عرض الإصدار الكامل : الحق احق ان يتبع
السلحف السريع
20/05/2006, 03:20 PM
السلام عليكم ورحمة الله
لنا ان نقول : إن مدار كمال المخلوق مبني على حب الحق وكراهية الباطل , فخلق الله الناس مفطورين على ذلك
والله عز وجل قدر لهم ما يؤكد هذه الفطرة وهو التعب والعناء والمشقة
وأيضا ما يدعوهم الى خلافها وهو الهوى والشهوة
ولهذا استحق الحق ان يحمد , واستحق الباطل السقوط
وفي صحيح مسلم : من حديث ابي هريرة وانس [[ حفت الجنة بالمكاره , وحفت النار بالشهوات]]
وقال تعالى:
[[ كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى ان تكرهو شيئا وهو خير لكم وعسى ان تحبوا شيئا وهو شر لكم ]]
[[ ام حسبتم ان تدخلو الجنة ولما ياتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنو معه متى نصر الله ألا ان نصر الله قريب]]
والانسان لا يكره الحق من حيث هو ’ ولكنه يحب الحق بفطرته , ويحب الباطل لهواه وشهوته , ومدار الفوز والخسران على الإيثار
قال تعالى :
[[ فاما من طغى وآثر الحياة الدنيا فان الجحيم هي المأوى , واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي الماوى]]
ولنا ان نقول ان الله تبارك وتعالى في جانب والهوى في جانب آخر
قال تعالى :
[[ ارأيت من اتخذ الهه هواه أفانت تكون عليه وكيلا ]]
وفي الحديث [[ حبك الشيئ يعمي ويصم ]] رواه أبو داود بسند ضعيف
يتبــــــــع
السلحف السريع
20/05/2006, 03:42 PM
فلماذا ينكص الناس عن الحق بعد تبينه ولا يعترفون به ؟
1- قد يرى الإنسان ان اعترافه بالحق يستلزم اعترافه بانه كان على باطل , فالمرء ينشا على على دين ومذهب او اعتقاد , او راي يتلقاه من مربيه ومعلمه على أنه حق فيكون عليه مدة , ثم اذا تبين له انه باطل شق عليه ان يعترف بذلك
وهكذا اذا كان آباؤه او اجداده او متبوعه على شيء و ثم تبين له بطلانه , وذلك انه يرى ان نقصهم مستلزم لنقصه , فاعترافه بضلالهم وأو خطأهم اعتراف بنقصه.
ومن العجب العجاب في هذا الامر انك ترى المرأة إذا وقفت على بعض المسائل التي كان فيها الخلاف بين ام المؤمنين عائشة مع غيرها من الصحابة , اخذت تحامي عن قول عائشة , لا لشيئ إلا لأن عائشة امراة مثلها
فتحتال عليها نفسها وتتوهم انها اذا زعمت ان عائشة أصابت وان من خالفها من الرجال اخطأوا كان ذلك اثباتا لفضيلة عائشة على هؤلاء الرجال , فتكون تلك فضيلة للنساء على الرجال مطلقا , فينالها حظ من ذالك
وبهذا يظهر لك سر تعصب العربي للعربي والفارسي للفارسي والتركي للتركي وغير ذلك
بل قد يتعصب الأعرج في يومنا هذا للأعرج
بل ترى من يتعصب من العميان للمعري
2- ان يكون قد صار له في الباطل جاه وشهرة ومعيشة , فيشق عليه ان يعترف بانه كان على باطل فتذهب تلك الفوائد
3- الكبر وما ادراك ما الكبر
يكون المرء على جهالة او باطل , فيجيء آخر فيبين له الحجة , فيرى انه ان اعترف كان معنى ذلك انه ناقص , وان ذلك الرجل هو الذي هداه
ولهذا ترى من المنتسبين الى العلم من لا يشق عليه الاعتراف بالخطأ إذا كان الحق تبين له ببحثه ونظره هو نفسه , ويشق عليه ذلك اذا كان غيره هو الذي بين له
4-الحســـــــــــــــــــد
وذلك اذا كان غيره هو الذي بين الحق فيرى ان اعترافه بذلك الحق يكون اعترافا لذلك المبين بالفضل والعلم , فيعظم ذلك في اعين الناس , ويقول في نفسه ان شهدت بما بين من الحق كثر اتباعه
وقد تجد من المنتسبين الى العلم من يحرص على تخطئة غيره من العلماء ولو بالباطل , حسدا منه لهم , ومحاولة لحط منزلتهم عند الناس.
يتبـــــــع
السلحف السريع
20/05/2006, 06:37 PM
ومخالفة الهوى للحق في العلم والاعتقاد قد تكون :
أ-لمشقة تحصيله , فانه يحتاج الى البحث والنظر , ولا تخفى المشقة الملفوفة في طيات هذا الامر , ويحتج الى سؤال العلماء والا ستفادة منهم , وفي ذلك من الاعتراف لهم ما تقدم, وهذا يحتاج الى لزوم التقوى طلبا للتوفبق والهدى وفي ذلك ما فيه من المشقة.
ب-وقد تكون لكراهية العلم والاعتقاد نفسه وذلك :
لما فيه من الاعتراف فانه كما يشق عليه ان يتبين له , فيشق على المرء ان يتبين له بطلان دينه واعتقاده , او مذهبه الذي نشا عليه واعتز به ودعى اليه وذب عنه , او بطلان ما كان عليه ءاباءه واجداده ومشايخه , الذين ظل حينا من الدهر يثني عليهم ويعظمهم ويبجلهم , ويمدحهم بانهم اهل الايمان والحق والهدى والعلم والتحقيق , فهو يخشى ان ينقلب على ماضيه
وعلى العكس من ذلك يصبح من كان يذمهم ويصفهم بالجهل والنقص , ويسخر منهم ,وينسبهم الى الضلال والكفر هم أهل الحق والايمان
وتامل قول الله تعالى عن المشركين
[[ واذ قالوا اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء او ايتنا بعذاب أليم]]
فتجد صاحب الهوى كلما عرض عليه دليل لمخالفه , او ما يوهن دليلا لأصحابه شق عليه ذلك واضطرب واغتاظ وسارع الى التشغيب , فيقول مثلا في دليل مخالفه : هذه شبهة باطلة مخالفة للقطعيات , وهذا مذهب باطل لم يذهب اليه الا اهل الزيغ والضلال.........
ويؤكد ذلك بالثناء على مذهبه واشياخه ويعدد المشاهير منهم ويطريهم باللفاظ الفخمة الضخمة , ويذكر مثالب مخالفيهم , وإن كان يعلم انه لا يصح او انه باطل.
ومن اوضح الأمثال على قوة الهوى وغلبته للناس انك تجد الفرق الكثيرة المتباينة المختلفة مذاهب واديان وعقائد و ثم تجد بعد ذلك كل واحد منهم يزعم انه على الحق كما قال تعالى :
[[ كل حزب بما لديهم فرحون]]
وأيضا فإنك لا تجد من ينشأ على شيئ من ذلك ثم يرجع عنه الا القليل , وهؤلاء القليل تجد كثيرا منهم دفعتهم الدنيا وزخرفها على الخروج من المذهب الأول , فصادفوا الحق
السلحف السريع
20/05/2006, 06:54 PM
سؤال وجيه :
لماذا لم يجعل الله عز وجل جميع حجج الحق مكشوفة قاهرة لا تشتبه على احد, فلا يبقى الا مطيع يعلم هو وغيره انه مطيع , وإلا عاص يعلم هو وغيره انه عاص , ولا يصح منه إنكار ولا اعتذار؟؟
والجواب :
انه لو كان كذالك لكان الناس مجبورين على اعتقاد الحق فلا يستحقون عليه حمدا ولا كمالا ولا ثوابا و ولكانوا مكرهين على الاعتراف ,كمن كان في مكان مظلم فزعم ان ذلك الوقت ليل, وراهن على ذلك ففتحت الأبواب فاذا الشمس في كبد السماء , ولكانوا قريبا من المكرهين على الطاعة من عمل وكف و لفوات كثير من الشبهات التي يتعلل بها من يضعف حبه للحق فيغالط بها الناس ونفسه.
ولربما يقول القائل :
فان المؤمن اذا كان موقنا , كانت الحجة في معنى المكشوفة القاهرة في حقه ,أفلا يكون مثابا على ايمانه واترافه وطاعته؟؟؟؟؟؟
والجواب ان هناك فرقا بين هذا وذاك
1- ان الحجة لم تكن مكشوفة للمؤمن من اول الأمر ’ وانما بلغ تلك المنزلة بنظره وتدبره ورغبته في الحق ومخالفته الهوى, فيثبت له بذلك صدق حبه للحق وايثاره للهوى ’ فيستمر هذا الحكم له بعد انكشاف الحجة
وهو بمنزلة الظمآن الذي يطلب الماء حتى ظفر به ,فاراد ان يشرب فقال له ىخر مسلط : ان لم تشرب ضربتك او سجنتك , فهذا لا يقال فيه شرب مكرها بعد كل طلبه استفرغ من جهد ليشرب.
2--ان وضوح الحجة للمؤمن لا يستمر دون جهاد , لأن الشبهات لا تزال تراوده , لتحجب عنه الحق , والشهوات تمد الشبهات بالعون, فثباته على الإيمان لا يتاتى الا بجهاد تلك وتلك فهو لا يزال في مشقة.
السلحف السريع
20/05/2006, 07:24 PM
السلام عليكم
لنتابع
فإذا اقتضت حكمة الله ان لا تكون حجج الحق قاهرة كما مر معنا ’ كذلك اقتضت ان لا تكون الشبهات غالبة قاهرة .
قال تعالى :
[[ ولولا ان يكون الناس امة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون . ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكؤون . وزخرفا وان كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والاخرة عند ربك للمتقين]]
وذلك انه لو ان كل من كفر بالرحمان خصه الله بهذا النعيم دون المؤمنين لكتنت هذه شبهة قاهرة توقع الناس كلهم في الكفر
فتلخص ان حكمة الله اقتضت ان تكون هناك بينات وشبهات وأن لا تكون البينات قاهرة ولا الشبهات غالبة
فمن جرى مع فطرته من حب الحق ورباها ونماها و وتفقد مكامن الهوى في نفسه فحاربها واحترس منها , لم تزل تتجلى له البينات وتتضاءل عنده الشهوات , حتى يتجلى له الحق يقينا فيما يطلب فيه اليقين , ورجحانا فيما يكفي فيه الرجحان , وبذلك يثبت له الهدى ويستحق الفوز.
والحمد والكمال على ما يليق بالمخلوق , ومن اتبع الهوى وآثر الدنيا تبرقعت دونه البينات , واستهوته الشهوات والشبهات فالقت به الى حيث ألقت رحلها ام قشعم.
يتبـــــــع
السلحف السريع
20/05/2006, 07:38 PM
وهنا ايها الإخوان اود ان انقل لكم عشر امور مهمات
وذلك من كتاب القائد لعلامة اليمن عبد الرحمان بن يحيى المعلمي اليماني وهو جزء من كتاب التنكيل
أمور ينبغي للإنسان أن يقدم التفكير فيها ويجعلها نصب عينيه
أولاً:
التفكير في شرف الحق و ضِعَةِ الباطل: وذلك بأن يفكر في عظمة الله، وأنه رب العالمين، وأنه سبحانه يحب الحق ويكره الباطل، وأن من اتبع الحق استحق رضوان رب العالمين، فكان سبحانه وليه في الدنيا والآخرة، بأن يختار له كل ما يعلمه خيراً له وأشرف حتى يتوفاه راضياً مرضياً، فيرفعه إليه ويقربه لديه، ويحله في جوار ربه مكرماً منعماً في النعيم المقيم، والشرف الخالد، الذي لا تبلغ الأوهام عظمته.
وأن من أخلد إلى الباطل استحق سخط رب العالمين وغضبه وعقابه، فإن آتاه شيئاً من نعيم الدنيا؛ فإنما ذلك لهوانه عليه ليزيده بعداً عنه، وليضاعف له عذاب الآخرة الأليم الخالد الذي لا تبلغ الأوهام شدته .
ثانيًا:
يفكر في نسبة نعيم الدنيا إلى رضوان رب العالمين ونعيم الآخرة، ونسبة بؤس الدنيا إلى سخط رب العالمين وعذاب الآخرة: ويتدبر قول الله عز وجل :{ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ[31]أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ[32]وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ[33] وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ[34]وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ[35]}[سورة الزخرف] .
ويفهم من ذلك أنه لولا أن يكون الناس أمة واحدة؛ لابتلى الله المؤمنين بما لم تجر به العادة من شدة الفقر والضر والخوف والحزن وغير ذلك، وحسبك أن الله ابتلى أنبيائه وأصفيائه بأنواع البلاء .وعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنْ الزَّرْعِ تُفِيئُهَا الرِّيحُ تَصْرَعُهَا مَرَّةً وَتَعْدِلُهَا أُخْرَى حَتَّى تَهِيجَ وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الْأَرْزَةِ الْمُجْذِيَةِ عَلَى أَصْلِهَا لَا يُفِيئُهَا شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً] رواه البخاري ومسلم.
والمقصود من الحديث: تهذيب المسلمين، فيأنس المؤمن بالمتاعب والمصائب، ويتلقاها بالرضا والصبر والاحتساب، راجياً أن تكون له عند ربه، ولا يتمنى خالصاً من قلبه النعم ولا يحسد أهلها، ولا يسكن إلى السلامة والنعم ولا يركن إليها، بل يتلقاها بخوف وحذر وخشية؛ أن تكون إنما هيئت له لاختلال إيمانه، فترغب نفسه إلى تصريفها في سبيل الله، فلا يخلد إلى الراحة ولا يبخل، ولا يعجب بما أوتيه، ولا يستكبر ولا يغتر، ولم يتعرض الحديث لحال الكافر؛ لأن الحجة عليه واضحة على كل حال .
وعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً قَالَ: [الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ] رواه الترمذي وأحمد والدارمي.
وقد ابتلى أيوب بما هو مشهور . وابتلى يعقوب بفقد ولديه، وشدد أثر ذلك على قلبه فكان كما قصه الله في كتابه:{ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ[84]}[سورة يوسف] .
وابتلى محمد عليه وعليهم الصلاة والسلام بما تراه في السيرة، فكلفه أن يدعو قومه إلى ترك ما نشأوا عليه تبعاً لآبائهم من الشرك والضلال، ويصارحهم بذلك سراً وجهاراً، ليلاً ونهاراً، ويدور عليهم في نواديهم ومجتمعاتهم وقراهم، فاستمر على ذلك نحو ثلاث عشرة سنة، وهم يؤذونه أشد الأذى مع أنه كان قد عاش قبل ذلك أربعين سنة أو فوقها ولا يعرف أن يؤذي؛ إذ كان من قبيلة شريفة، في بيت محترم موقر، ونشأ على أخلاق كريمة احترمه لأجلها الناس ووقروه، ثم كان ذلك على غاية الحياء والغيرة وعزة النفس.
ومن كانت هذه حاله؛ يشتد عليه غاية الشدة أن يؤذى، ويشق عليه غاية المشقة الإقدام على ما يعرضه لأن يؤذى، ويتأكد ذلك في جنس ذاك الإيذاء: هذا يسخر منه، وهذا يسبه، وهذا يبصق في وجهه، وهذا يحاول أن يضع رجليه على عنقه إذا سجد لربه، وهذا يضع سلى الجزور على ظهره وهو ساجد، وهذا يأخذ بمجامع ثوبه ويخنقه، وهذا ينخس دابته حتى تلقيه، وهذا عمه يتبعه أنى ذهب يؤذيه، ويحذر الناس منه، ويقول : إنه كذاب، وإنه مجنون.
وهؤلاء يغرون به السفهاء، فيرجمونه حتى تسيل رجلاه دماً، وهؤلاء يحصرونه وعشيرته مدة طويلة في شعب ليموتوا جوعاً، وهؤلاء يعذبون من اتبعه بأنواع العذاب، فمنهم من يضجعونه على الرمل في شدة الرمضاء ويمنعونه الماء، ومنهم من ألقوه على النار حتى ما أطفأها إلا ودك ظهره، ومنهم امرأة عذبوها لترجع عن دينها فلما يئسوا منها طعنها أحدهم بالحربة في فرجها فقتلها.
كل ذلك لا لشئ إلا أنه يدعوهم إلى أن يخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الفساد إلى الصلاح، ومن سخط الله إلى رضوانه، ومن عذابه الخالد إلى نعيمه الدائم، ولم يلتفوا إلى ذلك مع وضوح الحجة، وإنما كان همهم أنه يدعوهم إلى خلاف هواهم .
ومن وجه آخر ابتلى الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن قبض أبويه صغيراً، ثم جده ثم عمه الذي كان يحامي عنه، ثم امرأته التي كانت تؤنسه، وتخفف عنه، ثم لم يزل البلاء يتعاهده صلى الله عليه وآله وسلم- وتفصيل هذا يطول- هذا وهو سيد ولد آدم، وأحبهم إلى الله عز وجل .
فتدبر هذا كله؛ لتعلم حق العلم ما نتنافس فيه ونتهالك عليه من نعيم الدنيا وجاهها ليس هو بشئ في جانب رضوان الله والنعيم الدائم في جواره، وأن ما نفرّ منه من بؤس الدنيا ومكارهها ليس هو بشيء في جانب سخط الله، وغضبه والخلود في عذاب جهنم، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ] رواه مسلم .
ثالثًا:
يفكر في حاله بالنظر إلى أعماله من الطاعة والمعصية: فأما المؤمن فإنه يأتي الطاعة راغباً نشيطاً لا يريد إلا وجه الله والدار الآخرة، فإن عرضت له رغبة في الدنيا فإلى الله فيما يرجو معونته على السعي للآخرة، فإن كان ولا بد ففيما يغلب على ظنه أنه لا يثبطه عن السعي للآخرة.
وهو على كل حال متوكل على الله، راغب إليه أن يختار له ما هو خير وأنفع، ثم يباشر الطاعة خاشعاً، مستحضراً أن الله يراه ويرى ما في نفسه، ويأتي بها على الوجه الذي شرعه الله، وهو مع ذلك كما قال الله تعالى:{...يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ[60]}[سورة المؤمنون]. فهو يخاف ويخشى أن لا تكون نيته خالصة، وذلك أن النية الصالحة قد تكون من قوي الإيمان، وقد تكون من ضعيفه، الذي إنما يطيع احتياطًا، وقد لا تكون خالصة بل يمازجها رغبة في ثواب الدنيا لأجل الدنيا، أورغبة في الآثار الطبيعية ككسر الشهوة حيث لا يشرع، وكتقوية النفس. وكمنفعة البدن كالذي يصوم ليصح، ويصلي التراويح لينهضم طعامه .
وكحب الترويح عن النفس كالذي يأتي الجمعة ليتفرج، ويلقى أصحابه، ويقف على أخبارهم . وكمراعاة الناس لكي يمدحوه، ويثنوا عليه، فيعظم جاهه، ويصل إلى أغراضه ولا يمقتوه... إلى غير ذلك من المقاصد. كالعالم يريد أن يراه الناس ويعظموه ويستفتوه، فيشتهر علمه ويعظم جاهه، وغير ذلك .
والمؤمن- ولو خلصت نيته في نفس الأمر- لا يستطيع أن يستيقن ذلك من نفسه . والمؤمن يخاف ويخشى أن لا يكون أتى بالطاعة على الوجه المشروع، وهكذا تستمر خشية المؤمن بالنظر إلى طاعاته السالفة، يرجو أن يكون قبلها الله بعفوه وكرمه، ويخشى أن يكون ردت لخلل فيها- وإن لم يشعر به- أو لخلل في أساسها وهو الإيمان .
هذه حال المؤمن في الطاعات، فما عسى أن تكون حاله في المعاصي؟ وقد قال الله تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ[201]وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ[202]}[سورة الأعراف].
فالمؤمن يتصارع إيمانه وهواه، فقد يطيف به الشيطان، فيغفله عن قوة إيمانه، فيغلبه هواه فيصرعه، وهو حال مباشرة المعصية ينازع نفسه، فلا تصفوا له لذتها، ثم لا يكاد جنبه يقع على الأرض، حتى يتذكر، فيستعيد قوة إيمانه، فيعض أنامله أسفاً وحزناً على غفلته التي أعان بها عدوه على نفسه، عازماً على أن لا يعود لمثل تلك الغفلة .
وأما إخوان الشياطين، فتمدهم الشياطين في الغي فيمتدون فيه، ويمنونهم الأماني فيقنعون، فمن الأماني أن يقول : الله قدره علي، فما شاء فعل .. قد اختلف العلماء في حرمة هذا الفعل، قد اختلفوا في كونه كبيرة، والصغائر أمرها هين .. لي حسنات كثيرة تغمر هذا الذنب .. لعل الله يغفر لي .. لعل فلاناً يشفع لي .. سوف أتوب !
وأحسن حاله أن يقول: أستغفر الله، ويرى أنه قد تاب ومحي ذنبه، قال الله تعالى:{ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ...[169]}[سورة الأعراف].
وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال:' إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا ' .
رابعًا :
يفكر في حاله مع الهوى: افرض أنه بلغك أن رجلاً سب إمامك، وآخر سب إماماً آخر، أيكون سخطك عليه وسعيك في عقوبته وتأديبه أو التنديد به موافقاً لما يقتضيه الشرع فيكون غضبك على الأول والثاني قريباً من السواء؟
افرض أنك قرأت آية فلاح لك منها موافقة قول لإمامك، وقرأت أخرى فلاح لك منها مخالفة قول آخر له، أيكون نظرك إليهما سواء، لا تبالي أن يتبين منها بعد التدبر صحة ما لاح لك، أوعدم صحته ؟
افرض أنك وقفت على حديثين لا تعرف صحتهما ولا ضعفهما، أحدهما يوافق قولاً لإمامك، والآخر يخالفه، أيكون نظرك فيهما سواء، لا تبالي أن يصح سند كل منهما، أويضعف ؟
افرض أنك نظرت في مسألة قال إمامك قولاً، وخالفه غيره، ألا يكون لك هوى في ترجيح أحد القولين، بل تريد أن تنظر لتعرف الراجح منها فتبين رجحانه؟
افرض أن رجلًا تحبه، وآخر تبغضه تنازعا في قضية، فاستفتيت فيها، ولا تستحضر حكمها، وتريد أن تنظر ألا يكون هواك في موافقة الذي تحبه؟
افرض أنك وعالماً تحبه، وآخر تكرهه أفتى كل منكم في قضية وأطلعت على فتويي صاحبيك فرأيتهما صواباً، ثم بلغك أن عالماً آخر اعترض على واحدة من تلك الفتاوى، وشدد النكير عليها، أتكون حالك واحدة سواء أكانت هي فتواك، أم فتوى صديقك، أم فتوى مكروهك ؟
افرض أنك تعلم من رجل منكراً وتعذر نفسك في عدم الإنكار عليه، ثم بلغك أن عالماً أنكر عليه وشدد النكير، أيكون استحسانك لذلك سواء فيما إذا كان المنكِر صديقك أم عدوك، والمنكَر عليه صديقك أم عدوك ؟
فتش نفسك تجدك مبتلى بمعصية أونقص في الدين، وتجد من تبغضه مبتلى بمعصية أونقص آخر ليس في الشرع بأشد مما أنت مبتلى به؟ فهل تجد إستشناعك ما هو عليه مساوياً لاستشناعك ما أنت عليه، وتجد مقتك نفسك مساوياً لمقتك إياه؟
وبالجملة فمسالك الهوى أكثر من أن تحصى، ولم يكلف العالم بأن لا يكون له هوى؟ فإن هذا خارج عن الوسع، وإنما الواجب على العالم أن يفتش نفسه عن هواها حتى يعرفه، ثم يحترز منه، ويمعن النظر في الحق من حيث هو حق، فإن بان له أنه مخالف لهواه؛ آثر الحق على هواه .
والعالم قد يقصر في الاحتراس من هواه ويسامح نفسه، فتميل إلى الباطل، فينصره، وهو يتوهم أنه لم يخرج من الحق ولم يعاده، وهذا لا يكاد ينجوا منه إلا المعصوم، وإنما يتفاوت العلماء:
فمنهم: من يكثر الاسترسال مع هواه: ويفحش حتى يقطع من لا يعرف طباع الناس، ومقدار تأثير الهوى بأنه متعمد.
ومنهم: من يقل ذلك منه ويخف: ومن تتبع كتب المؤلفين الذين لم يسندوا اجتهادهم إلى الكتاب والسنة رأسا؛ً رأى فيها العجب العجاب، ولكنه لا يتبين له إلا في المواضع التي لا يكون له فيها هوى، أو يكون هواه مخالفاً لما في تلك الكتب، على أنه إذا استرسل مع هواه زعم أن موافقيه براء من الهوى، وأن مخالفيه كلهم متبعون للهوى . وقد كان من السلف من يبلغ في الاحتراس من هواه حتى يقع في الخطأ الآخر، كالقاضي يختصم إليه أخوه وعدوه، فيبالغ في الاحتراس حتى يظلم أخاه، وهذا كالذي يمشي في الطريق ويكون عن يمينه مزلة فيتقيها ويتباعد عنها، فيقع في مزلة عن يساره !
خامسًا:
يستحضر أنه على فرض أن يكون فيما نشأ عليه باطل، لا يخلو عن أن يكون قد سلف منه تقصير أو لا : فعلى الأول: إن استمر على ذلك كان مستمراً على النقص ومصراً عليه، وذلك هو هلاكه، وإن نظر فتبين له الحق، فرجع إليه حاز الكمال، وذهبت عنه معرة النقص السابق، فإن التوبة تجب ما قبلها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وقد قال الله تعالى:{...إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ[222]}[سورة البقرة]. وفي الحديث: [ كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ] رواه الترمذي وابن ماجة والدارمي وأحمد.
وأما الثاني: وهو أن لا يكون قد سبق منه تقصير، فلا يلزمه بما تقدم منه نقص يعاب به البتة، بل المدار على حاله بعد أن ينبه، فإن تدبر وتنبه فعرف الحق فاتبعه فقد فاز، وكذلك إن اشتبه عليه الأمر فاحتاط، وإن أعرض ونفر؛ فذلك هو الهلاك .
سادسًا:
يستحضر أن الذي يُهمه، ويُسأل عنه هو حاله في نفسه : فلا يضره عند الله، ولا عند أهل العلم والدين والعقل أن يكون معلمه، أو مربيه، أو أسلافه، أو أشياخه على نقص، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يسلموا من هذا، وأفضل هذه الأمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورضى عنهم، وكان آباؤهم وأسلافهم مشركين . هذا مع احتمال أن يكون أسلافك معذورين إذا لم ينبهوا، ولم تقم عليهم الحجة .
وعلى فرض أن أسلافك كانوا على خطأ يؤاخذون به فاتباعك لهم وتعصبك لا ينفعهم شيئاً، بل يضرهم ضرراً شديداً، فإنه يلحقهم مثل إثمك، ومثل إثم من يتبعك من أولادك وأتباعك إلى يوم القيامة، كما يلحقك مع إثمك مثل إثم من يتبعك إلى يوم القيامة، أفلا ترى أن رجوعك إلى الحق هو خير لأسلافك على كل حال؟
سابعًا:
يتدبر ما يُرجى لمؤثر الحق من رضوان رب العالمين، وحسن عنايته في الدنيا، والفوز العظيم الدائم في الآخرة، وما يستحقه متبع الهوى من سخطه عز وجل، والمقت في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة: وهل يرضى عاقل لنفسه أن يشتري لذة اتباع هواه بفوات حسن عناية رب العالمين، وحرمان رضوانه، والقرب منه، والزلفى عنده، والنعيم العظيم في جواره، وباستحقاق مقته وعذابه الأليم؟
لا ينبغي أن يقع هذا حتى من أقل الناس عقلاً، سواء أكان مؤمناً موقناً بهذه النتيجة، أم ظاناً لها، أم شاكاً فيها، أم ظاناً لعدمها، فإن هذين يحتاطان، وكما أن ذلك الاشتراء متحقق ممن يعرف أنه متبع هواه، فكذلك من يسامح نفسه، فلا يناقشها ولا يحتاط .
ثامنًا:
يأخذ نفسه بخلاف هواها فيما يتبين له : فلا يسامحها في ترك واجب، أو ما يقرب منه، ولا في ارتكاب معصية، أوما يقرب منها، ولا في هجوم على مشتبه، ويروضها على التثبت والخضوع للحق، ويشدد عليها في ذلك حتى يصير الخضوع للحق ومخالفة الهوى عادة له .
تاسعًا :
يأخذ نفسه بالاحتياط فيما يخالف ما نشأ عليه : فإذا كان فيما نشأ عليه أشياء يرى أنه لا بأس بها، أو أنها مستحبة، وعلم أن من أهل العلم من يقول إنها شرك، أو بدعة، أو حرام، فيأخذ نفسه بتركها حتى يتبين له بالحجج الواضحة صحة ما نشأ عليه، وهكذا ينبغي له أن ينصح غيره ممن هو في مثل حاله، فإن وجدت نفسك تأبى ذلك، فأعلم أن الهوى مستحوذ عليها، فجاهدها .
واعلم أن ثبوت هذا القدر على المكلف أعنى أن يثبت عنده أن ما يدعى إليه أحوط مما هو عليه كاف في قيام الحجة عند الله عز وجل، وبذلك قامت الحجة على أكثر الكفار، فمن ذلك:
المشركون من العرب، لم يكن في دينهم الذي كانوا عليه تصديق بالآخرة، وإنما يدعون آلهتهم ويعبدونها للأغراض الدنيوية، مع علمهم أن مالك الضر والنفع هو الله وحده، ولذلك كانوا إذا وقعوا في شدة دعوا الله وحده، قال تعالى:{ وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ...[32]}[سورة لقمان].
وكانوا يرون من هو على خلاف دينهم لا يظهر تفاوت بينه وبينهم في أحوال الدنيا، وعرفوا فيمن أسلم مثل ذلك، ثم عرض عليهم الإسلام، وعرفوا على الأقل أنه يمكن أن يكون حقاً، وأنه إن كان حقاً ولم يتبعوه تعرضوا للمضار الدنيوية، وللخسران الأبدي في الآخرة، فلزمهم في هذه الحال أن يسلموا؛ لأنه إن كان الأمر كما بدا لهم من صحة الإسلام، فقد أخذوا منه بنصيب، وإلا فتركهم لما كانوا عليه لا يضرهم كما لا يتضرر من خالفهم، فلم يمنعهم من الإسلام إلا إتباع الهوى .
قال تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ[26]}[سورة فصلت] . وقال تعالى:{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ[52]}[سورة فصلت]. وقال تعالى:{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[10]}[سورة الأحقاف].
وتكذيبهم للحق وإعراضهم عنه بعد أن قامت الحجة عليهم بأن تصديقه واتباعه أحوط لهم وأقرب إلى النجاة؛ ظلم شديد منهم استحقوا به أن لا يهديهم الله إلى استيقان أنه حق، وهذا كما في قصة نوح، وقال تعالى:{...وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ[101]}[سورة الأعراف] . ونحوها في سورة يونس: { ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ[74]}. وقال عز وجل:{ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ[109]وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ[110]}[سورة الأنعام]. وفي [تفسير ابن جرير7 / 194]: '...عن ابن عباس قوله : {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ}... قال:' لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شئ وردت عن كل أمر'.
عاشرا
يسعى في التمييز بين معدن الحجج ومعدن الشبهات : فإنه إذا تم له ذلك؛ هان عليه الخطب، فإنه لا يأتيه من معدن الحق إلا الحق، فلا يحتاج إن كان راغباً في الحق، قانعاً به إلى الإعراض عن شئ جاء من معدن الحق، ولا إلى أن يتعرض لشيء جاء من معدن الشبهات، لكن أهل الأهواء قد حاولوا التشبيه والتمويه، فالواجب على الراغب في الحق أن لا ينظر إلى ما يجيئه من معدن الحق من وراء زجاجاتهم الملونة، بل ينظر إليه كما كان ينظر إليه أهل الحق . والله الموفق .
المعافري
21/05/2006, 06:53 AM
ولو أنني لم أقرأ الموضوع كاملا لضيق الوقت
لكن تشكر عليه وجزاك الله كل خير
عبدالله1
21/05/2006, 02:23 PM
جزاك الله خيراً على كتبت من درر .. فنسأل الله أن يكون هذا الموضوع هو المرجع الأول لكل من أراد الدخول في هذه السبلة حتى يتعلم كيف يؤثر الحق على نفسه وأهله وعشيرته ولا يجادل بالباطل والتعصب الذي ما أنزل الله به من سلطان .... ونرجوا له التثبيت .
السلحف السريع
21/05/2006, 02:59 PM
جزاك الله خيراً على كتبت من درر .. فنسأل الله أن يكون هذا الموضوع هو المرجع الأول لكل من أراد الدخول في هذه السبلة حتى يتعلم كيف يؤثر الحق على نفسه وأهله وعشيرته ولا يجادل بالباطل والتعصب الذي ما أنزل الله به من سلطان .... ونرجوا له التثبيت .
جزاك الله خيرا
المشاركة الأصلية بواسطة المعافري
ولو أنني لم أقرأ الموضوع كاملا لضيق الوقت
لكن تشكر عليه وجزاك الله كل خير
وجزاك الله أيضا خيرا
نرجو تثبيته لتعم الفائدة
المتحدي النبيل
21/05/2006, 03:54 PM
نعم الحق أحق أن يتبع ولكن تختلف الحقيقة من شخص لآخر فمثلا:الوهابي يعتبر مذهبه هو الحق وهو الأحق أن يتبع بعكس الاباضي.
فماذا تقصد بكلمة (الحق) وإلى من تشير بأنه حق أيها السلحف؟؟؟
السلحف السريع
22/05/2006, 12:44 AM
نعم الحق أحق أن يتبع ولكن تختلف الحقيقة من شخص لآخر فمثلا:الوهابي يعتبر مذهبه هو الحق وهو الأحق أن يتبع بعكس الاباضي.
فماذا تقصد بكلمة (الحق) وإلى من تشير بأنه حق أيها السلحف؟؟؟
الحمد لله
أنا وضعت هذا الموضوع واردت ان يكون بين يدي كل احد بغض النظر عن عقيدته
الموضوع لا يثير هذه الأمور كما هو ظاهر, والغاية منه تزهيد الناس في الهوى وتحبيب الحق اليهم , وهو لبنة قوية لدفع الناس الى الحق وتنميتهم على حبه وتعظيمه , وإيثاره على الهوى.
سييرشوغلاك
22/05/2006, 02:31 AM
شكرا على الموضوع .قرأت جزءا منه و ساكمل الباقي ان شاء الله
السلحف السريع
22/05/2006, 02:50 PM
شكرا على الموضوع .قرأت جزءا منه و ساكمل الباقي ان شاء الله
شكرا على المرور وإن كنا نرجوا من المشرفين تثبيته لأهميته ولتعم الفائدة
القعقاع بن عمرو
23/05/2006, 08:03 AM
السلام عليكم الأخ السلحف السريع
وتشكر على الموضوع ، وبخصوص الحق فالكلام الذي إقتبسته أنت من كتاب الحق الدامغ فهو عن صفة الكلام وليس عن خلق القرآن
سؤالي لك أخي الكريم ، إذا كنت أنت الأخ الشيضم، فكان من ((((( الحق))))) أن تبين لنا أنك الأخ الشيضم قبل أن نتحاور معك بإسمك الجديد بالسلحف السريع حتى لا نبدأ من (((الصفر))).
آسف أخي أمزح معك، والله يعلم وأنت تعلم أن حواراتي كلها حتى مع المخالفين ، وحتى مع المتعدين علينا لا تصب إلا في توضيح الحقيقة ولا أبتغي منها شيء إلا مرضاة الله.
ودمتم سالمين.
السلحف السريع
23/05/2006, 02:41 PM
السلام عليكم الأخ السلحف السريع
وتشكر على الموضوع ، وبخصوص الحق فالكلام الذي إقتبسته أنت من كتاب الحق الدامغ فهو عن صفة الكلام وليس عن خلق القرآن
سؤالي لك أخي الكريم ، إذا كنت أنت الأخ الشيضم، فكان من ((((( الحق))))) أن تبين لنا أنك الأخ الشيضم قبل أن نتحاور معك بإسمك الجديد بالسلحف السريع حتى لا نبدأ من (((الصفر))).
آسف أخي أمزح معك، والله يعلم وأنت تعلم أن حواراتي كلها حتى مع المخالفين ، وحتى مع المتعدين علينا لا تصب إلا في توضيح الحقيقة ولا أبتغي منها شيء إلا مرضاة الله.
ودمتم سالمين.
خفت ان يطردني المشرفون كما فعلوا بي في المرة السالفة :مفتر:
العجب العجاب1
24/05/2006, 03:41 PM
الموضوع مهم جدا
جزاك الله خيرا
ويستحق التثبيت
احسن الحديث
25/05/2006, 06:36 PM
اخي صاحب الموضوع،
الكل يعلم بان الحق اولى ان يتبع...
هل يتبع المسلمون الان الحق ؟ ام يتبعون احاديث تنسخ الحق؟ تأمل قوله تعالى :
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119) البقره
بحر الطلاسم
25/05/2006, 08:14 PM
خفت ان يطردني المشرفون كما فعلوا بي في المرة السالفة :مفتر:
:) لا يا اخي المشرفون لن يطردوك ان تمسكت بأصول الحوار السليم ,,,
على فكرة انا وانت وفور اسلام انطردنا شر طردة في نفس الوقت :D
سابقا انا corum ;)
vBulletin إصدار 3.8.11، كافة الحقوق محفوظة ©2000-2026، مؤسسة Jelsoft المحدودة.