المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : عن رجل من طيوي ........ بقلم محمود الرحبي


سويري
30/03/2006, 11:29 PM
عن رجل من طيوي



محمود الرحبي


قرية بعيدة، غارقة بين الجبال والسحب، تتناثر أشجارها كالريش فوق السفوح الحادة التي يتسنمها الأطفال لإستقبال آبائهم، المحملين بأكياس تحني ظهورهم وهم يتسلقون الصخور الفاصلة بين شارع الإسفلت والأحواض الجبلية التي تعوم فيها قري تلك السلسلة الشاهقة.
شاحنات الأجرة القادمة من المدينة، تلقي حمولاتها البشرية علي طول ذلك الشارع، فيعبرون متسلقين الصخور، محدقين ولهاث اللهفة والتعب يزفر خشنا من الفتحات المعجونة لوجوههم.
يسكن هو في إحدي تلك القري، التي لا يوجد فيها سوي دكان واحد، بائعه مصاب بالسل، لذلك يخاف أهل القرية الاقتراب من ألواحه المتآكلة والمرصعة بعلب صدئة وأكياس حالكة بقيت شهورا بعد انتهاء تاريخ استعمالها.
وكان يأتي إلي قريته كل أسبوع، وأبناؤه الأحد عشر، ينتظرون عودته بشوق، يصطفون لاستقباله من دون أحذية، فوق سفح الجبل، وعندما يبرق منحنيا، تتهلل وجوههم، وينططون أقدامهم الحافية، ويفر بعضهم راكضا دافعا جناحيه إلي البيت لإخبار أمه.
والأم لاتملك سوي فستانين. واحد ترتديه عندما يعود زوجها، والآخر عندما يقفل راجعا إلي المدينة حين يخبو مختفيا بين الصخور.
وكان بيتهم صغيرا، وعندما ينام الأطفال يختلي بزوجته في السطح، ثم يهبطان حاملين غطاءهما، يفتح كل واحد منهما مكانا بين الزحمة وينام.
وكان يأتي لأبنائه بمؤونة الأسبوع كاملة في كيس كبير، ويحض زوجته علي التقتير، ثم يودعهم ويخبو بين الجروف الوعرة عائدا إلي المدينة، فيظهرجسده، في انحداره من ذلك السفح، كنقطة كبيرة لاتلبث وأن تتضاءل إلي أن تتبدد في الهباء.
وكان يحمل في رأسه عينا واحدة. كانت تلك العين الوحيدة التي يعمل بها ، مقطعا رقاب الدجاج في سوق السمك بمطرح، والعين الأخري مطفأة تغوص مدفونة في محجرها الضيق، وحين يقطع تلك الرقاب، يفتح العين المضيئة عن آخرها، فتتلصص تلك المطفأة بيضاء من بين أغطيتها الميتة.
وذات يوم سالت دموع كثيرة من عينه المضيئة، فمسحها بردنه المالح، فازدادت الدموع، وجاره الذي يقطع السمك بجانبه، يري بتقزز الدموع التي تقطر من عينيه وتزحف من أنفه وهو يمسحها منحنيا وغيمة حزن تلف وجهه الضعيف.
والذين يذهبون إليه ليذبح دجاجاتهم، عندما يرون الخيوط التي تقطر من وجهه يسحبون أجسادهم ساخطين. وتزداد الدموع حين يتذكر زوجته وأبناءه، وفي طرف الأسبوع ذهب إليهم بكيس ضامر، يخرج من جوفه الهواء عندما يضغطه الأطفال، فلم ينم تلك الليلة، ولم يصعدا إلي السطح ، وعند الفجر رجع عائدا إلي المدينة.
وقف أمام بوابة المستشفي الكبير. الذي يظهر كقصرعملاق تحيطه الزهور وتسطع الألوان من جدرانه الفارهة. وعندما دخل إلي جوفه، وجد الكراسي والأرضيات تطفح بالمرضي، ورائحة تحوم في المكان. وكان الطبيب يختفي عن مكتبه ساعات، وعندما يعود يسقط عينا خاطفة علي كتل المرضي قبل أن يدخل مكتبه، فتشع وجوههم وتتحفز للنهوض أجساد الذين اقترب دورهم.
انتظر ساعات أمام ذلك المكتب، غافله النعاس وهو ينتظر، ونهش الجوع أمعاءه الخاوية.
أمره الطبيب أن يراجعه بعد أربعة أيام، ولم يعطه سوي ورقة المراجعة. وفي الليل كان يفترش منامه أمام البحر، في جوف عريشة مغطاة بالسعف، تصوت فيها الريح، وينقر الرمل حوافها بلطف، غرفة مشرعة علي البحر، يشاركه فيها الصيادون القادمون من قراهم البعيدة.
بعد أربعة أيام، أدخله الممرضون غرفة باردة، وأغلقوها عليه، وبعد ساعات دخل الطبيب وأعمل جراحة سريعة لعينه، ثم غطاهما بخرقة بيضاء وانسحب.
سحب الممرضون سريره وركنوه بين أسرة كثيرة، فظل مغمض العينين وقلبه يخفق. رأي بوضوح أبناءه رافعين أياديــهم الكثيرة فوق السفح، ورأي زوجته ترتدي فسـتانها المغسول، لم يحتـمل نسيانه أياما فوق الســرير، تخترقه الأصوات دون أن يراها، فقرب أصابعه جهة الخرقة البيضاء، أزاحها قليلا، أزاح طرفها أولا، وعندما لم ير شيئا أزاحها كلها، فتح فمه وصرخ، جر قدميه وارتطم رأسه بالأسرة وسقط، ثم جر قدميه وارتطم رأسه بحافة الباب وسقط، صرخ في سقطته، صرخ في سقطته ورفع يديه الخشنتين وهتف وهو يهز جسده بقوة:
- قلعوا عيني ياالله، قلعوا عيني

كاتب من عُمان

المصدر القدس العربى
30/3/2006
0

عبدالناصر20
31/03/2006, 12:43 AM
كاتب متمكن يصور الظروف
التي كانت عليها عمان قبل عصر النهضة
أتمنى لو أعرف نبذة عن هذا الكاتب
فأسلوبه يشد القاريء ويلامس الواقع

صقر الخالدية
09/04/2006, 02:00 PM
قصة قصيرة جميلة ...... اعتقد انها تتكلم عن الاخطاء الطبية :mad:

ظبية
10/04/2006, 09:34 AM
عبدالناصر20 :
**********
(( كاتب متمكن يصور الظروف
التي كانت عليها عمان قبل عصر النهضة ))

حلوة هذه ....:ضحك:

صقر الخالدية :
*********
(( قصة قصيرة جميلة ...... اعتقد انها تتكلم عن الاخطاء الطبية ))

.......... وهذه أحلي ...:ضحك: :ضحك:

السامر4
17/04/2006, 09:17 PM
يعجبني كثير ما يكتبه القاص محمود الرحبي