ابن اليماني
24/05/2006, 09:35 AM
قال فيلسوف الإسلام العلّامة أبو الوليد ابن رشد الحفيد 595هـ في كتابه القيَم جدّا [حتى إني رأيت غير واحد ممن يُعبأ بأقوالهم يقولون إنه أفضل كتب الفقه على الإطلاق]:المسمى(بداية المُجتهِد ونهاية المُقتصِد) ، في آخر مقدمته:"وأما أسباب الاختلاف [بين الفقهاء] فستّة:
أحدها تردُّد الألفاظ بين هذه الطرق الأربع: أعني بين أن يكون اللفظ عاما يراد به الخاص، أو خاصا يراد به العام، أو عاما يراد به العام، أو خاصا يراد به الخاص، أو يكون له دليل خطاب، أو لا يكون له.
والثاني الاشتراك الذي في الألفاظ، وذلك إما في اللفظ المفرد كلفظ القُرء الذي ينطلق على الأطهار وعلى الحِيَض[بكسرٍ ففتْح]، وكذلك لفظ الأمر هل يحمل على الوجوب أو الندب، ولفظ النهي هل يحمل على التحريم أو على الكراهية، وإما في اللفظ المركب مثل قوله تعالى {إلا الذين تابوا} فإنه يحتمل أن يعود على الفاسق فقط، ويحتمل أن يعود على الفاسق والشاهد، فتكون التوبة رافعة للفسق ومجيزة شهادة القاذف.
والثالث اختلاف الإعراب.[مثل قراءة وأرجلكم إلى الكعبين بفتح اللام وكسرها]
والرابع تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة أو حمله على نوع من أنواع المجاز، التي هي: إما الحذف، وإما الزيادة، وإما التقديم وإما التأخير، وإما تردده على الحقيقة أو الاستعارة.
والخامس إطلاق اللفظ تارة وتقييده تارة، مثل إطلاق الرقبة في العتق تارة، وتقييدها بالإيمان تارة.
[ترد مرةً فتحرير رقبة ، ومرّةً :فتحرير رقبة مؤمنة]
والسادس التعارض في الشيئين في جميع أصناف الألفاظ التي يتلقى منها الشرع الأحكام بعضها مع بعض وكذلك التعارض الذي يأتي في الأفعال أو في الإقرارات، أو تعارض القياسات أنفسها،أو التعارض الذي يتركب من هذه الأصناف الثلاثة: أعني معارضة القول للفعل أو للإقرار أو للقياس، ومعارضة الفعل للإقرار أو للقياس، ومعارضة الإقرار للقياس.
هذه هي الأسباب الموضوعية لاختلاف الفقهاء، وهي علم الفقه بذاته، فلو يسّر الله لطلبة العلم الشرعي من يُفهمهم كتاب ابن رشد العظيم هذا لَما كُنتَ تجد خرّيج ابتدائية من المطاوعة يقول لك بفم مفغور(أنا عالقرآن والسنة) ويظن نفسه أفقه من مالك أو أبي حنيفة.
والحقّ أن بداية الانحراف قد بدأت منذ القرن الثالث الهجري وربما العقد الأخير من القرن الثاني حين وقع "أهل العلم" في إسقاط على التاريخ فظنوا أنّ ما نُقِل إليهم من أقوال النبيّ يجب العمل بها كما هي . ولم تكن قدرتهم الاستنباطية(لا الاستقرائية inductionولا الاستنتاجيةdeduction)تسمح لهم أن أن يفهموا أن أقوال النبي التي تشرِّع للحياة لا معنى لها إلا ضمن سياقها من سيرته، ومِن أفهم الناس لهذه القاعدة فقيها الإسلام العظيمان أبو حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس. ولكنهما نفسيهما قد تحوّلا أيضاً إلى صنمين عند أتباعهما ونُسب إليهما ما لم يكتُباه وشُوِّهت طريقتهما في التفكير.
هُنا أغتنم فرصة أنصح بها طُلاب العُلوم الشرعية هي أن يأتوا البيوت من أبوابها ويكفوّا عن أن يعزو الى العلماء إلا ما قرءوه هم أنفسهم في مؤلّف ثابت النسبة إلى من يقرءون له
ولما كان بعض الناس لا يفهمون إلا بالمثال(ولهم حقّ فالمثال يوضح الكثير) فنورد لهم المثال الآتي
ثبت عند أهل النقل قول النبي صلى الله عليه وسلم:"البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا" ولكنّ هذا الحديث حين وصل إلى الفقيهين الكبيرين أبي حنيفة ومالك. قاما بوضعه في سياق سيرة النبي ومقاصده. فاتجه تفكير مالك إلى المدة التي يقصدها النبي. هل يُعقل أن يتما بالخيار حتى ولو كانا ساكنين في نفس الغرفة مثلاً؟ وكان يأخذ عمل الناس من أهل المدينة بالحُسبان في إيضاح دلالة النصوص، الأمر الذي سينتصر له المستقبل على الشافعي وأحمد وأهل الحديث لأنهم قد وقعوا في إسقاط على التاريخ وخلل منهجي كبير ،فتطور علم الدلالة ينتصر لمالك على مخالفيه من أتباع علماء الحديث. فقال مالك:"ليس لهذا عندنا حدّ محدود" يقصد لا ندري كم المدّة. وحين سمع ابن أبي ذئب أنّ مالكاً قد قال ذلك قال:"يُستتاب وإلا ضُربت عنقه" لأنه ظنّ أنه يرد حديث رسول الله. ويبدو أن أحمد بن حنبل قد أيد ابن أبي ذئب حين صرّح أنه أكثر ورعاً من مالك!!! [إذا صحّ أنه قال هذا القول بشأن هذه المسألة]. ولعمري لكلاهما لم يفهم قصد مالك.[لاحظ أخي أنّ العلماء الكبار الذين تحولوا عند كثيرين إلى أساطير يُسيئون فَهم بعضهم أيضاً، ويظلمون بعضهم أيضاً]. أما أبو حنيفة النعمان فقد اتجه تفكيره إلى أن هذا الحديث يحث على فضيلة أخلاقية فقط ولا يقرر حكماً شرعيا، فقال:"أرأيت إن كانا[البيِّعان] في سفينة؟أرأيت إن كانا في صحراء؟[يقصد:فلم يتفرَّقا] ثم أوجب أنْ إذا تمَّ البيعُ فلا خِيار
. إني ليأخذني الدهش يمنة ويسرة ممن يستفتي مجرد طالب شريعة أطال لحيته وتستّر بالدين مداراة لعجزه ، ويتجرّا على مخالفة كبار علماء الإسلام؟ !! ولكنّ عجبي يزول إذ أن أول من تجرّأ هم بعض العلماء أنفسهم. وهكذا يصح قول الشاعر:
وما العُلماءُ والجُهال إلا* * قريبٌ حين تنظُر من قريبِ"
أحدها تردُّد الألفاظ بين هذه الطرق الأربع: أعني بين أن يكون اللفظ عاما يراد به الخاص، أو خاصا يراد به العام، أو عاما يراد به العام، أو خاصا يراد به الخاص، أو يكون له دليل خطاب، أو لا يكون له.
والثاني الاشتراك الذي في الألفاظ، وذلك إما في اللفظ المفرد كلفظ القُرء الذي ينطلق على الأطهار وعلى الحِيَض[بكسرٍ ففتْح]، وكذلك لفظ الأمر هل يحمل على الوجوب أو الندب، ولفظ النهي هل يحمل على التحريم أو على الكراهية، وإما في اللفظ المركب مثل قوله تعالى {إلا الذين تابوا} فإنه يحتمل أن يعود على الفاسق فقط، ويحتمل أن يعود على الفاسق والشاهد، فتكون التوبة رافعة للفسق ومجيزة شهادة القاذف.
والثالث اختلاف الإعراب.[مثل قراءة وأرجلكم إلى الكعبين بفتح اللام وكسرها]
والرابع تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة أو حمله على نوع من أنواع المجاز، التي هي: إما الحذف، وإما الزيادة، وإما التقديم وإما التأخير، وإما تردده على الحقيقة أو الاستعارة.
والخامس إطلاق اللفظ تارة وتقييده تارة، مثل إطلاق الرقبة في العتق تارة، وتقييدها بالإيمان تارة.
[ترد مرةً فتحرير رقبة ، ومرّةً :فتحرير رقبة مؤمنة]
والسادس التعارض في الشيئين في جميع أصناف الألفاظ التي يتلقى منها الشرع الأحكام بعضها مع بعض وكذلك التعارض الذي يأتي في الأفعال أو في الإقرارات، أو تعارض القياسات أنفسها،أو التعارض الذي يتركب من هذه الأصناف الثلاثة: أعني معارضة القول للفعل أو للإقرار أو للقياس، ومعارضة الفعل للإقرار أو للقياس، ومعارضة الإقرار للقياس.
هذه هي الأسباب الموضوعية لاختلاف الفقهاء، وهي علم الفقه بذاته، فلو يسّر الله لطلبة العلم الشرعي من يُفهمهم كتاب ابن رشد العظيم هذا لَما كُنتَ تجد خرّيج ابتدائية من المطاوعة يقول لك بفم مفغور(أنا عالقرآن والسنة) ويظن نفسه أفقه من مالك أو أبي حنيفة.
والحقّ أن بداية الانحراف قد بدأت منذ القرن الثالث الهجري وربما العقد الأخير من القرن الثاني حين وقع "أهل العلم" في إسقاط على التاريخ فظنوا أنّ ما نُقِل إليهم من أقوال النبيّ يجب العمل بها كما هي . ولم تكن قدرتهم الاستنباطية(لا الاستقرائية inductionولا الاستنتاجيةdeduction)تسمح لهم أن أن يفهموا أن أقوال النبي التي تشرِّع للحياة لا معنى لها إلا ضمن سياقها من سيرته، ومِن أفهم الناس لهذه القاعدة فقيها الإسلام العظيمان أبو حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس. ولكنهما نفسيهما قد تحوّلا أيضاً إلى صنمين عند أتباعهما ونُسب إليهما ما لم يكتُباه وشُوِّهت طريقتهما في التفكير.
هُنا أغتنم فرصة أنصح بها طُلاب العُلوم الشرعية هي أن يأتوا البيوت من أبوابها ويكفوّا عن أن يعزو الى العلماء إلا ما قرءوه هم أنفسهم في مؤلّف ثابت النسبة إلى من يقرءون له
ولما كان بعض الناس لا يفهمون إلا بالمثال(ولهم حقّ فالمثال يوضح الكثير) فنورد لهم المثال الآتي
ثبت عند أهل النقل قول النبي صلى الله عليه وسلم:"البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا" ولكنّ هذا الحديث حين وصل إلى الفقيهين الكبيرين أبي حنيفة ومالك. قاما بوضعه في سياق سيرة النبي ومقاصده. فاتجه تفكير مالك إلى المدة التي يقصدها النبي. هل يُعقل أن يتما بالخيار حتى ولو كانا ساكنين في نفس الغرفة مثلاً؟ وكان يأخذ عمل الناس من أهل المدينة بالحُسبان في إيضاح دلالة النصوص، الأمر الذي سينتصر له المستقبل على الشافعي وأحمد وأهل الحديث لأنهم قد وقعوا في إسقاط على التاريخ وخلل منهجي كبير ،فتطور علم الدلالة ينتصر لمالك على مخالفيه من أتباع علماء الحديث. فقال مالك:"ليس لهذا عندنا حدّ محدود" يقصد لا ندري كم المدّة. وحين سمع ابن أبي ذئب أنّ مالكاً قد قال ذلك قال:"يُستتاب وإلا ضُربت عنقه" لأنه ظنّ أنه يرد حديث رسول الله. ويبدو أن أحمد بن حنبل قد أيد ابن أبي ذئب حين صرّح أنه أكثر ورعاً من مالك!!! [إذا صحّ أنه قال هذا القول بشأن هذه المسألة]. ولعمري لكلاهما لم يفهم قصد مالك.[لاحظ أخي أنّ العلماء الكبار الذين تحولوا عند كثيرين إلى أساطير يُسيئون فَهم بعضهم أيضاً، ويظلمون بعضهم أيضاً]. أما أبو حنيفة النعمان فقد اتجه تفكيره إلى أن هذا الحديث يحث على فضيلة أخلاقية فقط ولا يقرر حكماً شرعيا، فقال:"أرأيت إن كانا[البيِّعان] في سفينة؟أرأيت إن كانا في صحراء؟[يقصد:فلم يتفرَّقا] ثم أوجب أنْ إذا تمَّ البيعُ فلا خِيار
. إني ليأخذني الدهش يمنة ويسرة ممن يستفتي مجرد طالب شريعة أطال لحيته وتستّر بالدين مداراة لعجزه ، ويتجرّا على مخالفة كبار علماء الإسلام؟ !! ولكنّ عجبي يزول إذ أن أول من تجرّأ هم بعض العلماء أنفسهم. وهكذا يصح قول الشاعر:
وما العُلماءُ والجُهال إلا* * قريبٌ حين تنظُر من قريبِ"