المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : يا زمـان الــوصــل بالانــدلس


خلفان الزيدي
09/05/2006, 11:11 AM
في ليـال ٍ كتمـت سـر الهـوى
بعـض ممـا جـادت بـه ذاكـرة الانـدلـس


لم تكن الرحلة هذه جغرافية بقدر ما كانت تاريخية.. كان ولوجي المدينة ذات ربيع اندلسي.. محملا بروائح الماضي وعبقه.. معتقا بالحضارة المدفونة في خبايا المدينة.. وبالعشق المكنون في الصدور.. مثقلا بحلم يتحقق بعدما كان وصلها من هجيع الكرى.. او من الاماني المخبأة لزمن آت..
أتيها على نغم القصيد.. استعذب العشق الذي تبوح به.. واترنم بجادك الغيث إذا الغيث همى.. أتيها عاشقا.. واسكنها عاشقا.. ثم امضي.. كما انا.. عاشقا.. لا قلب جديد.. احمل عذاباتي وانكساراتي على ضياع مجدها/ مجدنا وعلى اندثار حضارتها/ حضارتنا.. وارحل كما الذين اتوها ذات زمن ومضوا.. تأخذهم الدروب لعوالم منسية من تاريخ ما عاد يعرف من صفحاته غير القليل..
ابوح عشقي للامكنة والشخوص.. اجد ذاتي تكابد عذابات العاشق.. وحدها تقاسي.. لا الذين تركوا اطلال حكاياتهم ورحلوا.. ادلف المدينة وفي فؤادي الف حكاية وحكاية.. ما عدت اقوى على سرد اي منها.. شغلتني حكاية المجد الذي ضاع.. والعشق الذي لم يكتمل..
لم اعد استطع ان اكتبها تاريخا.. بعدما اخذتني عاشقا.. اجول في ما تبقى من اطلال.. ابحث عن شخوص بعينها.. وحكايات بذات احداثها.. اكتب عن ابن زيدون وعن ولادة بنت المستكفي وعن طوق الحمامة وابن الجهم وابن الخطيب وعن الحنين والعشق الاندلسي.. اكتب عن قرطبة المدينة التي نست تاريخها.. ومحت بعض حضارتها.. واغفلت مجدها.. وبنت لذاتها مجدا آخر.. اكتب عن الفردوس المفقود.. وعن اطلال حضارة بزغت في غرناطة وقرطبة واشبيلية.. اكتب واكتب.. قبل يكتبني الرحيل..

خلفان الزيدي
09/05/2006, 11:12 AM
من على شرفة الفندق المطل على نهر الوادي الكبير، حيث كانت بقايا مسجد الجامع تلوح ببنائها الهندسي الفريد، تشمخ في عليائه اطلال مئذنة وبرج المسجد/ الكاتدارئية، كان ثمة مجموعة من المارة تتلذذ بمنظر انعكاس الصورة على صفحة الماء، وتقر عينها بمناظر خلابة تتكون على عدسات المنظار المنصوب على حافة النهر.
الوقت كان بعيد الشروق بقليل، الشمس ترسل اشعتها الذهبية كدابها قبل عشرات السنين، اعراق بشرية مختلفة جابت هذا المكان، لكن الشمس لم تفرق بين اجناسهم ولا الوانهم، ولم تفرق بين دياناتهم وطوائفهم، كانت تمنحهم جميعا بعضا من الدفء وتجدد النشاط في اجسامهم تأهبا لاستقبال يوم جديد.
كان المنظر برمته بديعا بحيث يشكل لوحة مزدانة بالمفردات، وكنت من على شرفة الفندق احفز نفسي للاندماج في هذه الصورة.. واكون جزءا منها افتش عن مفردة ضائعة وعن تاريخ منسي بدت اطلاله تعيد الحنين الى ايامه السالفة.
كانت رائحة المكان وسيرورته لا تشئ ان ثمة حوافر خيل مرت من هنا، ولا دلالة على ان الارض هذه اشرقت ذات حين بشمس العروبة والاسلام.. عدا الاسماء العربية المغلفة بين المعاني والاسماء الاسبانية كانت تقول شيئا آخر.. وكذلك نهر الوادي الكبير الذي ما زال يحتفظ باسمه العربي مارقا بين تخوم المدينة وتفاصيلها المعمارية ذات الطابع الاسلامي، وبقايا عشق تهمس به اللوحة الماثلة امامي تبعث الحنين في النفس وتعيد التذكر والحميمية للايام التي خلت حينما كانت هذه الارض وما حولها تكتب اجمل ابيات الشعر واروع حكايات البطولات وقصص العبقريات.. كنت وانا اتوحد مع سيرة المكان اردد ملتاعا مع الوزير لسان الدين ابن الخطيب.. جادك الغيث إذا الغيث همى.. يا زمان الوصل بالأندلس.. لم يكن وصلك إلا حلما في الكرى أو خلسة المختلس..

لكن وصلي بالاندلس لم يكن حلما ولا كان خلسة المختلس.. كان شوقا وعشقا منظورا ومحسوسا.. تأملت ما حولي من مفردات وصور.. كيما اتبين حقيقة وجودي.. هو ذا نهر الوادي الكبير.. على حافته اتأهب لبدء رحلة بحث عن الحبيبة الغائبة بين دروب المدينة وبين معالمها.. اروي القلب برحيق حبها.. واسكب على الفؤاد وجدها.. واحفر صورتها في ناظري.. اشتعل قربها نارا وعشقا.. انا المتيم منذ زمن بها.. المترقب زيارتها كل حين..
جادك الغيث اذا الغيث همى.. والاندلس باسطة رياضها.. ناشرة رياحينها.. ناثرة ورودها ترحب بالقادمين.. العائدين الى السيرورة الاولى.. لذاكرة غاب بريقها وما بقي منها غير الاطلال.. وبكائيات معلقة على الجدران وعلى القباب وبوابات الكنائس.. والنهر يعبر المدينة كما كان يعبرها من قبل.. منسوبه هذه المرة كان اقل من ان يعيق عبور الخيل وجيوش الغزاة او الفاتحين من العبور الى المدينة.. كان ما خلى من احداث وحكايات يبدو الآن اسطورة او غيبوبة راحت فيها المدينة ردحا من الزمن ثم صحت منها.. وانتفضت من واقعها ذاك الى واقع مغاير.. ومختلف في كل شىء.. حتى المساجد والجوامع التي اقيمت ذات زمن بعيد.. علقت على قباباها الاجراس في زمن تالي.. ورفع الصليب.. وتغيرت بعض ملامحها.. فلا يكاد المرء يفرق ما اذا كان المكان كنيسة او مسجد..

خلفان الزيدي
09/05/2006, 11:13 AM
غير ان رحلتي هذه.. كانت اكبر من رحلة بحث عن مجد ضائع.. وتاريخ منسي.. وشأن رفيع كنا نحن العرب عليه في زمن ولى وتولى بعيدا عنا.. كانت رحلة عشق تأخذني لعوالم التيه وعذابات المحبين.. للحب في اجل صوره.. وابلغ معانيه.. كنت وانا اطأ اول خطواتي في الاندلس استعيد نونية الوزير العاشق او الشاعر الوزير ابن زيدون.. واردد همس العشق معه.. بِنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا.. شوقا إليكم ولا جفت مآقينا.. نكاد حين تناجيكم ضمائرنا.. يقضي علينا الأسى لولا تأسينا..
كنت احلق مع الكلمات الى حيث يحملني النسيم.. والروض يضج باحاديث العشاق هؤلاء الذين كتبوا سيرة المدينة واضاؤا تاريخها.. الذين اتو بي الى هنا.. حيث القلب يناجي عذاله.. وحيث الفؤاد يتلذذ بالسقم.. كنت وانا امرق من مقر اقامتي في الفندق المطل على النهر الكبير وعلى جامع قرطبة.. احاول اقتفاء اثر العشاق.. وتتبع خطاهم.. والبحث عن محبوباتهم.. وكان ابن زيدون حاضرا في ذاتي.. في كل حركاتي وسكناتي.. احمل معي كلماته.. واستعيد عذاباته.. وتيممه بالاميرة الشاعرة.. او الجارية العاشقة ولادة بنت المستكفي.. كانت قصة العشق هذه رائعة بروعة قصص العشاق التي خلدها التاريخ.. وابت الاندلس الا ان تلج بوابته.. وتحفر اسم عشاقها بين صفحاته.. كانت القلوب واحدة.. كما هي نار العشق واحدة.. تضرم بلظها قلوب السهارى والمحبين.. الذين شاءت الاقدار ان تقف حائلا بينهم وبين ما تشتهي قلوبهم من اللقاء وتبادل احاديث الجوى..
كانت حكاية ابن زيدون وولادة بنت المستكفى واحدة من الحكايات التي خلدتها الاندلس قبل ان تغرب شمسها على سنابك خيل الطامعين والغزاة القادمين من اقاصي الغرب ومن الشمال.. وحدها من بقي بعدما اريقت الدماء ورفع السيف بوجه الموالين.. القابضين على جمر دينهم وعقيدتهم.. لم يبق شيئا من آثار وماثر الاندلس الا وطالته يد التغير والتبديل.. وامتدت إليه سيوف الغدر والانتقام..

خلفان الزيدي
09/05/2006, 11:14 AM
كانت كلمات أم أبي عبدالله الصغير آخر ملوك بني الأحمر في غرناطة التي باحت بها لابنها وهي تقرع تفريطه في ملكه: ابك مثل النساء ملكا مضاعا لم تحافظ عليه كالرجال.. آخر عهد لنا بالاندلس.. غير حكايات حب خالدة ما زالت تنبض بالحنين للايام التي سلفت.. وضاع مجدها وعزها بين صراع ملوك الطوائف والمدائن والامبراطوريات الفاردة اشرعتها مبحرة باعلامها الحمراء والصفراء والسوداء المتناحرة على الكراسي والممالك وعلى الجواري والنساء.. بينهم وبهم ضاعت الاندلس.. وغابت في لجة النزاع والحروب.. ضاعت كما ستضيع مدن ودول في تاريخ قادم.. لم نأخذ عبرة من الذي سبقه..
كان الحدث السياسي جلل في الذات.. يصعب على المرء نسيانه حتى وهو يدلف بوابات المدينة في رحلة الى عوالمها.. لم يبتغ الانشغال بالبحث فيه عن تاريخ مفقود.. والتحسر على الامجاد السالفة.. والعبور الى غياهب المجد الذي كان لنا هنا ذات مرة.. فصرنا غرباء عنه.. وتائهين بين حقيقة خروجنا/ انهزامنا وعودتنا الظافرة من جديد.. كان جل اهتمامي ومرادي وانا اتنفس من جديد كفاتح قادم من الشرق.. عبق الاندلس.. ورياحين روضها.. واستمع الى غناء الطير في الدوح.. والبلابل بين اغصان الشجر.. ان اعيش قصة عشق مع جارية اندلسية.. تقذف نحوي سلام عابر.. او رفة عين ناظرة.. اهيم بها عشقا ما ذرفت من كلمات.. كانت قصائد الوجد تتلبسني.. وكأني اجد امامي في شوارع وحدائق قرطبة شخوص بن الخطيب وبن وهبون وابن سهل الاندلسي واحمد عبد ربه وابو بكر محمد بن عمار وابن برد وابن هاني الاندلسي.. وبينهم كان للعاشق ابن زيدون مكانة خاصة في ذاتي.. كانت حياته بالنسبة لي صورة تجسد العشق الاندلسي في اسمى صوره وابلغ معانيه واجل تعبيراته.. كانت خطاه نبراسا للعاشقين.. وهدى للهائمين.. على سيرورته يمضى المحبين.. يلوكون كلماته.. ورياحين وجده.. وينثرون ابيات قصائده على لقاءتهم وعلى وداعياتهم..

خلفان الزيدي
09/05/2006, 11:15 AM
في صباحات قرطبة المفعمة بالحب النرجسي.. المزهرة بنبضات القلوب وعشق الافئدة.. وجدتني ابحث عن ابن زيدون.. افتش خطاه انا توجهت.. وانا قذفه الوجد والحنين الى محبوبته ولادة بنت المستكفي.. كانت اطلال وبقايا قصور الاندلس وعماراتها تشئ بالقصيد الذي بزغ هاهنا.. وفاحت ازاهيره بشذى الحب وعبيره.. وكانت طرقات قرطبة وهي تتبدل من حال الى آخر.. تتلبس وجد ابن زيدون.. سروره وألمه.. حزنه وفرحه.. وفي الجهة الاخرى كان صدى الحب يرتد من همس وكلمات وقصيد ولادة بنت المستكفي يتجسد حبا في كل نساء وكواعب الاندلس..
حتى الرياح الساكنة والهواء الدافي الممتزج بازاهير الرياض وعطر الكيذا.. كانت تلون صورة العاشق وهو يخط كلماته الى حبيبته.. وكانت تزهر بحروف القصيد.. ينطق حبا ويفيض وجدا.. فترتسم لوحة اخرى للاندلس الأمارة الضاجة بالاحداث والصراعات السياسية والطائفية.. كانت حكاية العشق تساير حكاية اخرى كتبتها الاندلس بدماء الغدر والانتقام..
في قرطبة امضي اتنفس مجد الامبراطورية الاسلامية مترسخة الجذور، ممتدة الاغصان، يانعة الثمار، شذية الرائحة.. كانت الاندلس الوجه المشرق للاسلام وهو يلج بوابات الغرب.. ويقدم صورة الحضارة الناصعة، والتسامح الديني، والنموذج الامثل، في ادارة الدولة، وتنمية مواردها، وتفعيل دورها، ورعاية العلوم والمعارف.. وتنشيط دور العلماء والمفكرين والادباء.. كانت الاندلس صورة للحضارة الاسلامية في اوج عصورها وازهى فتراتها.. كانت كما بغداد والبصرة والكوفة ودمشق والقاهرة ومدن وامارات اسلامية مترامية الاطراف، متباعدة المسافات، تسطع بالتقدم الفكري والحضاري.. وتقدم البرهان على النبوغ والسطوع العلمي والحضاري لشمس الاسلام وهي تضئ الارض وتشع بالمعاني والقيم الانسانية والاخلاقية الرفيعة..

خلفان الزيدي
09/05/2006, 11:32 AM
كان لفظ القصيد في الصورة الاخرى ينبض بالمعاني الدفينة في الذات.. تلك التي تحفز على الابداع وعلى التأمل.. وعلى معايشة الحياة بصورتها المتأنقة.. حيث تتوالى الايام والليالي السعيدة والحزينة.. البهيجة والتعيسة.. الود والهجران.. اللقاء والفراق.. وجل هذه المتناقضات تعطي الحياة طعمها ومذاقها الذي نفتقده لو غاب اي منه..
وبين هذه الصورة وتلك.. وبين كلمات القصيد الضاجة بالحنين.. وبالوجد.. وبالفخر والمدح.. وبالرثاء والتباكي.. كانت حكاية ابن زيدون تبرز لتروي قصة عاشقين اتعبهما الحنين واضناهم الوجد.. كان اللقاء بينهما محكوم بالسياسة والمواقف المحيطة بهما والظروف التي تسمح في آن وتآبى في آن آخر..
كنت في قرطبة كما كان المتنبي ذات يوم في شعب بوان.. تجمعنا صفات الغربة والاغتراب.. كنت صورة منه.. غريب الوجه واليد واللسان.. وجدتني لا اعرف من الاندلس غير حكاية عشق مختبئة بين طرقات المدينة وبين اشجار الفواكهة والصنوبر والبلوط الساكنة على رائحة الياسمين والخزامى.. اجر اقدامي متبعا آثر العاشقين.. تأخذني الكلمات حيث الصبر سمة المحبين.. وعنوان الفراق.. انتشئ وانا استمع الى بديع القصيد.. واترنم بموسيقى اللحن.. ودع الصبر محب ودعك ذائع من سرّه ما استودعك.. يا أخا البدر سناء وسنا.. حفظ اللّه زمانا أطلعك.. إن يطل بعدك ليلي فلكم.. بت أشكو قصر الليل معك..
كان قربي من مرابع العشاق.. ووقوفي على اطلالهم.. حيث حديقة الاندلس غناء بهكذا حكايات.. يؤجج نار الوجد في صدري.. ويضج الحنين في انفاسي.. حتى كأني اتجرع المر.. والوك الصبر.. واكتوي بالسقم انا الذي اقف على مواطئ العشاق وانفاس المحبين.. واعيد سيرورة اللقاء.. وخفقات القلوب وهي تنبض بكلمات العشق والوله.. وتقذف اول الحنين.. في نظرات العيون الاولى.. حيث تهدأ العاصفة.. وتتوقف البلابل عن الدوح.. لتستمع الى كلمات القصيد.. ما جال بعدك لحظي في سنا قمر.. إلا ذكرتك ذكر العين بالأَثر.. فهمت معنى الهوى من وحي طرفك لي.. إن الحوار لمفهوم من الحور..

خلفان الزيدي
09/05/2006, 11:35 AM
كان القلب المتلقي لهذه الكلمات.. يضج بمعاني القصيد.. ويلون نبضاته بالألم الأتي مع الفراق.. كان مجلس ولادة بنت المستكفي.. فرصة سانحة للقاء العاشقين.. للمعاني الجميلة.. التي يخلدها اللقاء.. حيث تتطاير الرسائل الشعرية لتعبر عن وجد ولهفة كل منهما للاخر.. وعن الحب الذي يكبر يوما بعد آخر.. كانت المراسلات تبحث عن فرصة للقاء.. بعيدا عن المجلس.. وعن عيون الواشين..
كانت كلمات الحب تشتعل نارا بين انفاسهم.. تتوهج برياحين الكلمة.. بالمشاعر والاحاسيس المكنونة في القلوب.. وبالمعاني التي تتدفق حبا وحنينا.. في حديقة الاندلس.. وجدت بعض من هذه المشاعر.. كلمات قصيد محفورة على شاهدين.. وكأنهما ما بقى من الحكاية.. في احداهما كتب مذيلا باسم ولادة بنت المستكفي.. أخاف عليك، من عيني ومني، ومنك, ومن زمانك, والمكان.. ولو اني خبأتك في عيوني إلى يوم القيامة ما كَفاني.. فيرد الشاهد المقابل لها ببيت ابن زيدون.. يا من غدوت به في الناس مشتهرا قلبي.. عليك يقاسي الهم والفكرا.. إن غبت لم ألق إنسانا يؤنسني.. وإن حضرت فكل الناس قد حضروا..
وحين يرحل العشاق.. تبقى الكلمات تتردد كما ارواحهم تهيم بالمكان.. تفتش عن امكنة اللقاء.. وتتحين فرصة التواري عن العيون.. حيث العشق ينبض من جديد.. وحيث لا حدود للتشاكي.. وبث لوعات الفراق..
يرحل العشاق.. كما رحلوا ذات مساء.. وتصدح الحكاي.. بالاتي من الاحداث.. حيث تبلغ عذابات القلوب اقصى مداها.. حينما يلج الى خدر الحكاية الوزير ابن عبدوس.. ويكون عقبة امام العاشق للوصول الى حبيبته.. فيشتعل صدره جمرا.. وهو يرى محبويته في احضان ابن عبدوس.. تخصه بالقصيد دون غيره.. والعاشق الاول يهيم على وجهه في الممالك والامصار.. يقارع المؤامرات ويقود المعارك.. تأخذه السياسة الى عوالمها دون ان تفارق قلبه صورة الحبيبة.. يبكيها ليلا ونهارا.. يتذكرها في المرابع والبساتين.. وكلما شدت البلابل.. وغنت الجداول.. كلما اشرقت شموس.. ولاحت الاقمار.. كان حبه لولادة يكبر كما الوهن الذي يأتي على جسده.. لا يبقى منه باقية..

واحد عربي
09/05/2006, 11:54 AM
كانت الأمة العربية في رقي وإزدهار ما بعده رقي....
حتى الأجانب كانوا يفتخرون حين يتكلمون بالعربية
أما الان :(
فبالعكس للأسف

شكرا أخي على الموضوع الرائع

الصقر الذهبي
09/05/2006, 12:20 PM
مرحبا بعودة قلمك أخي خلفان للكتابة هنا

وقفت بالحمراء مستعبرا معتبرا أندب أشتاتا
فقلت يا حمراء هل رجعة قالت وهل يرجع من ماتا
فلم أزل أبكي على رسمها هيهات يجدي الدمع هيهاتا

رقم
09/05/2006, 12:51 PM
جميل ان نعيش في التاريخ ولكن الاجمل ان تستخلص العبر منه ،،

خلفان الزيدي
09/05/2006, 01:15 PM
كانت الأمة العربية في رقي وإزدهار ما بعده رقي....
حتى الأجانب كانوا يفتخرون حين يتكلمون بالعربية
أما الان :(
فبالعكس للأسف

شكرا أخي على الموضوع الرائع

اخي العزيز "واحـد عربي"
شكرا لمرورك الجميل على كلمات الوجع العربي الذي ما برح يفارقنا..

ولك اخي العزيز اقول كما قال ابو البقاء الرندي في رثاء الاندلس من قصيدة طويلة :

لكل شيء إذا ما تم نقصان * فلا يغر بطيب العيش إنسان

هي الأمور كما شاهدتها دولٌ * من سرَّهُ زمنٌ ساءته أزمانُ

خلفان الزيدي
09/05/2006, 01:26 PM
مرحبا بعودة قلمك أخي خلفان للكتابة هنا

وقفت بالحمراء مستعبرا معتبرا أندب أشتاتا
فقلت يا حمراء هل رجعة قالت وهل يرجع من ماتا
فلم أزل أبكي على رسمها هيهات يجدي الدمع هيهاتا

اشكر ترحيبك اخي الصقر الذهبي.. رغم انني متواجد معكم وبينكم.. استقي من معين الافكار التي تنضحون بها في هذا المكان الزاد لي.. واسجل استفادتي المرة تلو الاخرى..

جميلة تلك الكلمات التي ضمنتها في ردك على الموضوع.. واجدني اشاطرك الألم.. لكن البكاء على ما فات لا يجدي.. وهيهات ان يعود الذي مضى.. ما يهمنا من تاريخ الاندلس ان نستعيد مجدنا وتاريخنا الثقافي والحضاري الذي بزغت شمسه هناك بضياء عربية اسلامية.. كم من الاسماء التي نجهلها ولا نعي انها صناعة عربية اسلامية خالصة نبتت في رياض الاندلس..

وبذا فحين واتتني فكرة الكتابة عن رحلة سابقة الى الاندلس.. لم اجد سوى استجلاب بعض الشخوص التي ولدت ونمت هناك.. وكان ابن زيدون هو الاقرب لي باعتبار المأساة والاحداث التي غلفت حياته والتي ساحاول الاتيان عليها في هذا النص الذي لم يكتمل بعد..

اعدك استكماله قريبا.. رغم ان المشاغل كثيرة.. لكن ابن زيدون يستحق هذا الاهتمام.. وهذه الوقفة والاسترجاع الجميل لزمان الوصل.. ونسائم الاندلس..

الصقر الذهبي
09/05/2006, 02:03 PM
اشكر ترحيبك اخي الصقر الذهبي.. رغم انني متواجد معكم وبينكم.. استقي من معين الافكار التي تنضحون بها في هذا المكان الزاد لي.. واسجل استفادتي المرة تلو الاخرى..

جميلة تلك الكلمات التي ضمنتها في ردك على الموضوع.. واجدني اشاطرك الألم.. لكن البكاء على ما فات لا يجدي.. وهيهات ان يعود الذي مضى.. ما يهمنا من تاريخ الاندلس ان نستعيد مجدنا وتاريخنا الثقافي والحضاري الذي بزغت شمسه هناك بضياء عربية اسلامية.. كم من الاسماء التي نجهلها ولا نعي انها صناعة عربية اسلامية خالصة نبتت في رياض الاندلس..

وبذا فحين واتتني فكرة الكتابة عن رحلة سابقة الى الاندلس.. لم اجد سوى استجلاب بعض الشخوص التي ولدت ونمت هناك.. وكان ابن زيدون هو الاقرب لي باعتبار المأساة والاحداث التي غلفت حياته والتي ساحاول الاتيان عليها في هذا النص الذي لم يكتمل بعد..

اعدك استكماله قريبا.. رغم ان المشاغل كثيرة.. لكن ابن زيدون يستحق هذا الاهتمام.. وهذه الوقفة والاسترجاع الجميل لزمان الوصل.. ونسائم الاندلس..

لا تكاد تذكر قرطبة إلا ويذكر أبن زيدون ، فكما هي العلاقة بين سيف الدولة والمتنبي فكذلك العلاقة بين أبن زيدون وقرطبة
في ليال كتمت سر الهوى في الدجى لولا شموس الغرر
مال نجم الكأس فيها وهوى مستقيم السير سعد الأثر
وطر ما فيه من عيب سوى أنه مر كلمح البصر
حين لذ النوم شيئا أو كما هجم الصبح هجوم الحرس
غارت الشهب بنا أو ربما أثرت فينا عيون النرجس

خلفان الزيدي
10/05/2006, 01:44 PM
لا تكاد تذكر قرطبة إلا ويذكر أبن زيدون ، فكما هي العلاقة بين سيف الدولة والمتنبي فكذلك العلاقة بين أبن زيدون وقرطبة
في ليال كتمت سر الهوى في الدجى لولا شموس الغرر
مال نجم الكأس فيها وهوى مستقيم السير سعد الأثر
وطر ما فيه من عيب سوى أنه مر كلمح البصر
حين لذ النوم شيئا أو كما هجم الصبح هجوم الحرس
غارت الشهب بنا أو ربما أثرت فينا عيون النرجس

اضف اليك شيئا آخر اخي الصقر الذهبي.. فالعلاقة التي ذكرتها بين ابن زيدون وقرطبة انفرط عقدها كما انفرط عقد العلاقة بين سيف الدولة والمتنبي.. فقرطبة التي وهبها ابن زيدون حياته.. وقلبه انقلبت بعد حين عليه.. فما وجد من ولادة غير الصد والتجافي.. وما وجد من ابن جهور الذي اسهم ابن زيدون في تدعيم مملكته وترسيخ بنيانها بالقضاء على الفتن والمؤامرات التي واجهتها.. غير السجن والتناسي.. ولعلنا نتذكر في هذا المقام كيف حاول ابن زيدون استعطاف ابن جهور ليعفو عنه ويطلق سراحه.. وكتب في ذلك الكثير من اشعار المديح وحتى النثر الجزيل.. لكن ابن جهور ظل على موقفه.. مما دفع ابن زيدون الى هجائه في قصائد تالية..
كل ذلك يحيلنا الى الاهمية والفرادة التي تشكلها حياة ابن زيدون والتي ما زال الكثير من جوانبها خافيا علينا.. لا نعرف من ماهيته غير ما يرد إلينا في المصادر التاريخية والمراجع الادبية التي هي بحاجة الى استقصاء اكثر واعادة قراءة بصورة اوسع كيما نكشف جانبا مهما من تاريخنا وشخوصنا.. واخيرا اتذكر في هذا المقام كلمات ابن زيدون وهو يلخص حياته في بيتي شعر من قصيدة طويلة.. يقول فيها

لقد جازيت غدرا عن وفائي.. وبعت مودة ظلما ببخس
ولو ان الزمان اطاع حكمي.. فديتك من مكارهه بنفسي

افبعد كل ذلك الا تستحق مثل هكذا شخصية الوقوف امامها.. واعادة قراءتها بما هو متاح ومتوفر لدينا على الاقل؟.

النور الوضاح
10/05/2006, 04:12 PM
ترحيب بكاتبنا الرائع خلفان الزيدي

ولنا عودة الى الموضوع

يثبت

تحياتي

خلفان الزيدي
12/05/2006, 06:19 PM
جميل ان نعيش في التاريخ ولكن الاجمل ان تستخلص العبر منه ،،

عزيزي رقـم
في زحمة التذكر والعودة التاريخية.. نسيت الترحيب بكلماتك.. بالحكمة التي نطقتها حروفك حول استخلاصنا العبر من التاريخ.. لكن يا عزيزي من يسمع.. من؟؟

خلفان الزيدي
12/05/2006, 07:15 PM
ترحيب بكاتبنا خلفان الزيدي

ولنا عودة الى الموضوع

يثبت

تحياتي

لك سيدي النور الوضاح اصدق الامتنان.. على حفاوة الترحيب.. واترقب بكل شوق ولهفة عودتك للموضوع.. كيما تتحقق استفادتي.. وتكون لي عونا في القادم من الكلمات في هذا النص..

كما اتمنى ان يحظى موضوع الاندلس بقراءة واسعة من كل النواحي.. وتكون هذه المساحة من السبلة مجالا لهكذا قراءات.. ذلك اننا حتى الآن لم نعط الاندلس بمدلولها التاريخي والجغرافي حتى الآن ـ من وجهة نظر شخصية ـ حقها من البحث وننصفها ايما انصاف.. برغم ان وجودنا كعرب ومسلمين فيها امتد لثمانية قرون كانت فيه ـ الاندلس ـ مشعة بالعلوم والفكر والاداب.. ويكفينا ان نتتبع سيرة شخصية وعلم من اعلام الاندلس وتأثيره الممتد لعصرنا الآني.. لنتبين عظمة الذين دخلوا الاندلس ورفعوا فيها راية الحضارة العربية الاسلامية..

اقول اننا لم ننصف كعرب ومسلمين الاندلس او نعطيها حقها من البحث برغم كمّ الاستشهادات التي ترد في قصيد وكتابات واعمال بعض الشعراء والادباء والكتاب وحتى الفنانيين المعاصرين.. الذين نظروا للاندلس نظر المتأسف على اندثار شواهد الحضارة والتقدم والاثار الاسلامية وضياع نسبها في مجاهيل التاريخ.. دون ان يكون لهذا الضياع تأثيره على التالي من الاحداث التاريخية..

سأقول لك على رأيته في قرطبة.. وهو ان الاسبان في هذه المدن ينظرون الى لحظة ضياع وانفرط لؤلؤة الاندلس من عقد الجغرافية الاسلامية بأنه تحرير وعودة للروح الحقيقية التي تتسم بها المدينة.. رغم انها في تاريخها ذاك كانت تعتبر رمزا للتعايش السلمي، وسمة للتقدم المدني والحضاري وتطور العلوم الانسانية والفكرية في الوقت الذي كانت اوروبا تعيش عصورها الوسطى.. واعتقد ان مرد هذه النظرة الاسبانية هو ضعف التواصل والتنوير والتعريف بالدور العربي والاسلامي المشرف الذي كان في المدينة.. وتباطوء دور الكتاب والمفكرين العرب في القيام بهذا الدور.. رغم عدم انكار ما تم تحقيقه من ابراز للشخصيات والاحداث الاندلسية بثيمات ورؤى فكرية وادبية وفنية.. لكنني اقول اننا بحاجة الى المزيد.. والمزيد هنا تتعدى الكتابة والنبش في الاحداث والشخوص التاريخية الى التواصل مع الغرب من اجل تقاسم النظرة الايجابية للتاريخ الذي سطعت شمسه في على جزء هام من الاندلس مع عدم اغفال الجوانب السلبية التي ادت في نهاية المطاف الى نشوب الحروب وظهور المؤامرات والفتن والانقسامات بين الامراء ذاتهم وصراعهم على كراسي الحكم وانكفائهم بالملذات على حساب تقوية بنيان ممالكهم..

من كل ذلك.. اعتقد اننا بحاجة الى قراءة اوسع واطلاع اشمل لتاريخ الاندلس.. واعادة الاعتبار للكثير من شخوصها واحداثها التي ظلمها التاريخ بالتجافي تارة والنسيان تارة اخرى..

الصقر الذهبي
13/05/2006, 11:41 AM
الحقيقة أن أبن زيدون قد أعجبني شاعرا وناثرا ، فلا زلت أذكر رسالتيه الجدية والهزلية واللتان أعجبتاني كثيرا ، ولقد بحثت طويلا عن الرسالة الهزلية ولكن لم أستطع إيجادها

خلفان الزيدي
13/05/2006, 11:56 AM
الحقيقة أن أبن زيدون قد أعجبني شاعرا وناثرا ، فلا زلت أذكر رسالتيه الجدية والهزلية واللتان أعجبتاني كثيرا ، ولقد بحثت طويلا عن الرسالة الهزلية ولكن لم أستطع إيجادها

الرسالة الهزلية: كتبها ابن زيدون على لسان ولادة بنت المستكفي إلى ابن عبدوس وقد حمل عليه فيها، وأوجعه سخرية وتهكمًا، وتتسم هذه الرسالة بالنقد اللاذع والسخرية المريرة، وتعتمد على الأسلوب التهكمي المثير للضحك، كما تحمل عاطفة قوية عنيفة من المشاعر المتبانية: من الغيرة والبغض والحب، والحقد، وتدل على عمق ثقافة ابن زيدون وسعة اطلاعه..

وهذا نصها:

أما بعد أيها المصاب بعقله، المورط بجهله، البين سقطه، الفاحش غلطه، العاثر في ذيل اغتراره، الأعمى عن شمس نهاره، الساقط سقوط الذباب على الشراب، المتهافت تهافت الفراش في الشهاب، فإن العجب أكذب، ومعرفة المرء نفسه أصوب، وإنك راسلتني مستهدياً من صلتي ما صفرت منه أيدي أمثالك، متصدياً من خلتي لما قرعت دونه أنوف أشكالك، لقد خيلت أن قارون أصاب بعض ما كنزت، والنطفَ عثر على فضلِ ما ركزت، وكسرى حمل غاشيتك، وقيصر رعى ماشيتك، والإسكندر قتل داراً في طاعتك، وأردشير جاهدَ ملوك الطوائف بخروجهم عن جماعتك، والضحاك استدعى مسالمتك، وجذيمة الأبرش تمنى منادمتكَ، وشيرين قد نافست بوران فيكَ، وبلقيسَ غايرت الزباء عليك، وأن مالك بنْ نُويرةَ إنما أردف لكَ، وعروةَ بن جعفرَ إنما رحلَ إليكَ، وكليب بن ربيعة إنما حمى المرعى بعزتكَ، وجساساً إنما قَتلهُ بأنفتكَ، ومهلهلاً إنما طُلبَ ثأرهُ بهمتكَ، والسموءلَ إنما وفى عن عهدكَ، والأحنفَ إنما احتبى في بردتكَ، وحاتماً إنما جادَ بوفركَ، ولقي الأضياف ببشركَ، وزيدَ بن مهلهلٍ إنما ركبَ بفخذيكَ، والسليك بن السلكةِ إنما عدا على رجليكَ، وعامر بن مالكٍ إنما لاعب الأسنة بيديك، وقيس بن زهيرٍ إنما استعان بدهائكَ، وإياس بن معاوية إنما استضاء بمصباح ذكائكَ، وسحبان إنما تكلمَ بلسانك، وعمرو بن الأهتم إنما سَحرَ ببيانكَ، وأن الصلحَ بين بكرٍ وتغلبَ تم برسالتكَ، والحمالات بين عبسٍ وذبيان أسندت إليه كفالتكَ، وأن احتيال هرمٍ لعلقمة وعامرٍ حتى رضيا كان ذاك عن إشارتكَ، وجوابهُ لعمر وقد سأله عن أيهما كان ينفرُ وقع عن إرادتكَ، وأن الحجاج تقلدَ ولاية العراق بجدكَ، وقتيبة فتحَ ما وراء النهر بسعدكَ، والمهلبَ أوهن شوكة الأزارقة بيدكَ، وفرقَ ذات بينهم بكيدكَ، وأن هرْمسَ أعطى بلينوس ما أخذ منك، وأفلاطون أورد على إرسط طاليسَ ما نقلَ عنكَ، وبطليموس سوى الإصطرلابَ بتدبيركَ، وصور الكرة على تقديركَ، ويقراط علم العلل والأمراضَ بلطفِ حسكَ، وجالينوس عرفَ طبائعَ الحشائش بدقةِ، حدْسكَ، وكلاهُما قلدك في العلاج، وسألكَ عن المزاج، واستوصفك تركيبَ الأعضاء، واستشاركَ في الداء والدواء، وأنك نهجتَ لأبي معشر طريق القضاء، وأظهرتَ جابر بن حيان على سير الكيمياء، وأعطيت النظام أصلاً أدْركَ به الحقائق، وجعلتَ للكِندي رسماً استخرجَ به الدقائقَ، وأن صناعة الألحان اختراعُكَ، وتأليف الأوتارِ والأنقار توليدكَ وابتداعُكَ، وأن عبدالحميد بن يحيى باري أقلامكَ، وسهلَ بن هارون مدونَ كلامِكَ، وعمرو بن بحرٍ مْستمليكَ، ومالك بن أنس مْستفتيكَ، وأنك الذي أقام البراهين، ووضع القوانينَ، وحَد الماهية، وبين الكيفية والكمية، وناظرَ في الجوهرِ والعرض، وميز الصحةِ من المرض، وفكَ المُعمى، وفصلَ بين الاسم والمُسمى، وصرف وقسم، وعدلَ وقومَ، وصنفَ الأسماء والأفعالَ، وبوب الظرفَ والحال، وبنى وأعْربَ، ونفى وتعجب، ووصلَ وقطعَ، وثنى وجمعَ، وأظهرَ وأضمرَ، واستفهمَ وأخبرَ، وأهملَ وقيدَ، وأرسلَ وأسندَ، وبحثَ ونظرَ، وتصفحَ الأديانَ، ورجحَ بين مذهبي ماني وغْيلانَ، وأشار بذبح الجعْد، وقتل بشار بن بُرد، وأنك لو شئتَ خرقت العاداتِ، وخالفت المعهودات، فأحلتَ البحار عذبة، وأعدتِ السلام رطبة، ونقلتَ غداً فصار أمساً، وزدتَ في العناصر فكانت خمْساً، وأنك المقول فيه:
كل الصيدِ في جوفِ الفرا
ليس على الله بمُستنكرٍ
أن يجْمعَ العالمَ في واحدِ
والمعني بقول أبي تمام:
فلو صورت نفسكَ لم تزدها
على ما فيك من كرم الطباع
والمُرادُ بقول أبي الطيب:
ذكر الأنامُ لنا فكان قصيدةً
كُنت البديعَ الفردَ من أبياتِها
فكدمْتَ في غير مكدمْ، واستسمنتَ ذا ورم، ونفخَتَ في غير ضرم، ولمْ تجد لريحٍ مهزاً، ولا لشفرةٍ محزاً، بلْ رضيت من الغنيمةِ بالإيابِ، وتمنيتَ الرجوع بخُفي حُنين، لأني قلتُ: لقد هانَ من بالتْ عليه الثعالبُ وأنشدتُ:
على أنها الأيامُ قد صرن كُلها
عجائبُ، حتى ليس فيها عجائبُ
ونخرتُ وبسرتُ، وعبستُ فكفرتُ، وأبدأتُ وأعدتُ، وأبرقتُ وأرعدتُ وهممتُ ولمْ أفعلْ وكِدتُ وليتني، ولولا أن للجوار ذمة، وللضيافة حرمة، لكان الجوابُ في قذال الدمُستق والنعلُ حاضرة إن عادت العقربُ، والعقوبة ممكنة إن أصر المذنب.

ماجده
13/05/2006, 02:35 PM
من ابداع الى ابداع عزيزي خلفان ..........دمت بخير

اندرتيكر
13/05/2006, 02:47 PM
مرحبتين بالاستاذ الجليل صاحب المعلقات الاندلسية..:D
ليس مستغربا على اناملك التي اعتادت على هكذت مواضيع شيقة وهذا متوقع من شخص مميز بحجم خلفان الزيدي "راعي نزوى":عيار: ... تمنيت لك ان يكون التوفيق حليفك صديقي وعاد خلي عنك هذي المواضيع الطويلة اللي يبالها يومين علشان نقراها:o

خلفان الزيدي
13/05/2006, 03:05 PM
مرحبتين بالاستاذ الجليل صاحب المعلقات الاندلسية..:D
ليس مستغربا على اناملك التي اعتادت على هكذا مواضيع شيقة وهذا متوقع من شخص مميز بحجم خلفان الزيدي "راعي نزوى":عيار: ... تمنيت لك ان يكون التوفيق حليفك صديقي وعاد خلي عنك هذي المواضيع الطويلة اللي يبالها يومين علشان نقراها:o

عزيزي اندرتيكر..
تشرفت بمرورك هنا.. والوقوف على المعلقة الاندلسية ـ كما تسميها انت ـ واتمنى ان يكون الموضوع ـ برغم انه لم يكتمل ـ فعلا ـ كما ذكرت ـ شيقا ويأخذ من وقتك يومين لقرأته.. وعلى الذي تقرأه انت في يومين.. اكتبه انا في شهرين او اكثر.. ذلك ان الفكرة تخونني في بعض الاحيان.. واجد قلمي عاجزا عن التعبير عما يجيش بصدري وعن الافكار التي تراودني بكرة وعشيا.. ولا سبيل لدي للراحة النفسية والهروب من العالم الملئ بالمتناقضات والصراعات والاختلافات الا الكتابة التي هي جل ما املك في هذه الحياة.. فهل تريدني يا سيدي ان اتوقف عنها..

حسنا سأتوقف عن الكتابة .. ولكن حالما يتوقف نبض الحياة في جسدي.. اعدك بذلك.

خلفان الزيدي
13/05/2006, 03:09 PM
من ابداع الى ابداع عزيزي خلفان ..........دمت بخير

شكرا لاطرائك سيدتي ماجـده.. ولكي تحية المرور على اطلال الاندلس وعلى هلوسة كلمات العاشق في رحاب ابن زيدون

الصقر الذهبي
14/05/2006, 07:27 AM
أخي خلفان

هل هذه هي الرسالة الهزلية كاملة أم أنها فقط مقتطفات منها ؟

خلفان الزيدي
14/05/2006, 10:51 AM
أخي خلفان

هل هذه هي الرسالة الهزلية كاملة أم أنها فقط مقتطفات منها ؟

اعتقد انها ناقصة الشئ اليسير.. غير ان هذه المقتطفات ـ إن صحت التسمية ـ هي اهم ما في الرسالة.. واذا ما اردت اخي الصقر الذهبي الاستزادة والاطلاع اكثر على رسائل ابن زيدون (الهزلية والجدية ورسالة الاستعطاف) وفنونه النثرية الاخرى.. فيمكنني اعارتك كتاب رسائل ابن زيدون الذي يضم بين دفتيه النصوص الكاملة لرسائله النثرية مع شرح وافي لها واستعراض مناسباته وتأثيراتها ومدلولاتها والكثير من اخبار ابن زيدون مع ولادة بنت المستكفي وابو الوليد ابن الجهم..

ولك تحياتي

dotCHi
14/05/2006, 01:33 PM
أخي الزيدي و بلاد الأندلس

لقد ضاعت ، و ضاعت فلسطين بعدها،و العراق و غيره..

فما القاسم المشترك؟

نرى فلا نركز و نسمع فلا نكتب، تمر أمامنا المواعظ و العبر و نحن نحن العرب..

في رحمة التاريخ أو مقبرته.

أخي ولَّدت في جسدي رعشة قوية هزت وجداني الذي مات كالعرب.

خلفان الزيدي
14/05/2006, 03:15 PM
أخي الزيدي و بلاد الأندلس

لقد ضاعت ، و ضاعت فلسطين بعدها،و العراق و غيره..

فما القاسم المشترك؟

نرى فلا نركز و نسمع فلا نكتب، تمر أمامنا المواعظ و العبر و نحن نحن العرب..

في رحمة التاريخ أو مقبرته.

أخي ولَّدت في جسدي رعشة قوية هزت وجداني الذي مات كالعرب.


اخي duchi اتفق معك في تناسينا درس التاريخ وذلك وجع تقاسيه الامة باكملها.. ولعلني اشرت الى هذه النقطة في بداية الحديث عن الاندلس..

كانت كلمات أم أبي عبدالله الصغير آخر ملوك بني الأحمر في غرناطة التي باحت بها لابنها وهي تقرع تفريطه في ملكه: ابك مثل النساء ملكا مضاعا لم تحافظ عليه كالرجال.. آخر عهد لنا بالاندلس.. غير حكايات حب خالدة ما زالت تنبض بالحنين للايام التي سلفت.. وضاع مجدها وعزها بين صراع ملوك الطوائف والمدائن والامبراطوريات الفاردة اشرعتها مبحرة باعلامها الحمراء والصفراء والسوداء المتناحرة على الكراسي والممالك وعلى الجواري والنساء.. بينهم وبهم ضاعت الاندلس.. وغابت في لجة النزاع والحروب.. ضاعت كما ستضيع مدن ودول في تاريخ قادم.. لم نأخذ عبرة من الذي سبقه..
كان الحدث السياسي جلل في الذات.. يصعب على المرء نسيانه حتى وهو يدلف بوابات المدينة في رحلة الى عوالمها.. لم يبتغ الانشغال بالبحث فيه عن تاريخ مفقود.. والتحسر على الامجاد السالفة.. والعبور الى غياهب المجد الذي كان لنا هنا ذات مرة.. فصرنا غرباء عنه.. وتائهين بين حقيقة خروجنا/ انهزامنا وعودتنا الظافرة من جديد..

لكن خلاصة الامر .. من يقرأ .. من يسمع .. من يعرف .. من يتعظ.؟!!؟.
يكفينا من ضياع الاندلس الذكريات الجميلة التي كانت لنا ذات يوم.. وغير ذلك لا نريد شيئا آخر.. اعتقد انها الحكمة الوحيدة المتداولة عند كل ازمة او محطة تقودنا الى انهزام آخر وضياع جديد وبتر متواصل لجسد الامة.. ومرة اخرى من يتعظ؟؟

خلفان الزيدي
15/05/2006, 05:30 PM
كانت الطبيعة بجمالياتها.. وبدائعها ورياضها.. تختبئ بين ابيات القصيدة.. حتى اننا لا ندرك بأيهما يتعذب ابن زيدون.. وبأيهما يتغزل.. بالبعد عن الحبيبة القابعة في احضان حبيب آخر.. ام الحبيبة الساكنة في الفيافي والسهول الاندلسية الممتدة بامتداد ما يواجهه من احداث وصراعات سياسية وحياتية.. كانت الطبيعة وهي تتألق ببدائع الصور.. وجه آخر للحبيبة ولادة.. كانت تسعفه ـ الطبيعة الغائبة في الاندلس ـ بالاستماع إليه.. حتى وان بعدت المسافات وحالت الدروب دون الوصول إليها.. هي ليست كما ولادة.. غائبة في تفاصيل حب آخر.. لا يعلم انه صورة لتعذيبه وتعميق الألم في ذاته.. كان ابن زيدون وهو يقاسي كل ذلك يشاطر الطبيعة الاندلسية احاسيسه.. يتفاعل معها.. ويبث إليها لواعجه وشجونه.. ويقاسمها مشاعره التي تفيض حباً وحناناً تجاه محبوبته..
وبرغم انه لم يكن يطمح سوى للوصول الى قلب حبيبته.. وتقديم الشكوى مما يجده من البعد والنكران لحبه.. فأنه تبوأ بقصائده تلك منزلة رفيعة.. وكانت صورة جمالية للاندلس.. تشع جوا ساحرا خلابا.. تتطاير فيها الافئدة لهفة وشوقا لمعانقة لواحظ الطبيعة بجمالها ورونقها وعبقها.. لتتفتق الحكاية عن صورة تضج بهاء وروعة.. يشتاق الفؤاد إليها كلما اتت سيرتها.. ووردت حكايتها.. ومثلي عشق الاندلس من غزليات ابن زيدون.. من الألم الذي باح به.. ذهبت إليها.. ولم اقل شيئا.. لم ابح بمشاعري هذه حتى ضج قلبي بسقم الحكاية.. وجدت ذاتي تتقاذف بين جماليات الصورة ومآسي الحكاية.. ولم ادر ان اللوحة المرتسمة في ذاتي ستتأطر في البدء بحكاية العاشق.. هذا الذي افتش عنه في كل التفاصيل المحيطة به.. فلا اجد دلالة تقودني إليه، وترشدني ان ثمة حياة له سجلت هاهنا.. في تاريخ لاحق لم تعرف الاندلس شيئا عن ابن زيدون.. غيبته.. واحالته الى عالم النسيان.. كان تاريخه كما هي الاحداث المتناسلة معه وصمة عار في تاريخها.. لا تعرف الاندلس الآن من الشعر غير ما ذيل باسم لوركا.. هذا الشاعر الذي قرأ ابن زيدون.. وتتبع حكايته.. واقتفى اثر خطواته.. ليقول شعرا من شعره.. ويحكي بلسانه.. ويعبر عن وجدانه وثقافته.. يبقى لوركا.. ويرحل ابن زيدون..
في مدينة الزهراء على مشارف قرطبة.. وجدتني اقف على اطلال وآثار قاومت طويلا السقوط.. كانت تتحدى الموت بالاصرار على الحياة.. كانت تشير الى ثمة حياة هنا ولدت من عبقرية رجال الاندلس.. هؤلاء الذين يبنون المدن ويشيدون الحضارات ويقيمون الممالك.. ولا تخضع قلوبهم الا لقلب امرأة تسلبهم الفؤاد.. وتتركهم صرعى الهيام..
في الزهراء وقفت كما ابن زيدون.. تذكرت معه حبيبته ولادة.. نظرت الى مرابع قرطبة وسفوحها.. كنت وانا اهمّ البدء في سرد حكاية العاشق ابن زيدون استعيد معه رائعته التي انشدها ها هانا.. وناجى قلبه من به صمم.. اني ذكرتك بالزهراء مشتاقا.. والأفق طلق ووجه الأرض قد راقا.. وللنسيم اعتلال في أصائله.. كأنما رقّ لي فأعتل إشفاقا.