المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : محمد لطفي اليوسفي يتحدث عن عواصم الثقافة.


النور الوضاح
09/03/2006, 01:59 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

انقل اليكم النص كما هو من "شرفات"

محمد لطفي اليوسفي عن عواصم الثقافة:
الطابع الاحتفالي طغى أحيانا كثيرة على هذه التظاهرات

حاوره: معاوية الرواحي

الحوار مع المفكر والناقد العربي محمد لطفي اليوسفي يُشبه الدخول فـي دغل متشابك فـي تلاقيه الموسوعي، وواثق فـي حقيقته. معرفـي يعرف ما الذي يقوله، وكيف يبرهنه. الدكتور محمد لطفي اليوسفي الذي يزور عمان كأستاذ الأدب ونظريات النقد بجامعة نزوى، له الكثير من الإصدارات التي بدأت بإصداره (فـي بنية الشعر العربي المعاصر) عام 1985 تبعه العديد من الإصدارات أهمها (كتاب المتاهات و التلاشي فـي النقد والشعرعام 1992- الشعر والشعريّة: الفلاسفة والمفكرون العرب ما أنجزوه وما هفوا إليه، الدار العربية للكتاب تونس1992) وبالطبع كتابه الأشهر (فتنة المتخيل، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر) وغيرها من الكتب خلال مسيرته الأكاديمية والثقافية الطويلة. ومع تداعي الحوار تكوَّنت هذه الأسئلة.
٭ فـي البداية نرحب بك فـي عمان وإنه لشرف كبير أن تكون هنا بيننا. سؤالنا الأول - والذي هو لا بد منه يخص مجيئك- إلى عمان وبالتحديد إلى جامعة نزوى؟

- بعد لحظةٍ صغيرة من التفكير أباح وجهه ابتسامةً وجهها لذاكرةٍ ما غَزَت وجههَ وقال بهدوء: حين فكرت فـي المجيء كنت على يقين من أنني سأمضي إلى بلد عربي مسلم يجعل المرء يشعر بالانتماء الحضاري وهذا ما حدث لأطفالي كان اندماجهم فـي المدارس والمجتمع سهلا جدّا. أنا شخصيا أعرف السلطنة معرفة شجعتني على المجيء فلقد دعيت إلى مهرجان مسقط سنة 2001 ثم دعيت إلى خريف صلالة سنة 2003، ودعيت إلى مهرجان كليات التربية الذي انعقد بكلية صحار فـي السنة الماضية. بإيجاز لقد حصلت لي فكرة عن السلطنة ودماثة أخلاق العماني وكرمه قبل الاستقرار هنا.٭

كانت هذه عُمان الجُغرافيا، ماذا عن عُمان الإنسان؟

ذهبَ الدكتور محمد لطفي اليوسفي إلى أنَّ فكرته عن السلطنة، وعن كرم العُماني كانت قبل أن يلقي عصى ترحاله ويستقرَّ فـي عُمان، وأضاف: فضلا عن أن العديد من المثقفين العمانيين من أصدقائي وتربطني بهم علاقات متينة تجعل المرء يشعر أنه بين ناسه وذويه. (يُضيف) وبالإضافة إلى هذا كلّه ثمّة جامعة نزوى. حين علمت أنها جامعة فـي طور البناء والتأسس كنت على يقين من أن الإسهام مع الإخوة العمانيين فـي إنجاز هذا الطموح سيكون أمرا مفيدا وممتعا فـي الآن نفسه. أنا شخصيا عملت فـي الجامعة التونسية ثم قضيت خمس سنوات فـي جامعة كلارمون فران بفرنسا (أستاذا مُعارا) ثم عدت إلى الجامعة التونسية سنة 1958 لكنها المرّة الأولى التي أحسّ فيها بشرف المشاركة فـي تشييد جامعة سواء فيما يخصّ التدريس أو فـي ما يتعلّق بالإسهام فـي وضع البرامج والخطط الدراسية.
٭ تشهد البلاد فـي هذا العام الاحتفال بمسقط عاصمة للثقافة العربية، من خلال الدعوات التي وُجِّهت لك من العواصم السابقة، ما الذي تريد قوله للقائمين على المؤسسات الثقافية هُنا؟
- لقد دعيت إلى هذه الفعالية فـي القاهرة والأردن وتونس والمغرب الأقصى واطلعت على البرامج التي قدّمت فـي هذه العواصم العربية. وأعتقد جازما أن الطابع الاحتفالي قد طغى أحيانا كثيرة على هذه التظاهرات. صحيح أن الوجه الاحتفالي هو الذي يمدّ الحدث بفاعليته ويلفت انتباه الجمهور إليه، لكن الذي يبقى هو ما ينجز بعيدا عن الأضواء ولا سيما مسألة نشر الكتب والمخطوطات. أنا على يقين من أن العديد من الكتاب والمبدعين العمانيين يعانون مثل غيرهم من المبدعين العرب من مسألة نشر أعمالهم وإبداعاتهم. المكتبة العُمانية تزخر بآلاف المخطوطات التي تنتظر أن ترى النور. لقد اطلعت على الكتاب الذي أصدرته وزارة التراث القومي والثقافة سنة 1996 وعنوانه «فهرس المخطوطات» فذهلت من الكمّ الهائل الذي تزخر به مكتبات السلطنة. هل ستكون هذه السنة فرصة أمام المبدعين العمانيين وأمام المكتبة العمانية كي تطرح قدّام العرب كنوزها وذخائرها.هذا ما أرجوه وأتمنّاه.

٭ هنالك قول دائم إن الثقافة العربية تعاني دائما من أزمة، فهل ترى أن هذه الأزمة تستدعي هذه الضجّة، وما هي الحلول التي تقترحها؟

- الحديث عن هذه الأزمة لم يبدأ الآن بل هو حدث تاريخي. لقد بدأ منذ نهايات القرن التاسع عشر حين أدرك المثقفون أن الثقافة العربية تعاني من أزمتين: الأولى تخصّ العلاقة بالقديم العربي ومنجزات الأسلاف، أما الثانية فتخصّ العلاقات الممكنة والمفترضة بالثقافات الغربية. غير أن الناظر فـي مجمل ما أنتجه الفكر العربي منذ الطهطاوي وسلامة موسى ولطفي السيد وطه حسين وصولا إلى ما كتبه طيب تيزيني ومحمد عابد الجابري وأدونيس وغيرهم، سرعان ما يدرك أن هذه المشاريع التي ظنّ أصحابها أنها جاءت تسهم فـي إيجاد حلول وإجابات على أسئلة الراهن لم تكن كذلك لأنها عمّقت الأزمة وزادتها عنفا ومضاء. لم تكن العلاقة بالقديم العربي علاقة استكشاف وتعرّف بل كانت واقعة فـي حبائل تصوّرات استشراقية تسللت إلى الخطاب العربي المعاصر ولوّنت رؤيته لقديمه وماضيه، لذلك قام هذا الخطاب بتبسيط المفاهيم الإجرائية وإفقارها. فتمّ إفقار مفهوم الهوية وهل هي ثابتة أم متحوّلة، تمّ إفقار مفهوم الأصالة ومفهوم التحديث ومفهوم الكتابة، وكان التعامل مع القديم العربي انتقائيا. ولم تكن الغاية من قراءة القديم والتلفّت إليه هي استكشافه أو فهمه وفهم ما يزخر به من قيم جمالية وفكرية. لذلك بادل هذا القديم الذي نسميه «تراثا» الباحثين والدارسين مكرا بمكر. يكفي أن ننظر فـي صورة القديم العربي مثلما تعلن عن نفسها فـي هذه المشاريع التحديثية وسندرك فـي يسر أن هذه المشاريع لا تقرأ القديم بل تخترع له صورة من صنعها وهي صورة قائمة على التبسيط والإفقار، على المحو والاختزال. لذلك يُنعت القديم العربي بكونه «تراثا». والحال أن عبارة «تراث» فـي حدّ ذاتها تكشف أن الصورة الحاصلة للقديم العربي فـي أذهان منتجي خطاب الحداثة صورة مخترعة. ومعنى كونها مخترعة أنها تتبدّل بحسب مشارب منتج الخطاب وطموحاته واستيهاماته ومواقفه الفرديّة، وبحسب الصورة الحاصلة له عن نفسه وعن نتاجه ودوره التاريخي. لذا أعتقد أن الأزمة المتحدّث عنها هي أزمة قراءة وأزمة تصوّرات خاطئة ومغالطات معرفية ومفهومية داخلت خطاب الحداثة. لذلك أعتقد أن إعادة قراءة الخطاب التحديثي العربي واستكشاف مغالطاته ومآزقه سواء فيما يخص علاقته بالماضي العربي أو بالراهن الغربي، هي التي يمكن أن تسمح لنا بتلمّس دروب جديدة وإمكانات جديدة.

٭ إن تحدثنا عن دور المثقف، ما هو دوره فـي رأيك، هل هناك واجب معيّن ترى أن المثقّف يجب أن يقوم به؟

- هُنا أخذَ لحظةً من التوقِّف عكَّرها النادلُ على اللقاء، إلا أنَّ القهوةَ العربيةَ التي جاءت مُرَّة بلا سكَّر أعادت خيطَ الحديث فأضاف قائلا:
أعتقد أن المأزق الحقيقي الذي آل إليه أمر المثقف فـي الثقافة العربية المعاصرة إنما يرجع بالأساس إلى أزمة تصوّرات. ما علاقة المثقف المنتج للفعل الثقافـي بقديمه وعلاقته بآخره الغربي وعلاقته بمتلقيه المفترض وما علاقته بنصّه وإنتاجه. كل هذه الأسئلة التي لم تقع مناقشتها هي التي جعلت المثقف يظن أنه يضطلع بدور برومثيوسي، بدور الرائد، والمنقذ والمخلّص ودور القائد الذي تسير الناس على خطوه. بإيجاز لقد ضخم المثقف العربي صورته ونفخ فـي دوره. وهذا أمر مضلّل حمّل المثقّف مسؤوليات وهمية وأخرجه عن دوره الحقيقي. تحضرني الآن صرخة ويليم بتلر ييتس «يا شعراء إيرلندة أتقنوا حرفتكم.» وبدل أن يتقن المثقف حرفته راح يبحث عن زعامات وهمية وضعت الفعل الثقافـي نفسه فـي حضرة مآزق عديدة. لقد حاولت فـي كتابي «فتنة المتخيّل» أن أجيب عن هذه الأسئلة بالنظر فـي كتب النقد وكتب السيرة والدواوين الشعرية والمذكرات والروايات وغيرها من أنماط الخطاب فـي الثقافة العربية المعاصرة فتبيّن لي أن ما تلهج به الخطابات التحديثيّة من دعوات إلى الحرّية والاختلاف والديمقراطية وتحرير الفرد من سطوة المطلقات والمتعاليات، من الطغيان والقهر والاستبداد، يخفي وراءه فـي أغلب الأحيان نزوعات إلى الغلبة. وإذا ما يوهم بأنه انتصار للحرية والديمقراطية وللاختلاف ليس سوى مظهر يخفي وراءه ميلا إلى الغلبة ونزوعا إلى التسلّط والقهر.
لذلك حالما نتملّى الشعر والرواية والسير الذاتية والمذكّرات والخطابات ذات المنحى النقدي والفلسفي، أي مجمل أنماط الخطاب التي تؤسّس مجتمعة جسد خطاب الحداثة -حين نتملاّها- من زاوية المتخيّل الذي تصدر عنه وتكرّسه، سرعان ما تنكشف لنا الصورة الحاصلة للمؤلّف عن نفسه فـي الثقافة العربية. وهي صورة، تمثّل فـي حدّ ذاتها، مفاجأة بغيضة.

طبائع الاستبداد

بعد سؤال عن طبيعة المفاجئة،

أضاف بهدوء بالغ: تبيّن لي فـي كتاب «فتنة المتخيل» الكتاب بأجزائه الثلاثة، أن طبائع الاستبداد المترسّبة فـي أصقاع الذات العربيّة، هذه الطبائع البغيضة الموروثة عن أحقاب من القهر والبطش والدم المراق كثيرا ما تستبدّ بالمؤلّف فيشرع فـي ممارسة سطوته على اللغة وعلى الكلمات وعلى الجنس الأدبي، فيما هو يمارس أعتى أنواع القهر والسطوة على متلقّيه المفترض.

٭ القهر، السطوة على اللغة والكلمات والجنس الأدبيّ، ما سبب ذلك؟

- لم يختفِ انفعاله وهو يضيف فـي نبرة تصاعدية:
ثمّة افتتان يبلغ ذرى مدوّخة . حتى لكأن المؤلّف فـي الثقافة العربية المعاصرة إنما يصدر عن الإحساس الفاجع باستحالة الخلاص. فيمارس الكتابة لا باعتبارها نشاطا له دوره التاريخي فـي تجديد أسئلة الثقافة العربيّة، بل يتّخذ منها فلك نجاة ليحقّق خلاصه الفرديّ فيما هو يوهم بأنه منشغل بالخلاص الجماعي. أو لكأنه إنما يوهم بأنه منشغل بالبحث عن سبل الخلاص الجماعي ليعلي نفسه ويمجّدها متّخذا من المتلقّين جميعا وسائل لتحقيق استيهاماته الفرديّة فيما هو يتكتم على افتتانه بالغلبة والقهر.