الغابه
06/05/2006, 04:09 PM
الشاعر العماني محمد الحارثي في مجموعته «لعبة لا تمل» ... الكتابة لعب بالكلمات... واللغة حياة أخرى
شوقي بزيع الحياة - 08/04/06//
يختار الشاعر العماني محمد الحارثي عبارة ميروسلاف هولوب «يقيناً أن قصيدةً ما هي لعبة وحسب» ليستهل بها مجموعته الشعرية الأخيرة «لعبة لا تُمَلّ». ولن يطول الأمر بالقارئ كثيراً لكي يكتشف بنفسه مآل الكتابة عند الحارثي الذي سبق له أن أصدر منذ بداية التسعينات عدة مجموعات شعرية من بينها «عيون طوال النهار» و «كل ليلة وضحاها». وهو مآل يتجه وفق متابعتي له نحو التخفف من كل ما يقيد القصيدة أو يُثقل حركتها أو يُنقص من حريتها، سواء على مستوى الشكل والايقاع أو على مستوى الوظيفة والتوجه والأفكار المسبقة. فالحارثي الذي بدأ بكتابة القصيدة التفعيلية أو قصيدة الشعر الحر ما لبث أن تخلى نهائياً عن الوزن واتخذ من قصيدة النثر خياره النهائي. وحتى في إطار هذا الخيار يبدو الشاعر في عمله الأخير أكثر جنوحاً الى المغامرة والتمرد والمجانية.
ثمة من يرى أن الشعر يشبه صاحبه الى حد بعيد كما هو الحال بالطبع مع سائر الفنون الأخرى. والأرجح أن هذا الشبه اذا تحقق لا يكون على مستوى السطوح الخارجية أو السلوك الظاهر بل على مستوى الجوهر والسريرة، لأن الشعر الحقيقي يعبر عن أعمق ما في الانسان من مشاعر وأحاسيس ومركبات نفسية ووجدانية. ومن يعرف محمد الحارثي معرفة وثيقة لا بد من أن يقف على الوساوس الدائمة التي تعصف به وعلى تبرمه بالاقامة والمكان بما يدفعه في شكل دائم الى الترحال والهجرة وارتياد الآفاق. كأنه في هذا المعنى مزيج مدهش من مغامرتي عمر بن أبي ربيعة وأبي الطيب المتنبي، أو كأنه حاصل الجمع بين قول الأول: «أخا سفر جوَّاب أرض تقاذفت/ به فلوات فهو أشعث أغبر» وبين قول الثاني: «على قلقٍ كأن الريح تحتي/ أحرِّكها يميناً أو شمالا». هكذا حوَّل الحارثي نفسه الى سندباد معاصر وراح يخبط في الأرض متنقلاً من بلد الى بلد ومن قارة الى قارة من دون أن تهدأ له نفس أو يقر له قرار. ولم يكن كتاب الرحلات الذي أصدره قبل عامين بعنوان «عين وجناح» سوى جزء صغير من سلسلة مغامراته التي يحتاج تدوينها الى أجزاء كثيرة أخرى.
اللافت في مجموعة محمد الحارثي، كما في عنوانها، هو أن اللعبة التي يلعبها أو يشير اليها لا تنحصر في الشعر وحده بل هي تنطبق على الحياة انطباقها على القصيدة. فالشاعر من زاوية نظره لا يمكن أن يكون مغامراً في الحياة ومحافظاً في الكتابة ولا بد لجرأته في واحدة أن تنعكس على الأخرى وإلا يكون الشاعر مصاباً بالفصام أو الازدواجية. ولكي يعكس الشاعر هذه الحقيقة «يلعب» في قصائده على ثنائية الواقعي والرمزي أو ثنائية الحياة واللغة، وهو ما يظهر في غير قصيدة من قصائد المجموعة. ففي قصيدة «الصفره»، الذي هو نوع من الطيور، تتجلى في شكل واضح لعبة التبادل المستمر بين ما ينتمي الى الواقع وبين ما ينتمي الى التعبير. واذ يشير الشاعر الى صداح الطائر في الحديقة يُلحق هذا الصداح بالاشارة الى البنادق الصغيرة المصوبة في اتجاه الطائر وهو ينقر الماء. لكن ما يحدث بعد ذلك يشي بالطبيعة الملتبسة لهذا المشهد حيث يستعد المصوبون نحو الطائر لأن يشووه على «شجرة المخيلة» فيما هو يرفرف بجناح الحياة. وفي حالة كهذه لا نعرف أي الطرفين ينتمي الى الحقيقة وأيهما ينتمي الى المجاز. لكن الفكرة تصبح أقرب الى الأذهان عبر مشهد انتقال الشاعر الى المستشفى الذي يعبر عنه بقوله: «أعبر الحديقة في طريقي الى المستشفى/ لأرى دمي فلجاً ماحلاً في الأنابيب/ يمضون به الى عين المجهر/ حيث يرون كل سابحٍ وطائرٍ فيه/ ولا أرى طائري سابحاً في العين المجردة». ثمة إذاً طائران يسبحان في فضاءي الداخل والخارج، أحدهما مرئي والآخر غير مرئي. وقد يكونان طائراً واحداً في مرآة الوجود الحقيقي الذي لا نعلم على وجه اليقين ما اذا كان متحققاً في الحياة أو الشعر. وهو ما يعكسه قول الشاعر في خاتمة القصيدة: «سأنتظره اذاً في قصيدة/ أو حديقة أخرى». الالتباس نفسه يتكرر في قصيدة «مقهى هيمنغواي في مدينة كيل» حيث يلعب الشاعر في الحالة الجديدة على فكرة الصيد. فالنساء اللواتي يدخلن المقهى المسمى باسم هيمنغواي يرتدين معاطف طويلة موشاة بجلد غزال الرنة ثم يجلسن قبالة اللوحة التي تمثل صاحب «الشيخ والبحر» وهو يأكل السمك ويدخن السيجار. أما الفنان الذي تولى بنفسه رسم اللوحة فهو يخبر الشاعر أن السمكة الصعبة المنال التي أجهد هيمنغواي نفسه في اصطيادها يمكن الحصول عليها بصنارة الفن أو الرسم الجاهزة دائماً لتعويض الانسان عما يفوته على أرض الواقع. وما يجوز في الرواية والرسم يجوز في الشعر أيضاً، لذلك يختتم الرسام بقوله مخاطباً الشاعر: «هذه ليست مبالغة من ريشة رسام/ أفنى حياته في بحر الشمال/ لكنه مقطع ربما كان مناسباً لتضمينه في هذه القصيدة/ إن لم تكن راغباً في الصيد». لا يأبه محمد الحارثي كثيراً للعناية بالشكل المنمق أو بالبناء المتين ولا يقيم كبير وزن للصور البيانية، كما هو الحال في الشعرية العربية السائدة، أو حتى في معظم التجارب الحداثية نفسها. لكنه يستعيض عن كل ذلك بخلق عالم كامل يقع على التخوم بين الواقع المرئي والمحسوس وبين الفانتازيا. وهو لا يتوانى من أجل تحقيق غايته عن اغفال التناظرات الايقاعية والمألوفة في قصيدة النثر والتخلي عن معظم العناصر البلاغية وصولاً الى النثرية الخالصة في بعض الأحيان. كما أنه يرفع الى حد بعيد الحدود بين الشعر والسرد بحيث تأخذ قصيدته طابع الأقصوصة أو الحكاية القصيرة التي غالباً ما تنتهي نهاية مفاجئة هي أشبه بضربة الرسام الأخيرة في بيت القصيد. كما ان الحدود ترتفع في الوقت نفسه بين ما كان يعرف باللغة الشعرية واللغة غير الشعرية. كأن هدف الشاعر الأساسي هو ضرب المفهوم القديم الذي كان يربط الشعر بالسحر أو بالقداسة ويضعه تحت خانة اللعب الخالص، كما يشير العنوان. وما دامت قواعد اللعب وشروطه وأدواته قد تغيرت بتغير العصر الذي يضج بالمكتشفات والمصطلحات الجديدة فإن الشاعر لا يتوانى عن رفد قصائده بكل المفردات العربية والأجنبية المستخدمة في الحياة اليومية. فقاموسه الشعري يشتمل على البنسيون والكومبيوتر والتلفاز ومكيِّف الهواء والشطرنج والبسكويت والافريز.
لكن هذا الايغال في التجرؤ لا يعني بالنسبة الى الشاعر انقطاعاً عن الماضي وتنكراً للأسلاف الأبعدين والأقربين بل هو على العكس من ذلك يهدي الكثير من قصائده الى المتنبي وزهير بن أبي سلمى وشكسبير وسعدي يوسف وقاسم حداد مؤالفاً بين القديم والجديد كما بين التجارب القديمة والحديثة. فهو لا يتردد في تضمين قصائده أبياتاً وشطوراً وتعابير من قصائد زهير وامرئ القيس والمتنبي. ولا يتردد أيضاً في استحضار الأسلاف الى عالم اليوم ووضعهم في دائرة من المفارقات المحيرة كما هو الحال في قصيدة «شكسبير في مطار هيثرو» أو «نصيحة المتنبي في الهيلتون» أو «نونية أبي مسلم البهلاني على نوافذ المايكروسوفت» أو «بريد الكتروني من أبي الطيب» حيث يرسل المتنبي لحفيده الشاعر رسالة أقرب الى الطرفة الساخرة يقول في مطلعها: «على غير العادة في قصائدي/ أحبُّ المزاح صرفاً كالراح/ لذا لا تحمل رأيي حول قصائدكم محمل الجد/ (كما في الإيميل الذي أرسلته قبل أسبوعين)/ على العكس عزيزي... على العكس/ اكتبوا المزيد من قصائد النثر/ واتركوهم ينسجون على منوالي/ ممتدحين بقصائدهم الركيكة/ ملوكاً يستحقونها».
قد تصدم قصيدة محمد الحارثي المفرطة في تجريبيتها وكسرها للسائد الكثير من الأذواق التي تحمل مفهومها المغاير للشعر وقد تحوز اعجاب آخرين يرون في النص الشعري تحديثاً ذا مسؤولية بالغة وفي الشاعر سبَّاقاً ومكتشف أغوار، كما كتب سعدي يوسف على غلاف المجموعة الأخير، ولكن تجربة الحارثي تستحــق في الحالين أن يُشار الى تميزها وأن تُقـــــرأ في شكل جدي بعيداً من التعصــــب والأحكام الجاهــــزة.
________
نقلا عن الحياة
شوقي بزيع الحياة - 08/04/06//
يختار الشاعر العماني محمد الحارثي عبارة ميروسلاف هولوب «يقيناً أن قصيدةً ما هي لعبة وحسب» ليستهل بها مجموعته الشعرية الأخيرة «لعبة لا تُمَلّ». ولن يطول الأمر بالقارئ كثيراً لكي يكتشف بنفسه مآل الكتابة عند الحارثي الذي سبق له أن أصدر منذ بداية التسعينات عدة مجموعات شعرية من بينها «عيون طوال النهار» و «كل ليلة وضحاها». وهو مآل يتجه وفق متابعتي له نحو التخفف من كل ما يقيد القصيدة أو يُثقل حركتها أو يُنقص من حريتها، سواء على مستوى الشكل والايقاع أو على مستوى الوظيفة والتوجه والأفكار المسبقة. فالحارثي الذي بدأ بكتابة القصيدة التفعيلية أو قصيدة الشعر الحر ما لبث أن تخلى نهائياً عن الوزن واتخذ من قصيدة النثر خياره النهائي. وحتى في إطار هذا الخيار يبدو الشاعر في عمله الأخير أكثر جنوحاً الى المغامرة والتمرد والمجانية.
ثمة من يرى أن الشعر يشبه صاحبه الى حد بعيد كما هو الحال بالطبع مع سائر الفنون الأخرى. والأرجح أن هذا الشبه اذا تحقق لا يكون على مستوى السطوح الخارجية أو السلوك الظاهر بل على مستوى الجوهر والسريرة، لأن الشعر الحقيقي يعبر عن أعمق ما في الانسان من مشاعر وأحاسيس ومركبات نفسية ووجدانية. ومن يعرف محمد الحارثي معرفة وثيقة لا بد من أن يقف على الوساوس الدائمة التي تعصف به وعلى تبرمه بالاقامة والمكان بما يدفعه في شكل دائم الى الترحال والهجرة وارتياد الآفاق. كأنه في هذا المعنى مزيج مدهش من مغامرتي عمر بن أبي ربيعة وأبي الطيب المتنبي، أو كأنه حاصل الجمع بين قول الأول: «أخا سفر جوَّاب أرض تقاذفت/ به فلوات فهو أشعث أغبر» وبين قول الثاني: «على قلقٍ كأن الريح تحتي/ أحرِّكها يميناً أو شمالا». هكذا حوَّل الحارثي نفسه الى سندباد معاصر وراح يخبط في الأرض متنقلاً من بلد الى بلد ومن قارة الى قارة من دون أن تهدأ له نفس أو يقر له قرار. ولم يكن كتاب الرحلات الذي أصدره قبل عامين بعنوان «عين وجناح» سوى جزء صغير من سلسلة مغامراته التي يحتاج تدوينها الى أجزاء كثيرة أخرى.
اللافت في مجموعة محمد الحارثي، كما في عنوانها، هو أن اللعبة التي يلعبها أو يشير اليها لا تنحصر في الشعر وحده بل هي تنطبق على الحياة انطباقها على القصيدة. فالشاعر من زاوية نظره لا يمكن أن يكون مغامراً في الحياة ومحافظاً في الكتابة ولا بد لجرأته في واحدة أن تنعكس على الأخرى وإلا يكون الشاعر مصاباً بالفصام أو الازدواجية. ولكي يعكس الشاعر هذه الحقيقة «يلعب» في قصائده على ثنائية الواقعي والرمزي أو ثنائية الحياة واللغة، وهو ما يظهر في غير قصيدة من قصائد المجموعة. ففي قصيدة «الصفره»، الذي هو نوع من الطيور، تتجلى في شكل واضح لعبة التبادل المستمر بين ما ينتمي الى الواقع وبين ما ينتمي الى التعبير. واذ يشير الشاعر الى صداح الطائر في الحديقة يُلحق هذا الصداح بالاشارة الى البنادق الصغيرة المصوبة في اتجاه الطائر وهو ينقر الماء. لكن ما يحدث بعد ذلك يشي بالطبيعة الملتبسة لهذا المشهد حيث يستعد المصوبون نحو الطائر لأن يشووه على «شجرة المخيلة» فيما هو يرفرف بجناح الحياة. وفي حالة كهذه لا نعرف أي الطرفين ينتمي الى الحقيقة وأيهما ينتمي الى المجاز. لكن الفكرة تصبح أقرب الى الأذهان عبر مشهد انتقال الشاعر الى المستشفى الذي يعبر عنه بقوله: «أعبر الحديقة في طريقي الى المستشفى/ لأرى دمي فلجاً ماحلاً في الأنابيب/ يمضون به الى عين المجهر/ حيث يرون كل سابحٍ وطائرٍ فيه/ ولا أرى طائري سابحاً في العين المجردة». ثمة إذاً طائران يسبحان في فضاءي الداخل والخارج، أحدهما مرئي والآخر غير مرئي. وقد يكونان طائراً واحداً في مرآة الوجود الحقيقي الذي لا نعلم على وجه اليقين ما اذا كان متحققاً في الحياة أو الشعر. وهو ما يعكسه قول الشاعر في خاتمة القصيدة: «سأنتظره اذاً في قصيدة/ أو حديقة أخرى». الالتباس نفسه يتكرر في قصيدة «مقهى هيمنغواي في مدينة كيل» حيث يلعب الشاعر في الحالة الجديدة على فكرة الصيد. فالنساء اللواتي يدخلن المقهى المسمى باسم هيمنغواي يرتدين معاطف طويلة موشاة بجلد غزال الرنة ثم يجلسن قبالة اللوحة التي تمثل صاحب «الشيخ والبحر» وهو يأكل السمك ويدخن السيجار. أما الفنان الذي تولى بنفسه رسم اللوحة فهو يخبر الشاعر أن السمكة الصعبة المنال التي أجهد هيمنغواي نفسه في اصطيادها يمكن الحصول عليها بصنارة الفن أو الرسم الجاهزة دائماً لتعويض الانسان عما يفوته على أرض الواقع. وما يجوز في الرواية والرسم يجوز في الشعر أيضاً، لذلك يختتم الرسام بقوله مخاطباً الشاعر: «هذه ليست مبالغة من ريشة رسام/ أفنى حياته في بحر الشمال/ لكنه مقطع ربما كان مناسباً لتضمينه في هذه القصيدة/ إن لم تكن راغباً في الصيد». لا يأبه محمد الحارثي كثيراً للعناية بالشكل المنمق أو بالبناء المتين ولا يقيم كبير وزن للصور البيانية، كما هو الحال في الشعرية العربية السائدة، أو حتى في معظم التجارب الحداثية نفسها. لكنه يستعيض عن كل ذلك بخلق عالم كامل يقع على التخوم بين الواقع المرئي والمحسوس وبين الفانتازيا. وهو لا يتوانى من أجل تحقيق غايته عن اغفال التناظرات الايقاعية والمألوفة في قصيدة النثر والتخلي عن معظم العناصر البلاغية وصولاً الى النثرية الخالصة في بعض الأحيان. كما أنه يرفع الى حد بعيد الحدود بين الشعر والسرد بحيث تأخذ قصيدته طابع الأقصوصة أو الحكاية القصيرة التي غالباً ما تنتهي نهاية مفاجئة هي أشبه بضربة الرسام الأخيرة في بيت القصيد. كما ان الحدود ترتفع في الوقت نفسه بين ما كان يعرف باللغة الشعرية واللغة غير الشعرية. كأن هدف الشاعر الأساسي هو ضرب المفهوم القديم الذي كان يربط الشعر بالسحر أو بالقداسة ويضعه تحت خانة اللعب الخالص، كما يشير العنوان. وما دامت قواعد اللعب وشروطه وأدواته قد تغيرت بتغير العصر الذي يضج بالمكتشفات والمصطلحات الجديدة فإن الشاعر لا يتوانى عن رفد قصائده بكل المفردات العربية والأجنبية المستخدمة في الحياة اليومية. فقاموسه الشعري يشتمل على البنسيون والكومبيوتر والتلفاز ومكيِّف الهواء والشطرنج والبسكويت والافريز.
لكن هذا الايغال في التجرؤ لا يعني بالنسبة الى الشاعر انقطاعاً عن الماضي وتنكراً للأسلاف الأبعدين والأقربين بل هو على العكس من ذلك يهدي الكثير من قصائده الى المتنبي وزهير بن أبي سلمى وشكسبير وسعدي يوسف وقاسم حداد مؤالفاً بين القديم والجديد كما بين التجارب القديمة والحديثة. فهو لا يتردد في تضمين قصائده أبياتاً وشطوراً وتعابير من قصائد زهير وامرئ القيس والمتنبي. ولا يتردد أيضاً في استحضار الأسلاف الى عالم اليوم ووضعهم في دائرة من المفارقات المحيرة كما هو الحال في قصيدة «شكسبير في مطار هيثرو» أو «نصيحة المتنبي في الهيلتون» أو «نونية أبي مسلم البهلاني على نوافذ المايكروسوفت» أو «بريد الكتروني من أبي الطيب» حيث يرسل المتنبي لحفيده الشاعر رسالة أقرب الى الطرفة الساخرة يقول في مطلعها: «على غير العادة في قصائدي/ أحبُّ المزاح صرفاً كالراح/ لذا لا تحمل رأيي حول قصائدكم محمل الجد/ (كما في الإيميل الذي أرسلته قبل أسبوعين)/ على العكس عزيزي... على العكس/ اكتبوا المزيد من قصائد النثر/ واتركوهم ينسجون على منوالي/ ممتدحين بقصائدهم الركيكة/ ملوكاً يستحقونها».
قد تصدم قصيدة محمد الحارثي المفرطة في تجريبيتها وكسرها للسائد الكثير من الأذواق التي تحمل مفهومها المغاير للشعر وقد تحوز اعجاب آخرين يرون في النص الشعري تحديثاً ذا مسؤولية بالغة وفي الشاعر سبَّاقاً ومكتشف أغوار، كما كتب سعدي يوسف على غلاف المجموعة الأخير، ولكن تجربة الحارثي تستحــق في الحالين أن يُشار الى تميزها وأن تُقـــــرأ في شكل جدي بعيداً من التعصــــب والأحكام الجاهــــزة.
________
نقلا عن الحياة