المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : التعدديه الزوجيه و شروطها


احسن الحديث
09/03/2006, 08:46 PM
تعدد الزوجات من المواضيع البارزة الهامة التي أولاها الله تعالى عناية خاصة، فوضعها في أول سورة النساء من كتابه الكريم. وجاء ذكر التعددية الزوجية في الآية الثالثة من السورة، وهو الموضع الوحيد في التنزيل الذي ورد فيه ذكر المسألة. لكن المفسرين والفقهاء في أغلب الأحيان، أغفلوا السياق العام الذي وردت فيه، وأغفلوا ربط مسألة تعدد الزوجات بالأرامل ذوات الأيتام.

لقد استهل تعالى سورة النساء بدعوة الناس إلى تقوى ربهم التي ختم بها سورة آل عمران السابقة، وبدعوتهم إلى صلة الأرحام التي انطلق فيها من رؤية واسعة إنسانية، وليس من رؤية أسرية أو قبلية ضيقة، إشارة إلى أن أصل خلق الناس كان من نفس واحدة، فيقول:
- يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا النساء 1.

ثم ينتقل سبحانه إلى الحديث عن اليتامى، ليأمر الناس بإيتائهم أموالهم وعدم أكلها، فيقول:
- وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا النساء 2.

ثم يتابع الحديث عن اليتامى، آمراً الناس بنكاح ما طاب لهم من النساء مثنى وثلاث ورباع، في حالة واحدة حصراً هي الخوف من ألا يقسطوا في اليتامى فيقول:

- وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا النساء 3.
ثم يمضي سبحانه في الآية الرابعة إلى الحديث عن صَدُقات النساء ومهورهن، وفي الآية الخامسة إلى نهي الناس عن إيتاء السفهاء أموالهم، ليعود مرة أخرى إلى اليتامى، فيقول:

- وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا النساء 6.

ولابد للمتأمل المنصف الذي يريد أن يبحث مسألة التعددية الزوجية في التنزيل الحكيم من أن ينظر في هذه الآيات، وأن يقف مدققاً أمام العلاقة السببية التي أوضحها سبحانه بين موضوع تعدد الزوجات واليتامى، ضمن هذا الإطار من السياق والسباق.

اليتيم في اللسان العربي وفي التنزيل هو القاصر دون سن البلوغ الذي فقد أباه، ومازالت أمه حية، فأما أن اليتيم هو القاصر، فقد ورد في قوله تعالى وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ النساء6. وأما أن اليتيم هو فاقد الأب فقد جاء صريحاً في قوله تعالى: وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً الكهف 82. وجاء تلميحاً في قوله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن وفي قوله وآتوا اليتامى أموالهم لأن الأب في حال وجوده هو ولي أمر ابنه اللطيم حكماً، فلا يبقى هناك مبرر يدعو الله لأن يأمر الناس بالإقساط إليه.

كل هذا يؤكد أن مدار الآيات يدور حول اليتامى فاقدي الأب. وما زالت أمهم حية أرملة. فإن قال قائل فما بال فاقد الأبوين أو اللطيم فاقد أمه؟ قلنا بموت الأب والأم تسقط التعددية، وبموت الأم وبقاء الأب تسقط التعددية أيضاً، حتى لو تزوج زوجة أخرى، ولا تدخل الزوجة الثانية في معنى التعددية الذي أشارت إليه الآية.

نحن هنا أمام أيتام فقدوا آباءهم، يريدنا تعالى ويأمرنا أن نبرَّهم ونقسط فيهم ونرعاهم وننمي لهم أموالهم وندفعها إليهم بعد أن يبلغوا
أشدهم. فكيف يتحقق ذلك؟ وهل نأخذ الأيتام القاصرين من أمهاتهم إلى بيوتنا، ونربيهم بعيداً عنها؟ هل نتردد عليهم في بيوتهم ونؤمن لهم حاجياتهم؟ يبدو الأمر وكأنه ممكن. ولكن يبقى احتمال ألا نتمكن من تنفيذ أمر الله كاملاً.

في هذه الحال، حالة الخوف من عدم النجاح بالإقساط إلى اليتامى على الوجه المطلوب وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، جاءت الآية بالحل أي بالزواج من أمهاتهم الأرامل فانكحوا ما طاب لكم من النساء والخطاب هنا موجه إلى المتزوجين من واحدة وعندهم أولاد، إذ لا محل في التعددية لعازب يتزوج أرملة واحدة عندها أولاد أيتام، بدلالة أن الآية بدأت بالاثنتين وانتهت بالأربع مثنى وثلاث ورباع.

إن الله تعالى لا يسمح فقط بالتعددية سماحاً، بل يأمر بها في الآية أمراً، لكنه يشترط لذلك شرطين: الأول أن تكون الزوجة الثانية والثالثة والرابعة أرملة ذات أولاد، والثاني أن يتحقق الخوف من عدم الإقساط إلى اليتامى، وطبيعي أن يلغى الأمر بالتعددية في حال عدم تحقق الشرطين.

أما من أين جاءت هذه الشرطية التي نذهب إليها ونقول بها، فإنها من البنية القواعدية التي صاغ تعالى قوله فيها وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع.

ونقف خاشعين أمام قوله تعالى ما طاب لكم. فحتى في حالة الأرملة ذات الأولاد التي فقدت قائد ومعيل أسرتها، وأصبحت مضطرة إلى القبول بأي خاطب يتقدم إليها، نراه تعالى يشير إلى طيب النفس والخاطر عندها، تكريماً لها ولمشاعرها، وتقديراً لمسألة الزواج من حيث المبدأ، وكان له، في ظل الظروف الاضطرارية هذه، أن يقول (فانكحوا ما شئتم من النساء) لكنه قال ما طاب لكم فتبارك الله أحكم الحاكمين.

لكن هذا التوجه الإنساني في الآية، قد يبعث الحماس في قلوب البعض فيبالغ في التماس مرضاته تعالى، وهو لايملك ما يقيم به أود أولاده وأسرته الأولى، إضافة إلى الوافدين الجدد من زوجة ثانية وأيتامها، فيقع في العول. ويصبح موزع النفس بين أولاده وبين واجبه تجاه اليتامى الوافدين، مما قد يوقعه في عدم العدل بينهم.

وجاء الحل بقوله تعالى فإن خفتم إلا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا. وهنا جاء الأمر الإلهي بعدم التعددية والاكتفاء بالزوجة الأولى في حالة الخوف من العول والوقوع فيما أشرنا إليه من عدم العدل.

لقد ذهب البعض إلى أن قوله تعالى فإن خفتم ألا تعدلوا يعني عدم العدل بين الزوجات في العلاقات الزوجية، وهذا ليس صحيحا ، لأن السياق يحكي عن التعددية بمفهومها الاجتماعي الإنساني وليس بمفهومها الجنسي، ويدور حول اليتامى والبر بهم والقسط فيهم، ولأنه تعالى انطلق في أمره بالاكتفاء بواحدة من حيثية واضحة تماماً هي قوله ذلك أدنى ألا تعولوا أي أن الاكتفاء بالزوجة الأولى أقرب إلى أن يجنبكم الوقوع في عجز العول والإعالة.

إن الأمر بالتعددية ضمن الشروط المنصوص عليها، يحل مشكلة فادحة تجلبها الحروب على التجمعات المتحاربة، من جوانب عدة:

- وجود رجل إلى جانب الأرملة يحصنها ويحميها من الوقوع في الفاحشة.

- توفير مأوى آمن للأولاد اليتامى ينشؤون فيه.

- ضَمِنَ بقاء الأم الأرملة على رأس أولادها اليتامى تحفهم وترعاهم. وفي ذلك صيانة وحماية للأولاد من التشرد والانحراف. فمؤسسات رعاية الأيتام قد يوفر بعضها المأوى لهؤلاء الأيتام، لكن ذلك يتم بعيداً عن أمهاتهم.

إن من الخطورة على المجتمع من خلال العلاقات الأسرية أن نعزل مسألة التعددية اليوم عن المحور الأساسي الذي ارتكز عليه الأمر الإلهي بالتعددية، وهو محور اليتامى، ونجعل منها مسألة ترسخ الذكورية، وتطلق يد الرجل بالزواج متى شاء مثنى وثلاث ورباع، في مجتمع غير محارب يتوازن فيه تقريباً عدد الذكور بالإناث. ومن الخطورة الأكبر أن نبتدع، كما يفعل بعض فقهاء اليوم، مبررات للرجل تسوغ له الزواج بأربع تحت عناوين ركيكة حيناً، مضحكة حيناً آخر، ظالمة في كل الأحيان.


لقد أمر تعالى بالبر باليتامى، وضمن هذا الإطار أمر بالتعددية مشترطاً عدم جوازها إلا في حالة الخوف من أن يلحق ظلم بهؤلاء اليتامى. ثم عاد مرة أخرى إلى التنبيه على الاحتراس من الوقوع في العجز والعول، وأمر بالاكتفاء بواحدة في هذه الحالة، وتسهيلاً منه تعالى لمسألة الزواج بأمهات اليتامى، فقد أعفى سبحانه الرجل من المهر والصداق حتى يتزوجهن، قاصداً وجه الله فيهن وفي أيتامهن، وذلك بقوله: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا النساء 127.

و فقد ذهب البعض إلى أن قوله يَتَامَى النِّسَاءِ في الآية 127 يعني النساء اليتيمات، وهذا ليس صحيحا. فالعلاقة اللغوية بين اليتامى والنساء في قوله يَتَامَى النِّسَاءِ علاقة مضافومضاف إليه، أما العلاقة بينهما في قول البعض (النساء اليتيمات) فعلاقة صفة وموصوف، وهذا غير ذاك.

والنساء جمع امرأة، والمرأة هي الأنثى التي بلغت سن النكاح، واليتم يسقط حكماً مع بلوغ سن النكاح بدلالة قوله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح.. النساء 6. وعليه فليس ثمة نساء يتيمات وإلا للزم وجود رجال أيتام أيضاً، وهذا ممنوع عقلاً. الأهم من ذلك كله أن الآية تعفي كما قلنا من المهر والصداق والإرث، وقد ذهب بعض المفسرين كالسيوطي إلى أن قوله تعالى قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ.. أي يفتيكم في شأن ما ورد لهن في التنزيل من الميراث، وما ورد لليتامى من الميراث والمهر.

فكيف يأمر تعالى ببر اليتامى والقسط فيهم، ثم يجيز عدم إعطاء (النساء اليتيمات) مهراً حين نرغب بنكاحهن؟ وهل هذا يعتبر من البر والقسط في شيء؟ ألا يكفي اليتيمات مرارة اليتم حتى يزيد عليهن سبحانه مرارة الحرمان من المهر؟ تعالى الله عما يصفون.

و الحمدلله رب العالمين