنان معرفي، ليس بتوهم أننا ملكنا المعرفة، ولكن بوعي أننا نسير في فنائها بيسر، لايرهقنا المسير ولا يقلقنا المصير.

البسيوي
22/06/2006, 08:57 PM
يبدو أن انصراف الحضارة العربية عن اهتمامها بالفلك والعلوم والجغرافيا والطبيعة إلى حقل العلم الفقهي والديني يكشف عن إشكالية الثقافة العربية وما أدى لاحقاً إلى انسحابها من مسرح الحضارة؟

فيما تقول قدر كبير من الصحة، لكن دعنا أولا نوفي الثقافة العربية حقها في هذا المضمار. ثقافتنا اختبرت العلوم، واختبرتها بعمق ، بل وتفوقت فيها، وخلقت لها لغة علمية لم تكن موجودة من قبل. أقصد أن الثقافة العربية تعاملت مع المادة العلمية بغزارة، وبرهنت أنها تمتلك سعة وعمقا ودقة تستطيع بها التعامل مع العلم الطبيعي بيسر. بهذا الصدد أتذكر قول أبي الريحان البيروني (973-1048)، وهو فيلسوف وجغرافي ومؤرخ عاصر ابن سيناء، واصفا الحركة العلمية العربية بما معناه: كانت العلوم تدخل اللغة العربية من كل حدب وصوب (يقصد بذلك الترجمات من كتب مختلف الحضارات)، فإذا دخلتها إكتسبت جمالياتها، وعندئذ تغدو العلوم أكثر إستثارة لشوق الطالب فيقبل عليها ويدرسها... فكأنه يقول أن العربية باستقبالها العلوم كانت تضفي على العلوم جمالا يستهوي طالب العلم فيجدّ في اكتسابها أكثر. يلتقي مع هذا القول، من زاوية أخرى، قول جورج سارتن، أستاذ التاريخ بجامعة هارفرد في كتابه مقدمة في تاريخ العلم. يقول سارتن، بعد استعراض موسع لتلك الفترة، أن العربية لم تصبح لغة العلم فقط بل صارت لغة التقدم البشري على الإطلاق، وعندما أفاق الغرب وشعر أنه بحاجة إلى علم أغزر توجه لأجل الحصول عليه ليس إلى المصادر الإغريقية، وإنما إلى المصادر العربية. أما قوله "... وعندما أفاق الغرب على حاجته لعلم أغزر” ففيه إشارة إلى أن المعارف المسيحية المحفوظة في الأديرة والصوامع خلال القرون الوسطى ما عاد يعتد بها كمنهل معرفي واف وجدير..

البسيوي
22/06/2006, 08:58 PM
أنا قصدي أنه حدث انصراف عن هذا الإهتمام بالطبيعة والعلوم العلمية؟

أنت محق، فهذا ما حدث بدلالة أنه عبر أجيال عديدة متعاقبة من العلماء وصولاً إلى زمن الغزالي (1058-1111) ثم ابن رشد (1126-1198) تنامى الصرح المعرفي الإسلامي، ثم توقف. مرد ذلك أن المعرفة الجديدة أوجدت أنساقا علمية وبناءات فلسفية جديدة زاحمت الأنساق والبناءات في الأدبيات الدينية حول أمور عديدة لدرجة أن ضاق أهل الكلام ذرعا بالعلوم الطبيعية والبناءات الفلسفية، ورأوا أن الاستمرار فيها يفسد العقائد ويؤدي إلى المروق. من هنا كانت الحملة المضادة للعلوم والفلسفة، جاء أشدها من أبي حامد الغزالي في كتابه المشهور تهافت الفلاسفة والذي لاحقا استجر ردا من ابن رشد بكتابه المشهور أيضا تهافت التهافت.

بذلك جرى التحول أو الانصراف عن العلوم الطبيعية والفلسفة، وزاد التركيز على التفقه في الدين. هذا التفسير يشكل أحد أهم المداخل إلى بحث أسباب نضوب المعرفة في الخبرة الإسلامية من بعد ابن رشد إلى القرن التاسع عشر، إذ لا نجد في هذه الحقبة الطويلة من كبار المفكرين لدينا سوى ابن خلدون(1332 – 1406). أيضا، غزو التتار لبلاد المسلمين وإزالة الخلافة من بغداد سنة 1258 أتلف شقا ضخما مما كان قد تنامى من صرح معرفي، وأهلك عديدا من علماء أفذاذ، فزاد في أخماد الفكر وأحكم وصْد باب الاجتهاد.

هكذا، باختصار، بترت قسرا المسيرة العلمية الإسلامية. فبعد أن كانت مسيرة واسعة شاملة مستوعبة للعلوم ولكل ما يتناوله نظر الإنسان حول الكون والحياة وما في الكون والحياة، أمست محصورة في علوم الدين ومحدودة برؤى أهل الكلام، حتى صار لفظ العالم لا يعني غير عالم دين، إذ ما عاد يتصور وجود عالم بمعرفة من نوع آخر. ملاحظة أخيرة: عموما من القرن الثالث عشر حتى نهاية القرن الخامس عشر ساد برزخ لا المسلمون ولا الأوروبيون أنتجوا خلاله معرفة تذكر، باسثناء إنتاج ابن خلدون. لكن من القرن السادس عشر عاد الالتفات للعلوم، فحصل التجسير، وانتقلت العلوم وبدأت تنتعش من جديد في خبرة الأوروبيين..

سرب
22/06/2006, 11:59 PM
كلام جميل جدا كلنا له متابعين..

ابن اليماني :

سيدي الكريم..حين يدعو المسلمين لدينهم يكون فعل دعوة وخير ...
وحين يبشر المسيحيون بديانتهم يصير فعل شر و ظلم...

والغريب أن الفعلين متاشبهين حد التطابق ، لكن الفعل يتحول من سلبي الى ايجابي تماما حين يؤمن الداعي بقناعة تامة أنه على حق وأنه يمتلك الحقيقة..

المشكلة حقا التي لا يراها هذا المؤمن : أن الآخر كذلك يرى ذاته على حق ومالكا للحقيقة المطلقة..

واذا ..

البسيوي
23/06/2006, 09:15 AM
يبدو أن ابن رشد لعب دوراً كبيراً وهاماً في إعطاء النهج الفلسفي أفقاً جديداً لم يكن متصوراً في السابق ، إذ جعله متسقاً وغير متناقض مع النهج الديني في التفكير ، ولكن فكر ابن رشد لم يجد محيطاً يستوعبه فأستفاد الأوروبيين من ثمرة فكره واجتهاده فكان بمثابة الرافعة التي أتاحت لهم لاحقاً انشقاق التفكير الفلسفي والعلمي عن الهيمنة الدينية؟

نعم، الأوروبيون اعتنوا بفكر ابن رشد، وهو كما تعلم إلى جانب كونه فيلسوفاً كان قاضيا وطبيباً. ألف موسوعة في الطب بعنوان كتاب الكليات في الطب وهي على نهج موسوعة الحاوي للرازي (844-926)، وكتاب القانون لابن سيناء (980-1037). ترجمت موسوعة ابن رشد إلى اللاتينية ودرّس منها في الجامعات الأوروبية على نطاق واسع. كان أول من شرح وظيفة شبكية العين، وأول من أخبر أن الإصابة بالجدري يكسب المصاب مناعة ضده. إلى جانب ذلك، ألف في المنطق والفيزياء والفلك والقانون وعلم النفس واللاهوت والميتافيزيقا.

عرّف ابن رشد الفلسفة أنها بحث في معنى الوجود، وحاول التوفيق بين الوحي والعقل. بذلك أراد أن يبين لأهل الكلام أن العقائد الإسلامية مطابقة للعقل، وأن الشرع يقول بما تشهد به البداهة الحسية، ومن ثم فليس هناك ما يوجب الخلاف. إلا أن نظره غاير بعض المستقرات العقيدية من قبيل قوله بفكرة أن الكون أزلي أبدي ولا يمكن أن يكون قد أوجد من عدم، أن الكون في تكون مستمر، وأن وجود المرء ينتهي بموته فلا يوجد بقاء أخروي على صعيد فردي. أمور كهذه صدمت المسلمين والمسيحيين معا، وجرت عليه في الوسط الإسلامي تهمة المروق من الدين.

لكن ابن رشد ظل راسخا في الإسلام وشرعه. بل وأن تميزه، كما قلنا، جاء في اعتقاده بتطابق الشرع والحكمة في حقيقة الأمر. كان ذلك من خلال توصله لنقطة جوهرية: وهي أن الكون متقن الصنع ومتوائم التكوين، فلا يوجد فيه تناقض. فإذا ما نشأ تناقض في أذهاننا فمرده خطأ في فهمنا أو تفسيرنا للظواهر. يستتبع هذا أنه لا يوجد تناقض بين الشرع والحكمة، فكلاهما من عطاء العلي القدير. ولأنه كان ينظر على محوري الدين والفلسفة معا، فقد عناه أن يوجد منظورا ينفي التعارض ويؤصل التوافق بينهما، بحيث إذا بدا تعارض بينهما حمل على خطأ في قراءة الأمور.

هذه الفكرة في الواقع تقربنا من المنهج العلمي، فلو أن عالما في مجال اجراء اختبار طبيعي حسب حساباته بدقة بالغة متوقعا نتيجة معينة من الاختبار، إلا أن النتيجة جاءت على نحو مغاير لما حسب وتوقع، ترى ماذا يستنتج؟ أيقول أن في الطبيعة خبط فهي تجعل الشيء نفسه يعمل حينا ولا يعمل حينا آخر، وأن هذا سبب فشل الاختبار، أم أنه يعود واثقا - مهما شق عليه الأمر - أن الطبيعة لا تشط ولا تغش، وأن لا بد أن يكون هو قد أخطأ في شيء ما، وإذن وجب أن يراجع ويصحح ويعاود؟ الجواب واضح. ابن رشد وصل لهذه الفكرة في كتابه "فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من اتصال" بنفيه أن يكون هنالك تناقض بين الدين والفلسفة، أو بين الشريعة والحكمة... وهذه الفكرة هي لب ما يشار إليه بالفلسفة الرشدية، والتي تبناها التنظير اليهودي في أعمال موسى بن ميمون (1135-1204) ولاحقا التنظير المسيحي في أعمال توماس الأكويني (1225-1274). فلسفة ابن رشد لا تزال تلقى قبولا لدى عديد من مفكرين مسلمين، منهم، على ما أتذكر، المرحوم إسماعيل فاروقي وزوجته لمياء الفاروقي وهما عالمان عاشا ودرسا في الولايات المتحدة وأصدرا معا كتاب "الأطلس الثقافي للإسلام" .

البسيوي
23/06/2006, 05:22 PM
هل توجد أمامنا – كأوطان وكأمة عربية - تحديات كبرى في هذا القرن؟

لنلاحظ ابتداء أننا لسنا وحدنا في الحلبة، فكل أمم العالم مثلنا أمام تحديات من نوع وحجم غير مسبوق. الفرق هنا هو في كيفية تعامل كل أمة مع ما تواجه، أي فيما تتبنى من أولويات وتمارس من خيارات. لنلاحظ أيضا أن بين التحديات والفرص علاقة جدلية. حيثما ينشأ تحد يتوجب التغلبُ عليه، تنشأ في المقابل فرصة تستدعي الانتهاز والاستثمار. بتعبير آخر، لا نواجه تحديا إلا ويستبطن فرصة للتغلب عليه، ومن ثم -- أي من حصيلة الخبرة والثقة المكتسبتان من عملية التغلب -- تنشأ قابلية التعامل مع مهام أكبر... فكأن من سياق الأمور في الشأن البشري أن تشحذ الهمم بالتحدي وتحقق المطامح بانتهاز الفرص. بمعنى آخر: الارتكان والخمول لم يصنعا يوما التقدم، ولن يصنعاه، لا على صعيد فردي ولاعلى صعيد جماعي.

حول ما سألت تحديدا، نعم أنا أرى أننا، كأوطان عربية، وجماعيا كأمة عربية، نواجه تحديات كبرى في هذا القرن الجديد. هي تحديات قديمة جديدة، إذا جاز التعبير. هي قديمة من حيث أننا أدركنا وجودها، ولمسنا خطورتها خلال القرن المنصرم، لكننا أخطأنا في معالجتها حينا، وأحجمنا عن مواجهتها حينا آخر، فبقيت توهن وضعنا في الداخل وتربك تعاملنا مع الخارج. وهي جديدة من حيث أنها قد تفاقمت فغدت أكثر تعقيدا من ذي قبل. إن التغافل أو التقاعس عن مواجهة التحديات وانتهاز الفرص على الصعيد الوطني يجر لمثله على الصعيد الشخصي، والعكس صحيح، وفي ذلك، بمرور الزمن، ما يزيد من تصعيب الأمور.

البسيوي
23/06/2006, 05:23 PM
ما أبرز التحديات التي يواجهها العالم العربي والإسلامي اليوم من وجهة نظرك؟

التحديات تفصيلا متشعبة، لكن يمكن إجمالها في ثلاثِ هي ذاتها لدى كل بلد عربي، لذا هي ذاتها أيضا على صعيد الوطن الكبير.

التحدي الأول نواجهه في مجال لم شمل الوضع العربي في الداخل، تحديدا في سياق تضامني يصنع لنا مجتمعا عربيا متواصلا ثقافيا، متعاونا اقتصاديا، متشابكا في المصالح ومتكاملا في الموراد والطاقات. المنطق وراء ذلك: إذا كنا نرى أنفسنا شعوب أمة واحدة، وأقطار وطن واحد، ومجتمعات ثقافة واحدة، فالأجدر بنا أن نتصرف تضامنيا ما بيننا في كافة الأمور. التضامن يتطلب تواؤما بين سياسات القطر وأولويات الأمة، وهو الأمر الذي تعثرت على إشكالاته جهود الماضي على صعيد الالتزام والتطبيق. مع ذلك لا بديل عن العمل التضامني لأجل الحفاظ على سلامة الأوطان وتماسك الأمة معا، وأيضا لأجل نشر تنمية إنسانية عبر العالم العربي ترفع من الكفاءة الانتاجية للمواطن العربي فتمكنه من كسب عيش موفور كريم.

التحدي الثاني نواجهه في مجال تطوير نمط الحكم. من حيث أنظر، أرى التمنع على النهج الديمقراطي، أو التحفظ على استحقاقاته، أمرا غير سديد. بنظري، لا بديل أمام العرب عن التحول إلى وضع ديمقراطي حقيقي. تقدم شعوبنا مرتهن بمثل هذا التحول. ذلك أن الديمقراطية غدت حاجة إنسانية وحاجة وطنية في آن واحد، ترتبط بها استحقاقات كرامة الإنسان، كما ترتبط بها مستلزمات التقدم العلمي، والإزدهار الاقتصادي، واستظهار إمكانات الإبداع والإنتاج لدى المواطنين..

التحدي الثالث أراه في مجال اقتباس معارف العصر وتفعيلها في الخبرة الوطنية. هذا أيضا تحد كبير أخفقنا أمامه خلال القرن العشرين. اليوم ندرك أكثر مما أدركا في الماضي أن لا تقدم ينجز من غير علم موفور، وأن بالعلم واستيعابه واستثماره يرتبط رقي الأفراد والأمم. المعرفة عصب الخبرة البشرية، حيثما تحل المعرفة تحل أهلية الريادة، يحدث تقدم، وتستنبط حقائق الوجود. اقتصاد القرن الحادي والعشرين، على ما يخبر به عديد من مستشرفي المستقبل، سوف يعتمد على العلم أكثر من اقتصاد القرن العشرين ... مع أن اقتصاد القرن العشرين كان أيضا اقتصاد علم. مثلا، النفط، الذي يعتمد عليه العالم في تسيير جل نشاطاته، ونعتمد عليه في منطقتنا كمورد أول وأساس، جاء نتاج علم معمق. ما كان النفط كنزا عثر عليه صدفة ملقى في الطريق، أو ثروة نيلت باليانصيب. هنالك جهد عقلي وعمل منظم أوصل لاكتشاف النفط ومكن من استخراجه وشحنه وتكريره وتسويقه وتصنيع أوجه استعماله. قبل ذلك كانت أسئلة سهر عليها الباحثون حتى استبانوا أجوبتها بالعلم: ما هذه المادة السوداء الدفينة في بطن الأرض؟ كيف تكوّنت، في أي مساحات توجد وعلى أية أعماق؟ كيف يكون استخراجها، تكريرها، نقلها، استعمالها؟ كل ذلك تطلب حرثا علميا وسقيا فكريا قبل أن يتحقق الحصاد. بالنسق نفسه، بدائل النفط، وهي تطور حاليا على قدم وساق، ستأتي محققة على نطاق واسع نتيجة اجتهاد علمي. عموما، من ينظر إلى اكتشافات القرن العشرين واختراعاته يدرك مدى دور العلم في إعادة صياغة نمط عيش الناس عبر العالم بأسره. ومن يتابع ما يستجد حاضرا من أبحاث واختبارات في المجال العلمي يدرك كم سيعيد العلم، من جديد، صياغة ما نفهمه اليوم ونتعامل معه ونعيش به في غضون هذا القرن الجديد.

~ وهج الإبداع ~
24/06/2006, 02:53 AM
حوار رائع ~~!!!


شدني كثيراً كفاحه في بدايته لإكمال تعليمه بالمراسلة وعن طريق الراديو :rolleyes: شخصية تستحق كل الإحترام ...


يبقى الإغتراب يطفو على السطح ؟؟!!:rolleyes:


الوطن بحاجة لمثل هؤلاء ليسمو بهم ~~:) :)

شجرة الغاف
24/06/2006, 07:01 PM
أخي / البسيوني

لا أعرف كيف أشكرك لنقل هذا الحوار / فعلا شكرا شكرا
قد لمحت مرة الدكتور صادق جواد سليمان على شاشتنا العمانية منذ أشهر مضت
وشدني كثيرا لدرجة أني تعجبت من وجود شخص عماني مثله
وحفظت اسمه وسألت عنه ولم أجد إجابه وادخلت اسمه النت ولم أعرف من هو

وأنت يا بسيوني أجبتني
فشكرا لك
إن الناظر لهذا الدكتور الجليل من نظرة واحده يعرف كم هو يستحق الاحترام والتقدير وهذا الحوار أكد لي ذلك

إذا الليلة علي التوصية لشراء مجلة نزوى

البسيوي
24/06/2006, 09:49 PM
أنت حاليا رئيس المجلس الاستشاري لمركز الحوار العربي بواشنطن، وعلى ما علمت، كنت أحد مؤسسيه. متى أنشئ المركز، ما هدفه، وما نشاطه؟

تأسس المركز بدعوة وإشراف مجلة الحوار التي أسسها في واشنطن عام 1989 الأستاذ صبحي غندور وهو إعلامي عربي أمريكي من أصل لبناني. المركز منذ تأسيسه ولا يزال تحت إشراف الأستاذ صبحي وإدارته الكفؤة، فهو في الواقع عماد المركز والممكن الحقيقي لنجاحه واستمراره. إضافة، للمركز مجلس استشاري عهدت رئاسته إلي هذا العام، يتألف من حوالي عشرين شخصا من عرب أمريكيين بارزين، ممن أيضا يعنون بالمركز ويحرصون على تعزيز وضعه وتواصل عمله. يجتمع المجلس الاستشاري مرة كل عام، ومن بين أمور أخرى ينتخب رئيسا له لفترة عام. تمويل المركز يأتي من اشتراكات سنوية، ومن رسم يدفعه غير المشتركين لدى الباب لقاء حضور كل نشاط. بسبب محدودية المورد المالي لا يمتلك المركز مقرا ثابتا، ويعقد نشاطاته في قاعة يستأجرها ليلةً كل أسبوع.

أما عمل المركز فهو في غالبه محاضرات أسبوعية يلقيها اختصاصيون من مختلف الخبرات، يجري إثرها حوار موسع مع المحاضر حول ما عرض، ومن بعد ذلك تنشر المحاضرات بمجلة الحوار، كما أنها توضع على شبكة الإنترنيت للمركز http://www.alhewar.com المحاضرات تكون في الأكثر بالعربية، وبالأقل بالإنكليزية، ومن بين من يقدمها من حين لآخر سفراء عرب، مسؤولون في الإدارة الأمريكية، أعضاء في الكونغرس، أساتذة جامعيون، وأحيانا شخصيات عربية زائرة تستضاف. في اختيار الموضوعات والمحاضرين يحرص المركز على أمرين: تنوع في المادة وموازنة رأي برأي آخر. وهذا يعني أن ليس للمركز كمؤسسة منظور أيديولوحي أو سياسي محدد، وإنما هو بمثابة منتدى معرفي ذي طابع عربي أمريكي يستعرض موضوعات متنوعة ذات اهتمام مشترك، ويتعامل في حواراته مع مختلف الرؤى والآراء.

أنشئ المركز عام 1994 كمنبر من منابر الحوار الأمريكي الوطني، لكن بتمييز أنه منبر للحوار بين العرب الأمريكيين أنفسهم كأمر أول وأساس. كانت الفكرة: لكي يكون حوارنا مع الآخر فالحا لا بد أن يصقله حوار داخلي يوائم رؤانا، ينسق خطابنا، ويعودنا على التحاور حضاريا ما بيننا ومع الآخرين. أما الحافز فقد كان ما شهدناه من بعثرة وتنافر في الرؤى العربية في الفترة التي أعقبت غزو العراق الكويت، وما استشعرنا من حاجة لبلورة منظور عربي جامع وواضح. وأذكرأن الدعوة لإنشاء المركز جاءت ابتداء في مقال كتبته بمجلة الحوار، عنوانه: ” الأمة التي لا يفكر لها أبناؤها تنقاد لما يفكر لها الغرباء. "

البسيوي
24/06/2006, 09:54 PM
بما أن عملكم بمركز الحوار موصول بصلة العروبة كأمر أساس، إذن دعني أسأل: كيف تعرَفون الهوية العربية... علما بأن الإجابة على هذا السؤال تأتي على نحو متباين في الخطاب العربي المعاصر؟

ليس للمركز تعريف محدد للهوية العربية يمكن أن ينسب له كمؤسسة، لكننا كأفراد نلتقي عند اعتبار العروبة الصلة الجامعة بيننا في المهجر الأمريكي، والدافعة لنا للاهتمام بالقضايا العربية في نسق العلاقات العربية الأمريكية.

أما لدي شخصيا، فتعريف الهوية العربية هو أنها الانتماء للأمة العربية المتمايزة عن سائر الأمم بالثقافة العربية. وأما الثقافة العربية فتعريفها لدي أنها ذات مضمون حضاري تكون من تواصلٍ بوحي السماء، فاستقرارٍ في حكمة الأرض. بهما معا تولد فيها التزام بمكارم الأخلاق، واستبصار بالفكر الإنساني المستنير. منهما أيضا نمت في الخبرة العربية معارفُ وآداب وأعراف وفنون ومهارات ذاتية ارتسمت بها مستلزمات حياة طيبة منتجة على الصعيد الفردي، وتوضحت بها معالم مجتمع صالح متطور، متكافل في ذاته ومتعاون مع الآخرين. .

ثم إن لهذه الثقافة – كما قلنا -- خبرة معرفية بما استوعبت من معارف الإنسان، وبما طورت فيها، مستفيدة منها ومفيدة بها أمما أخرى في الشرق والغرب. تعشقت المعرفة فتفتحت لها، ضامة إليها خير نتاج مختلف الحضارات. بذلك ما لبثت معارف عصر سبق أن عبرت عالميا بالعربية بأقلام علماء عديد منهم لم تكن العربية لهم لغة أم. بذلك احتوت العربية تراث الأولين، ثم ساقته مصانا، مرتبا، ومشروحا لعصر التنوير الذي مهد للعصر الحديث.

لدي أيضا أن الثقافة العربية ثقافة جامعة، حاضنة، قويمة. أراها جامعة من حيث أنها تجمع ولا تفرق، تضم ولا تصد، تدني ولا تبعد. على مد الزمن دخلتها أقوام من أعراق شتى فاستأنست في رحابها واستعربت. وأراها ثقافة حاضنة من حيث أنها تحضن تعددية الأديان والأعراق، دون إجحاف. نبيها العربي ذكّر أن الناس جميعهم من آدم، وآدم من تراب. كذلك علّم أن لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى. قرآنها العربي عدّ أكرم الناس عند الله أتقاهم: أي أرسخهم في الخلق الكريم. وأعلامها العرب أكدوا أن شرعية الحكم برضى العوام، أن الناس أحرار بالمولد، وأنهم إما إخوة في الدين أو نظراء في الخلق.

وأراها ثقافة قويمة من حيث أنها مقومة بمبادئ العدل، والمساواة، وكرامة الإنسان، والشورى في الحكم والحياة – وهذه مبادئ مؤصلة فيها وحياً، تتجذر فيها، وتُستمد منها، عموم حقوق الإنسان، قديما وفي هذا العصر.

خلاصة، إذن، الشخص العربي في تعريفي هو الإنسان المنتمي للأمة العربية. وهو عربي بالثقافة، لا بعرق أو دين، ولا بموقف سياسي يتخذه أو منظور إيديولوجي يتبناه. وقد عرضت منظوري هذا، بناء على طلب، في ورقة إلى اجتماع عقد مؤخرا بجامعة جورجتاون بواشنطن للبحث في تعريف الهوية العربية.

البسيوي
24/06/2006, 09:55 PM
هذه المفاهيم كما تفضلت مستودعة في الثقافة لكن حدث نوع من الطمس لها وما عادت فاعلة،فكيف يمكن جعلها فاعلة ضمن إطار المجتمع الواحد ، وكيف يمكن خلق حيوية ثقافية وفكرية واسعة داخل المجتمع بحيث يكون فيها انفتاح وتعددية في النظر والفهم؟

نعم، حصل تهاون كبير، ولكن لا يجوز أن يستمر. التهاون في تأكيد الأفكار الحضارية يؤدي إلى هبوط في المستوى الثقافي، وأيضا إلى تراجع نوعي في المنتج الفكري. أما كيف نعود لإثراء ثقافتنا، كيف نبعث فيها حيوية فكرية، فأرى أن علينا أولا أن نحدد الأفكار الحضارية التي نريد التأكيد عليها، تعميقها، وتعميمها في فضائنا الثقافي. فإذا حددناها وجب أن نتحدث عنها، نتحاور حولها، نشرحها، لكي تروج في الوعي الوطني وتستقر. فتثمر.

من أهم الأفكار لدي في هذا الصدد نشر ثقافة المعرفة، فهي، كما أراها، المدخل إلى كل أمر صحيح ومفيد. في هذا العمل لا يعول على الجهد الحكومي بقدر ما يعول على مبادرات فردية وجماعية على الصعيد المدني، بمعنى أن يكون لنا دور مباشر ومتواصل في تفعيل الأفكار الصحيحة المنمية لثقافتنا، علما بأن الثقافة الوطنية في أي بلد عربي هي امتداد للثقافة العربية الأم. من مسلكيات عمل الإثراء الثقافي، مثلاً، إذا ضمنا مجلس مع مجموعة من الناس فلعلنا لا نهدر الوقت في كلام عرضي غير هادف، بل ننتهز الفرصة لإثراء أفكارنا واختبارها من خلال تحاور. لا ينبغي أن نخشى سوء الفهم، فللناس عقول تستوعب جيدا وتميز بين الصواب والشطط، وبين الزبد وما ينفع الناس، وتحب أن تفيد وتستفيد. ولعلنا نتوجه بحديثنا إلى الحضور جميعا، بدل أن ندخل في محادثات جانبية. أيضا، لعلنا إذ نعرض ما لدينا من فهم ونظر في أمر ما نهتم بما نلقى من توافق أو تعارض، فمن كليهما مردود يساعد في صقل فكرنا وإنضاجه، وربما أيضا في سد فراغات معرفية لدينا فيما نتحدث فيه. فإذا تآلفت مجموعات تتشارك المنظور والمنهج، توافرت فرص لتطوير الفكر المشترك وتعميقه وتعميمه في سياق عملية الإثراء الثقافي.

البسيوي
25/06/2006, 04:41 PM
لو انتقلنا إلى تجربتك الشخصية في العمل الدبلوماسي كسفير سابق لعمان في إيران وتركيا ثم في أمريكا ، واستقالتك من العمل الدبلوماسي نهائياً عام 1983م والتفرغ لمواصلة العلم والمعرفة ، سؤالي هو هكذا : إلى أي مدى ثمة تناقض في العمق بين التفكير الفلسفي الذي ينشد الحرية ، والوظيفة الإدارية ، خاصة الدبلوماسية ، بما تفرضه من قيود والتزامات خارجية؟

شيء من هذا الخاطر كان موجودا كخلفية في الذهن، لكن الإستقالة لم تكن جراء هذا الاعتبار. استقالتي كانت مسببة بأمرين: الأول اضطراري لأكون مع أسرتي في أمريكا في فترة حرجة لمواصلة دراسة الأولاد هناك. السبب الآخر: كنت تواقا لإكمال دراستي. في واقع الأمر لم استقل كخيار أول، بل ما كنت ناويا الاستقالة. قبل شهرين من الاستقالة كنت طلبت إجازة غير مدفوعة لعام واحد أكمل خلالها دراستي وأعيد ترتيب أوضاع دراسة الأولاد، فوعدت بالموافقة، فبنيت أموري على تحقق ذلك الوعد. لكن قبيل أيام من السفر، حيث استعصى تعديل ما كنت قد رتبت من أمور والتزمت بها من مواعيد، أبلغت بالرفض، وخيرت بين أن أبقى على وضعي في العمل أو أن أستقيل، فاضطررت للاستقالة.

على أنه بالقدر الذي أتيح لي العمل في الحقل الدبلوماسي أتيح لي النظر في العلاقات الدولية عن كثب وبشكل حثيث. التقيت بشخصيات محققة مهنيا ومعرفياً وثقافياً في مضمار العمل، وصرفت وقتا مفيدا جدا في الأمم المتحدة أثناء انعقاد الجمعية العامة في الفترة ما بين 1979م إلى 1982 فتفتحت على عموم القضايا الإنسانية والعلاقات الدولية في تلك الفترة. أيضا حضرت عددا من لقاءات عدم الانحياز والجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي، ومن هذه كونت فهما خاصا لقضايا واهتمامات الدول النامية. إجمالا، مع قصر خدمتي في السلك الدبلوماسي، أبقى شاكرا على ما أتيحت لي من فرصة عمل مكثف واستبصار في هذا المجال الحيوي.

البسيوي
25/06/2006, 04:43 PM
ظلت الدبلوماسية حتى بعد استقالتك أحد اشتغالاتك واهتماماتك، وكتبت وحاضرت في هذا الجانب ، فكيف تنظر لأسس ومبادئ العمل الدبلوماسي ومجال التأثير والتأثر، وكيف يمكن تطويعها كأداة في خدمة القضايا الوطنية ؟

الدبلوماسية علم وفن. هي علم من حيث مضومنها المعرفي المعني بدراسة طبيعة العلاقات بين الدول، والعوامل المؤثرة في تلك العلاقات. وهي فن من حيث اتقان أنجع أساليب التخاطب والتعامل بين الدول. الوظيفة الدبلوماسية تتعامل بالسياسة، لكنها لا تصنع السياسة. لتاليران، وزير خاجية نابليون، يُعزى القول أن الدبلوماسية هي خط الدفاع الأول عن المصالح الوطنية – أما خط الدفاع الثاني فهي القوات المسلحة للدولة. معنى ذلك أن فشل الدبلومسية قد يوصل لحرب. إجمالا، سياسة جيدة يمكن أن تحبطها دبلوماسية رديئة، فتجر الأمة لحرب. في المقابل، دبلوماسية جيدة يمكن أن تخفف من مضاعفات سياسة رديئة، فتجنب الأمة القتال. أما حيث تكون السياسة سديدة والدبلوماسية حصيفة، فخير على خير. أما حيث السياسة والدبلوماسية معا في عطب، فكارثة تقع، أو تنتظر الوقوع.

وما وظيفة وزارة الخارجية تحديدا؟

وزارة الخارجية، في أيما دولة، مؤسسة سياسة دبلوماسية. هي لا تقرر السياسة الخارجية بمفردها، لكنها طرف رئيس في عملية التقربر. السياسة الخارجية تقرر على مستوى أعلى، وباحتواء أشمل وأدق للاهتمامات الوطنية في مختلف الحقول: سياسية، استرتيجية، اقتصادية، علمية، بيئية، اجتماعية، سياحية إلى غير ذلك. وزارة الخارجية، من خلال تنفيذ السياسة الخارجية المقررة من منظور وطني شامل هي كما قلنا طرف في تكوينه، تسعى لتحقيق أحسن النتائج نسبة لعموم اهتمامات الوطن. وهي في ذلك توظف خبراتها المهيأة تخصيصا لأداء هذه المهمة المميزة بين مهام العمل الوطني. الخبرات التي تكوّن وتنمى في وزارة الخارجية تعد من أهم وأنفس ما تمتلكها أيما دولة في عصرنا المتميز بانفتاح فرص التعامل والتعاون بين الأمم في شتى المجالات.

وما بنظرك عناصر أداء دبلوماسي ناجع وناجح؟

على ما نظرت، أراها، إجمالا، خمسة عناصر ريئسة يجدر بالدبلوماسي أن ينميها دأبا في خبرته، حتى تستقر لديه وترسخ: وهي: المعرفة، التنظيم، التهذيب، الاستقامة، التدوين: أي أن يكون الدبلوماسي ملما معرفيا، منظما عمليا، مهذبا في التخاطب والتعامل، مستقيما في الفكر والمسلك، حريصا على توثيق المعاملات، وأمينا ودقيقا في النقل والإخبار.

البسيوي
26/06/2006, 05:42 PM
كيف تنظر للأداء الدبلوماسي العربي في أمريكا ؟ كيف تقيم هذا الأداء ؟ وكيف يمكن للعرب والمسلمين أن يؤثروا في السياسة الأمريكية على المدى البعيد ؟

الدبلوماسية العربية، خلال الفترة التي كنت ممارسا فيها اتسمت في انطباعي بضحالة في التعامل مع القضايا بسبب ضبابية في الرؤية وربما أيضا بسبب نقص في المعرفة الحقيقية بالأوضاع العالمية. غير أن السياسات العربية كانت أيضا تتسم بمثل ذلك القصور، فكان ما بها ينعكس تباعا على الأداء الدبلوماسي. من البديهي أنك لا تستطيع أن تؤثر في أي مجرى للأمور ما لم تلم جيدا بطبيعة المجرى ذاته والعوامل السابقة التأثير، بل والغالبة التأثير أيضا، في ذلك المجرى الذي جئت آخر الناس تحاول التأثير فيه. في التعامل بين الدول قلما يجدي احتجاج بمنطق الحق. ما يجدي تأكيدا، وما عليك عبئ أنجازه كدبلوماسي، بأقصى ما أتيت من منطق، هو أن تقنع الطرف المقابل بوجود مصلحة ذاتية له في دعم قضيتك.

أما السياسة الأمريكية فلها، كما لأية سياسة دولة، منطلق ومسار وهدف. لشرح ذلك لأبدأ بتوصيف أساسي موجز لبنية الدولة الأمريكية. الولايات المتحدة الأمريكية جمهورية ديمقراطية يمول مؤسساتها مواطنوا الدولة من كسب أعمالهم، لذا هم يرون أنفسهم المالكين الحقيقيين. لذا، أيضا، لا تنشأ في هذه الدولة سلطة عامة عن غير انتخاب. كذلك، لا تولى سلطة لأحد لأجل مفتوح، ولا يعفى المؤتمن على السلطة من مساءلة دائبة أثناء الأداء. ثم إن لهذه الجمهورية دستور يشكل مرجعية الحسم في جميع الأمور، تفسره محكمة عليا هي رأس القضاء الذي هو سلطة ثالثة، متكافئة مع السلطتين التشريعية والتنفيذية..

أما الاجتهاد الأمريكي في صياغة السياسات الوطنية، فإنه يمر بعدة مراحل، هي: التبرير، الصياغة، التبني، التنفيذ، التقييم، الاستمرار أو التعديل أو الإنهاء.

التبرير يعني التنبه إلى وجود مشكلة متفاقمة تستدعي المعالجة. خلال التسعينات، مثلا، جرى التنبه إلى تفاقم مشكلة الهجرة غير المشروعة، وانتهى بتبني سياسة جديدة.

الصياغة تعني التوافق على صيغة محددة للمعالجة، وفي هذه العملية تتدخل أطراف متعددة ممن يهمها الأمر، وفي مقدمتها قوى الضغط المنظمة، أو ما تسمى باللوبيز. في هذه المرحلة يتوسع التشاور، وتعرض أراء متباينة، بل ومتضاربة، وللتوفيق بينها تجري مساومات وتوافقات، وأحيانا أيضا مبادلات منفعية في الخفا. في هذه المرحلة أيضا يدعى خبراء وأصحاب اهتمام بالموضوع للإدلاء بإفاداتهم تحت القسم أمام لجان الكونغرس. هذه المرحلة في الغالب تفرز أكثر من منهج للمعالجة. يحسم الأمر في النهاية بالتبني، أي بالموافقة على صيغة معينة بأغلبية الأصوات.

التنفيذ يجري على أيدي جهات لم يكن لها دخل يذكر في صياغة السياسة أوتبنيها. التشريع عادة يحدد الأهداف السياسية بشكل مجمل، تاركا للهيئات المتخصصة وضع التفاصيل. يسري هذا أيضا، أحيانا، في مجال القضاء، حيث يصدر حكم بتوجيه عام تاركا للجهات المختصة وضع التفاصيل. مثلا قرار المحكمة العليا عام 1954 بإلغاء الفصل العنصري في المدارس جاء بتوجيه أن يتم ذلك بالسرعة الممكنة، دون أن يحدد الاجراءات.

التقييم يعني المراجعة التي تبين إن كانت السياسة المتبعة وافية في تحقيق ما قصد منها، وإن كانت نتائجها تبرر حجم الصرف على تنفيذها. هذه العملية تجر لكثير من تحليل وتفنيد، وفي العادة تتمخض عن نتائج متباينة بين من يريد استمرار السياسة ومن يريد تعديلها أو إنهاءها. وفي العادة تعدل السياسات، لكن قليلا ما تنهى سياسة متبعة إلا إذا بان عقمها وتخلى عنها من تحمس لها بادئ الأمر.

أما في مجال السياسة الخارجية، فإن بداياتها النظرية، أو إن شئت، خطوطها العريضة الأولى، تتبلور عادة في الجامعات ومؤسسات الفكر، وتنضج من خلال كتابات وحوارات مكثفة بين مؤيدين ومعارضين. وإذ تتضح معالم كل وجهة، وتبين أوجه المفارقة بين وجهة وأخرى، ينبري السياسيون ليتبنى كل وجهة يميل لها فييصوغها ضمن برنامجه الانتخابي. ولعلنا نلاحظ عرضا أن اهتمام الأمريكيين بالسياسة الخارجية يتراوح من موسم انتخابي لآخر، فقد يتصدر الشأن الخارجي القائمة حينا، كما يتوقع أن يحصل في الانتخابات النصفية هذا العالم، ويتخلف حينا آخر وراء اهتمامات أخرى كالاقتصاد (انتخاب كلنتون) أو البيئة أو القضايا الاجتماعية..

أخيرا، الدستور الأمريكي يولي الرئيس دورا متقدما على دور الكونغرس في صياغة السياسة الخارجية. لكنه، في المقابل، يخص الكونغرس بسلطة تصريف المال العام. من هذا المدخل يمارس الكونغرس دورا توجيهيا للسياسة الخارجية: أي من خلال بحثه وإقراره ميزانية الدولة. من جانب آخر: نظريا، يستطيع الكونغرس، أن يعطل أية سياسة خارجية بالامتناع عن تمويل فاعلياتها، كما أنه يستطيع عرقلة توظيف مرشحي الرئيس في مناصب عليا، كوزراء ووكلاء وسفراء وقضاة، بحجب التأييد عنهم. يمكنه أيضا إجهاض معاهدة مع طرف خارجي بالامتناع عن التصديق.

البسيوي
27/06/2006, 06:20 PM
نظرا لكونك مقيم في أمريكا منذ ما يقارب 30 عاماً ومتابع عن قرب للحالة الأمريكية في عمومها من الداخل فكيف تقرأ مستقبل أمريكا على المدى المنظور ؟

هنالك ما يقلق ملايين الأمريكيين من مختلف مسالك الحياة مما يرون من تراجع بلادهم في بعض أهم محاور الأداء الوطني. مما يقلقهم في المجال الداخلي، مثلا، ازدياد تأثير المال الخاص على سير الانتخابات وفحوى السياسات، تراجع الوئام الاجتماعي، مدى سلامة الوضع الاقتصادي، غلاء الدواء والخدمة الطبية، تراكم المديونية العامة والخاصة، تحايل متزايد على القانون، تكرر جرائم العنف، مشاكل الهجرة غير المشروعة، اضطراب الأمن الداخلي بسبب تهديدات الإرهاب، وتراجع التعليم حيث تأتي أمريكا اليوم في موقع متخلف عن عديد عن الدول بمعيار جودة التعليم الابتدائي حتى الثانوي. في المجال الخارجي أهم ما يقلق الأمريكيين اعتمادهم المتزايد على النفط المستورد، تقدم دول منافسة كبرى في القوة العسكرية والقوة الاقتصادية وفي مجالي التصنيع والخدمات. هذا إلى جانب ازدياد سلبية انطباع الناس عالميا عن بلادهم نتيجة سياسات أمريكية تعتبر مجحفة بحقوق الآخرين.

مقابل هذا هنالك قوى تثابر على التصحيح والتعمير. هنالك نقد ذاتي مع مراجعة علنية للأخطاء، وعمل دائب لأجل أداء أحسن. هنالك تجديد وتجدد في الفكر، في الأسلوب، في الكفاءات الوطنية التي تتعاقب على إدارة الشأن العام. هنالك تأكيد على المبادئ والقيم وحث على العلم والعمل. هنالك اعتزاز بالوطنية وحرص على سلامة الأمة. وهنالك عزم على أن لا يتراجع وضع أمريكا، بل أن يكون القرن الحادي والعشرين قرنا أمريكيا كما كان سابقه.

لأيما أمة لا يمكن ضمان اطراد الصعود. مصائر الأمم مرهونة بميزان ما هي تأتي به من صواب أو خطأ. أمام ما تواجه من مشاكل في الداخل كما في الخارج أمريكا لا تشذ عن السنة السارية في الشأن البشري التي أخبر عنها القرآن المجيد في الآية: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. في تاريخ أمريكا جرت اختبارات كبرى، كالحرب الأهلية (1861-1865)، الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، الهبوط الاقتصادي الكبير (1929-1933)، الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، الحرب الكورية (1950-1953)، حرب فيتنام (1950-1975)، الصراع مع العالم الشيوعي (1945-1989) حرب الخليج (1990-1991) وهذا الصراع ما بعد 9:11 والذي لم يحسم بعد. في سوى هذا الأخير، أمريكا استطاعت أن تواجه التحدي وتتغلب عليه، أو أن تتجاوزه، ثم أن تواصل البناء فتخرج أقوى عما كانت من قبل. بنظري، أمريكا لا تزال تحتفظ بعناصر القوة التي انبنت بها واجتازت بصلابتها كل اختبار سابق. بذلك، في التحليل الأخير، أرجح أن أمريكا لا تزال أمة في صعود.

الحكيم العماني
27/06/2006, 11:39 PM
من أهم الأفكار لدي في هذا الصدد نشر ثقافة المعرفة، فهي، كما أراها، المدخل إلى كل أمر صحيح ومفيد. في هذا العمل لا يعول على الجهد الحكومي بقدر ما يعول على مبادرات فردية وجماعية على الصعيد المدني، بمعنى أن يكون لنا دور مباشر ومتواصل في تفعيل الأفكار الصحيحة المنمية لثقافتنا، علما بأن الثقافة الوطنية في أي بلد عربي هي امتداد للثقافة العربية الأم. من مسلكيات عمل الإثراء الثقافي، مثلاً، إذا ضمنا مجلس مع مجموعة من الناس فلعلنا لا نهدر الوقت في كلام عرضي غير هادف، بل ننتهز الفرصة لإثراء أفكارنا واختبارها من خلال تحاور. لا ينبغي أن نخشى سوء الفهم، فللناس عقول تستوعب جيدا وتميز بين الصواب والشطط، وبين الزبد وما ينفع الناس، وتحب أن تفيد وتستفيد. ولعلنا نتوجه بحديثنا إلى الحضور جميعا، بدل أن ندخل في محادثات جانبية. أيضا، لعلنا إذ نعرض ما لدينا من فهم ونظر في أمر ما نهتم بما نلقى من توافق أو تعارض، فمن كليهما مردود يساعد في صقل فكرنا وإنضاجه، وربما أيضا في سد فراغات معرفية لدينا فيما نتحدث فيه. فإذا تآلفت مجموعات تتشارك المنظور والمنهج، توافرت فرص لتطوير الفكر المشترك وتعميقه وتعميمه في سياق عملية الإثراء الثقافي.

السلام عليكم

بالفعل نحن نفتقد العمل الفردي والمجتمعي الهادف إلى نشر الثقافة والوعي، وصارت الدولة نائبة عنا في كل شيء! والمفارقة أننا نأتي بعد ذلك لنتهمها بأنها السبب في ما صرنا إليه!

كما يقول المثل العماني : "اللي يعور نفسه ما يقول واي"، وإن لم نكن أهلا لتحمل مسؤولياتنا كأفراد وكمجتع مدني فلا نلوم من يأخذ أدوارنا ليمثلها بديلا عنا!

دمتم بعافية

البسيوي
28/06/2006, 04:26 PM
ما أهم المعطيات المستجدة حديثا في الخبرة البشرية عبر العالم ... أقصد أهم معالم هذا العصر الحديث؟

أهم المعطيات المستجدة، المتعاظمة التأثير في الحال الإنساني المعاصر ألاحظها وضوحا – عبر العالم - في الظواهر التالية: ألاحظ ازديادا هائلا في تعداد البشر. ألاحظ إعلاما عالميا مباشرا ونشطا مدار الساعة يلهب المشاعر ويولد الانفعال: أحيانا يدفع لردود فعل تصحيحية بناءة، وأحيانا لردرد فعل غوغائية مدمرة إزاء الأحداث. ألاحظ انتشارا للمعرفة بشتى الوسائل، ومؤخرا على نطاق واسع عبر الإنترنيت، مع إمكانات استغلالها لخير أو شر. ألاحظ حركة تنقل دائبة ومتزايدة للناس عبر العالم، وتجارة متنامية كماً ونوعاً بين الأمم في السلع والخدمات. ألاحظ تحرر المرأة عالميا ودخولها من باب واسع في مختلف ساحات العمل، بما في ذلك العمل السياسي. ألاحظ انتشارا للمفاهيم الديمقراطية وثقافة حقوق الإنسان. وألاحظ بروز قوى كبرى، قديمة-جديدة، على الساحة الدولية، ودخولها حلبة السباق. هذه المتسجدات، الإيجابية منها والسلبية، تصنع، بشكل حثيث، وربما بدون أن نعي تأثيراتها آنياً... تصنع عالما جديدا، ستعيشه أجيال لها أنساق معرفية وحياتية هي غير ما لدينا اليوم. طبعا لا أستطيع القول أنهم سيكونون أسعد منا حالا أو أتعس، كما لا أستطيع القول أننا أسعد حالا من أسلافنا أو أتعس. بمعنى آخر: الحداثة لا تعادل السعادة، فالسعادة حال في الداخل، والحداثة ترتيب في الخارج. لذا التأكيد الذي نشهده مجددا لدى عديد من مفكري العصر على ضرورة الاعتناء بالبعد الإنساني أكثر منه بالعمران الخارجي في برامج التنمية الوطنية والعالمية

البسيوي
28/06/2006, 04:28 PM
عنيت برصد الأفكار وما تلعبه من تحولات على الصعيد الإنساني والحضاري فما هي من وجهة نظرك أهم الأفكار التي كانت في القرن العشرين؟

خلال القرن العشرين، مع كل ما تخلل هذا القرن من أحداث مأسوية جسام، راجت أفكار ثلاث كبرى صبغت الخبرة البشرية عامة، وأدى تضمينها في دساتير الدول، وتفعيلها في سياسات الحكومات إلى تحديد أهم معالم هذا العصر الذي يعرفه البعض بعصر ما بعد الحداثة. تلك الأفكار هي : العلمانية، الاشتراكية، حقوق الإنسان.

العلمانية، خلاصة، تعني اعتماد الاجتهاد الإنساني وحده في فهم حقائق الوجود، في التعامل مع معطيات الحياة، في تنظيم الحياة الاجتماعية، وفي استنباط الأفضل لأجل إثراء خبرة الإنسان وإسعاد حاله. العلمانية تُعنىَ بعالم الحياة فحسب، دون التفات يُذكر إلى عالم الآخرة ومصير الإنسان هناك. العلمانية لا تتجاهل الأخلاق ولا تتنكر لها، وإنما تؤكدها وتندب إلى الالتزام بها لا على أساس ثواب أو عقاب في الآخرة، وإنما كأمر ضروري لصلاح الإنسان فردا ومجتمعا في هذه الحياة. وكما ترى، فإن معظم المجتمعات المعاصرة قد أرست اجتهادهها الوطني على النهج العلماني في التنظير والتقرير، بما في ذلك أمم ذات عراقة حضارية، كالهند والصين.

الاشتراكية راجت متوسعة ومتنفذه بقيام المعسكر الشيوعي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لكنها انحسرت لاحقا بتفكك هذا المعسكر. أما اليوم فقد استبدلت، أو كادت، بفكر اقتصاد السوق الحر الذي يستوعب عناصر هامة من الفكر الاشتراكي من دون أن يتخذ الاشتراكية فلسفة شمولية. الفكر الاشتراكي في صميمه يُُعنى بالعدالة الاجتماعية، وبهذا المعنى يشكل بعدا أساسا في برامج التنمية في كل مكان. مع نهاية القرن العشرين تحررت الاشتراكية من التشخيص بإيديولوجية المذهب الشيوعي، وعادت لتقرن من جديد بمطلب التكافل الاجتماعي.. بهذا المعنى أضحى البعد الاشتراكي استحقاقا أساسا في عموم التخطيط الاقتصادي للدول - استحقاقا لا تستطيع الحكومات تجاهله دون أن تخاطر بالهزيمة عند صندوق الاقتراع.

بحقوق الإنسان نقصد تلك الحقوق التي تولد معه، وتلصق به أينما وجد مدى الحياة، لذا هي حقوق لا تقبل النزع. الناس أصالة، ذكور وإناث، متساوون في هذه الحقوق، أيا تكن الأنظمة التي يصادف عيشهم ضمنها، ومهما يبلغ من تعسف الحكام. ليس للحكومات أن تنقض أو تهتك أو تحد من حقوق الإنسان، وحيثما تتمادى فتفعل تستحق مساءلة في الرأي العام ومحاسبة لدى مؤسسات المجتمع الدولي. في السياق الدولي المعاصر أرى أهمية حقوق الإنسان تعلو على أهمية سيادة الدولة حيثما يتصادمان.

نشط الاهتمام بحقوق الإنسان منذ السبعينات من القرن الماضي، وإن كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادرمن الأمم المتحدة عام 1948 سابقا على ذلك. حقوق الإنسان شكلت أحد أهم المحاور التي جرى عليها تحدي الاتحاد السوفياتي والأنظمة الشيوعية بوجه عام. اليوم ثفافة حقوق الإنسان تقوى باطراد، واستحقاقاتها تتبلور يوما بعد يوم، آخذة طريقها لمزيد من التبني والتطبيق عبر العالم.

البسيوي
29/06/2006, 11:26 AM
ما الأفكار التي تعتقد أنه سيتمحور حولها مسار القرن الحادي والعشرين؟

إلى جانب الأفكار الثلاث التي ذكرت، هناك أفكار عالمية ثلاث أخرى أتوقع لها بلورة متنامية، بحيث تشكل الأفكار الستة مجتمعة المحاور الرئيسة التي يجري وفق أنساقها وبدفع من استحقاقاتها تطور عالم الإنسان في القرن الحادي والعشرين. الأفكار الثلاث الأخرى هي: الديمقراطية، اقتصاد السوق الحر، العولمة.
الديمقراطية تتوسع رقعتها يوما بعد يوم. هي تعني حكم الشعب: منشأ وممارسة وغاية: منشأً بالانتخاب الحر، ممارسةً بالتقرير بأرجحية الرأي والأداء تحت مساءلة دائبة، وغايةً بإقامة العدل وتحقيق المساواة وصون كرامة الإنسان. الديمقراطية علمانية بطبيعتها، مع أن العلمانية لا تكون ديمقراطية في جميع الأحوال، بل قد ينشأ منها ما هو مناقض للديمقراطية بشكل حاد، كما الشيوعية والنازية والفاشستية. على أن في الديمقراطية نفَس حضاري تتشاركه الأديان. بقدر ما يتنشط هذا النفَس الحضاري لدى أهل أيما دين، يغدون أرحب استيعابا للنهج الديمقراطي وأكثر تثمينا لمعطياته الحضارية. في المقابل، ليست الديمقراطية ضد الدين، وإنما هي غير مستمدة منه، غير متقيدة به، وليست قائمة عليه. هي بذلك تستوعب الدين والعلمانية معا، وتحملهما على التعايش، بل والتثاقف والتعاون، خدمة للصالح العام. من وجه آخر، كأمر مبدئي، الديمقراطية ترعى الدين، تحمي حرية المعتقد، وتصون حق المتدينين في ممارسة شعائر الدين.

لا تولد ديمقراطية كاملةً، ولا يوجد في خبرة أيما أمة معاصرة نظام ديمقراطي اكتمل فما عاد بحاجة لتطوير، هذا مع أن غالبية دول العالم غدت تنهج نهجا ديمقراطيا في الحكم وتطوره لما هو أوفى وأفضل باطراد. الممارسة الديمقراطية عمل إنساني، لذا هو قابل أبدا للتصحيح والتحسين. أمم الأرض مدعوة للتسابق في هذا العمل الإنساني، وأيضا للتعاون في ترسيخه. في هذا التسابق والتعاون لا يوجد واجب بأعلى من واجب إقامة العدل، ولا ضرورة بألح من ضرورة تطبيق المساواة بين الناس وإشراكهم في تقرير ما تعنيهم من أمور. في هذا الارتقاء للأسمى لا يوجد نفع للإنسانية بأجدى من نفع يأتي من زرع حب الفضيلة والمعرفة في الأجيال.

اقتصاد السوق الحر مصطلح جديد لممارسة إنسانية قديمة قدم أول مبادلة لسلعة أو خدمة جرت بين شخصين. إنها التجارة في أوسع نطاقها على نحو حر ومنصف. في خبرة كل حضارة سبقت تجد التجارة عاملا موحدا للأمة، منشطا للاقتصاد، وموسعا في الأرزاق. أحد أهم أسباب انتعاش حضارة الإسلام في عصرها الذهبي كان امتداد سوق حرة ومتواصله من الأندلس إلى مشارف الصين، تتردد عبرها قوافل جمال محمولة بمختلف البضائع ومصحوبة بأهل العلم الذين كانوا يتنقلون بحرية في ركابها بين المدن للتعلم والتعليم. أحد أسباب عظمة الخبرة الأمريكية في التاريخ الحديث هو امتداد سوق حرة متواصلة من محيط لمحيط.. اتحاد أوروبا الحديث جاء قيامه بدءاً على سوق مشتركة. الهند والصين تدخلان العصر الحديث من بوابة التجارة الحرة، وقبلهما كان السبق لليابان. جراء ذلك غدت اتفاقيات المنظمة التجارية العالمية اليوم من أهم ما يصوغ العلاقات الاقتصادية التجارية بين أمم هذا العصر.

العولمة، ولعلي أوسع قليلا فيها الحديث لما تثار حولها من إشكاليات. من نظري إلى عالم اليوم أجده قد تعولم فعلا في جل نشاطاطه: في الصحة والتعليم، في المواصلات والنقل، في الصرافة والتأمين، في الزراعة والصناعة، في السياحة والرياضة، في التجارة والاقتصاد، في الخدمات والتصنيع، في تنظيم القوات المسلحة وتسليحها، في تنظيم الشرطة، في تعمير وترتيب المنازل والأسواق: إجمالا يكاد لا يوجد حقل حياتي معاصر لما يتعولم. بتعبير آخر، أرى البشرية في مطلع هذا القرن قد رست على أربعة محاور رئيسة معولمة: معين معرفي واحد، نظام اقتصادي واحد، إطار تنظيمي للدولة واحد، ونمط معيشي واحد.

بوحدة المعين المعرفي أقصد أن الإنسان، أيا كان موطنه، دينه، وثقافته، ينهل من نفس العلم الذي يتبلور لدى العلماء عبر العالم في مختلف الحقول، ومن ثم يُدرس في المدارس والمعاهد والجامعات في كل بلد. أما وحدة النظام الاقتصادي فتعني وحدة المؤسسات والممارسات التي تُسيّر من خلالها يوميا مليارات المعاملات المالية والتجارية بين الناس عبر العالم. وأما وحدة الإطار التنظيمي للدولة فيعني وحدة هياكل الحكم والإدارة، في شكل مجالس تشريعية، وزارات تنفيذية، محاكم قضاء، دوائر أعمال متخصصة، مجالس بلدية، قوات مسلحة، شرطة، أجهزة استخبار، إلى غير ذلك. وأخيراً وحدة النمط المعيشي وتعني تماثل النشاطات الحياتية بتماثل أسباب الحداثة، سلعاً ونظماً وخدمات، الآخذة في الانتشار في كل مكان.

من أين إذن يأتي الاعتراض على العولمة، والناس، كما ترى، يدخلونها دون تحفظ يذكر؟ على أي وجه تدان والناس يتسابقون على استقبال مبتكراتها المتدفقة من سلع وخدمات شتى؟ على أي أساس تنتقد وهي توفر آنيا للجميع ما يبتكر عبر العالم من تحسينات وتسهيلات لا تحصى، فيغدو ما توفره قاسما حياتيا مشتركا بين الناس في كل مكان، كما، مثلا، الهاتف النقال؟ يأتي الاعتراض في الغالب لاعتبارات تتصل بالدين، والثقافة، وتقاليد الحكم، ويأتي أيضا من مجموعات ترى في العولمة طمسا لتراث الشعوب وحيفا اقتصاديا يلحق بالشعوب الفقيرة.

الاعتراض الديني يأتي لكون العولمة ذات نسق علماني، مع أن الدين أيضا عالمي بطبعه، ولو أتيح لأي دين تحديدا أن يعولم العالم حسب منهاجه لفعل. معنى ذلك أن الأديان لا تعارض العولمة من حيث المبدأ، وإنما تعارضها من حيث محتواها العلماني. الاعتراض يأتي أيضا من عجز أي دين بمفرده عن عولمة العالم، ومن عجز الأديان مجتمعة -- لكون كل دين مرتكزا في خصوصيته -- عن تقديم نسق معرفي وأخلاقي موحد لخبرة الإنسان.

ليس من طبيعة الأديان أن تتوحد، لكنها في الغالب، بحكم الضرورة، تتعايش، وبدفع حضاري يمكن أن تتفاهم وتتتقارب. التعددية الدينية أمر واقع في غالبية المجتمعات، وحيثما يسود مجتمع مدني، يعيش الناس تحت قانون موحد لا يفرق على أساس دين. نعم، للعولمة نسق علماني، لكنها بفضل ذلك تقدم معادلة جامعة لتعايش الأديان. العولمة، بنسقها العلماني، لا تُعنى بالدين إلا من حيث تثبيت مبدأ حرية المعتقد وشعائره، أيا كان المعتقد وفي أي مكان. ولأن الناس من مختلف الأديان أضحوا بسواء "معولمين" على صعيد الواقع في جل نشاطات الحياة، فإن فارق الدين لم يعد ذا أثر عملي في خبرة إنسان هذا العصر. من ذلك أستنتج أن الأديان ستبقى مصونة، وسيبقى انتساب الناس وولاؤها لها – رغم العولمة - دون مساس .

أما الثقافات وتقاليد الحكم فهي، خلاف الأديان، عرضة للتأثر بالعولمة، وهناك أيضا قدر كبير من الصحة في تضرر الشعوب الفقيرة جراء ضغوط تتولد من زحف عولمي متسارع. الثقافة شيء جد ثمين، وأيما أمة تحرص على سلامة ثقافتها عليها أن تعزز ثقافتها بسعة معرفية ومنعة أدبية ومهارة مهنية، تستوعب بها معطيات العولمة، بل و تؤثر في مسارها، من دون أن تضعف أمام ضغوطها أو تموع. أما تقاليد الحكم، فالأجدى لصالح الشعوب أن يجري تطويرها لتغدو أكثر تواؤما مع النمط العصري للحكم، بالأخص في مجال ترسيخ الديمقراطية وتحصين حقوق الإنسان. أما الشعوب الفقيرة، فالواجب دوليا أن تراعى أوضاعها بشكل خاص بحيث تتاح لها الاستفادة القصوى من العولمة، وأن لا تترك لتتضرر أو تهمش أو تحرم من استحقاقها التنموي.

بما تقدم أقصد أن العولمة قد غدت واقع حال عالمي نافذ ومستشر في كل منحى من مناحي الحياة المعاصرة، وبذلك ما عادت قابلة لصد أو تجاهل. لذ وجب التعامل مع العولمة بدافع تصويب لمسارها وتهذيب لمراميها على نحو يجعلها أكثر فأكثر عامل تقارب وتبادل منافع بين الأمم.. ذلك أن العولمة إذا سددت على مسار خير فسيعم العالمَ منها خير عميم. أما إذا تركت من دون تسديد فسوف تنتج ضررا أكثر من نفع وشططا أكثر من صواب.

تفاحة حمراء
29/06/2006, 05:32 PM
بارك الله فيكم .. :) ~ متابعة ~ .. :rolleyes:

البسيوي
01/07/2006, 08:25 AM
هل ترى وجود صراع حضاري دائر بين الإسلام والغرب، كما يطرح البعض أو يروج ؟

الصراع هو أحد ظواهر التاريخ الذي لم يتضاءل أمام تقدم المدنية وانتشار الديمقراطية في المجتمعات. في كتابهما "دروس التاريخ" الصادر عام 1968 يلاحظ ويل دورانت وزوجته آريل دورانت أن من بين 3421 عاما من التاريخ المدون الذي أمكن تحقيقه 268 عاما فقط خلت من حروب: بحساب بسيط، لو ساوينا الفترة التاريخية هذه بيوم كامل (24 ساعة)، لساوت فترة السلام المحض فيها أقل من ساعتين. أما منذ عام 1968 حتى اليوم فلا نرى عاما خلا من حرب أهلية أو حرب بين دول، هنا وهناك.

الصراع ينشأ من تنازع على مال أو جاه أو سلطة أو نفوذ، أو مغرية أخرى من المغريات، ويتفاوت في درجة الحدة والخصام. فإذا ترك ليتفاقم، فإنه ينتهي في حروب مهلكة تستنفد طاقات أطراف الصراع، بل إنها لا تصيبهم وحدهم خاصة. لكن الحروب قلما تنهي الصراع، أو تزيل ما وراءه من أسباب. وقد تعمق الصراع فيتفجر بعنف أكبر بعد حين.

على الجانب الأرشد في المسلك البشري نجد ظاهرة التنافس. التنافس، خلاف الصراع، يخضع لمستلزمات التعايش السلمي ودوافع التفاهم والتعاون لأجل نفع مشترك، لذا يكون حميدا، بل وضروريا، لتحفيز الهمم واستظهار أكفأ القدرات.

أنا مع التنافس، وضد الصراع، وفي جميع الأحوال أنا ضد أي صدام عنفي، إن كان بين أفراد أو فئات أو شعوب أو أمم. بنظري، اللجوء للعنف يعني إفلاسا في القدرة على التعامل العقلاني مع الأمور. أنا أستوعب شرعية الدفاع عن النفس، وهو حق وواجب، لكن للدفاع عن النفس وإحقاق الحق وسائل ليس أنجعها التعامل بالعنف، بل إن في التبادل العنفي ضنىً للضعيف وضياع لحقه وإلغاء لحجته المحتكمة إلى العدالة واستحقاقات كرامة الإنسان. من هنا أنا أثمن حكمة مهاتما غاندي في قوله أن الصدق واللاعنف متشابكان لدرجة يمتنع معها فصل أحدهما عن الآخر، سوى أن اللاعنف وسيلة والصدق غاية. وقوله أيضا، أن اللاعنف وسيلة ديناميكة قوامها الصبر: الصبر، ليس بمعنى الرضوخ لإرادة الباغي، وإنما الصبر بمعنى الجلد والثبات وحشد كل طاقاتك الروحية والخلقية لصد بغيه في الوقت نفسه. هذا المعنى أقرؤه أيضا في الصبر حيثما يذكر موعودا بالنصر في القرآن الكريم.

هل أرى "صراعا حضاريا" قائما أو جاريا بين المسلمين و أهل الغرب؟ ما أراه هو صراع ثقافي وتنازع على مصالح متخيلة، وليس صراعا يمكن أن يوصف ب "حضاري". وصف أي صراع ب "حضاري" ينطوي على تناقض وصفي. من طبيعة المنهاج الحضاري أنه يوائم بين الأمم، دافعا للتقارب لا التباعد، للتعاون لا التخاصم، للارتقاء للأسمي لا الانحدار للأسفل. على المسار الحضاري تسعى الأمم لتوحيد منظومة المبادئ والقيم والأعراف ما بينها، لتحتكم لها حضاريا عند نشوب أي نزاع. هي تتشارك المعرفة، وتتقابس بعضها من بعض التماسا للأوفق والأجدى من الأفكار والابتكارات. وهي تنسق وتيسر التعامل ما بينها بتبنيها نظما ومناهج متماثلة في مختلف نشاطات الحياة. وهي تعمل متظافرة لأجل توفير حياة طيبة ضامنة لحقوق الإنسان واستحقاقات المواطنة المتكافئة ضمن مساحة كل حضارة. ما تتباعد عليه الأمم وتتخاصم ووأحيانا تتصادم هي خصوصيات ثقافية وعصبيات وطنية أو دينية أو طائفية تستثار من رؤى ضيقة فتدفع نحو خصام وصدام. لذا لا أرى أن هناك "صراعا حضاريا" قائما، لأن المنهاج الحضاري لا يعرف الصراع. لذا ما أتمناه وأدعو له هو أن تُعلي الأممُ الجامعَ الإنساني الحضاريَ في التعامل ما بينها على الفارق الثقافي والنازع المصلحي، لأن الجامع الإنساني الحضاري وحده الضامن الأساس للتعايش والتسامح والتعاون بين الناس، ولأنه وحده الممكن من إعلاء نوعية الخبرة الإنسانية على ظهر هذا الكوكب، إن كان ضمن الأمة الواحدة، والوطن الواحد، والدين الواحد، أو ما بين الأمم، والأوطان، والأديان.


إنتهـــــى

honest man2006
05/07/2006, 12:08 PM
شكرا على الموضوع
صحيح أن المفكرين العمانيين كثيرين

محمد الأول
07/07/2006, 06:12 PM
أفكار مهمة تلك التي جاء بها المفكر صادق جواد سليمان ....شكرا لمجلة نزوى ....وللمشرف البسيوي