ريحانة الشمال
29/03/2006, 11:22 PM
مسرحية " ماما أُم ريكا "
يوسف البادي *
بالأمس .. أنتظرت أمي حتى تنتهي من أعداد الطعام لنا ، لأقدم وردة بيضاء كهدية لها مني .. لأني أحبها ، وكنت سأشتري لها جلباباً جميلاً أيضاً ، لكن ما تبقى معي مما كنت قد أدخرته في حصالتي .. لم يكفيني لشرائه .
أمي مدرسة تعلمني كل الأشياء الجميلة .. وتجعلني أحبها . فها هي سنة مرت وواضبت فيها على أداء الصلاة ولم أترك حتى ركعة واحدة ، فهي لم تعلمني أدائها وحسب بل أنها جعلتني أحبها ، وعودتني كذلك أن اسلم على الآخرين .. وأن أرد التحية بالسلام .
* * * *
" حتى عندما نكبر لن نستبدل أمنا بأخرى " .. هذا ما أتفقنا عليه أنا وأختي . فقد سمعنا أن أماً جديدة تريد أن تكون أمنا رغماً عنا !!! .
أقسم بالله العظيم .. لو جاءت لأخبرت أبي عنها ، ولأني أعرف أنه يحبني كثيراً .. فمن المؤكد إذاً أنه سيضربها بعصاه ..التي ضربني بها ذات مرة عندما لم أسمع كلامه ، حتى عندما كرر ذلك أكثر من مره .. حيث أنه نصحني بأن لا أزعج الجيران بصوت التلفزيون .
المهم .. أنا لا أريد " ماما جديده " هذا كل شيء .
* * * *
وعلى فكره .. في المدرسة كانت جماعة المـسرح قد عرضت مسرحية عن هذه الـ " ماما الجديدة " وقد كرهتها منذ ذلك الحين .. وعرفت بالفعل أن لي أماً جميلة في كل شيء .. أقول لها كل يوم كم أحبك يا أمي ..
فهي لا تنام قبل أن أنام ، تقولُ أنها تحب أن تتطمئن عليّ قبل النوم .
وأمي هي من تقص علي حكابات جميلة ، وتذهب بي للحديقة كي تلعب معي .
وحين أمرض .. لا تعرف النوم قبل شفائي ، نعم .. هي لا تعرفه ، فقد آلمتني أسناني ذات مرة ولم تنم طوال اليوم حتى زال الألم عني .
* * * *
المسرحية التي عرضت في المدرسة ،كان أسمها " ماما أُم ريكا " ، وظهرت البطلة " أُم ريكا " في كل المشاهد ، وشاهدت أحداثها خائفاً وحزيناً وأنا أضحك ، وعرفت أن أختي كانت تشعر بنفس أحساسي !! ... فأدركت أن هذا الشعور قد أصاب غيري أيضاً ... ولم أعرف تفسيراً لذلك !! ، الشيء الوحيد الذي عرفته أنني كنت خائفاً وأضحك في نفس الوقت !! .
وأشفقت يومها على " ريكا " حين رأيت ما فعلته أمها بعد هذا .. أحسست أن " ريكا " لو علمت بأن هناك أماً كأمي ، لجاءت لتستبدل أمها .. فأمسكتُ حينها بيد أمي وقلت لها " احبك ياماما " .
* * * *
كانت " أُم ريكا " تقول في أغلب مشاهد المسرحية : أنني أمكم التي أوفر حمايتي لأني أحبكم . وقدمت في المسرح أدلتها على ذلك ، فقامت مثلاً بصفع أحدهم بقوة .. بينما كنت أحسبها ستأنبه وحسب !! ، بل أنها لم تكتفي بصفعه .. لقد قتلت عصافيره الصغيرة أيضاً !! ، وأهانته أمام الجميع ، بل وأدخلته السجن وراحت تُلقي عليه الإهانات أمامنا ، كأنها تريد أن تقول لنا أن من لا يريضى أن أكون أمه سأصفعه هكذا !! .
فعلت " أُم ريكا " أشياء كثيرة لتبين مدى خوفها علينا ، فهي مثلا ذكرت أنها لا توقع على أوراق كتبت فيها حقوق الأنسان ، وقالت ساخرة : أنا لا اوقع على الحقوق في الأوراق ، أنا واقعية جداً . ومزقت أوراقاً لتثبت أن التواقيع تتمزق مع الأوراق ، لم أفهم ما كانت تعنيه بالضبط لكني وبالرغم من ذلك واصلت المشاهده وإن كنت خائفا وقلقا مما يحدث .. وأستمرت المسرحية وهي ترينا مشاهد عن الواقع الذي تمارسه والذي به تحمينا كأم ستكون حنونة علينا بعيداً عن الورق كما قالت !! .
هي دمـرت قرية بكل ما فيها .. حتى البشر والحيوانات !!! ، كل ذلك لتصد عنا القتله الذين تقول أن معظمهم يعيشون بيننا نحن !!! ، وتحمينا من السموم التي تنتجها تلك القريــة !! ، سألـت نفسي حينها وكنت أتمناها أن تجـيب بعد أن صرت اكرهها : هل الأطفال ينتجون السموم أيـضاً ؟! .
هي فعلت وعرضت وقالت لنا الكثير ذلك اليوم .. وأغلق الستار بعدها ، وسألت أمي : هل أنتهت المسرحية ؟ فأجابت : نعم ... لقد ذهبت لتكملها خلف الستار ! .
* * * *
رجعت ذلك اليوم للبيت وأنا أفكر .. هل يصح مثلاً أن تكون " أُم ريكا " بدلاً من أمي ؟!! .. هل سأستبدلها لأغير الأسماء وحسب ؟ وهل ستلعب معي ، وتقرأ علي قصص قبل النوم ، ولا تنام عندما أمرض ؟. أتراني سأجد عند " أُم ريكا " الحنان وحب أمي لي أيضاً ؟؟ !!! .. أكانت " أُم ريكا " تملك كل هذا .. لأكون أبناً مطيعاً ومحباً لها ؟ .
ترى لو كانت هي أمي ... هل كنت سأغني نشيد أنتظاري لها :
" ماما زمانها جيه .. جيه بعد شويه
جيبه معاها شنطه .. "
فماذا كانت ستحمل " أُم ريكا " في شنطتها ؟ قنبلة ؟ رصاص ؟ عصافير ذبحتها لي ؟ أم ستأتيني ذات مرة وهي غاضبة عليّ لأني سأصنع سُما كأطفال تلك القرية مثلاً ؟ !
.......
.......
.......
أتقتل الأمهات أبنائها ؟ !! .
.......
لا .. لا .. لا أريد ... ، لا أريد أماً تقتلني وتهينني أمام الناس . لا أريد غير أمي .. تلك التي أهديتها وردة بيضاء وقلتُ لها : كل يومٍ وأنتي أمي .
* كاتب وفنان تشكيلي
[email protected]
يوسف البادي *
بالأمس .. أنتظرت أمي حتى تنتهي من أعداد الطعام لنا ، لأقدم وردة بيضاء كهدية لها مني .. لأني أحبها ، وكنت سأشتري لها جلباباً جميلاً أيضاً ، لكن ما تبقى معي مما كنت قد أدخرته في حصالتي .. لم يكفيني لشرائه .
أمي مدرسة تعلمني كل الأشياء الجميلة .. وتجعلني أحبها . فها هي سنة مرت وواضبت فيها على أداء الصلاة ولم أترك حتى ركعة واحدة ، فهي لم تعلمني أدائها وحسب بل أنها جعلتني أحبها ، وعودتني كذلك أن اسلم على الآخرين .. وأن أرد التحية بالسلام .
* * * *
" حتى عندما نكبر لن نستبدل أمنا بأخرى " .. هذا ما أتفقنا عليه أنا وأختي . فقد سمعنا أن أماً جديدة تريد أن تكون أمنا رغماً عنا !!! .
أقسم بالله العظيم .. لو جاءت لأخبرت أبي عنها ، ولأني أعرف أنه يحبني كثيراً .. فمن المؤكد إذاً أنه سيضربها بعصاه ..التي ضربني بها ذات مرة عندما لم أسمع كلامه ، حتى عندما كرر ذلك أكثر من مره .. حيث أنه نصحني بأن لا أزعج الجيران بصوت التلفزيون .
المهم .. أنا لا أريد " ماما جديده " هذا كل شيء .
* * * *
وعلى فكره .. في المدرسة كانت جماعة المـسرح قد عرضت مسرحية عن هذه الـ " ماما الجديدة " وقد كرهتها منذ ذلك الحين .. وعرفت بالفعل أن لي أماً جميلة في كل شيء .. أقول لها كل يوم كم أحبك يا أمي ..
فهي لا تنام قبل أن أنام ، تقولُ أنها تحب أن تتطمئن عليّ قبل النوم .
وأمي هي من تقص علي حكابات جميلة ، وتذهب بي للحديقة كي تلعب معي .
وحين أمرض .. لا تعرف النوم قبل شفائي ، نعم .. هي لا تعرفه ، فقد آلمتني أسناني ذات مرة ولم تنم طوال اليوم حتى زال الألم عني .
* * * *
المسرحية التي عرضت في المدرسة ،كان أسمها " ماما أُم ريكا " ، وظهرت البطلة " أُم ريكا " في كل المشاهد ، وشاهدت أحداثها خائفاً وحزيناً وأنا أضحك ، وعرفت أن أختي كانت تشعر بنفس أحساسي !! ... فأدركت أن هذا الشعور قد أصاب غيري أيضاً ... ولم أعرف تفسيراً لذلك !! ، الشيء الوحيد الذي عرفته أنني كنت خائفاً وأضحك في نفس الوقت !! .
وأشفقت يومها على " ريكا " حين رأيت ما فعلته أمها بعد هذا .. أحسست أن " ريكا " لو علمت بأن هناك أماً كأمي ، لجاءت لتستبدل أمها .. فأمسكتُ حينها بيد أمي وقلت لها " احبك ياماما " .
* * * *
كانت " أُم ريكا " تقول في أغلب مشاهد المسرحية : أنني أمكم التي أوفر حمايتي لأني أحبكم . وقدمت في المسرح أدلتها على ذلك ، فقامت مثلاً بصفع أحدهم بقوة .. بينما كنت أحسبها ستأنبه وحسب !! ، بل أنها لم تكتفي بصفعه .. لقد قتلت عصافيره الصغيرة أيضاً !! ، وأهانته أمام الجميع ، بل وأدخلته السجن وراحت تُلقي عليه الإهانات أمامنا ، كأنها تريد أن تقول لنا أن من لا يريضى أن أكون أمه سأصفعه هكذا !! .
فعلت " أُم ريكا " أشياء كثيرة لتبين مدى خوفها علينا ، فهي مثلا ذكرت أنها لا توقع على أوراق كتبت فيها حقوق الأنسان ، وقالت ساخرة : أنا لا اوقع على الحقوق في الأوراق ، أنا واقعية جداً . ومزقت أوراقاً لتثبت أن التواقيع تتمزق مع الأوراق ، لم أفهم ما كانت تعنيه بالضبط لكني وبالرغم من ذلك واصلت المشاهده وإن كنت خائفا وقلقا مما يحدث .. وأستمرت المسرحية وهي ترينا مشاهد عن الواقع الذي تمارسه والذي به تحمينا كأم ستكون حنونة علينا بعيداً عن الورق كما قالت !! .
هي دمـرت قرية بكل ما فيها .. حتى البشر والحيوانات !!! ، كل ذلك لتصد عنا القتله الذين تقول أن معظمهم يعيشون بيننا نحن !!! ، وتحمينا من السموم التي تنتجها تلك القريــة !! ، سألـت نفسي حينها وكنت أتمناها أن تجـيب بعد أن صرت اكرهها : هل الأطفال ينتجون السموم أيـضاً ؟! .
هي فعلت وعرضت وقالت لنا الكثير ذلك اليوم .. وأغلق الستار بعدها ، وسألت أمي : هل أنتهت المسرحية ؟ فأجابت : نعم ... لقد ذهبت لتكملها خلف الستار ! .
* * * *
رجعت ذلك اليوم للبيت وأنا أفكر .. هل يصح مثلاً أن تكون " أُم ريكا " بدلاً من أمي ؟!! .. هل سأستبدلها لأغير الأسماء وحسب ؟ وهل ستلعب معي ، وتقرأ علي قصص قبل النوم ، ولا تنام عندما أمرض ؟. أتراني سأجد عند " أُم ريكا " الحنان وحب أمي لي أيضاً ؟؟ !!! .. أكانت " أُم ريكا " تملك كل هذا .. لأكون أبناً مطيعاً ومحباً لها ؟ .
ترى لو كانت هي أمي ... هل كنت سأغني نشيد أنتظاري لها :
" ماما زمانها جيه .. جيه بعد شويه
جيبه معاها شنطه .. "
فماذا كانت ستحمل " أُم ريكا " في شنطتها ؟ قنبلة ؟ رصاص ؟ عصافير ذبحتها لي ؟ أم ستأتيني ذات مرة وهي غاضبة عليّ لأني سأصنع سُما كأطفال تلك القرية مثلاً ؟ !
.......
.......
.......
أتقتل الأمهات أبنائها ؟ !! .
.......
لا .. لا .. لا أريد ... ، لا أريد أماً تقتلني وتهينني أمام الناس . لا أريد غير أمي .. تلك التي أهديتها وردة بيضاء وقلتُ لها : كل يومٍ وأنتي أمي .
* كاتب وفنان تشكيلي
[email protected]