سويري
20/03/2006, 01:34 PM
مَنْ قتل هشاماً؟
الكل مستعد، متأهب، منتظر لمقابلة المُتَقَدِم، المقابلة في هذه المرة يقيناً تحصيل حاصل، إجراء روتيني إداري تتطلبه الأنظمة بالجامعة، ومن ثم الكليات والأقسام، فمَنْ يرغب الالتحاق ببرنامج الدراسات العُليا عليه إجراء مقابلة شخصية مع أساتذة التخصص.. إنها مقابلة للحكم على شخصية المُتَقَدِم من حيث جديته الثقافية، حقيقة رغبته في الدراسة، مستوى ردود فعله، ذكائه، سلامة لغته محادثة وقراءة.. إلخ، فطبيعي ألا تتعمق الأسئلة المطروحة لتمس أعقد تراكيب النحو والبلاغة والأدب.
بيد أن الموقف يختلف تماماً في هذه المرة، إذ أنه هشام الطالب لدينا منذ أربع سنوات، الكل يعرفه درَّسه إنه ابن لنا تعاملنا معه فكرياً وثقافياً وأدبياً، إنه طالبنا الذكي الدؤوب المجتهد الخلوق، الذي يرضخ لنصائح وتوجيهات أساتذته دون نقاش أو جدل، الواعي أن كل ما يُملى عليه يكون لمصلحته وفي صفه، وعليه مطلوب منك يا هشام مزيداً من الاجتهاد.. حاضر يا دكتور، اطلع على هذه الكتب يا هشام.. نعم يا دكتور، وصلني بحثك يا هشام ، لكنني أرى أنه تنقصه بعض المراجع لذا عُد إلى المكتبة واقرأ كذا وكذا... سمعاً وطاعاً يا دكتورة.
إن متعة الأستاذ الأكاديمي في طالبه لا يدركها سوى مثيله الأكاديمي وهذه المتعة أكثر ما ينعشها، أن يطرح الأستاذ مجهوده ويجني ثمرته مباشرة، سواء أكان ذلك عبر ورقة إجابة، أم بحث الطالب، أم نقاش بينهما.. إلخ، وفي كل مرة تكبر آمال الدكتور في طالبه المميز. أنهى هشام مرحلة الليسانس تخرج ليكون أول دفعته، معدله التراكمي يؤهله كي يُعيّن بالقسم معيداً أو مدرساً (كما تروق التسمية للبعض)، والمنطق يستدعي ويحتم أن يُعيّن هشام في مكانه الطبيعي، فالكل يرى، وهم شهود عيان أنه لا يصلح لأي عمل آخر سوى أن يكون أكاديمياً.
أقدار الإدارة تشح على هشام بالدرجة، لا تعيين إذ لا درجة. القسم لا يستسلم، الأساتذة يتدخلون يزكونه برسالة جماعية رغم أنه لا يحتاج إلى تزكية، وهل يحتاج الإنسان إلى تأشيرة دخول للاستقرار في أرضه أو داره!! فكيف يحتاج هشام إلى ذلك؟! وهو الابن البار للقسم ولديه مختلف التأشيرات (الدرجات) التي تؤهله للمكوث فيه.. باءت كل المحاولات بالفشل أمام أقدار المالية وجدارية عبارة (نعتذر لعدم توافر الدرجة).
خرج هشام من الجامعة والكلية ، لُفظ ، نُزع من أحضان القسم عُنوة، ليستقر به الحال موظفاً في هيئة حكومية ذات شأن وقدر، لكنها بعيدة كل البعد عن المجال الأكاديمي.. المُخيلة بإمكانها في يُسر استقراء مشهد تعيين هشام .. فكيف لا يكون لها ذلك وهو طالبي؛ ابني الذي أعرفه جيداً كما أعرف خطوط كفي.. هشام قدم للحصول على الوظيفة ومعه العشرات، ربما المئات.. ولأنه محاور جيد، يعرف كيف يرتب أفكاره ويختار ردوده يسعفه في ذلك قراءته واطلاعه، فهو مقنع في فكره في منطقه حتى في كتاباته؛ إذ ما طُلب منه الكتابة في موضوع ما ليس هذا فحسب، بل به ميزة أعدُها رأس كل ذلك هشام حين يجهل الشيء يقول: لا أعرف بلا خجل أو عقد. ومن ثم تفوّق هشام على زملائه واجتاز المقابلة دون حاجة لأية جرعة من الفيتامينات.
اختفى هشام عن أعيننا أربع سنوات، ربما كان غاضباً، ربما كان مصدوماً، ربما كان يائساً، ربما كان مشغولاً، أياً كان العذر، فإنني أمنحه حق كل ذلك، بل وحق مقاطعته للقسم لو كان حقاً قاطع أساتذته، منطق لا أميل إليه، لكنني آخذ به أحياناً من منطلق (إن كبر ابنك خاويه) أي اجعله أخاً لك.
وبعد مرور أربع سنوات، يعود إلينا هشام نقرأ اسمه ضمن قوائم المتقدمين للالتحاق ببرنامج الدراسات العُليا، فرحنا جميعاً فالذاكرة لا زالت تختزن لحظة التعاطف معه حين رُفض للتعيين. ولأنه ابننا نعرفه جيداً، فلا مانع أن نرجئ اسمه إلى نهاية القائمة، يقيناً لن يشكونا لن يتذمر لهذا التأخير، لن يتهمنا بأننا عطلناه عن مشاغله، بل كل ما في الأمر نريد أن ننهي كل المقابلات لنترك له كل الوقت، فالكل مشتاق للحوار معه لمناقشته والكل متيقن من نتيجة المقابلة، لن تكون مقابلة بل (دردشة، سوالف) أدبية ثقافية علمية، من النوع العميق، وعليه لن تكون الأسئلة ذاتها، بل ستختلف كماً ونوعاً، ولأنه هشام فلابد أن نضيق الخناق عليه لا تعقيداً له بل حباً فيه.
جلس هشام بيننا، الصدمة كانت أكبر من تُحتمل عقلاً وعاطفةً الطالب (مع الاعتذار له لأنه أصبح موظفاً) أصيب بزهايمر كامل محت كل علوم التخصص من عقله ووسط الاندهاش بالموقف، والرفض التام له داخلياً، يسأل زميلي رافضاً التصديق أأنت فلان بن فلان...؟ وكأنه يُريد أن يقول لنا قد يكون تشابهاً في الأسماء، ربما ولكن تشابه في الملامح أيضاً!! قرأت كل تعابير الذهول والصدمة والألم والأسى في وجوه زملائي، وأنا، كنت في حالة يعجز قلمي عن التعبير عنها إذا اختلطت بداخلي مشاعر تمقت الموقف برمته.
حالة من الصمت والذهول والغضب سادتنا، ولربما كانوا جميعاً رجالاً، والرجال أكفأ من النساء في مثل هذه المواقف نحو قمع المشاعر والغضب، لذا كان صوتي وحيداً يخترق السكون عالياً غاضباً: أنت صدمتنا يا هشام.. لم أكمل الجملة وكان صدى التأييد بقوة من قبل الجميع.. أنتم جميعاً أساتذتي، لكني لست متأهباً اليوم لهذه المقابلة، لقد قطعت المفازة للإتيان لإجراء المقابلة..، لكنني منذ تخرجي وأنا منقطع عن المجال تماماً، مسؤوليات عملي الحالي لا تسمح بذلك القدر من الاطلاع والقراءة.. قاطعته بحدة: بذلك القدر !! أي قدر هذا الذي تتحدث عنه؟! أنت لم تقرأ البتة فلا تقول: قدراً.
ولأنه هشام الذي نعرفه فهو حين يخطئ يعترف بخطئه.. فبصوت خافض متقطع وبألم شديد تخرج كلماته قائلاً: إن استطعت أن أسرد قائمة من الحجج للآخرين لن أستطيع أن أفعل ذلك مع أساتذتي أعترف أنني قصرتُ في حق نفسي. يلمح أحدنا أن لا خاتماً بيد هشام اليسرى ولا اليمنى فيعلق: أراك لم ترتبط بعد، (مثل هذه التعليقات والملاحظات لا تطرح في المقابلات مع الآخرين، لكنه كما قلت: إنه هشام الطالب والابن الذي كان، فعلاقة الأستاذية تفرض حقوقاً ضمنية يمكن أن تمارس).
إذن الحمد لله لم تنشغل بعد بمسؤوليات عائلية، يجيب هشام مطأطئاً رأسه بالإيجاب، فأقول له مستدركة أطراف الحوار: وأرجو ألا يكون هناك ارتباط حتى تسترجع ذاتك، تستعد للمقابلة في العام القادم. وإذا ما ارتبطت سنقف جميعاً على أعلى سارية جبل بالعوابي وبصوت واحد نصيح: زواج هشام من فلانه باطل.. حتى يتأهب ليلتحق ببرنامج الدراسات العُليا.
ترك هشام المكتب لمحت في نظراته كتلة ممزوجة من الحزن والأسى والندم والرثاء.. قفل الباب وراءه لم أسمع الاصطدام لكنني سمعت صمت كلماته وهي تخترق الباب والجدار سائلة: لماذا لفظتموني ألم أكن ابنكم البار المطيع؟؟
واليوم والساعة واللحظة فلنجتمع جميعاً تحت مظلة العدل لنتقاضى لنتساءل لنواجه أنفسنا، أفراداً وهيئة وجامعة مَنْ منا الذي قتل هشاماً؟ نعم إنه قُتل بدل المرة ألف مرة، مَنْ الذي طعنه الطعنة الأولى؟ هل هو هشام ذاته؟ ربما، لأنه استسلم لقدرية الوظيفة الجديدة ومن ثم انساق لمتطلباتها فانفصل عن العِلم، كيف فعل ذلك؟ هل كان محبطاً؟ يجوز، هل كان ثائراً؟ ربما، هل كان ينقصه النضج والوعي الكافيان لاستنباط ضرورة تكييف الإنسان لذاته تمشياً مع الأوضاع؟ وعليه ألا يفقدها أو يُغيرها أكيد كل ذلك كان طعنة أولى ، لكن قبلها طعنة أخرى تمهيدية أيقظت هشاما من حلم دام طوال سنوات الدراسة ليفزع بكابوس الواقع؛ انتفاء الدرجة المالية.
لا زالت الطعنات تتوالى: زُج هشام في وظيفة (قد تكون ذات أهمية)، لكنها لا علاقة لها بتركيبته وميوله النفسية، فكانت الطعنة الثانية.. أُثقل بمسؤوليات مختلفة منفصلة تماماً عن الحقل الأكاديمي فكانت الثالثة، ثم الرابعة والخامسة على مدار الساعة واليوم.
واليوم أتساءل، بل أناشد الجهات المعنية أن تتساءل معي إلى متى سنضع أوائل أولادنا تحت بند رحمة الدرجة المالية؟ أنا لا أطلب أن تكون الحياة مخملية ولا أن تتحول إلى جنة بساتين وورود بضربة عصى، ولكن كل ما أطلبه توفير درجة واحدة فقط لكل قسم تمكّن تعيين أول الدفعة شريطة أن يتوافر فيه كل مؤهلات التعيين الأخرى من معدل تراكمي وطبيعة شخصية وحضور وقراءات وثقافة عامة وأنشطة.. إلخ، وبصرف النظر عن نوع جنسه ذكراً كان أم أنثى.
أما أنت يا هشام فمن المؤكد أنك لم تنس صرامة أُستاذتك صياحها غضبها يقيناً شعاري لا زال راسخاً بذهنك (الإنسان هو المسؤول الأول عن جرمه)، فإن التمستُ لك العذر لدى الآخرين، لن أفعل ذلك معك البتة. فكما عاهدتني وزملائك وزميلاتك القلب الذي يمزح أحياناً ويلين أخرى ويدلل وقتاً هو نفسه الذي يحوي أعلى درجات القسوة مصلحة لكم. لذا تذكر ما علمتموه لكم، استرجع كلماتي وأنا اشرح لكم علاقة الأدب بالمجتمع، بل علاقة الفنون به، ردد كلماتي وأنا أحلل لكم تمثال الحصاد لـ (بارلخ) الألماني وتمثال الخماسين لـ (مختار) المصري. أتتذكر الفروق بين طبيعة الانحناءات في التمثالين أتتذكر كلماتي حين تحليلي لفن المقال من مادة الأدب المعاصر؟
وعليه مهما كانت الظروف قاسية والعواطف عاتية واجهها كما الفلاح والفلاحة في التمثالين، قم (كما النخيل رافعا رأسه في السماء) لا تقع لا تنكسر فالأمل لا زال كائناً و(الأغاني لسه ممكنة). من المؤكد أن محاضرات مادة الأدب والمجتمع وتحليلي لمشاهد من فيلم (المصير) لشاهين، ولأبيات (المتنبي) ولكلمات (الخليلي) لا زالت عالقة بالذهن، تذكر توجيهاتي نحو أسس الجمال في الفن استرجع كيفية استنباطها حينئذ فقط ستعرف أن الحياة مسرحية إنسانية، يشهدها: الملائكة والشياطين.
وإلى أن تتأهب وتسترجع ذاتك، فنحن أساتذتك في انتظارك في نفس التوقيت العام القادم، وسنسقط عنوة من الذاكـرة مشهد الأمس، حتى تحيي لنا الصورة نفسها: هشام الذي كان.* أستاذ مساعد بقسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية ، جامعة السلطان قابوس-1-
د. آسية البوعلي *
المصدر جريدة الوطن
20/3/2006
الكل مستعد، متأهب، منتظر لمقابلة المُتَقَدِم، المقابلة في هذه المرة يقيناً تحصيل حاصل، إجراء روتيني إداري تتطلبه الأنظمة بالجامعة، ومن ثم الكليات والأقسام، فمَنْ يرغب الالتحاق ببرنامج الدراسات العُليا عليه إجراء مقابلة شخصية مع أساتذة التخصص.. إنها مقابلة للحكم على شخصية المُتَقَدِم من حيث جديته الثقافية، حقيقة رغبته في الدراسة، مستوى ردود فعله، ذكائه، سلامة لغته محادثة وقراءة.. إلخ، فطبيعي ألا تتعمق الأسئلة المطروحة لتمس أعقد تراكيب النحو والبلاغة والأدب.
بيد أن الموقف يختلف تماماً في هذه المرة، إذ أنه هشام الطالب لدينا منذ أربع سنوات، الكل يعرفه درَّسه إنه ابن لنا تعاملنا معه فكرياً وثقافياً وأدبياً، إنه طالبنا الذكي الدؤوب المجتهد الخلوق، الذي يرضخ لنصائح وتوجيهات أساتذته دون نقاش أو جدل، الواعي أن كل ما يُملى عليه يكون لمصلحته وفي صفه، وعليه مطلوب منك يا هشام مزيداً من الاجتهاد.. حاضر يا دكتور، اطلع على هذه الكتب يا هشام.. نعم يا دكتور، وصلني بحثك يا هشام ، لكنني أرى أنه تنقصه بعض المراجع لذا عُد إلى المكتبة واقرأ كذا وكذا... سمعاً وطاعاً يا دكتورة.
إن متعة الأستاذ الأكاديمي في طالبه لا يدركها سوى مثيله الأكاديمي وهذه المتعة أكثر ما ينعشها، أن يطرح الأستاذ مجهوده ويجني ثمرته مباشرة، سواء أكان ذلك عبر ورقة إجابة، أم بحث الطالب، أم نقاش بينهما.. إلخ، وفي كل مرة تكبر آمال الدكتور في طالبه المميز. أنهى هشام مرحلة الليسانس تخرج ليكون أول دفعته، معدله التراكمي يؤهله كي يُعيّن بالقسم معيداً أو مدرساً (كما تروق التسمية للبعض)، والمنطق يستدعي ويحتم أن يُعيّن هشام في مكانه الطبيعي، فالكل يرى، وهم شهود عيان أنه لا يصلح لأي عمل آخر سوى أن يكون أكاديمياً.
أقدار الإدارة تشح على هشام بالدرجة، لا تعيين إذ لا درجة. القسم لا يستسلم، الأساتذة يتدخلون يزكونه برسالة جماعية رغم أنه لا يحتاج إلى تزكية، وهل يحتاج الإنسان إلى تأشيرة دخول للاستقرار في أرضه أو داره!! فكيف يحتاج هشام إلى ذلك؟! وهو الابن البار للقسم ولديه مختلف التأشيرات (الدرجات) التي تؤهله للمكوث فيه.. باءت كل المحاولات بالفشل أمام أقدار المالية وجدارية عبارة (نعتذر لعدم توافر الدرجة).
خرج هشام من الجامعة والكلية ، لُفظ ، نُزع من أحضان القسم عُنوة، ليستقر به الحال موظفاً في هيئة حكومية ذات شأن وقدر، لكنها بعيدة كل البعد عن المجال الأكاديمي.. المُخيلة بإمكانها في يُسر استقراء مشهد تعيين هشام .. فكيف لا يكون لها ذلك وهو طالبي؛ ابني الذي أعرفه جيداً كما أعرف خطوط كفي.. هشام قدم للحصول على الوظيفة ومعه العشرات، ربما المئات.. ولأنه محاور جيد، يعرف كيف يرتب أفكاره ويختار ردوده يسعفه في ذلك قراءته واطلاعه، فهو مقنع في فكره في منطقه حتى في كتاباته؛ إذ ما طُلب منه الكتابة في موضوع ما ليس هذا فحسب، بل به ميزة أعدُها رأس كل ذلك هشام حين يجهل الشيء يقول: لا أعرف بلا خجل أو عقد. ومن ثم تفوّق هشام على زملائه واجتاز المقابلة دون حاجة لأية جرعة من الفيتامينات.
اختفى هشام عن أعيننا أربع سنوات، ربما كان غاضباً، ربما كان مصدوماً، ربما كان يائساً، ربما كان مشغولاً، أياً كان العذر، فإنني أمنحه حق كل ذلك، بل وحق مقاطعته للقسم لو كان حقاً قاطع أساتذته، منطق لا أميل إليه، لكنني آخذ به أحياناً من منطلق (إن كبر ابنك خاويه) أي اجعله أخاً لك.
وبعد مرور أربع سنوات، يعود إلينا هشام نقرأ اسمه ضمن قوائم المتقدمين للالتحاق ببرنامج الدراسات العُليا، فرحنا جميعاً فالذاكرة لا زالت تختزن لحظة التعاطف معه حين رُفض للتعيين. ولأنه ابننا نعرفه جيداً، فلا مانع أن نرجئ اسمه إلى نهاية القائمة، يقيناً لن يشكونا لن يتذمر لهذا التأخير، لن يتهمنا بأننا عطلناه عن مشاغله، بل كل ما في الأمر نريد أن ننهي كل المقابلات لنترك له كل الوقت، فالكل مشتاق للحوار معه لمناقشته والكل متيقن من نتيجة المقابلة، لن تكون مقابلة بل (دردشة، سوالف) أدبية ثقافية علمية، من النوع العميق، وعليه لن تكون الأسئلة ذاتها، بل ستختلف كماً ونوعاً، ولأنه هشام فلابد أن نضيق الخناق عليه لا تعقيداً له بل حباً فيه.
جلس هشام بيننا، الصدمة كانت أكبر من تُحتمل عقلاً وعاطفةً الطالب (مع الاعتذار له لأنه أصبح موظفاً) أصيب بزهايمر كامل محت كل علوم التخصص من عقله ووسط الاندهاش بالموقف، والرفض التام له داخلياً، يسأل زميلي رافضاً التصديق أأنت فلان بن فلان...؟ وكأنه يُريد أن يقول لنا قد يكون تشابهاً في الأسماء، ربما ولكن تشابه في الملامح أيضاً!! قرأت كل تعابير الذهول والصدمة والألم والأسى في وجوه زملائي، وأنا، كنت في حالة يعجز قلمي عن التعبير عنها إذا اختلطت بداخلي مشاعر تمقت الموقف برمته.
حالة من الصمت والذهول والغضب سادتنا، ولربما كانوا جميعاً رجالاً، والرجال أكفأ من النساء في مثل هذه المواقف نحو قمع المشاعر والغضب، لذا كان صوتي وحيداً يخترق السكون عالياً غاضباً: أنت صدمتنا يا هشام.. لم أكمل الجملة وكان صدى التأييد بقوة من قبل الجميع.. أنتم جميعاً أساتذتي، لكني لست متأهباً اليوم لهذه المقابلة، لقد قطعت المفازة للإتيان لإجراء المقابلة..، لكنني منذ تخرجي وأنا منقطع عن المجال تماماً، مسؤوليات عملي الحالي لا تسمح بذلك القدر من الاطلاع والقراءة.. قاطعته بحدة: بذلك القدر !! أي قدر هذا الذي تتحدث عنه؟! أنت لم تقرأ البتة فلا تقول: قدراً.
ولأنه هشام الذي نعرفه فهو حين يخطئ يعترف بخطئه.. فبصوت خافض متقطع وبألم شديد تخرج كلماته قائلاً: إن استطعت أن أسرد قائمة من الحجج للآخرين لن أستطيع أن أفعل ذلك مع أساتذتي أعترف أنني قصرتُ في حق نفسي. يلمح أحدنا أن لا خاتماً بيد هشام اليسرى ولا اليمنى فيعلق: أراك لم ترتبط بعد، (مثل هذه التعليقات والملاحظات لا تطرح في المقابلات مع الآخرين، لكنه كما قلت: إنه هشام الطالب والابن الذي كان، فعلاقة الأستاذية تفرض حقوقاً ضمنية يمكن أن تمارس).
إذن الحمد لله لم تنشغل بعد بمسؤوليات عائلية، يجيب هشام مطأطئاً رأسه بالإيجاب، فأقول له مستدركة أطراف الحوار: وأرجو ألا يكون هناك ارتباط حتى تسترجع ذاتك، تستعد للمقابلة في العام القادم. وإذا ما ارتبطت سنقف جميعاً على أعلى سارية جبل بالعوابي وبصوت واحد نصيح: زواج هشام من فلانه باطل.. حتى يتأهب ليلتحق ببرنامج الدراسات العُليا.
ترك هشام المكتب لمحت في نظراته كتلة ممزوجة من الحزن والأسى والندم والرثاء.. قفل الباب وراءه لم أسمع الاصطدام لكنني سمعت صمت كلماته وهي تخترق الباب والجدار سائلة: لماذا لفظتموني ألم أكن ابنكم البار المطيع؟؟
واليوم والساعة واللحظة فلنجتمع جميعاً تحت مظلة العدل لنتقاضى لنتساءل لنواجه أنفسنا، أفراداً وهيئة وجامعة مَنْ منا الذي قتل هشاماً؟ نعم إنه قُتل بدل المرة ألف مرة، مَنْ الذي طعنه الطعنة الأولى؟ هل هو هشام ذاته؟ ربما، لأنه استسلم لقدرية الوظيفة الجديدة ومن ثم انساق لمتطلباتها فانفصل عن العِلم، كيف فعل ذلك؟ هل كان محبطاً؟ يجوز، هل كان ثائراً؟ ربما، هل كان ينقصه النضج والوعي الكافيان لاستنباط ضرورة تكييف الإنسان لذاته تمشياً مع الأوضاع؟ وعليه ألا يفقدها أو يُغيرها أكيد كل ذلك كان طعنة أولى ، لكن قبلها طعنة أخرى تمهيدية أيقظت هشاما من حلم دام طوال سنوات الدراسة ليفزع بكابوس الواقع؛ انتفاء الدرجة المالية.
لا زالت الطعنات تتوالى: زُج هشام في وظيفة (قد تكون ذات أهمية)، لكنها لا علاقة لها بتركيبته وميوله النفسية، فكانت الطعنة الثانية.. أُثقل بمسؤوليات مختلفة منفصلة تماماً عن الحقل الأكاديمي فكانت الثالثة، ثم الرابعة والخامسة على مدار الساعة واليوم.
واليوم أتساءل، بل أناشد الجهات المعنية أن تتساءل معي إلى متى سنضع أوائل أولادنا تحت بند رحمة الدرجة المالية؟ أنا لا أطلب أن تكون الحياة مخملية ولا أن تتحول إلى جنة بساتين وورود بضربة عصى، ولكن كل ما أطلبه توفير درجة واحدة فقط لكل قسم تمكّن تعيين أول الدفعة شريطة أن يتوافر فيه كل مؤهلات التعيين الأخرى من معدل تراكمي وطبيعة شخصية وحضور وقراءات وثقافة عامة وأنشطة.. إلخ، وبصرف النظر عن نوع جنسه ذكراً كان أم أنثى.
أما أنت يا هشام فمن المؤكد أنك لم تنس صرامة أُستاذتك صياحها غضبها يقيناً شعاري لا زال راسخاً بذهنك (الإنسان هو المسؤول الأول عن جرمه)، فإن التمستُ لك العذر لدى الآخرين، لن أفعل ذلك معك البتة. فكما عاهدتني وزملائك وزميلاتك القلب الذي يمزح أحياناً ويلين أخرى ويدلل وقتاً هو نفسه الذي يحوي أعلى درجات القسوة مصلحة لكم. لذا تذكر ما علمتموه لكم، استرجع كلماتي وأنا اشرح لكم علاقة الأدب بالمجتمع، بل علاقة الفنون به، ردد كلماتي وأنا أحلل لكم تمثال الحصاد لـ (بارلخ) الألماني وتمثال الخماسين لـ (مختار) المصري. أتتذكر الفروق بين طبيعة الانحناءات في التمثالين أتتذكر كلماتي حين تحليلي لفن المقال من مادة الأدب المعاصر؟
وعليه مهما كانت الظروف قاسية والعواطف عاتية واجهها كما الفلاح والفلاحة في التمثالين، قم (كما النخيل رافعا رأسه في السماء) لا تقع لا تنكسر فالأمل لا زال كائناً و(الأغاني لسه ممكنة). من المؤكد أن محاضرات مادة الأدب والمجتمع وتحليلي لمشاهد من فيلم (المصير) لشاهين، ولأبيات (المتنبي) ولكلمات (الخليلي) لا زالت عالقة بالذهن، تذكر توجيهاتي نحو أسس الجمال في الفن استرجع كيفية استنباطها حينئذ فقط ستعرف أن الحياة مسرحية إنسانية، يشهدها: الملائكة والشياطين.
وإلى أن تتأهب وتسترجع ذاتك، فنحن أساتذتك في انتظارك في نفس التوقيت العام القادم، وسنسقط عنوة من الذاكـرة مشهد الأمس، حتى تحيي لنا الصورة نفسها: هشام الذي كان.* أستاذ مساعد بقسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية ، جامعة السلطان قابوس-1-
د. آسية البوعلي *
المصدر جريدة الوطن
20/3/2006