فنون
15/06/2006, 01:33 AM
الدكتور عوني كرومي ...فقيد المسرح العربي ووسيط الثقافتين العربية والألمانية
يوسف اللمكي :
أربعون عاما من العمل والتفاني والكفاح قضاها الراحل الدكتور المخرج عوني كرومي في العمل المسرحي مخرجا وممثلا ومنظرا وصاحب رؤى متجددة في الإخراج المسرحي والباحث دائما عن الجديد والمتجدد في إخراجه للأعمال المسرحية التي ترجمت حقاً عن إلتزامه الصادق بالبحث عن آليات حداثية في التجريب المسرحي راحلا عنا قبل أن يكمل حضور العرض الأول لمسرحية كان يخرجها لمسرح برلين، وبعد بدء العرض بأقل من نصف ساعة، نقل إلى المستشفى في برلين لإصابته بجلطة قلبية، ليفارق الحياة عن 61 عاماً قضاها في العمل المسرحي الذي وزعه بين بغداد وألمانيا ودول عربية شتى، تاركا أعمالا مسرحية وتجارب ومؤلفات أغنت المسرح العراقي والعربي تكون ملهما ومرجعا للمسرحيين الشباب.
ولد الدكتور كرومي عام 1945م في مدينة الموصل بالعراق وهو من عائلة عمالية حيث كان والده أحد العاملين في مجال الطباعة، وتعلّم عوني من والده كما يقول الصبر والعمل المتواصل تخرج من معهد الفنون الجميلة بالعراق قسم تمثيل وإخراج عام 1965م بعدها تخرج من إكاديمية الفنون الجميلة عام 1969م وكان عوني كرومي آنذاك من الشباب الرواد في الاخراج المسرحي وتخرج بدرجة امتياز من الأكاديمية، الأمر الذي مكّنه من أن يحصل على بعثة دراسية الى ألمانيا الديمقراطية وقتذاك ويكمل دراسته العليا في جامعة همبولدت برلين بألمانيا متخصصاً في مسرح برتولد بريخت،وحصل على ماجستير علوم مسرح عام 1972 وحصل على الدكتوراه من نفس الجامعة عام 1976م وتقلد عدة مناصب أكاديمية في معاهد وكليات الفنون المسرحية في بغداد وعمان ودمشق وبرلين التي يقيم فيها حاليا.
تأثر بكل أشكال المسرح الشعبي والتراث الأدبي وبدأ في إتجاه البحث في التراث وتحديدا في التراث المسرحي العراقي وهويته من أجل تقليل التأثيرات الأخرى التي لا تنمّي المجتمع بذاته وتشكل عملية التوليد والتنصيص جوهر بناؤه وتوليد المعاني فيه من خلال التداخل والتراكم فهو يمنح نفسه فسحة من الحرية وعدم التقيّد باسلوب محدد أو نمط مسرحي معيّن سعياً للوصول إلى سمات المسرح المعاصر وبحثا عن تجربة تمتلك شرعية وجودها.
كانت زيارة عوني لسلطنة عمان لها الأثر الكبير على مسرح صلالة فخلال وجوده فيها لإخراج أوبريت "اللبانة"عام 2003م وأوبريت "غيث السماء " عام 2004م في حفل إفتتاح مهرجان خريف صلالة والذي تم عرضه في مهرجان درب الحرير بألمانيا كما أقام ورشة مسرحية لإعداد الممثل وأستفاد منها المسرحيون بفرقة صلالة وفرقة أوبار وفرقة مسرح ظفار بإشراف بلدية ظفار والمديرية العامة للتراث للثقافة بصلالة وكما أقام ندوة عن المسرح عام 2004م ضمن الملتقى الثقافي الثالث الذي تقيمه المديرية العامة للتراث للثقافة بصلالة إحتفاءاً بيوم العالمي للمسرح،
وهكذا هو أينما وجد لا يبخل بأفكاره وتجاربه فكان متنقلا في كل الدول العربية يقيم ورش ومحاضرات فتجده مشاركا في معظم المؤتمرات والمهرجانات المسرحية الدولية منها: المركز الدولي للمسرح في براغ وبرلين، ومهرجانات المسرح العالمي في ألمانيا، وديونسيوس في روما، وسيبيوا في رومانيا، ودرب الحرير في مول هايم، وقرطاج المسرحي في تونس. وحصد العديد من الجوائز والشهادات التقديرية من مهرجانات عربية ودولية.
صدرت له عدة مؤلفات بالدراسات المسرحية باللغة الألمانية عن المسرح العراقي والعربي الأول (إتجاهات ووضعية المسرح العراقي والعربي ) والثاني ( وضعية المسرح العربي الحديث )
وله العديد من الدراسات بالعربية والألمانية مثل/ وظيفة المخرج في المسرح/ اطروحات في المسرح العراقي القديم /كروتوفسكي والمسرح الفقير/ الاغتراب في المسرح العربي/الحركة لغة المسرح/ طرق تدريس التمثيل/ المسرح الألماني المعاصر / أصول تدريس التمثيل/فن التمثيل/المسرح المدرسي/وآخرها دراسات عن المسرح والجمهور والضحك منشورة في إصدار واحد بعنوان
( الخطاب المسرحي ) عام 2004م من إصدار دائرة الشارقة والإعلام وهو مرجع غني بتعريف المسرح وخصائصه والعرض المسرحي والجمهور والضحك.
رؤيته للمسرح العراقي
في تقييمه للمسرح العراقي خلال السنوات العشر الأخيرة يقول " لا أستطيع الحكم أو تقييم جميع الأعمال المسرحية العراقية التي قدمت في السنوات الأخيرة، وإنما اخصص حكمي على الأعمال التي أشاهدها صدفة في المهرجانات المسرحية العربية والدولية منها، وبقي المسرح العراقي أمينا لمسيرته الفنية ومتواصلا مع خبرته ويعيش من تقاليده وتصورات مبدعيه وفنانيه.
فالأعمال التي شاهدتها ربما تجعلني أقف منحنيا أمام مبدعيها بقدراتهم على تسليط الضوء على الواقع الذي يعيشونه من دمار وحرب وتأثيرات قاسية للحصار؛ وكنت منحازا أمام بعض التجارب التي سلطت الضوء على الانهيار وما أفرزته الحروب من تأثيرات أجتماعية على الإنسان من خلال الأسير الذي يعود لوطنه، فلا يجد بيتا ولا زوجة ولا مستقبلا له رغم تضحياته فيبقى معذبا، كما تثيرني موضوعة الانتظار والخلاص المجسدة من خلال النساء والشخصيات النسائية، فهذه المرأة التي تنتظر الحبيب والأخ والزوج ولا تجده ماثلا أمامها بقدرماهو موجود في مخيلتها أوعبر ملامسته ببقايا الجثث المنشورة، وتمارس أحتفالها اليومي ومعاناة عشقها في داخل الحلم الذي يقبل التأويل ويفتح نافذة للقراءة المجتهدة للعمل الفني؛ كما أن عروض المسرح العراقي تتطلب مشاهدا ذكيا لكي يسقط قراءته الذاتية بعد الأداء التجسيدي للشخصية الإنسانية، وجمال هذه العروض هو عظمتها، وهي الابتعاد عن الخطاب الايدولوجي المسيس وطرحها للأزمة السياسية التي يجب أن تقرأ على أن أنتظار الغد مرهون بإرادة الإنسان. أما على المستوى التقني فيحاول الممثل العراقي أن يقدم خطابه الملغم عبر الشخصية التي يمثلها، وتميز الممثلون العراقيون بقراءة ذواتهم من خلال النصوص، وهذا الفن لا تستطيع أي رقابة في العالم تمنع دخوله إلى قلوب الناس لأنه يعتمد على الصدق الثقافي والمعايشة، وهم يمزجون بين خبرتهم الذاتية ومعانتهم وكأنهم سفر يتعرى لكي يقول الحقيقة المخفية والمخنوقة في أفواه البشرية عما ما يتردد من انهيار وتفشي ظاهرة السقوط والاستجداء في فخ شباك التذاكر والتساهل مع الذات في تقديم خطاب معرفي، وكأنه حالة من حالات التنفيس والهروب والوقوع في الوهم من خلال تجميل الحياة أو التهكم الذي يملك جوانب سلبية كثيرة في أعداد شخصية الإنسان، إلا أن مع هذا فكثرة الإنتاج وارتياد المسرح يستطيع أن يمنحنا صورة واضحة عن تشبث المواطن العراقي بالحياة، والعمل على أن لا ينهار أو يفقد العمل، ويرى في المشاهد العراقي أنه يقرأ حتى العروض التافهة والسطحية بعمق جراحه ولوعته، فلا خوف على مشاهد يمرض فما أسرع أن يشفي الجمهور والمجتمع من أمراضه وجراحه، وان سقوط الإعمال في التفاهة أو انعكاس آخر للواقع الذي امتلأ قيحا وسطحية. فالمسرح ليس بموضوعاته يعكس الحالة الحضارية التي وصل أليها المجتمع، وان هناك أكثر من ثقافة في داخل أي مجتمع من المجتمعات لهذا لا يستطيع أن يعمم اتجاها واحدا من الثقافة، وارى الأمل حتى في رماد جثث الموتى.( مقطع من حوار أجراه إياد شاكر البكري )
وكانت هناك ثلاث إتجاهات يتناولها عوني كرومي في مسرحه وهي:
اولاً: المشاكل الاجتماعية المعاصرة للمجتمع العراقي والتي كانت ذات طابع نقدي واقعي.
ثانياً: المشاكل السياسية على مستوى الوطن العربي وبالذات قضية التحرر والخلاص.
ثالثاً: مشاكل الشعوب الاخرى التي تعاني من نفس المشاكل التي نعاني منها. ومن خلالها اكد على ان هذه التجارب لها مساس بالواقع العراقي والعربي عموماً.
وتأتي اختياراته للنصوص لا لانها شاملة ودعائية فقط بقدر ما كانت تصور الصراع الاجتماعي والصراع الذاتي. فالصراع جوهر الدراما والمسرح عموماً، وقد اخذ الى جانب الطابع الاخلاقي طابعاً اجتماعياً يصور الذات في مجالاتها وتكاملها مع الواقع الموضوعي الذي تفجره وتتفجر في داخله ، ومن خلال تجربته مع الادب العالمي، مر فناننا عوني كرومي بمراحل عدة في معالجة النصوص المسرحية التقليدية وصولاً الى المسرحية الملحمية التسجيلية في بنائها وصناعتها مدركاً بذلك الوصول الى تجربة عرض مسرحي متكامل، اما تجربته مع الممثل فقد اخذت هي الاخرى، مراحل عدة فقد عمل مع الهواة الذين ينظرون الى الفن نظرة الفعالية الاجتماعية والثقافية البعيدة عن اختصاصاتهم الدقيقة، وكانت تجربته هذه مهمة في تطوير قدراته الابداعية في المعالجة واعداد الممثل والدور والعرض المسرحي في آن واحد.
ولهذه التجربة خواص قسرية ذات فائدة عملية وعلمية ادت به فيما بعد لان يكون مخرجاً مفسراً ومحللاً ومنظراً ومؤدياً كما انها تطلبت منه تنمية التركيز والتخيل. (قراءة في تجربة الفنان عوني كرومي الإخراجية – غياث عبد الحميد)
( عوني كرومي وسيط الثقافات )
في ندوة تكريمية أقامها مركز بريشت ببرلين منح المخرج عوني لقب
( وسيط الثقافات ) إحتفاءا بالذكرى الأربعين لتجربته المسرحية العريقة ونتيجة لجهوده المضنية على أبعاد تجربته كوسيط بين الثقافتين العربية والألمانية .
ألتقي مع الدكتور عوني في أفكار وإتجاهات مسرحية واحدة من بينها السؤال عن تأثير العمل في نفوس المشاهدين وتبنّي ملاحظات النقّاد والمتلقين ومحاولة تلّمس صدى العمل في نفوس المشاهدين من خلال تعليقاتهم في وقت لا يأبه المخرجون بهذه الأشياء أبدا فكثيرا ما يفاجأنا مخرج ما في أكثر من مناسبة بعدم أهتمامه بتأثير العمل أو تقبله من رفضه من قبل الجمهور وكذلك عدم تقبله النقد الموجه إليه وبهذا تجده يعيش من فشل إلى فشل.
وايضا على المسرحي أو المشتغل بالمسرح كما يقول عوني كرومي أن يقرا كثيرا ويكون على إطلاع كبير على تجارب من سبقه وأن يشاهد المزيد من الأعمال المسرحية وأن يختلط باكبر عدد من المختخصصين في الشأن المسرحي، بهذا نكون قد حققنا المعادلة الصحيحة في مسيرة المسرح وتطوره.
يرحل عنا كرومي جسدا وتبقى اعماله خالدة في أذهاننا ومكتباتنا مرجعا في أعمالنا المسرحية وكتابتنا المسرحية ومن هذه الأعمال المسرحية
( ترنيمة الكرسي الهزّاز، صراخ الصمت الأخرس فطور الساعة الثامنة، في منطقة الخطر، كاليكولا، غاليلو غاليليه، كريولان، مأساة تموز، القائل نعم القائل لا، تداخلات الفرح والحزن، فوق رصيف الرفض، الغائب، حكاية لأطفالنا الأعزاء، كشخة ونفخة، الإنسان الطيب، بير وشناشيل، المحفظة، المسيح يصلب من جديد، الصمت والذئاب، عند الصلب، في المحطة، الشريط الأخير، المساء الأخير، الطائر الأزرق ،أنتيجونا، فاطمة، السيد والعبد).
كان العمل المسرحي بالنسبة لعوني كرومي فعل حياة وبقاء وتطور وسؤال دائم عن الكينونة والوجود وعملية إبداع الذات إلى جانب كونه رحلة مغامرة في المستقبل بهدف الوصول إلى الحقيقة وإيجاد أجوبة لأسئلة العصر الراهن.
ـــــــــــــــــــــــــ ــ
كاتب مسرحي عماني
=================
منقول من ملحق آفاق بجريدة الشبيبة
يوسف اللمكي :
أربعون عاما من العمل والتفاني والكفاح قضاها الراحل الدكتور المخرج عوني كرومي في العمل المسرحي مخرجا وممثلا ومنظرا وصاحب رؤى متجددة في الإخراج المسرحي والباحث دائما عن الجديد والمتجدد في إخراجه للأعمال المسرحية التي ترجمت حقاً عن إلتزامه الصادق بالبحث عن آليات حداثية في التجريب المسرحي راحلا عنا قبل أن يكمل حضور العرض الأول لمسرحية كان يخرجها لمسرح برلين، وبعد بدء العرض بأقل من نصف ساعة، نقل إلى المستشفى في برلين لإصابته بجلطة قلبية، ليفارق الحياة عن 61 عاماً قضاها في العمل المسرحي الذي وزعه بين بغداد وألمانيا ودول عربية شتى، تاركا أعمالا مسرحية وتجارب ومؤلفات أغنت المسرح العراقي والعربي تكون ملهما ومرجعا للمسرحيين الشباب.
ولد الدكتور كرومي عام 1945م في مدينة الموصل بالعراق وهو من عائلة عمالية حيث كان والده أحد العاملين في مجال الطباعة، وتعلّم عوني من والده كما يقول الصبر والعمل المتواصل تخرج من معهد الفنون الجميلة بالعراق قسم تمثيل وإخراج عام 1965م بعدها تخرج من إكاديمية الفنون الجميلة عام 1969م وكان عوني كرومي آنذاك من الشباب الرواد في الاخراج المسرحي وتخرج بدرجة امتياز من الأكاديمية، الأمر الذي مكّنه من أن يحصل على بعثة دراسية الى ألمانيا الديمقراطية وقتذاك ويكمل دراسته العليا في جامعة همبولدت برلين بألمانيا متخصصاً في مسرح برتولد بريخت،وحصل على ماجستير علوم مسرح عام 1972 وحصل على الدكتوراه من نفس الجامعة عام 1976م وتقلد عدة مناصب أكاديمية في معاهد وكليات الفنون المسرحية في بغداد وعمان ودمشق وبرلين التي يقيم فيها حاليا.
تأثر بكل أشكال المسرح الشعبي والتراث الأدبي وبدأ في إتجاه البحث في التراث وتحديدا في التراث المسرحي العراقي وهويته من أجل تقليل التأثيرات الأخرى التي لا تنمّي المجتمع بذاته وتشكل عملية التوليد والتنصيص جوهر بناؤه وتوليد المعاني فيه من خلال التداخل والتراكم فهو يمنح نفسه فسحة من الحرية وعدم التقيّد باسلوب محدد أو نمط مسرحي معيّن سعياً للوصول إلى سمات المسرح المعاصر وبحثا عن تجربة تمتلك شرعية وجودها.
كانت زيارة عوني لسلطنة عمان لها الأثر الكبير على مسرح صلالة فخلال وجوده فيها لإخراج أوبريت "اللبانة"عام 2003م وأوبريت "غيث السماء " عام 2004م في حفل إفتتاح مهرجان خريف صلالة والذي تم عرضه في مهرجان درب الحرير بألمانيا كما أقام ورشة مسرحية لإعداد الممثل وأستفاد منها المسرحيون بفرقة صلالة وفرقة أوبار وفرقة مسرح ظفار بإشراف بلدية ظفار والمديرية العامة للتراث للثقافة بصلالة وكما أقام ندوة عن المسرح عام 2004م ضمن الملتقى الثقافي الثالث الذي تقيمه المديرية العامة للتراث للثقافة بصلالة إحتفاءاً بيوم العالمي للمسرح،
وهكذا هو أينما وجد لا يبخل بأفكاره وتجاربه فكان متنقلا في كل الدول العربية يقيم ورش ومحاضرات فتجده مشاركا في معظم المؤتمرات والمهرجانات المسرحية الدولية منها: المركز الدولي للمسرح في براغ وبرلين، ومهرجانات المسرح العالمي في ألمانيا، وديونسيوس في روما، وسيبيوا في رومانيا، ودرب الحرير في مول هايم، وقرطاج المسرحي في تونس. وحصد العديد من الجوائز والشهادات التقديرية من مهرجانات عربية ودولية.
صدرت له عدة مؤلفات بالدراسات المسرحية باللغة الألمانية عن المسرح العراقي والعربي الأول (إتجاهات ووضعية المسرح العراقي والعربي ) والثاني ( وضعية المسرح العربي الحديث )
وله العديد من الدراسات بالعربية والألمانية مثل/ وظيفة المخرج في المسرح/ اطروحات في المسرح العراقي القديم /كروتوفسكي والمسرح الفقير/ الاغتراب في المسرح العربي/الحركة لغة المسرح/ طرق تدريس التمثيل/ المسرح الألماني المعاصر / أصول تدريس التمثيل/فن التمثيل/المسرح المدرسي/وآخرها دراسات عن المسرح والجمهور والضحك منشورة في إصدار واحد بعنوان
( الخطاب المسرحي ) عام 2004م من إصدار دائرة الشارقة والإعلام وهو مرجع غني بتعريف المسرح وخصائصه والعرض المسرحي والجمهور والضحك.
رؤيته للمسرح العراقي
في تقييمه للمسرح العراقي خلال السنوات العشر الأخيرة يقول " لا أستطيع الحكم أو تقييم جميع الأعمال المسرحية العراقية التي قدمت في السنوات الأخيرة، وإنما اخصص حكمي على الأعمال التي أشاهدها صدفة في المهرجانات المسرحية العربية والدولية منها، وبقي المسرح العراقي أمينا لمسيرته الفنية ومتواصلا مع خبرته ويعيش من تقاليده وتصورات مبدعيه وفنانيه.
فالأعمال التي شاهدتها ربما تجعلني أقف منحنيا أمام مبدعيها بقدراتهم على تسليط الضوء على الواقع الذي يعيشونه من دمار وحرب وتأثيرات قاسية للحصار؛ وكنت منحازا أمام بعض التجارب التي سلطت الضوء على الانهيار وما أفرزته الحروب من تأثيرات أجتماعية على الإنسان من خلال الأسير الذي يعود لوطنه، فلا يجد بيتا ولا زوجة ولا مستقبلا له رغم تضحياته فيبقى معذبا، كما تثيرني موضوعة الانتظار والخلاص المجسدة من خلال النساء والشخصيات النسائية، فهذه المرأة التي تنتظر الحبيب والأخ والزوج ولا تجده ماثلا أمامها بقدرماهو موجود في مخيلتها أوعبر ملامسته ببقايا الجثث المنشورة، وتمارس أحتفالها اليومي ومعاناة عشقها في داخل الحلم الذي يقبل التأويل ويفتح نافذة للقراءة المجتهدة للعمل الفني؛ كما أن عروض المسرح العراقي تتطلب مشاهدا ذكيا لكي يسقط قراءته الذاتية بعد الأداء التجسيدي للشخصية الإنسانية، وجمال هذه العروض هو عظمتها، وهي الابتعاد عن الخطاب الايدولوجي المسيس وطرحها للأزمة السياسية التي يجب أن تقرأ على أن أنتظار الغد مرهون بإرادة الإنسان. أما على المستوى التقني فيحاول الممثل العراقي أن يقدم خطابه الملغم عبر الشخصية التي يمثلها، وتميز الممثلون العراقيون بقراءة ذواتهم من خلال النصوص، وهذا الفن لا تستطيع أي رقابة في العالم تمنع دخوله إلى قلوب الناس لأنه يعتمد على الصدق الثقافي والمعايشة، وهم يمزجون بين خبرتهم الذاتية ومعانتهم وكأنهم سفر يتعرى لكي يقول الحقيقة المخفية والمخنوقة في أفواه البشرية عما ما يتردد من انهيار وتفشي ظاهرة السقوط والاستجداء في فخ شباك التذاكر والتساهل مع الذات في تقديم خطاب معرفي، وكأنه حالة من حالات التنفيس والهروب والوقوع في الوهم من خلال تجميل الحياة أو التهكم الذي يملك جوانب سلبية كثيرة في أعداد شخصية الإنسان، إلا أن مع هذا فكثرة الإنتاج وارتياد المسرح يستطيع أن يمنحنا صورة واضحة عن تشبث المواطن العراقي بالحياة، والعمل على أن لا ينهار أو يفقد العمل، ويرى في المشاهد العراقي أنه يقرأ حتى العروض التافهة والسطحية بعمق جراحه ولوعته، فلا خوف على مشاهد يمرض فما أسرع أن يشفي الجمهور والمجتمع من أمراضه وجراحه، وان سقوط الإعمال في التفاهة أو انعكاس آخر للواقع الذي امتلأ قيحا وسطحية. فالمسرح ليس بموضوعاته يعكس الحالة الحضارية التي وصل أليها المجتمع، وان هناك أكثر من ثقافة في داخل أي مجتمع من المجتمعات لهذا لا يستطيع أن يعمم اتجاها واحدا من الثقافة، وارى الأمل حتى في رماد جثث الموتى.( مقطع من حوار أجراه إياد شاكر البكري )
وكانت هناك ثلاث إتجاهات يتناولها عوني كرومي في مسرحه وهي:
اولاً: المشاكل الاجتماعية المعاصرة للمجتمع العراقي والتي كانت ذات طابع نقدي واقعي.
ثانياً: المشاكل السياسية على مستوى الوطن العربي وبالذات قضية التحرر والخلاص.
ثالثاً: مشاكل الشعوب الاخرى التي تعاني من نفس المشاكل التي نعاني منها. ومن خلالها اكد على ان هذه التجارب لها مساس بالواقع العراقي والعربي عموماً.
وتأتي اختياراته للنصوص لا لانها شاملة ودعائية فقط بقدر ما كانت تصور الصراع الاجتماعي والصراع الذاتي. فالصراع جوهر الدراما والمسرح عموماً، وقد اخذ الى جانب الطابع الاخلاقي طابعاً اجتماعياً يصور الذات في مجالاتها وتكاملها مع الواقع الموضوعي الذي تفجره وتتفجر في داخله ، ومن خلال تجربته مع الادب العالمي، مر فناننا عوني كرومي بمراحل عدة في معالجة النصوص المسرحية التقليدية وصولاً الى المسرحية الملحمية التسجيلية في بنائها وصناعتها مدركاً بذلك الوصول الى تجربة عرض مسرحي متكامل، اما تجربته مع الممثل فقد اخذت هي الاخرى، مراحل عدة فقد عمل مع الهواة الذين ينظرون الى الفن نظرة الفعالية الاجتماعية والثقافية البعيدة عن اختصاصاتهم الدقيقة، وكانت تجربته هذه مهمة في تطوير قدراته الابداعية في المعالجة واعداد الممثل والدور والعرض المسرحي في آن واحد.
ولهذه التجربة خواص قسرية ذات فائدة عملية وعلمية ادت به فيما بعد لان يكون مخرجاً مفسراً ومحللاً ومنظراً ومؤدياً كما انها تطلبت منه تنمية التركيز والتخيل. (قراءة في تجربة الفنان عوني كرومي الإخراجية – غياث عبد الحميد)
( عوني كرومي وسيط الثقافات )
في ندوة تكريمية أقامها مركز بريشت ببرلين منح المخرج عوني لقب
( وسيط الثقافات ) إحتفاءا بالذكرى الأربعين لتجربته المسرحية العريقة ونتيجة لجهوده المضنية على أبعاد تجربته كوسيط بين الثقافتين العربية والألمانية .
ألتقي مع الدكتور عوني في أفكار وإتجاهات مسرحية واحدة من بينها السؤال عن تأثير العمل في نفوس المشاهدين وتبنّي ملاحظات النقّاد والمتلقين ومحاولة تلّمس صدى العمل في نفوس المشاهدين من خلال تعليقاتهم في وقت لا يأبه المخرجون بهذه الأشياء أبدا فكثيرا ما يفاجأنا مخرج ما في أكثر من مناسبة بعدم أهتمامه بتأثير العمل أو تقبله من رفضه من قبل الجمهور وكذلك عدم تقبله النقد الموجه إليه وبهذا تجده يعيش من فشل إلى فشل.
وايضا على المسرحي أو المشتغل بالمسرح كما يقول عوني كرومي أن يقرا كثيرا ويكون على إطلاع كبير على تجارب من سبقه وأن يشاهد المزيد من الأعمال المسرحية وأن يختلط باكبر عدد من المختخصصين في الشأن المسرحي، بهذا نكون قد حققنا المعادلة الصحيحة في مسيرة المسرح وتطوره.
يرحل عنا كرومي جسدا وتبقى اعماله خالدة في أذهاننا ومكتباتنا مرجعا في أعمالنا المسرحية وكتابتنا المسرحية ومن هذه الأعمال المسرحية
( ترنيمة الكرسي الهزّاز، صراخ الصمت الأخرس فطور الساعة الثامنة، في منطقة الخطر، كاليكولا، غاليلو غاليليه، كريولان، مأساة تموز، القائل نعم القائل لا، تداخلات الفرح والحزن، فوق رصيف الرفض، الغائب، حكاية لأطفالنا الأعزاء، كشخة ونفخة، الإنسان الطيب، بير وشناشيل، المحفظة، المسيح يصلب من جديد، الصمت والذئاب، عند الصلب، في المحطة، الشريط الأخير، المساء الأخير، الطائر الأزرق ،أنتيجونا، فاطمة، السيد والعبد).
كان العمل المسرحي بالنسبة لعوني كرومي فعل حياة وبقاء وتطور وسؤال دائم عن الكينونة والوجود وعملية إبداع الذات إلى جانب كونه رحلة مغامرة في المستقبل بهدف الوصول إلى الحقيقة وإيجاد أجوبة لأسئلة العصر الراهن.
ـــــــــــــــــــــــــ ــ
كاتب مسرحي عماني
=================
منقول من ملحق آفاق بجريدة الشبيبة