سويري
08/05/2006, 11:57 AM
عن ندوة آثار شبه الجزيرة العربية والأهداف المتواخاة منها
خلفان الزيدي
ربما هو اختلاف بسيط افرزته ندوة آثار شبه الجزيرة العربية في بدء احتفاليتها صباح امس.. لا يغدو اكثر من اختلاف وجهات نظر.. تتفق في نهاية المطاف على صوب كلتا النظرتين.. ذلك ان الرؤية التي طرحها الاستاذ الدكتور عبدالرحمن الطيب الانصاري حول مسمى الجزيرة العربية ورفضه استخدام مسمى شبه الجزيرة العربية باعتبار ان الاول هو الاصل في الدلالة التاريخية.. بينما الثاني لايغدو اكثر من اشارة على الدلالة والصورة الجغرافية.. ولكن مع ذلك يتفق الانصاري كما هو حال جميع المحاضرين والمشاركين وضيوف الندوة على الاهمية التي تشكلها والاهداف الكبرى التي تحملها بين طيات محاور ندواتها الممتدة على مدار ثلاثة ايام..
هذا الاختلاف يقودنا الى اهمية وجود مثل هذه الندوات، واهمية ان تكون هناك اكثر من وجهة نظر وأكثر من قراءة للحدث كيما تعطي المساحة للاخرين ليقولوا ويسردوا اراءهم ورؤيتهم.. ويطرحوا معارفهم ودراساتهم.. ويكون محصلة ذلك استفادة المتابع والمشارك في الندوة.. وحصوله على كمّ من الاراء والمعارف تتشعب بالمسار الذي تنبع منه، والدراسة التي تنطلق من خلالها..
واذا ما اتينا الى الندوة التي انطلقت فعالياتها بالامس، نجد ان الجزيرة العربية ـ وانا هنا اتفق مع ما ذهب إليه الدكتور الانصاري في المسمى ـ ، كان لها دور بارز في التاريخ، وتميزت بازدهار حضاري وتقدم مشهود على كافة الاصعدة.. واستطاعت ان تؤسس لها دورا بارزا في المجالات الحضارية والاقتصادية والثقافية والانسانية.. فقّل ان يستعيد المرء او يطلع على تاريخ حضارات ما قبل الميلاد دون ان يأتي على ذكر الحضارات القائمة في الجزيرة العربية بدءا من حضارة مجان ودلمون وام النار وفيلكة والجرهاء والممالك العربية التي اعقبت قيام هذه الحضارات.. وكان اتصال هذه الحضارات بقارات العالم القديم وموقعها الجغرافي مؤهلا لها لتكوين واحداث مزيد من التقدم والازدهار الحضاري.. وهو ما دلت عليه الشواهد والتنقيبات الاثرية والدراسات التي اجريت على عدد من المواقع والمقابر الاثرية التي اظهرت تطور وتقدم العلوم والمعارف واساليب الحياة في عصور ما قبل الميلاد.. هذا مع عدم اغفال ما اخبر به القرآن الكريم من قصص الامم السابقة والحضارات الغابرة التي استوطنت الجزيرة العربية وكان لها شأن رفيع ومقام كبير في اعلا صرح وتشيد بنيان حضارة ما زالت آثاره باقية حتى يومنا هذا.. تدلل على التاريخ العريق والتقدم الكبير الذي شهدته ابان فتراتها.. واوتيت من العلم والمعرفة الشيء الكثير.. حيث يخبرنا القرآن الكريم عن مدينة ارم (قوم عاد) التي لم يخلق مثلها في البلاد.. ومداين صالح (قوم ثمود) الذين كانوا ينحتون من الجبال بيوتا فارهين.. وصولا لقوم سبأ الذين كان فى مسكنهم اية جنتان عن يمين وشمال.. كل هذه القصص القرآنية تخبرنا بجزء هام من تاريخ الجزيرة العربية وتؤكد لنا بعضا من التقارب الجغرافي والتاريخي والحضاري بين الامم والحضارات والمدن السابقة بما يجعلها وحدة متداخلة التاريخ لا ينفصل بعضه عن البعض.. وهذا ما نلمسه ونشاهده عبر التنقيبات والاكتشافات الجارية في المنطقة.. التي تفضي الى الحقائق التي اوردها القرآن الكريم..
ولكونها مسرحا واسعا لاحداث جسام.. ومركزا لقيام وانهيار حضارات وامم.. وذات جغرافية وموقعا استراتيجيا يتوسط قارات العالم القديم.. وتتمتع بعلاقات وثيقة مع الدول والامبراطوريات والحضارات القائمة.. كان لا بد للجزيرة العربية ان تكون بارزة وحاضرة في الكثير من كتب ومؤلفات التاريخ، ومقصدا للرحالة والمكتشفين على مر عصورها ومختلف فتراتها التاريخية.. مما يعطي المساحة الاكبر لظهور كتابات قد تكون مجحفة الى حد ما وغير منصفة للدور التاريخي والحضاري للجزيرة العربية.. او مغفلة جزءا من هذا التاريخ.. باعتبار ان الصورة المتداولة والمتواترة في كتب الرحالة والمكتشفين وحتى الباحثين التاريخيين الذين لم ينصفوا الجزيرة العربية حقها.. إذ ان رؤيتهم لها لا تتعدى اكثر من كونها منطقة صحراوية، لا حياة فيها غير تنقلات البدو والقبائل العربية بحثا عن الماء والمرعى دون اهتمام من قبل هذه القبائل او اعتبار لتشييد واقامة صرح حضارة دائمة وتأسيس مركز دولة يتمتع بالاستقلالية والنفوذ..
ولذا فحين نقرأ الكثير من المؤلفات التاريخية وكتب الرحالة والمكتشفين نجد انها لا تعي من تاريخ الجزيرة العربية الا الشيء اليسير.. ويكاد هذا التاريخ واساليب ومعالم الحياة متداولا بذات الصورة ومتناقلا بنفس الكيفية دون ان يكلف الباحث او المكتشف نفسه عناء تجميع المعلومات الكافية والاستقصاء والبحث لتكوين صورة متكاملة، كيما يأتي من بعده من يضيف إليها ويبدل حسب المصادر المتوفرة له..
حتى وان وجدت المصادر والكتب التي تنصف الجزيرة العربية حقها.. وتعطيها مكانتها التاريخية اللائقة، فان جلّ هذه المؤلفات قليل جدا اذا ما تطلعنا الى الكم الهائل والمخزون الحضاري والارث الثقافي الذي تختزنه رمال الجزيرة العربية.. وتسجل شواهدها وآثارها على امتداد ذراته.. في كل مكان من دلمون وحتى مجان.
فقراءة تاريخ الحضارات القائمة في بلاد ما بين النهرين او حضارات النيل واليونان والصين والهند وشرق افريقيا يحيلنا الى قراءة اخرى والتعرف على حضارات قائمة في الجزيرة العربية، استطاعت ان توجد لها صلات وتلاق حضاري واقتصادي وسياسي واجتماعي وثقافي.. ويمكن استقراء هذه الصلات والتعرف على بعض من العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية من خلال الشواهد الاثرية الباقية.. حيث اذ دلت المسوحات الاثرية ـ على سبيل المثال ـ في صحراء الحقف في المنطقة الوسطى من عمان على ادوات حجرية تنتمي للحضارة الاشورية وهذا بدوره يقودنا الى دراسة والتعرف على هجرة الانسان الاول من افريقيا إلى آسيا مروراً بعمان، كما دلت الشواهد المسوحات الاثرية في مدينة البليد الاثرية على الشريط الساحلي بمحافظة ظفار على صلات المدينة التجارية في العصور الوسطى مع كل من الصين، والهند، وشرق افريقيا، واليمن، والعراق، واوروبا، حيث كانت تجارة اللبان مزدهرة آنذاك، دون ان ننسى دور ميناء سمهرم الذي اشتهر بصادرات اللبان إلى العالم القديم خلال القرن الأول قبل الميلاد، وهو ذاته ميناء موشكا الذي جاء ذكره في بعض النصوص اليونانية في القرنين الأول والثاني الميلاديين، وكان من اهم الموانئ بين الهند وبلاد ما بين النهرين.
كل هذه المسوحات قل ان نجد لها دراسة مستفيضة.. وبحثا متقصيا.. حتى ان الدارسين والباحثين الذين يأتون على ذكر المنطقة لا يكلفون نفسهم عناء اعادة البحث في التاريخ.. واعادة اكتشاف المنطقة من جديد والاكتفاء بالدراسات والتنقيبات والمسوحات الاثرية التي اجريت سلفا على المنطقة.. الامر الذي يجعل هذه الدراسة او البحث رؤية تاريخية مشابهة للمصادر المستقاة منها.. ولا يقدم او يؤخر او يضيف اي جديد..
من هنا تنبع وتتأتى اهمية وقيمة ندوة آثار شبه الجزيرة العربية عبر العصور التي تنظمها وزارة التراث والثقافة لتتوج بها فعاليات الاحتفاء بمسقط عاصمة للثقافة العربية.. مفرزة ومبرزة الجهود التي تبذل في مجال حماية وادارة مواقع التراث الثقافي الوطني وابرازها على المستوى الاقليمي والعالمي.. ومحققة اهداف عديدة من خلال اقامة واحتضان مثل هذا الندوة التي تعنى بتاريخ وآثار الجزيرة العربية.. واستضافة المتخصصين والباحثين لتكوين اكبر قدر من المعرفة عن تاريخ وحضارات وآثار المنطقة.. بما يمهد لاصدار مراجع ومؤلفات تكون مصادر للعديد من الدراسات والبحوث القادمة.. و يضيء تاريخ المنطقة من عدة اوجه وجوانب تكون للنقاشات والمحاورات المجال الابرز في اعادة تدوين تاريخ المنطقة.. والبحث في تاريخها.. والكشف عن شواهدها وآثارها والدلالات التي تشهد بها هذه الاكتشافات والمسوحات الاثرية من وجهة نظر باحثين ومتخصصين يعتد بهم.. وكل ذلك سيبرز اهمية مثل هذه الندوات ودورها في ابراز تاريخ وحضارات المنطقة.
ان الحديث عن ما تختزنه ارض الجزيرة العربية من شواهد ودلالات وآثار.. هو حديث متشعب وطويل.. وربما سيكون له من البحث والدراسة خلال محاور الندوة ما يمهد الى تأصيله واضاءته وابرازه.. ويعيد له مكانته وقدره.. ولهذه المهمة نترك المختصين والباحثين ليسجلوا قراءاتهم وابحاثهم في هذا الشأن.. وهي ابحاث ستكون ـ كما هو حال ابحاث واوراق الامس ـ متشعبة وثرية، وتضيء جوانب هامة، كما انها تفتح آفاقا رحبة من المعرفة عن تاريخ وحضارات الجزيرة العربية، فقط ما ينبغي علينا الاشارة اليه، ومسقط تحتضن مثل هذه الندوات الاشارة الى الدور والمهمة الكبيرة التي تقوم بها وزارة التراث والثقافة في سبيل تسجيل وصيانة التراث وابرازه، وهو دور يتأتى من خلال رؤيتنا لكمّ الشواهد التراثية والتاريخية التي حرصت الوزارة على ترميمها وتحديثها وتهيئتها كيما تكون شاهدا وحاضرا بيننا تقودنا الى عوالم وحياة الماضي بجّل فتراتها وعصورها.. وهي مهمة تقوم عليها وزارة التراث والثقافة بكل اقتدار وحرفنية ما فترت همتها منذ تأسيسها..
وفي هذا المقام لا نغفل ايضا الدور الملموس والجهود البارزة التي تقوم بها جمعية التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي أسهمت من خلال مؤتمراتها التاريخية في كتابة وصياغة تاريخ دول الخليج، وأخذت الجمعية على عاتقها مسؤولية كبيرة نحو إعادة كتابة تاريخ المنطقة بطريقة علمية واضحة وتعمل على تنمية الفكر العلمي في مجال التاريخ والآثار والتركيز على أهمية الجزيرة العربية ومكانتها الدولية والأدوار التاريخية والحضارية التي لعبتها طوال تاريخها والتصدي بالأدلة العلمية للمحاولات التي تنال منها وتحاول الانتقاص من مكانتها والسعي لتحقيق التنسيق بين الخطط الدراسية الجامعية لمواد التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون واضعة لذلك برنامجا علميا يرتكز على فعاليات مهمة في مجالي التاريخ والآثار وبخاصة الملتقيات العلمية التاريخية وما يخدم المجال المنوط به حيث تحرص الجمعية على الاهتمام بالدراسات التاريخية والأثرية وتقديمها في صورتها الحقيقية وحفظها للأجيال والمستقبل وخدمة تاريخ هذه المنطقة برعاية وتشجيع قادة دول مجلس التعاون الذين يحرصون كل الحرص على خدمة تاريخ المنطقة وتراثها الخالد في تعزيز شخصية المنطقة وتقويم مساراتها الحضارية المعاصرة..
فلكل تلك الجهود عبارات شكر وتقدير تنطقها كل ذرة تراب.. وكل آثر وشاهد حضاري.. ما زال ماثلا يروي سيرة الاجداد.. وتاريخ حضارات.. او اثر وشاهد ما عاد باستطاعته الصمود اكثر مما كان له.. فتهاوى من المكان دون ان يتهاوى ذكره من صفحات وابحاث الدارسين.. وكل الامل ان تجد مثل هذه الندوات الاهتمام والمتابعة الجماهيرية لتحقيق اكبر قدر من الاستفادة.. وتكون جلساتها ثرية بالمداخلات والنقاشات بين المختصين والباحثين..
واخيرا.. لجميع ضيوف ندوة آثار شبه الجزيرة العربية عبر العصور نقول: ان مسقط عاصمة الثقافة العربية تفتح ذراعيها مرحبة بكم.. ومستأنسة بحضوركم.. متلألئة بالالق التي تفيض به جوانحكم.. والنور الذي تضيئون به دروب الامس السحيقة.. هذه التي تنتظر اطلالتكم عليها كيما تعود للحياة من جديد.. وتخبر عن ذاتها حينما كان يكتبها التاريخ.. قبل ان تتوارى الى نسيان مؤقت.. يتجدد ذكراه في عاصمة العرب الثقافية.. مرحبا بكم في مسقط.. وهي تتقدم العواصم والمدن.. تتباهى بالارث المكنون.. والحضارة النابضة بين جذورها.. مستعيدة حضارات مجان ومزون.. وقوافل اللبان والحرير تشق البراري والبحار.. ترفع راية الحضارة العمانية في بلاد الصين وفي حضارات ما بين النهرين وحضارات النيل.. مسقط ترحب بكم كما دأبها.. تفرح باللقاء.. وتبتهج بالتواصل.. فمرحبا بالجميع في عاصمة الثقافة العربية..خلفان الزيدي
خلفان الزيدي
ربما هو اختلاف بسيط افرزته ندوة آثار شبه الجزيرة العربية في بدء احتفاليتها صباح امس.. لا يغدو اكثر من اختلاف وجهات نظر.. تتفق في نهاية المطاف على صوب كلتا النظرتين.. ذلك ان الرؤية التي طرحها الاستاذ الدكتور عبدالرحمن الطيب الانصاري حول مسمى الجزيرة العربية ورفضه استخدام مسمى شبه الجزيرة العربية باعتبار ان الاول هو الاصل في الدلالة التاريخية.. بينما الثاني لايغدو اكثر من اشارة على الدلالة والصورة الجغرافية.. ولكن مع ذلك يتفق الانصاري كما هو حال جميع المحاضرين والمشاركين وضيوف الندوة على الاهمية التي تشكلها والاهداف الكبرى التي تحملها بين طيات محاور ندواتها الممتدة على مدار ثلاثة ايام..
هذا الاختلاف يقودنا الى اهمية وجود مثل هذه الندوات، واهمية ان تكون هناك اكثر من وجهة نظر وأكثر من قراءة للحدث كيما تعطي المساحة للاخرين ليقولوا ويسردوا اراءهم ورؤيتهم.. ويطرحوا معارفهم ودراساتهم.. ويكون محصلة ذلك استفادة المتابع والمشارك في الندوة.. وحصوله على كمّ من الاراء والمعارف تتشعب بالمسار الذي تنبع منه، والدراسة التي تنطلق من خلالها..
واذا ما اتينا الى الندوة التي انطلقت فعالياتها بالامس، نجد ان الجزيرة العربية ـ وانا هنا اتفق مع ما ذهب إليه الدكتور الانصاري في المسمى ـ ، كان لها دور بارز في التاريخ، وتميزت بازدهار حضاري وتقدم مشهود على كافة الاصعدة.. واستطاعت ان تؤسس لها دورا بارزا في المجالات الحضارية والاقتصادية والثقافية والانسانية.. فقّل ان يستعيد المرء او يطلع على تاريخ حضارات ما قبل الميلاد دون ان يأتي على ذكر الحضارات القائمة في الجزيرة العربية بدءا من حضارة مجان ودلمون وام النار وفيلكة والجرهاء والممالك العربية التي اعقبت قيام هذه الحضارات.. وكان اتصال هذه الحضارات بقارات العالم القديم وموقعها الجغرافي مؤهلا لها لتكوين واحداث مزيد من التقدم والازدهار الحضاري.. وهو ما دلت عليه الشواهد والتنقيبات الاثرية والدراسات التي اجريت على عدد من المواقع والمقابر الاثرية التي اظهرت تطور وتقدم العلوم والمعارف واساليب الحياة في عصور ما قبل الميلاد.. هذا مع عدم اغفال ما اخبر به القرآن الكريم من قصص الامم السابقة والحضارات الغابرة التي استوطنت الجزيرة العربية وكان لها شأن رفيع ومقام كبير في اعلا صرح وتشيد بنيان حضارة ما زالت آثاره باقية حتى يومنا هذا.. تدلل على التاريخ العريق والتقدم الكبير الذي شهدته ابان فتراتها.. واوتيت من العلم والمعرفة الشيء الكثير.. حيث يخبرنا القرآن الكريم عن مدينة ارم (قوم عاد) التي لم يخلق مثلها في البلاد.. ومداين صالح (قوم ثمود) الذين كانوا ينحتون من الجبال بيوتا فارهين.. وصولا لقوم سبأ الذين كان فى مسكنهم اية جنتان عن يمين وشمال.. كل هذه القصص القرآنية تخبرنا بجزء هام من تاريخ الجزيرة العربية وتؤكد لنا بعضا من التقارب الجغرافي والتاريخي والحضاري بين الامم والحضارات والمدن السابقة بما يجعلها وحدة متداخلة التاريخ لا ينفصل بعضه عن البعض.. وهذا ما نلمسه ونشاهده عبر التنقيبات والاكتشافات الجارية في المنطقة.. التي تفضي الى الحقائق التي اوردها القرآن الكريم..
ولكونها مسرحا واسعا لاحداث جسام.. ومركزا لقيام وانهيار حضارات وامم.. وذات جغرافية وموقعا استراتيجيا يتوسط قارات العالم القديم.. وتتمتع بعلاقات وثيقة مع الدول والامبراطوريات والحضارات القائمة.. كان لا بد للجزيرة العربية ان تكون بارزة وحاضرة في الكثير من كتب ومؤلفات التاريخ، ومقصدا للرحالة والمكتشفين على مر عصورها ومختلف فتراتها التاريخية.. مما يعطي المساحة الاكبر لظهور كتابات قد تكون مجحفة الى حد ما وغير منصفة للدور التاريخي والحضاري للجزيرة العربية.. او مغفلة جزءا من هذا التاريخ.. باعتبار ان الصورة المتداولة والمتواترة في كتب الرحالة والمكتشفين وحتى الباحثين التاريخيين الذين لم ينصفوا الجزيرة العربية حقها.. إذ ان رؤيتهم لها لا تتعدى اكثر من كونها منطقة صحراوية، لا حياة فيها غير تنقلات البدو والقبائل العربية بحثا عن الماء والمرعى دون اهتمام من قبل هذه القبائل او اعتبار لتشييد واقامة صرح حضارة دائمة وتأسيس مركز دولة يتمتع بالاستقلالية والنفوذ..
ولذا فحين نقرأ الكثير من المؤلفات التاريخية وكتب الرحالة والمكتشفين نجد انها لا تعي من تاريخ الجزيرة العربية الا الشيء اليسير.. ويكاد هذا التاريخ واساليب ومعالم الحياة متداولا بذات الصورة ومتناقلا بنفس الكيفية دون ان يكلف الباحث او المكتشف نفسه عناء تجميع المعلومات الكافية والاستقصاء والبحث لتكوين صورة متكاملة، كيما يأتي من بعده من يضيف إليها ويبدل حسب المصادر المتوفرة له..
حتى وان وجدت المصادر والكتب التي تنصف الجزيرة العربية حقها.. وتعطيها مكانتها التاريخية اللائقة، فان جلّ هذه المؤلفات قليل جدا اذا ما تطلعنا الى الكم الهائل والمخزون الحضاري والارث الثقافي الذي تختزنه رمال الجزيرة العربية.. وتسجل شواهدها وآثارها على امتداد ذراته.. في كل مكان من دلمون وحتى مجان.
فقراءة تاريخ الحضارات القائمة في بلاد ما بين النهرين او حضارات النيل واليونان والصين والهند وشرق افريقيا يحيلنا الى قراءة اخرى والتعرف على حضارات قائمة في الجزيرة العربية، استطاعت ان توجد لها صلات وتلاق حضاري واقتصادي وسياسي واجتماعي وثقافي.. ويمكن استقراء هذه الصلات والتعرف على بعض من العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية من خلال الشواهد الاثرية الباقية.. حيث اذ دلت المسوحات الاثرية ـ على سبيل المثال ـ في صحراء الحقف في المنطقة الوسطى من عمان على ادوات حجرية تنتمي للحضارة الاشورية وهذا بدوره يقودنا الى دراسة والتعرف على هجرة الانسان الاول من افريقيا إلى آسيا مروراً بعمان، كما دلت الشواهد المسوحات الاثرية في مدينة البليد الاثرية على الشريط الساحلي بمحافظة ظفار على صلات المدينة التجارية في العصور الوسطى مع كل من الصين، والهند، وشرق افريقيا، واليمن، والعراق، واوروبا، حيث كانت تجارة اللبان مزدهرة آنذاك، دون ان ننسى دور ميناء سمهرم الذي اشتهر بصادرات اللبان إلى العالم القديم خلال القرن الأول قبل الميلاد، وهو ذاته ميناء موشكا الذي جاء ذكره في بعض النصوص اليونانية في القرنين الأول والثاني الميلاديين، وكان من اهم الموانئ بين الهند وبلاد ما بين النهرين.
كل هذه المسوحات قل ان نجد لها دراسة مستفيضة.. وبحثا متقصيا.. حتى ان الدارسين والباحثين الذين يأتون على ذكر المنطقة لا يكلفون نفسهم عناء اعادة البحث في التاريخ.. واعادة اكتشاف المنطقة من جديد والاكتفاء بالدراسات والتنقيبات والمسوحات الاثرية التي اجريت سلفا على المنطقة.. الامر الذي يجعل هذه الدراسة او البحث رؤية تاريخية مشابهة للمصادر المستقاة منها.. ولا يقدم او يؤخر او يضيف اي جديد..
من هنا تنبع وتتأتى اهمية وقيمة ندوة آثار شبه الجزيرة العربية عبر العصور التي تنظمها وزارة التراث والثقافة لتتوج بها فعاليات الاحتفاء بمسقط عاصمة للثقافة العربية.. مفرزة ومبرزة الجهود التي تبذل في مجال حماية وادارة مواقع التراث الثقافي الوطني وابرازها على المستوى الاقليمي والعالمي.. ومحققة اهداف عديدة من خلال اقامة واحتضان مثل هذا الندوة التي تعنى بتاريخ وآثار الجزيرة العربية.. واستضافة المتخصصين والباحثين لتكوين اكبر قدر من المعرفة عن تاريخ وحضارات وآثار المنطقة.. بما يمهد لاصدار مراجع ومؤلفات تكون مصادر للعديد من الدراسات والبحوث القادمة.. و يضيء تاريخ المنطقة من عدة اوجه وجوانب تكون للنقاشات والمحاورات المجال الابرز في اعادة تدوين تاريخ المنطقة.. والبحث في تاريخها.. والكشف عن شواهدها وآثارها والدلالات التي تشهد بها هذه الاكتشافات والمسوحات الاثرية من وجهة نظر باحثين ومتخصصين يعتد بهم.. وكل ذلك سيبرز اهمية مثل هذه الندوات ودورها في ابراز تاريخ وحضارات المنطقة.
ان الحديث عن ما تختزنه ارض الجزيرة العربية من شواهد ودلالات وآثار.. هو حديث متشعب وطويل.. وربما سيكون له من البحث والدراسة خلال محاور الندوة ما يمهد الى تأصيله واضاءته وابرازه.. ويعيد له مكانته وقدره.. ولهذه المهمة نترك المختصين والباحثين ليسجلوا قراءاتهم وابحاثهم في هذا الشأن.. وهي ابحاث ستكون ـ كما هو حال ابحاث واوراق الامس ـ متشعبة وثرية، وتضيء جوانب هامة، كما انها تفتح آفاقا رحبة من المعرفة عن تاريخ وحضارات الجزيرة العربية، فقط ما ينبغي علينا الاشارة اليه، ومسقط تحتضن مثل هذه الندوات الاشارة الى الدور والمهمة الكبيرة التي تقوم بها وزارة التراث والثقافة في سبيل تسجيل وصيانة التراث وابرازه، وهو دور يتأتى من خلال رؤيتنا لكمّ الشواهد التراثية والتاريخية التي حرصت الوزارة على ترميمها وتحديثها وتهيئتها كيما تكون شاهدا وحاضرا بيننا تقودنا الى عوالم وحياة الماضي بجّل فتراتها وعصورها.. وهي مهمة تقوم عليها وزارة التراث والثقافة بكل اقتدار وحرفنية ما فترت همتها منذ تأسيسها..
وفي هذا المقام لا نغفل ايضا الدور الملموس والجهود البارزة التي تقوم بها جمعية التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي أسهمت من خلال مؤتمراتها التاريخية في كتابة وصياغة تاريخ دول الخليج، وأخذت الجمعية على عاتقها مسؤولية كبيرة نحو إعادة كتابة تاريخ المنطقة بطريقة علمية واضحة وتعمل على تنمية الفكر العلمي في مجال التاريخ والآثار والتركيز على أهمية الجزيرة العربية ومكانتها الدولية والأدوار التاريخية والحضارية التي لعبتها طوال تاريخها والتصدي بالأدلة العلمية للمحاولات التي تنال منها وتحاول الانتقاص من مكانتها والسعي لتحقيق التنسيق بين الخطط الدراسية الجامعية لمواد التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون واضعة لذلك برنامجا علميا يرتكز على فعاليات مهمة في مجالي التاريخ والآثار وبخاصة الملتقيات العلمية التاريخية وما يخدم المجال المنوط به حيث تحرص الجمعية على الاهتمام بالدراسات التاريخية والأثرية وتقديمها في صورتها الحقيقية وحفظها للأجيال والمستقبل وخدمة تاريخ هذه المنطقة برعاية وتشجيع قادة دول مجلس التعاون الذين يحرصون كل الحرص على خدمة تاريخ المنطقة وتراثها الخالد في تعزيز شخصية المنطقة وتقويم مساراتها الحضارية المعاصرة..
فلكل تلك الجهود عبارات شكر وتقدير تنطقها كل ذرة تراب.. وكل آثر وشاهد حضاري.. ما زال ماثلا يروي سيرة الاجداد.. وتاريخ حضارات.. او اثر وشاهد ما عاد باستطاعته الصمود اكثر مما كان له.. فتهاوى من المكان دون ان يتهاوى ذكره من صفحات وابحاث الدارسين.. وكل الامل ان تجد مثل هذه الندوات الاهتمام والمتابعة الجماهيرية لتحقيق اكبر قدر من الاستفادة.. وتكون جلساتها ثرية بالمداخلات والنقاشات بين المختصين والباحثين..
واخيرا.. لجميع ضيوف ندوة آثار شبه الجزيرة العربية عبر العصور نقول: ان مسقط عاصمة الثقافة العربية تفتح ذراعيها مرحبة بكم.. ومستأنسة بحضوركم.. متلألئة بالالق التي تفيض به جوانحكم.. والنور الذي تضيئون به دروب الامس السحيقة.. هذه التي تنتظر اطلالتكم عليها كيما تعود للحياة من جديد.. وتخبر عن ذاتها حينما كان يكتبها التاريخ.. قبل ان تتوارى الى نسيان مؤقت.. يتجدد ذكراه في عاصمة العرب الثقافية.. مرحبا بكم في مسقط.. وهي تتقدم العواصم والمدن.. تتباهى بالارث المكنون.. والحضارة النابضة بين جذورها.. مستعيدة حضارات مجان ومزون.. وقوافل اللبان والحرير تشق البراري والبحار.. ترفع راية الحضارة العمانية في بلاد الصين وفي حضارات ما بين النهرين وحضارات النيل.. مسقط ترحب بكم كما دأبها.. تفرح باللقاء.. وتبتهج بالتواصل.. فمرحبا بالجميع في عاصمة الثقافة العربية..خلفان الزيدي