عرض الإصدار الكامل : ** الصراع الأبدي ـ قراءة في جدليات الصراع السياسي ** للدكتور زكريا بن خليفة المحرمي
البـاز الأشهب
05/04/2006, 06:54 AM
بسم الله الرحمن الرحيم والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين ....
نحمده تعالى ونصلي على رسوله الكريم أما بعد ..
كثيرة ما هي الجدليات الدائر بين أفراد الأمة قديما وحديثا وكثيرة وما هي العقبات تجاه لملمة الشمل والعودة للوحدة والبعد عن التضليل والتفسيق ومعرفة أصول مواقف المسلمين تجاه بعض القضايا وكيفية بناء هذه المواقف ..
ومن المعلوم أنه لبدء العلاج يجب تشخيص المرض وقبل أن نبداء بطرح الحلول يجب العودة للوراء قليلا لمعرفة أسباب هذه الإشكاليات لنكون على بينة من أمرنا ...
بعد أن حقق كتاب قراءة في جدلية الرواية والدراية نجاحا منقطع النظير يعود المؤلف الشاب لمعاودة الكرة في كتابه الجديد ( الصراع الأبدي ) وسبب التسمية كما يقول المؤلف :
(( إن الصراع الأبدي كعنوان للفتن والصراعات التي بدأت في عصر الصحابة لم تقتصر على تلك الصراعات وآثارها الآنية الزمانية ، بل تعدتها إلى تجليات صارخة في حياتنا وواقعنا ! إن كل ما تعانيه الأمة في حاضرها بل وكل ما عانته في ماضيها ليس إلا امتداد ا طوليا للمحنة التي ألمت بالأمة نتيجة الصراع السياسي بين الصحابة ))
قد يقول البعض ولماذا أقراء مثل هذه الكتب ولماذا أقحم نفسي في دوامة أنا في غنى عنها أصلا وقد يظن البعض أن الكتاب أُلف للرد على بعض الفرق أو شتمها أو سبها أو ....أو.......أو..... .
أولا : أقول للذين يقولون لماذا أقراء مثل هذه الكتب لابد لكم من قراءته لمعرفة الصراع الذي تعيشه الأمة حاليا كونكم من المثقفين الساعين للوحدة وشمل الأمة فالمثقف بطبيعة الحال يدرك أن لا تقدم للمسلمين في ظل هذه التفرقة بين مذاهبه وفرقه ومعرفة أس المشكل هو عين الصواب والمعين لوضع الحلول لهذه المشكلة العويصة التي عانت منها الأمة ولا زالت تعاني منها ونسأل الله تعالى الخلاص منها لتقوم الأمة نحو التقدم والرقي وهي كالبنيان المرصوص ........
ثانيا : ليس الكتاب للرد على فرقة أو إقصائها أو ما شابه ذلك من ظنون تقدح في أذهان البعض بل الكتاب كما يقول الدكتور :
(( هذا الكتاب عبارة عن محاولة استكناه ذات أثر لاحق لفتنة الصراع المسلح بين الصحابة ، وهذا الأستكناه لا يقتصر على السرد التاريخي الصرف للأحداث مع أنه جزء أصيل من أصول الكتاب وفصوله ، وإنما يتعدى ذلك إلى تأسيس منهج كلي شمولي متكامل لتوجيه القراءة التاريخية نحو آفاق المعرفة السليمة والمنضبطة بعيدا عن رياح العاطفة وهياج التعصب والطائفية ))
أعتقد أن العبارة الأخيرة تؤكد ما قلته من أنه ليس سبب تأليف الكتاب هو التعصب أو التحيز لفئة دون أخرى وإنما هو لبيان الحقائق التي زيفت من قبل بعض مؤرخي الأمة والذين أصبحت كتبهم مرجعا للباحثين في هذا العصر .... وللأسف أن الباحثين ( البعض منهم ) لم يكلفوا أنفسهم عناء التثبت من هذه الروايات وحقيقتها واكتفوا بالنقل مع بعض الحشو الذي كان سببا في اتساع الهوة وليس ردمها وزيادة التفرقة وليس تقليصها والله المستعان ..
وفي الكتاب يتطرق الدكتور زكريا بن خليفة المحرمي للمنهجية التي كتب بها كتّاب التاريخ وخاصة ما تناول قضية الصحابة واختلافهم ومما نتج عن هذه الكتابات من تأويلات شتى ورؤى لا تعد ولا تحصى .
وسأحاول بإذن الله تعالى أن أنقل للقراء الكرام أهم ما ورد في الكتاب كنبذة تعريفية له .....
ملاحظة : لا أميل للتعقيد اللفظي وآمن بالسهولة في الألفاظ لذا سأكتب بلغة سهلة بسيطة بعيدة عن التكلف وأعتذر للمؤلف وأعتذر للقراء إن لم أستطع أن أوفي الكتاب حقه في هذه الكلمات البسيطة وسأعود بإذن الله لاحقا لتسطير ما قاله أستاذنا الدكتور ولكم جزيل الشكر ..
البـاز الأشهب
05/04/2006, 11:09 AM
بسم الله الرحمن الرحيم ...
في البداية وقبل أن أدرج ما قاله المحرمي في كتابه أحب أن أقول بأن الكل يتفق أن التاريخ مشوه لدرجة كبيرة فكل فرقة تنصر سلفها وتدعم هذا النصر بروايات تنسبه للنبي عليه السلام ومما يؤسف له أن المؤرخين عندما أردوا التأريخ لهذه الحوادث لما يتثبتوا من صحتها ومن مطابقتها للواقع ومن عدم مصادمتها للعقل وهنا أنصح القراء الكرام لقراءة كتاب الأستاذ خميس بن راشد العدوي ( رؤية تاريخية ) إذ يبين فيه كيفية قراءة التاريخ قراءة صحيحة سليمة بعيدا عن الإتجرار وراء الخرافات والأكاذيب ..
وسبب هذا التشويه وهذا اللغط السائد في أغلب كتب التاريخ كما يعلله الدكتور زكريا هو :
(( واختلاف منهج الكتّاب والمفكرين يرجع في جانب كبير منه إلى عدم التزام المؤرخين الإسلاميين الأُول في عملية التدوين التاريخي المنهجية التاريخية الكلية التي تقرأ الاحداث في سياقها الكلي ووفق معطياتها الزمانية والمكانية وأعراف البيئة وطبائع المجتمع وفقه لحظة الحديث التاريخي بل اقتصروا في ذلك ما يسميه محمد عابد الجابري بــ( التصور الجزئي للزمان ) ....... ))
وقد استشهد المحرمي بنص لابن خلدون لهذا التعليل ونقل عنه ما نصه :
(( الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكّم أصول العادة والقواعد السياسية وطبيعة العمران والاحوال في الاجتماع الإنساني ، ولا قيس الغائب منها بالشاهد ، والحاضر بالذاهب ، فربما لم يؤمن فيها من العثور والحيدة عن جادة الثواب ، وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل المغالط من الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا وسمينا لم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ، ولا سبروها بمقياس الحكمة ، .......،... ))
إذا فالملاحظ أن هناك خطأ في المنهج الذي كتبت بها هذه الوقائع والحوادث وبسبب غياب هذا المنهج ترنح المؤرخون في كتابتهم فظلموا فرقا وكتبوا عنها أشياء لا تصح نسبتها لهم ، سواء أنهم اكتفوا بالنقل فقط ومع مرور الزمن أصبحت هذه الوقائع مسلم بصحته وخاصة من قبل الغوغاء والدهماء من الناس بل حتى عند المتأخرين حيث يقول ابن خلدون في مقدمته :
(( ثم لم يأت من بعد هؤلاء إلا مقلد وبليد الطبع والعقل أو متبلد ينسج على ذلك المنوال، ويحتذي منه بالمثال، ويذهل عما أحالته الأيام من الأحوال، واستبدلت به من عوائد الأمم والأجيال. فيجلبون الأخبار عن الدول، وحكايات الوقائع في العصور الأول، صوراً قد تجردت عن موادها، وصفاحاً انتضيت من أغمادها، ومعارف تستنكر للجهل بطارفها وتلادها، إنما هي حوادث لم تعلم أصولها، وأنواع لم تعتبر أجناسها ولا تحققت فصولها، يكررون في موضوعاتهم الأخبار المتداولة بأعيانها، اتباعاً لمن عني من المتقدمين بشأنها، ويغفلون أمر الأجيال الناشئة في ديوانها، بما أعوز عليهم من ترجمانها، فتستعجم صحفهم عن بيانها ))
فماذا كانت النتائج التي استخلصها ابن خلدون وقد ادرجها الدكتور زكريا في كتابه ؟!
يقول ابن خلدون (( فقد زلت أقدام كثير من الأثبات والمؤرخين الحفاظ في مثل هذه الأحاديث والأراء، وعلقت بأفكارهم ونقلها عنهم الكافة من ضعفة النظر والغفلة عن القياس، وتلقوها هم أيضاً كذلك من غير بحث ولا روية واندرجت في محفوظاتهم حتى صار فن التاريخ واهياً مختلطاً، وناظره مرتبكاً، وعد من مناحي العامة ))
يقول زكريا المحرمي :
(( لقد تم ترتيب الكتاب ( الصراع الأبدي ) بحيث تكون نقطة البداية عبارة عن مناقشة للمنهج المقترح والتي تشتمل على دراسة دلالات بعض المفاهيم مثل "العلم" و "الظن" ودلالات "الثبوت القطعي" و " الثبوت النقلي" والتعرف لمفهوم جديد هو الشهرة المذهبية ودلالاته والمقارنة بينه وبين مفهوم التواتر واستعراض مفهوم "المجمتع عليه" في قبال " المختلف فيه" ثم يسترعض الكتاب مفهوم والولاية والبراءة ومناقشة إسقاطات تلك المفاهيم على شخصيات صراع الصحابة ثم يناقش الكتاب مفهوم " عدالة الصحابة " من خلال دراسة مفهوم الصحابي وموقف الشرع من قضية العدالة ثم يعرج الكتاب على قضية هامة وهي مسالة مرويات الأنباء بالغيب التي رويت عن النبي عليه السلام والتي يتترس بها كل فريق من إجل إلزام الآخر الحجة .
وبعد تقرير نتائج البحث وتحديد المنهج المتفق عليه يشرع في دراسة تاريخية للأحداث من خلال استعراض الشبهات المثارة ومناقشتها وفق المنهج الكلي المتفق عليه ، ثم ينتقل الكتاب إلى دراسة تاريخ المذاهب الإسلامية واستعراض علاقة ذلك التاريخ بالمواقف من الصحابة ، ومحاولة دراسة قواعد كل مذهب في تعامله مع قضية صراع الصحابة ))
يتبع ....:)
الحزين
05/04/2006, 12:39 PM
مرحبا بك أخي الباز الأشهب ...
كان كتاب الصراع الأبدي هو التالي في قائمة قراءاتي ولكني اضطررت لتأجيل قرائته لأنني أعرت نسختي لأحد الإخوة.
تابع بارك الله فيك و نحن متابعون معك دون أن نعلق حتى لا نقطع حبل أفكارك :)
ملاحظة: أتمنى حين تنتهي أن يأخذ الكتاب حقه من النقاش من قبل الأعضاء
البـاز الأشهب
05/04/2006, 01:53 PM
بسم الله الرحمن الرحيم .
شكرا لك أخي الحزين وهذا ما أرجوه أن يطرح كل منا ما لاحظه على الكتاب
في القسم الأول والذي كان تحت عنوان العلم والظن من الكتاب يبداء الدكتور زكريا كتابه بفقرة شدة انتباهي وأعجبت بها وليس هذا ترويجا للكتاب كما سيظن البعض بل إن هناك فقرات سنضعها محل تساؤل ليتسأل عنها القارئ الكريم ويحدد موقفه منها كما يشاء وسيجد الإجابة المفصلة عليها في الكتاب وبهذه المقولة ندرك أن الدكتور ليس كما يظن البعض أنه يريد أن ينكر الأخبار الواردة في كتب السير والتراجم وغيرها بالجملة وإنما بضوابط محددة كما سنراها لاحقا والنص هو :
ليس اقتحاما على البداهة القول بأن كل خبر يصل إلى الإنسان يتأرجح في ثبوته بين ضفتي الصدق والكذب ، وأن التسليم والتصديق المطلق للخبر يزيد في العقل البشري علما راسخا ثابتا يقينيا لا يمكن أن يتزعزع ، بينما الرد والرفض المطلق للخبر لا يزيد في العقل شيئا غير التكذيب لذلك الخبر وبالتالي رفض دلالاته ، إلا إن بين القبول والرد يجري نهر ماد من الأخبار التي تمتزج فيها احتملات الصدق باحتمالات الكذب فيتردد العقل البشري كالبندول بين قبولها المطلق وردها المطلق ، وفي هذا النهر الماد من الحيرة تقبع قناطر الظنون والشكوك والأوهام التي تتنقل بالإنسان كالعبارة في نهر الاحتمالات بين ضفتي التكذيب والتصديق .
ويتابع المحرمي كلامه :
قبل كل شي يحتاج الباحث إلى إدراك الفرق بين الصدق الذي هو كل وصف للمخبر عنه على ما هو به ، وبين نقيضه الكذب الذي هو وصف للمخبر عنه ما ليس به …. وبين العلم الذي هو نقيض الجهل. واليقين الذي هو إزالة الشك، وتحقيق الأمر، والجزم وهو القطع ، وبين الشك الذي هو نقيض اليقين، والظن الذي هو التردد الراجح بين طرفي الاعتقاد غير الجازم، والوهم وهو مرجوح طرفي المتردد فيه أو هو الظن الخاطئ .
وقد يلاحظ القارئ الكريم أني قد حشرت اليقين والجزم في دائرة العلم وهذا أمر مقصود وذلك أن العلم في حقيقته هو عبارة عن أمر جزم لا تردد فيه ولا تجويز حسب رأي أبي حامد الغزالي . بينما يفتقد الشك والظن والوهم لعامل الجزم . وليس رغبة في تعقيد القارئ وتنفيره وإنما الحاجة الملحة أوجبت علينا ذكر حقيقة أن علماء الكلام فرقوا بين نوعين من أنواع العلم الذي وصفناه ـــ حسب قول الغزالي ــ بأنه أمر جزم لا تردد فيه .
ثم يشرع المحرمي في ذكر نوعي العلوم وتعريفيهما بإسهاب جيد وإطناب مفيد وتفصيل مميز فليرجع له .
وفي هذا القسم يذكرالدكتور قول ابن بركة في تقسيم السنة وأنها على ضربين حيث يقول ابن بركة رحمه الله :
فسنة قد اجتمع عليها وقد استغنى بالإجماع عن صحتها ، وسنة مختلف فيها ، ولم يبلغ الكل علمها ، وهي التي يقع التنازع بين الناس في صحتها ، فلذلك تجب الأسانيد والبحث عن صحتها ثم التنازع في تأويلها إذا صحت بنقلها ، فإذا اختلفوا في حكمها كان مرجعهم إلى الكتاب .
وهذا التقسيم يجهله كثير من طلبة العلم عامة وطلبة علم الحديث خاصة ومن أراد الإستزادة من معرفة الفرق بين السنة والحديث فليرجع لكتاب خالد بن مبارك الوهيبي أشراط الساعة ...
وخلاصة هذا القسم كما يلخصه زكريا في نهايته هو :
1- الخبر الآحاد السند ظني الثبوت لا يفيد العلم .
2- الخبر المتواتر هو الخبر الذي اجتمعت على تواتره الأمة وهو يفيد علما ضروريا .
3- الخبر الذي يرويه الجم الغفير من المذهب الواحد لا يعتبر متواتراً وإنما يصطلح عليه بأنه " مشهور " في ذلك المذهب ، وهو كالآحاد ظني الثبوت .
4- الخلاف في ثبوت الأخبار المتواترة " المجتمع عليها " لا يجوز ، بينما يجوز الخلاف في الأخبار الآحادية و المشهورة .
يتبع .... إن شاء الله .
السهم المسدد
05/04/2006, 02:42 PM
أخي العزي الباز الأشهب خلاصة جميلة تفرزها لنا تؤكد على مقدرة على قراءة السطور وما ورائها من مضامين قد تخفى على غير المثقفين.
إن مما لا ينبغي إغفاله قبل أن نغفل باب هذا الفصل الموسمو بـ (العلم والظن) هو إبراز المؤلف لمصطلح "الشهرة المذهبية"!!
لقد حاول المؤلف أن يفض الإشتباك واللبس الحاصل بين مفهوم "التواتر" ومفهوم "الشهرة المذهبية".
فالكل يزعم أن النصوص والحقائق التي يؤمن بها "متواترة"!! لإنها مروية عنده من طرق متعددة!! مع أن الىخرون يروون ما يخالفه وبطرق متعددة!!.
المؤلف هنا يرضي الطرفين بطرح مفهوم "الشهرة المذهبية" أي أن تلك الأقوال إنما اشتهرت عند تلك المدرسة وحدها دون ان تتعداها إلى غيرها.
وأن تلك القضايا المشهورة مذهبيا لا حجة فيها على المخالف لإنها "ظنية الثبوت" لإنها جاءت من طرق الآحاد حيث انفردت بها مدرسة أو طائفة من طوائف الأمة ولم تعرف عند غيرها.
وهو يصرح بأن الحجة كل الحجة إنما في الثابت بطريق التواتر "المجتمع عليه" بين جميع المدارس الإسلامية. لاستحالة اجتماع المدارس الإسلامية المتنافرة على الكذب.
إن هذا التفريق بين "التواتر" وبين "الشهرة المذهبية" كفيل في ظني المتواضع بكنس الخلافات العقائدية بين المذاهب الإسلامية لإن تلك الخلافات إنما هي قائمة على مرويات انفردت بها طائفة من طوائف الأمة دون غيرها.
ما زلنا نتابع إبداع الأخ الباز الأشهب.
البـاز الأشهب
05/04/2006, 09:13 PM
بسم الله الرحمن الرحيم ...
أشكر أستاذي السهم المسدد على ما نبهنا عليه من إغفال
نتابع إبداع المحرمي في قضية شائكة لطالما كانت سبب من أسباب الفرقة وذلك لسوء تطبيقها من قبل البعض بقصد أو بغير قصد ومن يقراء هذا التحليل المتميز لزكريا المحرمي يخرج بفائدة وحصيلة جيدة يستطيع من خلالها أن يخرج من دائرة الضبابية لقضية الولاية والبراءة التي جُعلت من البعض سيفا يُسلط على كل من خالف فكرهم أو توجههم فماذا قال المحرمي في هذه القضية :
المجتمع الإنساني مكون من مجموعات بشرية تتداخل فيما بينها وتتمازج من خلال هذه الروابط الاخلاقية والدينية والاجتماعية ، وقد جاء الإسلام ليلغي مفهوم الفردية المرتبط في الفكر الإنساني دائما بمظاهر الاستبداد والاستعباد ، ويرسخ مفهوم الجماعة القائم على التعاون والمساواة والشورى ، وقد ضبط الإسلام علاقات أفراد المجتمع المسلم وفق منظومة من القواعد الكلية المنضبطة لتحقيق مبدأ " الانتماء والإقصاء " للجماعة المؤمنة أو ما عبر عنه الشارع الحكيم بمصطلح الولاية والبراءة ، وقد أكدت نصوص قرآنية كثيرة على هذه المفاهيم حيث يقول تعالى مؤكدا على مفهوم الرابطة الإيمانية "الانتماء" الذي عبر عنه بمصطلح الولاية ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) ويقول تعالى ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ) وقد نهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة غير المؤمنين حيث يقول تعالى ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيءٍ ) وقال ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) ... .
ثم ذكر المحرمي موقف الأمة من هذه القضية والخلاف بين فرقها في ذلك حيث يقول :
وقد اجتمعت الامة على وجوب ولاية المؤمن الموفي إلا أنها اختلفت في جواز ولاية صاحب الكبيرة المصر عليها حيث ذهبت المدارس السنية والشيعية إلى ولاية كل من انتسب إليها سواء أكان مؤمنا موفيا أو فاسقا مصرا ، والبراءة من كل من خالفهم سواء أكان مؤمنا موفيا أم كان فاسقا مصرا ، بينما ذهبت المدرسة الإباضية إلى وجوب ولاية المؤمن الموفي ، والبراءة من الفاسق المصر على الكبائر .
وقد تطرق الدكتور لذكر أدلتهم ومناقشتها بطريقة رصينة فليرجع لها في الكتاب غير أني أنقل نقطة أراها هي الأهم وهي نقطة قد تستشكل على البعض غير أنها حقيقة يجب أن تُفهم حتى لو لم تقبل من البعض إلا وهي :
أن الولاية والبراءة لا تستلزم الحب والبغض لانها عوارض معنوية غير منضبطة وإنما هي تابعة لوجدان الإنسان وعاطفته التي لا يمكن السيطرة عليها وكبحها ، أما مفهوم الولاية والبراءة فهو فهو يعبر عن ممارسة عقلية واعية فالولاية تعنى النصرة أو الإنتماء إلى حلف سياسي واجتماعي معين والبراءة هي النفي من جماعة المؤمنين السياسية الإجتماعية ، بعنى آخر هي عدم النصرة .
يقول أبو مودود حاجب الطائي " إذا كان أحد يعيب عليه المسلمون أشياء تكون بينه وبين الله تعالى فتشاوروا في أمره وعظوه وأحضروه مجالسكم وارفقوا به جهدكم ، عسى الله أن يتوب عليه ، وإذا كان أحد يعيب عليه المسلمون في خلافهم في الدين وإرادته أن يشغب عليهم ويفتق بينهم فتقا ، فابدوا عورته ، واهجروه ، ولا تحضروا مجالسكم ، واعلموا الناس به ليكونوا منه على حذر أو يتوب .
وقد يستشكل البعض هذا التعريف الذي يفصل الممارسة العقلية القائمة على التحالف السياسي والإنتماء الغجتماعي عن القيمة الوجدانية ، إلا أن هذا الإشكال سرعان ما يتبدد باستقراء موقف الشرع من الناس سواء أكانوا في الولاية أو في البراءة .
أولا : أن الشارع الحكيم أجاز الزواج من الكتابيات حيث يقول الله تعالى ( اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أتوا الكتاب من قبلكم ) والكتابية في البراءة ولا تجوز ولايتها ، ومع ذلك من غير المتصور أن يقبل الشرع إقامة بيت على العداوة والبغضاء ، بل العكس هو الصحيح حيث يقول تعالى ( ومن أياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) .
ثانيا : أن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه بتذكير المشركين بقرابته منهم ومن المسلمين وأن لا ينسوا المودة التي تستلزمها هذه القرابة ، حيث يقول تعالى (( قل أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور )) ولا يعقل أن يسألهم النبي عليه السلام شيئا وهو يكن لهم ضده ، بل العكس هو الصحيح فقد كاد قلبه يتفطر شفقا عليهم حيث يقول تعالى ناهيا إياه عن الحسرة على المشركين ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون )
ثالثا : إن الله تعالى أمر المؤمنين بعدم طاعة آبائهم الكافرين ، حيث يقول يقول (( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس بك علم فلا تطعهما )) وقال (( وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا )) والصحبة والوصية بالإحسان لا يمكن أن تتوافق مع قطع حبال المودة والمحبة بين الابن وأبيه أو الابن وأمه .
رابعا : أن الله تعالى تعالى أمر المؤمنين ببر المسالمين من غير المسلمين ومعاملتهم بالقسط ، حيث يقول تعالى ( لا ينهاكم الله عن الذين لمن يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ) والبر والقسط لا يمكن أن ينبع من قلب مليء بالكراهية والبغض والعداوة .
خامسا : أن الله تعالى أمر نبيه بعدم ولاية المؤمنين الذين لم يستطيعوا الهجرة من مكة إلى المدينة ، حيث يقول الله تعالى ( إن الذي آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من وليتهم من شي حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير ) ولا يتوهم أن النبي عليه السلام وأصحابه قد توقفوا عن محبة ومودة المؤمنين الذين لم يهاجروا .
سادسا : كانت ممارسة النبي عليه السلام وأصحابه مؤكدة لانفصال الدلالة العقلية لمفهوم الولاية المتمثل في النصرة والإنتماء والانضواء في حلف اجتماعي وسياسي عن المعاني الوجدانية القائمة على المحبة والمودة ، فوحشي قاتل حمزة بن عبدالمطلب عم النبي عليه السلام حين جاء إلى النبي معلنا إسلامه سأله النبي عليه السلام أن يخبره قصة مقتل حمزة وحين انتهى قال له النبي عليه السلام : ويحك غيب عني وجهك بأن لا أراك . قال وحشي : فكنت أتنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان حيا حتى قبض الله عز وجل رسوله ، وكذلك فعل عمر بن الخطاب حين جاءه قاتل أخيه زيد ، فقال له " غيب عني وجهك " وحين أقام الجلندى بن مسعود حكم الإعدام على بعض أقاربه الذين ثبت خيانتهما للدولة " فاضت عيناه دموعا ، فلما نظر إليه اصحابه وعيناه تفيضان بالدموع قالوا : أعصبية يا جلندى ؟ فقال لهم : لا ولكن الرحم . وهذه الممارسات منطلقة من العمق الوجداني للطبيعة البشرية ، وذلك العمق الذي لا يمكن أن يقاس على العقل الذي تسيره المبادئ والقناعات ، التي يمكن أن تتغير كلما تبين للعقل أدلة أقوى وأرجح ، وهذا البعد الوجداني كان حاضرا في أذهان كثير من الفقهاء ، فقد روي عن أبي سعيد الكدمي :" قلت : وكذلك حب الكافلا حب الكافر لأجل إحسانه لا لأجل عصيانه لله ؟ قال : قال نعم فيما أحسب .
فإذا أدركنا ذلك يمكننا توجيه قوله تعالى ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أحاولهم أو عشيرتهم ) بأنه تقريع للمنافقين الذين تحالفوا مع الأعداء المحاربين للدولة الإسلامية ، وهذا ما يؤكده سياق الآيات حيث يذكر الله تعالى قبل ذلك ( ألم ترى إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الله الكذب وهم يعلمون ) الأمر الذي جعل هؤلاء المنافقين في حظب واحد ( حزب الشيطان ) ضد الدولة الإسلامية ، وهو ما يعبر عنه الله تعالى بعد ذلك بقوله ( استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله تعالى أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ) وكذلك يمكن توجيه قول الله تعالى ( قد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده ) بأن بغض أصحاب إبراهيم عليه السلام لقومهم إنما هو دافعة تنكيل أؤلئك القوم بإبراهيم عليه السلام وأصحابه المؤمنين ... .
يتبع ببعض الزيادة مع الخلاصة لهذه القضية ..
البـاز الأشهب
05/04/2006, 09:17 PM
أعتذر بسبب بعض الأخطاء المطبعية وذلك بسبب السرعة .
وشكرا لكم ونود من المشرف الفاضل الحزين أن يرسل نسخة من الموضوع لسبلتي الدين وبارك الله في الجميع .
الباحث الحر
05/04/2006, 11:04 PM
متابعين
تسجيل حضور
أما عن الشهرة المذهبية في الحديث والمتواتر
فيذكرني بموضوع فيليب حرب ( الشيعي ) حول حديه لأهل الحق والاستقامة منذ عامين التي جمع فيها الروايات من كل حدب وصوب واعتبرها متواترة
ـ الصديق ـ
05/04/2006, 11:23 PM
شكرا لك أيها الباز الأشهب وتابع فنحن متابعون معك .
ونشكر الأخ زكريا على جهده الملموس .
النور الوضاح
05/04/2006, 11:35 PM
اخي الباز الاشهب.
سنحاول الاتصال بالاستاذ زكريا المحرمي لنقاش ما جاء في كتابه، فتابع بارك الله فيك حتى يتسنى للقاريء التعرف اكثر على الكتاب..
نسخة الى سبلة الدين، ونسخة الى سبلة الحوار الديني..
تحياتي..
المعافري
06/04/2006, 06:56 AM
يثبت هنا
تاج العارفين
06/04/2006, 12:26 PM
كتاب جميل جداً كما عودنا الدكتور زكريا..
يوضح الكثير من الحقائق التاريخية ، ويزيل اللبس في كثير من القضايا الشائكة بأسلوب علمي متقن في متناول طالب العلم المتخصص وغير المتخصص على حد سواء.
:cool:
تاج العارفين
06/04/2006, 12:28 PM
سنحاول الاتصال بالاستاذ زكريا المحرمي لنقاش ما جاء في كتابه، فتابع بارك الله فيك حتى يتسنى للقاريء التعرف اكثر على الكتاب..
تحياتي..
ننتظر فمعي الكثير من الأسئلة ..
:cool:
البـاز الأشهب
06/04/2006, 02:38 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
أشكر الجميع للمشاركة في الموضوع والمرور الكريم وأشكر خاصة المشرف الحزين والذي قام بتصحيح الأخطاء المطبعية في بعض الآيات الكريمة وأعتذر للجميع على الخطأ .
مشرفنا النور الوضاح نرجوا أن يتم التنسيق مع الدكتور زكريا إن سمح وقته لذلك .
نتابع معكم وخاصة على ما ورد في مسألة الولاية والبراءة والتي قد يستشكل تحليلها على البعض كما قال الدكتور وبعد أن ساق الأدلة على قوله أود أن أضيف بعض التعليقات على ما قال وهو ما ورد في قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن الخروج مع الجيش وكيف تصرف النبي عليه السلام معهم وما هو موقف أصحابه من ذلك !!
بعد أن تخلف كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع كان موقف النبي عليه السلام ليس البغض الملطق الذي ينسحب عليه المقاطعة التامة والكره الذي يؤدي إلى زيادة للعداوة من قبل الطرفين وإنما كانت مقاطعة عقلية تنم عن فهم ثاقبة لهذه الممارسة حيث يقول كعب عن موقف النبي عليه السلام (( وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم وآتي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ثم أصلي قريباً منه فأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني )) وهذا يتنافى مع كون النبي عليه السلام قد بغضهم بسبب البراءة من فعلهم هذا وسنرى كيف كانت ردة فعل النبي وصحبه عندما نزلت آيات قبول توبة هؤلاء الصحابة وكيف كانت فرحتم مما يدل على أن قلوبهم كانت مُحبة لهم حتى في المقاطعة وإنما البراءة كانت مجرد ممارسة عقلية الهدف منها إشعارهم بشناعة العمل الذي عملوه حيث يقول كعب :
(( وآذن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشرونا وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض إلي رجل فرساً. وسعى ساع من أسلم فأوفى علي ذروة الجبل وكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني. نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه والله ما أملك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئوني بالتوبة يقولون ليهنك توبة الله عليك. قال كعب حتى دخلت المسجد فإن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جالس حوله الناس فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة. قال كعب فلما سلمت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو يبرق وجهه من السرور "أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك" قال قلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله قال "لا بل من عند الله" وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر وكنا نعرف ذلك منه فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك" ))
وهكذا كانت فرحتهم بنزول قبول توبة هؤلاء وما نلمسه من قصتهم مع النبي وصحبه هو بقاء المودة والمحبة حتى في حالة البراءة بسبب التخلف عن الخروج مما يدل على كلام الدكتور زكريا أنها ممارسة عقلية بحتة ..
وبهذا التحليل أقول رأي القاصر في أن العلماء الذين صرحوا بالبراءة من عثمان وعلي رضي الله عنهما لم يقولوها للبغض والكره الوجداني بل هي لعدم تحيز أهل النهروان لجيش علي فهي براءة سياسية لا علاقة لها بالوجدان وهناك تحليل للدكتور زكريا لهذه الأقوال وبسطها في قسم معين نسأل الله أن يوفقنا لبسط ما فيه ..
أما خلاصة هذا القسم كما لخصه زكريا فهو :
1- الولاية والبراءة فريضتان .
2- أن البراءة من الفاسق هي أحد أقسام البراءة .
3- أن الولاية والبراءة عبارة عن مممارسات عقلية متمثلة في إقامة تحالفات سياسية واجتماعية وفق شرع الله دون ارتباط هذه الممارسة بالمعاني الوجدانية كالمحبة والمودة أو البغض والكراهية المتعلقة غالبا بالمواقف الشخصية المجردة .
4- استحضارنا لهذه المعاني من خلال الفهم المبني على فصل الممارسة العقلية لمفهومي " والولاية والبراءة " بعيدا عن ضغط العاطفة ودائرة الوجدان سيفك كثيرا من المغاليق المرتبطة بقضية " الصراع الأبدي " بين الصحابة ، ذلك أن التعسف في التعاطي مع مفهومي " والولاية والبراءة " وربطهما بالشعور الوجداني أدى إلى قراءة أحداث الصحابة قراءة عاطفية انفعالية ساهمت في تكريس الخلاف وزيادة شقة المفاصلة والافتراق بين المدارس الاسلامية المختلفة ، ولعل تناول القضية بعيدا عن القوالب العاطفية والدوائر الوجدانية سيمكننا من استيعاب سيكيولوجيا احتراب الصحابة ، وتفسير كثير من المواقف التاريخية التي حدثتفي تلك الحقبة من الزمن .
كما أن تحديد مفهوم " والولاية والبراءة " بالتحالفات السياسية يعفى الأجيال اللاحقة للشخصيات التاريخية من عناء البحث والتنقيب عن تصنيف تلك الشخصيات في خانة الولاية والبراءة ، وهو ما يؤكده قول الله تعالى ( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ) .
وعليه أقول ربما أن قراءة التاريخ وأحداث المعارك والوقائع التي وقعت خلال عصر الصحابة قراءة عاطفية هي السبب في تقسيم الصحابة وإنزالهم منزلتي والولاية والبراءة مما حدا ببعض العلماء إنزال بعض الصحابة منزلة البراءة ... ولو كانت القراءة للحوادث منفصلة عن العاطفة ومبتعدة عن تصنيف الناس لكان أخير للجميع وأسلم لهم ونسأل الله العفو في الدنيا والآخرة .
يتبع .... بقسم الرسول صلى الله عليه وسلم والإنباء بالغيب متجاوزا قسم عدالة الصحابة العدالة المطلقة والخلاف فيها ناقلا التلخيص لذلك القسم بإذن الله تعالى حتى أبين وجهة نظر الدكتور زكريا في ذلك وأهم ما توصل إليه .... وسأبسط قسم الإنباء بالغيب للنبي عليه السلام لأهميته ...
..
البـاز الأشهب
07/04/2006, 07:23 AM
بسم الله الرحمن الرحيم ...
إن تفرق الأمة سياسيا وتقسمها لأحزاب متناحرة كل فرقة تدعي أنها على الحق حدا ببعض الفرق أن تلفق روايات تُنسب للنبي عليه السلام زورا ، ومفاد هذه الروايات أنها تؤلب كل فرقة على الأخرى وأنها هي الفرقة الناجية التي ستبقى وأنها يجب أن تقتل الفرق الأخرى وبهذه الروايات التي يستبعد أن ينطق بها النبي عليه السلام أخذ أصحاب العقول الضيقة بترويجها وبثها بين المسلمين لشق عصا وحدتهم وتشتيت شملهم وكسر كلمتهم .... ومن المؤسف أن تصدر فتوى من عالم محسوب لقوله ومنظور لمكانته في العالم الإسلامي بجواز قتل الإباضية والله المستعان ...
وحجتهم ان النبي حذر من هذه الفرق بل نصت روايات على ذلك ... فهل فعلا أن النبي يعلم ما سيحدث في المستقبل وأنه يعلم الغيب لنرى ما قاله المحرمي في هذا القسم :
لقد كان للأحداث السياسية التي مرت بها الأمة الإسلامية بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان وانقسام الأمة إلى شيعة علي وشيعة معاوية أثره البالغ في تفشي الوضع في الحديث للانتصار على الآخر عن طريق التنصيص على أحقية مذهب كل طرف وبطلان مذهب الآخر ، ومن أوائل الأشياء التي طرقها الوضع في الحديث هو فضائل الأشخاص ، حيث وضع كل طرف أحاديث كثيرة في فضائل قادتهم ، أو تم توظيف أقوال معينة للنبي عليه السلام لخدمة هذا الغرض ، ومن الأشياء التي ظهرت نتيجة مباشرة للحرب الكلامية بين الفرق المتنافسة التنبؤات بالأحداث المستقبلية ، حيث تنسب تلك الروايات للنبي عليه السلام التنبؤ بمقتل عثمان وعلي وغيرهم بالإضافة إلى التنبؤ بظهور الفتن وظهور الخوارج وغيرها من التنبؤات !
إلا أن الأمر الذي غفل عنه هؤلاء في خضم التنصيص السياسي انتصارا لمذهبهم المتناحرة أن القواعد الكلية للشريعة الإسلامية تتعارض مع الزعم بمعرفة النبي عليه السلام بالأحداث المستقبلية ، وتتجلى هذه القواعد من خلال استقراء النصوص القطعية للكتاب العزيز والسنة المتفق عليها ، وهذه القواعد هي :
أولاً : أن علم الغيب خاص بالله تعالى
1- يقول الله تعالى ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين )
2- يقول الله تعالى ( ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين )
3- يقول تعالى ( قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون )
4- يقول تعالى ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير )
ثانيا : النبي محمد عليه السلام لا يعلم الغيب .
1- يقول الله تعالى ( قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلى قل هل يستوى الأعمى والبصير أفلا تتفكرون )
2- يقول تعالى ( ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين )
3- يقول تعالى ( قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسنىَ السؤء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون )
4- يقول الله تعالى ( قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدرى ما يُفعل بي ولا بكم إن اتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين )
فالواجب على الأمة أن تقرأ مرويات الإنباء بالأحداث المستقبلية من خلال هذه القواعد ، فعلم " ما سيكون " هو علم خاص بالله تعالى والنبي محمد عليه السلام لا يعلم عن أنباء المستقبل شيئا أبدا . ولا يعني ذلك أن النبي عليه السلام لا ينبأ ببعض أنواع الغيب ، ذلك أن الغيب تدخل فيه دوائر كثيرة : فصفات الله تعالى والملائكة والجن والبعث والمعاد والقرآن الكريم كل واحدة من هذه الأمور تشكل دائرة من دوائر الغيب ، وقد أطلع الله عز وجل على نبيه محمدا على بعض تلك الدوائر ، والدليل على ذلك قوله تعالى ( مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) وقوله (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً {26} إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّه يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُلوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدا ) فهذه الآيات تؤكد على إطلاع الله عز وجل ، ويؤكد الله تعالى هذا المعنى بقوله ( لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ ) ، ولا يجوز أن يخلط المرء بين هذه الدوائر الغيبية المتعلقة بالرسالة ، وبين دائرة علم أحداث المستقبل " علم ما سيكون " التي جزم الله عز وجل أنه لا يشاركه فيها أحد .
كما يتوجب علينا أن نفرق بين الأنباء بأحداث الغيب وبين استقراء الواقع وتخمين النتائج كما هو الحال مع التحليل السياسي والاقتصادي والعسكري والاجتماعي الذي يقوم به الخبراء الآن ، ويدخل في هذا الاستقراء للواقع قول النبي عليه السلام " ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهن إلة النار ما خلا واحدة ناجية ، وكلهم يدعي تلك الواحدة " فافتراق الأمم وانقسامها هو سنة كونية وقعت لجميع الأمم السابقة ، والأمة الإسلامية في ذلك العهد كانت تحوي في نسيجها الاجتماعي الكثير من التناقضات وعوامل الافتراق ، فهناك المؤمنون المخلصون ، وهناك المنافقون المتربصون (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيمٍ ) وهناك الأعداء الخارجيون المتوثبون ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ
وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ ) وهناك التنوع العرقي والقبلي والثقافي (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) وقد كانت هذه القراءة الواقعية من النبي عليه السلام صائبة تماما ، فلا يمكننا إنكار حقيقة تفرق الأمة وتشعبها إلى فرق كثيرة . أما قضية العدد " ثلاث وسبعين " التي جاءت في الرواية فهي ليست حرفية وإنما تدخل في باب المبالغة المعروفة عند العرب كما في قوله تعالى ( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ )
وحقيقة عدم معرفة النبي عليه السلام بأحداث المستقبل يؤكده استقراء سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد روى البخاري عن أم العلاء امرأة من الأنصار ، بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته أنه اقتسم المهاجرون قرعة ، قال : فطار عثمان بن مظعون وأنزلنا في أبياتنا ، فوجع وجعه الذي توفى فيه ، فلما توفي غسل وكفن في أثوابه ، دخل رسول الله قالت : فقلت : رحمة الله عليك يا أبا السائب فشهادتي عليك ، لقد أكرمك الله . فقال رسول الله : وما يدريك أن الله أكرمه ؟ فقلت : بأبي أنت يا رسول الله ، فمن يكرمه الله ؟ فقال عليه السلام : أما هو فقد جاءه اليقين ، والله إني لأرجو له الخير ، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي . فقالت : فالله لا أزكي أحدا بعده أبدا . وفي وراية أخرى أن النبي عليه السلام قال لها : " أما عثمان فقد جاءه اليقين والله اليقين ، وإني لأرجو له الخير ، والله ما أدرى وأنا رسول الله ما يفعل به ولا بكم وكلام النبي عليه السلام هو بيان وتفسير لقوله تعالى (قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ )
ويؤكد هذا المعنى ما روي عن السيدة عائشة أم المؤمنين أنها قالت : أين أنت من ثلاث من حدثكهن قد كذب ؟ من حدثك أن محمدا قد رأى ربه فقد كذب ثم قرأت (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب ، ثم قرأت (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً )
وفي رواية أنها قالت :" من زعم أن محمدا يعلم ما في غد فقد أعظم على الفرية لأن الله يقول ( قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) ويؤكده كذلك قول الله تعالى ( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ) الذي يؤكد على أن النبي عليه السلام لم يكن يعلم أزواجه اللاتي أسر إليهن الحديث سيفشين سره ، فلعدم معرفته بالغيب " ما سيكون " أسر إليهن الحديث ، فاكتشف بعد ذلك أنهن أفشين السر .
الخلاصة :
1- المرويات التي تتنبأ بحدوث وقائع بذاتها كموت شخص أو مقتله أو تسلط آخر أو تغير حالة الحكم من خلافة عادلة إلى ملك عضوض لا يمكن قبولها وفق المنهج القرآني الحكيم .
2- المرويات التي تستقرئ المستقبل وتعطي نتائجها وفق قراءتها للأحداث الراهنة فهي لا تتعارض والقواعد القرآنية الكلية ، ولهذا يمكن قبولها إذا لم يكن بها علة في متونها وأسانيدها .
يتبع بإذن الله لاحقا وجزاكم الله خيرا .. :)
البـاز الأشهب
08/04/2006, 06:22 AM
بسم الله الرحمن الرحيم ........
نشكر جميع الاخوة على المتابعة ..
لا ريب صرع الصحابة كان له تأثير بالغ في صياغة بعض القواعد الفقهية لدى المدارس الإسلامية وذلك بسبب النظرات المختلفة والمتباينة لهذه القضايا التي دارت بين الصحابة رضي الله عنهم وهو ما ذهب إليه الدكتور زكريا حيث :
لا شك أن صراع الصحابة كان في جانب كبير منه مرتبط باختلاف الرؤى الفقهية ، ومع ظهور المذاهب الإسلامية وتبينها لمواقف متنافرة من موضوع الصحابة تطورت تلك الخلافات الفقهية لتفرز منظومات أصولية متكاملة إلا أنها متباينة لضبط التعامل مع الأدلة و النصوص الشرعية ، فينما ذهب أبو حنيفة ومالك وأهل الحديث والشافعي في القديم إلى تقديم فتاوى الصحابة على القياس ، ذهب جمهو الإباضية والشافعي في الجديد وصاحبا أبي حنيفة أبو يوسف ومحمد بن الحسن إلى أن الصحابي وغيره من المجتهدين سواء ، وذهب الشيعة إلى القول بعصمة علي بن أبي طالب وأبنائه واعتبار فتاواهم استمرارا للوحي المنزل .
وقد نقلنا سابقا ما قاله المحرمي حول عدالة الصحابة والخلاف الواقع فيه باختصار ومن هذا الخلاف حصل الاختلاف !!
يقول المحرمي (( والخلاف حول عدالة الصحابة أدى إلى اختلاف المدارس الإسلامية حول منهج التعامل مع الأخبار المروية عن النبي عليه السلام . حيث ذهب أهل الحديث إلى اعتبار خبر الآحاد نظيرا للسنة النبوية ، بينما ذهب الإباضية والمالكية والأحناف ووافقهم الرازي من الشافعية إلى أن خبر الآحاد ليس بالضرورة نظيرا للسنة ، فقد كان مالك بن أنس يقول : " يقدم القياس على خبر الواحد في العمل به " والحنفية كذلك يقدمون الرأي على أخبار الآحادالتي يرويها الصحابة الذين لم يعرف عنهمة الفقه كأبي هريرة ، أو الصحابة الذين لم يعرفوا بطول الصحبة كوابصة بن معبد وسلمة المحيق ومعقل بن سنان الأشجعي ))
إن التعامل مع النصوص الشرعية كان مختلفا بين المدارس بل في بعض الأحيان يكون منهج التعامل مختلفا حتى عند المدرسة الواحد فمثلا في باب العقيدة يذهب الأشاعرة لتأويل النصوص المشعرة بالتجسيم في حين ذهب أغلب أهل الحديث والحنابلة للأخذ بظاهر النص وعدم جواز التأويل إطلاقا وألفت الكتب في ذم التأويل وغزو الجيوش الإسلامية لفرق الجهمية والمعطلة وغيره من الدعايات التي تنادي لهذه المنهج الذي بدأ بالإنحسار فهذا الخلاف دائر في مدرسة واحدة وهي المدرسة السنية ( إن صح التعبير ) وكما يرى زكريا أن هناك ثلاثة مناهج برزت للتعامل مع النصوص الشرعية هي :
1- المنهج الأول يقوم على التعامل الحرفي الظاهري التجزيئي للنص ، بحيث يتعامل مع كل نص وإن ورد بطريق ظني كأخبار الآحاد بشكل منفرد عن بقية النصوص ، ولا يعتمد أية آلية عقلية لفهم أبعاد النص وفق منظومة كلية ، وأبرز ممثلي هذا المنهج هم أهل الحديث .
2- المنهج الثاني : يقوم على مبدأ القياس الشرعي بحيث ينظر في " العلة " التي من أجلها أصدر الحكم الشرعي ، فيتم الحكم على كل حادثة تشترك في العلة مع تلك القضية بذات الحكم ، أبرز ممثلي هذا المنهج هم الأصوليون .
3- المنهج الثالث : يقوم على مبدأ استظهار المقصد الشرعي الذي من أجله صدر الحكم في قضية ما ، بحيث يمكن تغيير الحكم الشرعي في نفس القضية إذا لم يتحقق ذات المقصد ، أما القضايا التي سكت عنها النص فالحكم الشرعي فيها يدور مع اسيفاء المصلحة أو دفع المفسدة ، وأصحاب هذا المنهج يعرفون بالمقاصديين .
يقول الدكتور زكريا أنه ربما يعمد البعض للتلفيق الأصولي وهو أن يعتمد على كل واحد من هذه المناهج على حدة للوصول لما يرغب من نتائج فتارة يعمد للمنهج الظاهري وتارة يعتمد المنهج " العلي " وتارة يقصد منهج " المقاصد الشرعية " وهذا المنهج لا يمكن الاستفادة منه في جميع القضايا لهذا قررنا ـ القائل هو الدكتور ـ اعتماد منهج جديد يستوعب جميع المبادئ التي قامت عليها المناهج السابقة ، ويقوم بالربط بينها وبصورة تكاملية تتجاوز الخلل والنواقص في كل منها . وهذا المنهج هو الذي أسماه البعض منهج " القواعد الكلية " . ويعتمد على مجموعة من الخطوات :
1- تحديد النصوص المرتبطة بالموضوع المدروس من كتاب الله العظيم والسنة المجتمع عليها .
2- تحليل النصوص بغية تعيين معاني الألفاظ المفردة اللغوية ودلالاتها الاصلاحية في الخطاب القرآني أو النبوي ، وتحديد دلالات النظم الثاوي في التركيب الصرفي والنحوي للنصوص ، بما يحقق الفهم الواضح للفرق بين دلالات النصوص المبينة ، والنصوص العامة والخاصة ، والنصوص المطلقة والمقيدة .
3- تعليل النصوص بالنظر إلى مناط الأحكام المرتبطة بالنصوص وتحديد المقصد أو المصلحة أو السبب الذي يدور حوله الكم وجودا وعدما .
4- استقراء المعاني الكلية لنصوص الكتاب وصياغتها وفق عدد من القواعد الكلية .
5- عرض نصوص الآحاد على القواعد الكلية المصاغة في الخطة السابقة للنظر في موافقتها لهذه القواعد ، وبالتالي تحديد مستوى السقف التشريعي التي تفيده تلك الأخبار ، وتدرجها بين طرفي الإلزام والرد .
6- اعتماد القواعد الكلية المتحصلة لفهم الواقع المدروس ، أو توجيهه والحكم عليه .
هذه هي الخطوات التي يرى الدكتور زكريا وجوب اتباعها في التعامل مع النصوص الشرعية حيث وصف هذا المنهج بأنه :
يتميز بأنه يشمل على كل الحلول الجزئية التي طرحها المفكرون الإسلاميون لمعالجة الأزمة الفكرية الإسلامية ، فهي تضمن ترسيخ " مقاصد الشريعة " التي نظر لها الشاطبي وابن عاشور وعلال الفاسي ، وتضمن كذلك " تمديد دائرة الإباحة النصية وتقليص دائرة الإلزام " الذي نظر له محمد عابد الجابري وعبد الجواد ياسين ، وهي تتجاوز الإشكالات التقنية للقياس الفقهي ، بالإضافة إلى عدم تخليها عن الروايات الآحادية ، وإنما استوعبها وفق منهج يضمن الإنسجام والاتساق بين النصوص المختلفة حتى تشكل بنيانا متماسكا محكما يستطيع المواءمة بين النص والواقع .
هذا باختصار ما ورد في هذا القسم واعتذر إن كانت هناك أخطأ مطبعية ....
يتبع بإذن الله تعالى :)
ابوعبيده
08/04/2006, 11:11 AM
جزاك الله خيرا اخي الكريم
المعافري
08/04/2006, 05:40 PM
جزاك الله خيرا ووفقك
البـاز الأشهب
09/04/2006, 11:23 AM
شكرا لك أخي أبا عبيدة والشكر موصول للمشرف القدير المعافري ...
بسم الله تعالى عليه توكلت وهو الموفق لكل خير .......... أعتذر على التأخير ..
بعد أن لخصت ما ورد في الأقسام السابقة وهي ما افتتح بها الدكتور كتابه ينتقل للوقائع التاريخية التي حدثت بعيد وفاة النبي عليه السلام مباشرة ولا شك أن هذه الأحداث وقع فيها ما وقع من شوائب وأغاليط وكل مدرسة تنظر للأحداث نظرة عاطفية وتنصر طرف على آخر أو صحابي على غيره وتفاضل بينهم والحجة في ذلك ما فعله هؤلاء بعد وفاة النبي عليه السلام مباشرة فنرى أن الشيعة تتهم الصحابة بانهم سارعوا وتسابقوا للاستيلاء على الخلافة بينما كان علي مشغولا بتغسيل النبي عليه السلام وهذه شبهة هزيلة وهي مستبعدة من قبل أصحاب النبي عليه السلام في حين نرى أن المدرسة السنية روجت أحاديث للخلفاء وفضائلهم وهم غير محتاجين لها بطبيعة الحال وأعني هنا الخلفاء الراشدين الأوائل أم الملوك من معاوية ومن جاء بعده فحدث ولا حرج وكل ما رووه قد رده النسائي يقوله لا يصح في فضائل معاوية شي ولكن أهل الحديث يزينون لأمرائهم وسادتهم ما يشتهون فعله ولله الأمر من قبل ومن بعد وأكثر الشبهات قد أثيرت حول الخلفاء الأربعة ( أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ) فكانوا أطراف للنزاع الحاصل بين المدارس فقد قالت الشيعة أن أبا بكر وعمر قد ارتدا وأحدثا ما أحدثا في الإسلام بعد موت النبي عليه السلام وعثمان معهم وفي المقابل قالوا بعصمة علي وأنه المستحق للخلافة بعد موت النبي عليه السلام وكل هذه الشبهات يتطرق لها الدكتور زكريا في هذا القسم للذب عن حياض الصحبة الكريمة رضوان الله عليهم ونقد التأريخ الذي نُسج حولهم بطريقة جميلة جدا وسلاسة رائعة وبنظرة منصفة لا إفراط فيها ولا تفريط ...
وأول هذه الشبهات كما أسلفت هي أن الصحابة تسابقوا للاستيلاء على الخلافة بعد موت النبي عليه السلام فيرد المحرمي على هذه الشبهة بدليل عقلي وآخر نقلي قائلا :
(( هذه الروايات يصعب قبولها لمعارضتها ما عرف من حب الصحابة للنبي عليه السلام ، واحترامهم له وتقديرهم لمكانته ، ففكرة تناسيهم له ساعة وفاته وأثناء غسله وتكفينه ودفنه لا يمكن قبولها ، فالبشر مع اختلاف مشاربهم يكنون الكثير من الاحترام لموتاهم ، فكيف بالمسلمين ، وكيف بالصحابة ، وكيف عندما يكون الميت هو النبي عليه السلام الذي ضحوا لأجله ودعوته بانفسهم وأموالهم وأبنائهم وقبائلهم التي هجروها نصرة له ويتجلى حبهم وتعظيمهم لشخصه عليه السلام في الذهول والحيرة التي أربكتهم جميعا صعقهم خبر وفاته ))
هذا من ناحية عقلية أما من ناحية عقلية يقول :
(( مع عدم ثبوت مثل هذه الروايات أمام النقد الداخلي ( المتني ) فإنها لم ترد إلا من طرق رواة الشيعة كأبي مخنف ، والشيعة شهر عنهم معارضتهم لأبي بكر ، وشهادة الخصوم ضد بعضهم مجروحة
وفي المقابل فإن الروايات التي استعرضناها سابقا والمجتمع على أغلب تفاصيلها تؤكد أن الصحابة كانوا حضورا لحظة وفاة التبي عليه السلام وأنهم صلوا عليه ، وكانوا حضورا لعملية حفر القبر وشاركوا في إنزاله في قبره ثم دفنه ))
وهناك شبهات كثيرة قد رد عليها المحرمي في كتابه فليرجع لها غير أني أنقل شبهة أخرى نسبت لعمر حين تولى أبو بكر الخلافة وانه قال عن خلافته أنها فلتة وقى الله شرها .
يقول المحرمي (( ليس في قول عمر ما يشين بيعة أبي بكر ، ذلك أن الفلتة في اللغة هو الأمر الذي يقع من غير إحكام ، يقال : كان ذلك الأمر فلتة اي مفاجأة . وقد تأكد لنا من خلال القراءة السابقة للاحداث أن بيعة أبي بكر لم تتم وفق تدبير مسبق ، وإنما حدثت فجاة دون سابق تخطيط ، والقرارات العظيمة التي تتم بمثل هذه الصورة الفجائية قد يستتبعها مصاعب جمة بسبب تشابك الأمور والمصالح المحتاجة إلى ترتيب وضبط وربط ، إلا أن الامر اختلف في بيعة أبي بكر الصديق إذ تم بها رتق الفتق الذي حصل بين المهاجرين والأنصار ، فهي فعلا فلتة وقى الله شرها وربما لو كانت البيعة في مثل تلك الظروف الحساسة لغير أبي بكر لاستتبعها كثير من الإشكالات السياسية لعدم وجود قيادة مجمع على حنكتها وفضلها وسابقتها في الدين كما هو الحال مع أبي بكر الصديق ))
وأنقل شبهة أخرى لأهميتها وذلك ان الشيعة يقولون أن أبا بكر وعمر كانا في سرية أسامة بن زيد قبيل وفاة النبي عليه السلام لكنهما تلكئا عن المسيرة ، فلعنهم النبي عليه السلام ( والعياذ بالله ) وهذه الشبهة من طرف الشيعة حيث جاءت في نهج الحق وكشف الصدق لابن مطهر الحلي .
فيرد زكريا على هذه الشبهة بقوله :
(( من الصعب القبول بفكرة إرسال النبي عليه السلام لكبار الصحابة أولى الرأي والنهى والخبرة في تلك الفترة الحرجة من عمره حيث بدأت حالته الصحية تتدهور ، وبدأت إشارات الوداع تلوح ، ووجود الفتية أولى القوة خير من وجود أبي بكر الذي ناهز الحادية والستين من عمره ، وقد روى البخاري والطبري الكثير من الروايات التي تتحدث عن سرية أسامة ، دون أن تشير غلى وجود أبي بكر في ذلك الجيش ، ولم ترد هذه الرواية في مصدر من مصادر الرواية عند الإباضية فهي من المختلف فيه ، ويكفى دليلا على بطلان مثل هذه المرويات نسبتها اللعن للنبي عليه السلام ، وهو مخالف لما وصفه الله تعالى به من خلق عظيم ( وإنك لعلى خلق عظيم ) وقد قال أنس بن مالك : لم يكن رسول الله سبابا ولا فحاشا ولا لعانا ، كان يقول لأحدنا عند المعاتبة : ما له تَرِبَب جبينه .
وقد أورد الطبري خبرا يفيد أن المعترضين على إرسال سرية أسامة بن زيد هم المنافقون ، ومعلوم أن النفاق هو صفة قوم من أهل المدينة ومن حولها من الأعراب ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ ُمنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ) ولا ينسحب ذلك على المهاجرين لعدم حاجتهم للنفاق حيث دخلوا الإسلام وهو ضعيف وتركوا من أجله من الأموال والأهل والأولاد . ولم ترد قصة أمر النبي عليه السلام لأبي بكر بالانضواء تحت لواء أسامة عند الإباضية ولا عند أهل الحديث من السنة إلا في بعض الروايات الواهية الإسناد .
وقد ذكرها المحرمي على الهامش وهي عند ابن سعد في الطبقات .
يتبع بالشبهات المثارة حول خلافة عمر رضي الله عنه ...
ملاحظة : لا أنقل جميع الشبهات وإنما أهمها لذا أنصح بالرجوع للكتاب لقراءتها كاملة ولكم جزيل الشكر .
البـاز الأشهب
10/04/2006, 12:32 PM
بسم الله الرحمن الرحيم ...
نعم أخي منير فعلا سيكون الكتاب مرجعا وخاصة للباحثين حول عن أراء الإباضية ومواقفهم السياسية حيث أن منهج تأليف الكتاب جديد وينهج منهجا منطقيا بعيدا عن العاطفة التي طغت على مؤلفي التأريخ قديما وحدثيا ... وخاصة حول الشبه التي تثار حول الإباضية من أنهم يكرهون الصحابة أو أنهم ينقمون على أحد منهم فكل هذه ادعاءات باطلة القصد منها الإقصاء فقط لا غير ..
بعد أن تطرقنا لبعض الشبه التي أُثيرت حول خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ننتقل للشبه التي أُثيرت حول خلافة عمر رضي الله عنه وأرضاه حيث يقول المحرمي بأن جميع المصادر التاريخية مجمعة على أن خلافة عمر تمت عن طريق الوصية ، حيث أوصى بها أبو بكر لعمر ، ولا تعنى الوصية استبعاد دور الصحابة في الاختيار وإنما كانت تلك الوصية تحت سمع وبصر الصحابة ورضاهم .
الشبهة الأولى التي أُثيرت حول عمر هو أن الخلافة تمت بدون شورى !
وهذه الشبهة يرد على زكريا بقوله :
قد أسلفنا أثناء الحديث عن الطريقة التي اختير بها أبو بكر الصديق أن تاريخ البشرية كله لم يحظ طوال مسيرته بأية تجربة شورية على مستوى تدوال الحكم وتعيين الغمام ، فلهذا فإن تطبيق قاعدة الشورى في هذا الإطار ستكون محكومة بالتجربة البشرية المحدودة والضيقة والتي تتمثل في بيعة أبي بكر الصديق ! ، وقد لاحظنا الظروف الموضوعية الصعبة التي تمت خلالها تلك البيعة ، فلهذا رأى أبو بكر وهو يسبح في فضاء قاعدة الشورى غير المقيدة بتفاصيل معينة أن الصحابة شبه مجمعين على القبول بعمر بن الخطاب وهو ما تؤكده رواية أبي السفر عن الطبري ، وأن الاعترضات عليه من قبل البعض ـ كعلي وطلحة ـ إنما هي اعترضات عاطفية أكثر منها موضوعية تقدح في شخص عمر وأهليته ، فاختيار أبي بكر الصديق لعمر بن الخطاب إذاً هو تطبيق وممارسة للشورى في إطار الخبرة البشرية التي وصلت إليها المجتمعات الإنسانية في تلك المرحلة .
وشبهة أخرى من قبل الشيعة وهي أن عمر هم بإحراق بيت علي ابن أبي طالب وفيه فاطمة وابنائها ، وان عمر بن الخطاب ركل الباب حين همت فاطمة بفتحه فكسر ضلعها !!
والحقيقة أن الشيعة جرئيون بحيث ينسبوا هذا الفعل الشنيع لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وهذا أمر مستبعد للغاية فماذا يقول المحرمي في الرد على هذه الشبهة الغريبة :
زعم غلاة الشيعة أن عمر بن الخطاب كان شديد الكراهية لعلي وفاطمة وأبنائهما ، وأنه أراد أن يحرق بيتهما بمن فيه ، وأنه صك فاطمة على الباب فأسقطت ما في بطنها ، ويذهب احمد الكاتب إلى ان هذه الدعوى اختلقها الغلاة كردة فعل طبيعية لحال ة القمع الاموي السياسي والعسكري والاجتماعي ضد كل خصومهم ومن بينهم الشيعة ، وظهورها مترتب على ظهور القول بالنص الإلهي بالوصية لعلي ، فالذين اخترعوا فكرة النص الإلهي قاموا بإعادة كتابة للتاريخ بحيث يخدم الفكرة التي تبرر تميزهم عن الىخرين ، وتؤكد حقهم في الملك والسلطان ، وكانت هذه القصة وما تزال أرضا خصبة لتتريس الأتباع ضد الخصوم من أتباع المذاهب الأخرى ، فلا تكاد مناسبة دينية او اجتماعية إلا واستحضر الخطباء ما يصفونه بــ" مظلومية الزهراء " .
هذه القصة يقول عنه الدكتور زكريا متابعا كلامه :
فلا بد أن نعترف في نهاية المطاف أن هذه القصص وأمثالها الكثير لا أصل لها ولا فصل ، ولم تجتمع عليها الامة ، ولم يروها إلا الضعفاء والكذبة والمغفلون من أهل الحديث وأخباريو الشيعة ، يقول ابن تيمية : " وإنما ينقل هذا عن جهال الكذابين ، ويصدقه الحمقى العالمين الذين يقولون أن الصحابة هدموا بيت فاطمة ، وضربوا بطنها حتى أسقطت ، وهذا كله دعوى مختلق ، وإفك مفترى باتفاق أهل الإسلام . ونحن إن اتبعنا المنهج الكلي في فحص هذه الدعوى ، فإننا يجب أن نستحضر مجموعة من الحقائق المتفق عليها :
أولا : محبة الصحابة للنبي عليه السلام والمهاجرون أكثر الناس إخلاصا لأن النفاق لم يظهر إلا في أهل المدينة ومن حولها ، فمحبة النبي عليه السلام تقتضي محبة أهله وأبنائه .
ثانيا : الاعتداء على الناس محرم في الإسلام ، والاعتداء على النساء أكثر حرمة ، فلا يجوز الاعتداء على المرأة وإن كانت من قوم عدو المسلمين إلا إن كانت منضوية في صفوف المقاتلين ، وحرمة الاعتداء على النساء هو عرف عربي أصيل فإن كان الغلاة ينفون الإيمان عن الصحابة ، فلا يمكنهم أن ينزعوا عنهم عروبتهم والبيئة التي كونتهم ومن هنا قال كاشف الغطا (( قضية ضرب الزهراء ولطم خدها مما لا يقبله وجداني ويتقبله عقلي ، ويقتنع به مشاعري ، لا لأن القوم يتحرجون ويتورعون من هذه الجرأة العظيمة ، بل لأن السجايا العربية والتقاليد الجاهلية التي ركزتها الشريعة الإسلامية وزادتها تأييداً وتأكيداً تمنع بشدة أن تضرب المرأة .
ثالثا : أنا أبا بكر وعمر من قبيلتي تيم وعدي المتواضعتين في قريش بينما ينتسب علي بن أبي طالب إلى قبيلة هاشم العريقة والقوية ، وبنو هاشم وبنو أمية ينتسبون جميعا لعبد مناف ، وخصوم أبي بكر وعمر يروون في كتبهم أن بني امية وبني عبد المطلب غير راضين عن بيعة أبي بكر ، وأن أبا سفيان عرض على علي والعباس أن يبايعهما بدلا من أبي بكر فرفضا ، فلا يعقل أن يجرأ أبو وعمر على اقتحام بيت على وفاطمة .
رابعا : الذين يدعون على عمر بن الخطاب تعديه على بيت علي يتهمون عمرا بأنه جبان لا يعرف الشجاعة ، حيث وصفه الطبرسي في أحد رواياته بانه " ابن صهاك ، ****** في الحرب والفرار " ، في المقابل يعتبرون عليا أقوى الناس وأشجعهم ، فكيف يجرؤ ****** الرعديد على الهجوم على القوي الشجاع ؟ وأن لا يقتصر الامر على الهجوم بل يتعداه إلى التعرض للزوجة بالضرب والإهانة .
خامسا : أن بيعة أبي بكر تمت بمباركة الأنصار ، وأحب الأنصار لفاطمة وعلي أكبر من حبهم لأبي وعمر ، حيث يروى ابن رستم الطبري عن احد الأنصار قوله لفاطمة : لو كان أبو الحسن تكلم في هذا الامر وذكر الناس قبل أن يجري هذا العقد ما عدلنا به أحد ، ويقول حسين الشاكري : أن الأنصار كانوا ملتزمين من جانبهم بحق علي في الخلافة ولو المعارضة . فكيف يعقل ان يجرؤ عمر على فاطمة التي يعظمها الأنصار الذين قامت خلافة أبي بكر على كواهلم .
ونقفز لرأيه عن أسانيد هذه الروايات حيث يقول المحرمي :
(( أما أسانيد تلك الروايات فهي أوهى من خيوط العنكبوت ))
ثم ذكرها وبين ضعفها فليرجع لها في الكتاب ..
وقبل أن ننتقل للشبهة التي أُثيرت حول عثمان رضي الله عنها ننقل ما قاله المحرمي في نهاية مناقشته للشبه المثارة حول أبي بكر وعمر حيث يقول :
يتوجب علينا قبل تجاوز قنطرة مناقشة الشبهات المثارة حول الخليفتين أبي بكر وعمر أن نقرر حقيقة لا يمكن لأحد ردها وهي أن الشيخين لم يوصيا بالخلافة لأحد من أبنائهما من بعدهما ، ومع العلم بان حب الولد يربو على حب الذات ، ويعتبر من زينة الحياة الدنيا وشهواتها (( زُين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث. ذلك متاع الحياة الدنيا. والله عنده حسن المئاب )) فإن قالوا أن أبا بكر خاف من تهديد عمر وسطوته على أبنائها ، فما بال عمر حرم على الصحابة اختيار أبنائه للخلافة ؟ أليس في ذلك دلالة قاطعة على نزاهة هؤلاء وعدم تهافتهم على الدنيا كما يدعي منقدوهم !
يتبع بأحداث خلافة عثمان بن عفان .....
جزاك الله خيرا أستاذنا الدكتور على ذبك عن حياض الشيخين والدفاع عنهما من كذب الغلاة وأباطيلهم .
المجاهد الاباضي
10/04/2006, 05:52 PM
معي اسئلة عديدة لمؤلف الكتاب
وقد كتبتها عندما قرأته
اتمنى أن يحضر المؤلف في السبلة حتى يجب على اسئلتنا
وشكر لكم
البـاز الأشهب
10/04/2006, 09:41 PM
المؤلف سيحضر بعد أيام في السبلة الثقافة والفكر والموضوع مثبت هناك .
خادم الإسلام
15/04/2006, 12:12 PM
نرجو منكم كما عرفتمونا بالكتاب أن تتكرموا بتعريفنا بالمؤلف وإذا أمكن مع الصورة لكان أفضل:)
المعافري
23/04/2006, 01:20 PM
خالص الشكر للأخ الباز الأشهب
حسسسسان
25/04/2006, 08:02 AM
هل يمكنني مناقشة ما نقله الأخ الباز الأشهب (بالأزرق)!؟
إذا لم يمنعني أحد المشرفين فسأبدأ مناقشة الكاتب غدا بإذن الله.
عبدالله1
25/04/2006, 10:24 AM
اسمحو لي فلن تجدوا من يناقش الكتاب بما فيه من أخطاء وعلل ألا أذا تركتم المجال للمخالفين بمناقشته , والأ ما الفائدة من تلميعكم أنتم للكتاب فقد يقول قائل أن الكتاب لواحداَ منهم وهم يؤيدون الغث والسمين فيه ,فلكي يكتمل هذا الحوار الذي بدأتموه فأسمحوا للمخالف ان يعرض رأيه هنا وندع الحكم للقراء الذين سوف يحكمون بعد ذالك , وبما أن صاحب الكتاب سيحضر بنفسه فهذه فرصه كبيرة لحصر المجال في موضوع مستقل بدون تدخل أحد من المؤيدين للكاتب في النقاش الذي من المفترض أن يدور بين الكاتب ومن خالفه حتى لا يتشتت الموضوع , والقيام بفتح موضوع أخر لمناقشة الأشكالات الحاصلة لبعض المريدين والذين لم يستطيعون فهم بعض الجزيئات من الكتاب ,و بهذا فقط تستطيعون أن تتكتسبوا المصداقيه التي تدعون لها , ويتعرف الكاتب على النقاط التي لم يوفق فيها أن وجدت
والسلام .
ونتمنى من المشرفين السماح لشيخنا حسسان بمناقشة فكر الكاتب لأن يعتبر من الطرف الأخر في موضوع مستقل بينه وبين الكاتب كما اسلفنا في ردنا السابق ,حيث سيكون هناك موضوعين الأول بين الشيخ حسان والكاتب أو المخالفين والكاتب ,و موضوعا مستقل بين الكاتب ومريده .
ننظر الجواب من المشرفين الداعين للوحده ونبذ الفرقه أن يلبوا الطلب اليسير ودمتم في عناية الله .
المستبلي
25/04/2006, 10:43 AM
هل يمكنني مناقشة ما نقله الأخ الباز الأشهب (بالأزرق)!؟
إذا لم يمنعني أحد المشرفين فسأبدأ مناقشة الكاتب غدا بإذن الله.
المكتوب باللون الأزرق هو لمؤلف الكتاب زكريا المحرمي ،
يوجد موضوع مثبت في سبلة الثقافة والفكر (http://om.s-oman.net/showthread.php?goto=newpost&t=244534)لمناقشة ما طرحه الكاتب من موضوعات ومسموح للجميع إبداء رأيهم حول ما ذُكر في الكتاب :نطوط: :نطوط: :نطوط: وسيقوم الكاتب بالرد على الإستقسارات
محب الصلاح
27/04/2006, 05:03 AM
وحسسان وعبدالله 1 الدكتور زكريا مستضاف في سبلة الثقافة والفكر فلا تغردوا خارج السرب !
vBulletin إصدار 3.8.11، كافة الحقوق محفوظة ©2000-2026، مؤسسة Jelsoft المحدودة.