الحارثية
08/03/2006, 09:12 AM
رواية استطيع ان اختصر وصفها بمفردات
حقيقة ........... حياة.......... لذة الألم ......... اسئله
وجدت في موقع نوافذ نبذه عنها وفصلين منها :http://www.almustaqbal.com/nawafez.aspx?pageid=15384
استمتعوا كما فعلت.......
"شمس آل سكورتا" للوران غُوْدِه
أحجار القَدَر الساخنة
المستقبل - الاحد 30 كانون الثاني 2005 - العدد 1819 - - صفحة 15
ترجمة بسام حجار
كأنَّ الهاجِرةَ تَشُقُّ الأرض. لا نسمةَ تُرعِشُ أعطافَ الزيتون. كان كلّ شيء ساكناً. أريجُ التلال يفنى بَدَداً. والحَجرُ يئنّ لشدّة الحرّ. كان شهر آب يُرخي ثقلَه على جبالِ غارغانو1 بِصَلَفٍ سيّدٍ. إذ لا يخطر ببال أحد أنّ هذه البقاع عَرَفَت يوماً هطول المطَر. وأنّ ماءً سَقَت حقولاً ورَوَت، يوماً، أشجار الزيتون. لا يخطر ببال أحد أنّ حياةً، للحيوان أو النبات، قد وجدت ـ تحت تلك السماء اليابسة ـ ما يغذّيها. كانت الساعة الثانية بعد الظهر، وكانت الأرضُ عرضةً للاحتراق.
على دربٍ ترابي كان حمارٌ يسير الهوينى. يسلك كلَّ منعطفٍ راضخاً. لا شيءَ يستنفد عناده. لا الهواء الحارق الذي يتنشّقه. ولا الحصى المروّس الذي ينخر حوافره. كان يسير قُدُماً. وراكِبُهُ أشبه بِخَيالٍ منذورٍ لقَصاصٍ دهريّ. لا يحرّك الرجلُ ساكناً، كأنّه خُبِلَ من وطأة الحرّ، تاركاً لدابّته مهمّة أن تبلغ بهما، هما الاثنين، نهايةَ ذلك الدرب. على مهلٍ، متراً بعد متر، كان الحمار، بسعيه البطيء، يطوي المسافةَ كيلومتراتٍ إثر كيلومترات. فيما الخيّالُ يغمغمُ بكلماتٍ لا تلبث أن يبخّرها القيظ. "لن يُثنيني شيءٌ? للشمسِ أن تقتل سحالي التلال، لكنني سأصمد. لقد انتظرتُ طويلاً? للأرضِ أن تصدر فحيحاً ولشعري أن يشتعل، إنّي سائرٌ في طريقي حتّى النهاية".
هكذا انقضت الساعات وسطَ سعيرٍ يُبدّد الألوان. وأخيراً، غَبّ أحد المنعطفات، تراءى البحر في البعيد. "لقد بلغنا طَرفَ العالم، قال الرجل في سرّه. منذ خمسة عشر عاماً وأنا أحلم بهذه اللحظة".
كان البحرُ هناك. مثل بِركةٍ راكدة لا فائدةَ منها إلاّ لكي تعكِس وطأة الشمس. لم يخترق الدرب أي قرية، ولم يلتقِ درباً آخر، بل كان يتطاول قُدُماً عبر بقاع غير مأهولة. وبدا أن ظهور هذا البحر الراكدِ، المتوهّج حَرّاً، هو اليقين بأنّ الدرب لا يفضي إلى مكان. غير أنّ الحمار كان يتابع طريقَه. ولن يتوانى، لو أمره صاحبه بذلك، أن يُخوّض في المياهِ بخطوِه المتثاقلِ ذاته. كان الراكبُ لا يحرّك ساكناً. إذ ألمّ به دوارٌ خفيف. لعلّه أخطأ الطريق، فلا شيء يلوح، على مدّ البصر، إلاّ التلال والبحر وقد اختلطت تخومهما. "لقد سلكت الدربَ الخاطئ، قال في سرّه. فلو كنتُ على الدرب الصحيح للاحت لناظري القريةُ منذ بعض الوقت. اللّهمّ إلاّ إذا انكفأت مبتعدةً. بلى. لا بدّ أنها استشعرت قدومي إليها فانكفأت إلى عرض البحر لكي لا أبلغها. لو لزمَ الأمر سأخوّض في المياه لكنني لن أستسلم. إلى النهاية. إني أتقدّم، ساعياً وراء ثأري".
بلغ الحمارُ قمّةَ ما بدا أنه آخر هضبة في العالم. وعندئذٍ رأوا مونتيبوتشيو. فتبسّم الرجل. كانت القرية باديةً للعيان بأكملها. قرية بيضاء صغيرة، منازل متلاصقة فوقَ أنفِ الجبلِ المطلّ على السكون العميق للمياه. لا بدّ أن هذا الحضور الإنسيّ المفاجئ وسط القفر الشاسع، قد بدا مضحكاً بعض الشيء في نظرِ الحمار، غير أنّ الحمار لم يضحك، وتابع طريقَه.
عندما حاذى البيوت الأولى عند أطراف القرية، غمغم الرجل في سرّه قائلاً: "إذا صادفتُ أحداً منهم وحاول منعي من المرور، فسأسحقه بقبضتي". وراحَ يُراقب، بيقظةٍ، كلّ عطفةٍ وركن وناصية. وسرعان ما عاوده اطمئنانه. لقد أحسن اختيار الوقت. ففي ساعة مماثلة تكون القرية غارقةً في سباتِ الموت. الطرقات مقفرة. المصاريعُ مغلقة. وحتّى ****** متوارية. إنها ساعة القيلولة ولو زلزلت الأرض لما خرجَ أحدٌ من بيته. إذ لطالما تردّدت في القرية خرافةٌ مفادها أنّ في ساعة مماثلة، ذات يوم، اجتاز رجلٌ كان قد تأخّر قليلاً في حقلِه، الساحةَ في وسط القرية. وما كاد أن يصلَ إلى فيء المنازل حتّى ذهبت الشمسِ بعقله. كأنّ أشعّتها ألهبت دماغَه. وكان أهل مونتيبوتشيو يؤمنون جميعاً بصحّة هذه الحكاية. إذ رسخ في أذهانهم أن اجتياز الساحة، على الرغم من ضيقِ مساحتها، في مثلِ تلك الساعة، يعرّض المرء للموت المحتّم.
كان الحمار وراكبُه يصعدان على مهلٍ ما كان لا يزال يُعرف آنذاك، أي في عام 1875، بشارع "نووفا" ـ والذي سيغدو فيما بعد "باحة غاريبالدي". وكان واضحاً أنّ راكب الحمار يعلم جيّداً إلى أين وجهته. لم يلمحه أحدٌ. ولم يصادف في طريقه حتّى قطة هزيلة من تلك القطط التي تتكاثر عادةً بين أقذارِ المجاري. لم يسعَ إلى إيقافِ حماره في الظلّ أو إلى الجلوس على أحد المقاعِد. كان يتابع تقدّمه. وعنادُه يزداد عناداً.
"لم يتغيّر شيء ههنا، غمغم في سرّه قائلاً. الأزقّة القذرة نفسها. وواجهات البيوت المتسخة نفسها".
في تلك الأثناء بالذات لمحه الأب زامبانيلّي. كاهن مونتيبوتشيو، الذي يناديه الجميع دون جورجيو، كان قد نسي كتابَ الصلاةِ خاصّته في عند قطعة الأرض الصغيرة الملاصقة للكنيسة والتي جعل منها جنينةٍ يزرع فيها أنواع البقول المختلفة. كان عمل فيها لساعتين عند الصباح وخطر بباله أنّه لا بدّ أن يكون نسيَ الكتاب هناك، بقربِ تخشيبة الأدوات، على كرسيّ الخشب حيث وضعه. خرج كما يخرجُ المرء في عزّ العاصفة، منكمشاً على نفسِه، مُطرِقاً، مُطبقاً أجفانه، مُصمّماً على إنجاز ما خرج لإنجازه بأسرع الممكن لكي لا يُعرّض جمجمته للقيظ الذي يسبّب الجنون. وهناك لمح الحمار وراكبه سالكين شارع "نووفا". جمد دون جورجيو هنيهاتٍ في مكانه، وبحركة عفوية ارتسم بشارة الصليب. ثمّ عاد أدراجه للاحتماء من الشمسِ وراء باب كنيسته الخشبي الضخم. وما يثير الاستغراب حقاً ليس كونه لم يفكّر في قرع الجرس تحذيراً أو مناداة الوافد المجهول وسؤاله عمّن يكون وما الغرض من مجيئه ( فالمسافرون نادرون ودون جورجيو يعرف أهل القرية واحداً واحداً وبالاسم)، بل إنّه، فور عودته إلى صومعته، نسيَ الأمرَ تماماً. استلقى على فراشه وغرق في سبات عميق خالٍ من أحلام القيلولة الصيفية. لقد ارتسم بشارة الصليب قُبالة ذاك الخيّال كأنّما يودّ أن يبدّد رؤية. لم يتعرّف دون جورجيو على لوتشيانو مَسْكالزوني. وكيف له أن يتعرّف عليه؟ إذ لم يبقَ في هيئة الرجلِ شيءٌ مما كانَ عليه في السابق. كان على مشارفِ الأربعين غير أنّ وجنتيه كانتا ضامرتين كوجنتي رجلٍ عجوز.
طافَ لوتشيانو مَسْكالزوني عبرَ أزقّة القرية القديمة النائمة. "لقد استغرق الأمر بعض الوقت، ولكنني عدتُ. هأنذا. ما زلتم غافلين عن ذلك لأنكم نيام. أسير بمحاذاة بيوتكم. وأعبر تحت نوافذكم. وأنتم غافلون عمّا يجري. هأنذا، لقد جئتُ طَلَباً للسَداد". طافَ في الأرجاء حتّى توقّف حماره. فجأة. كأنّ الدابة العجوز لطالما أدركت أنّ ههنا بيت القصيد، وأنها ههنا بلغت خاتمةَ كفاحها ضدّ سعير الشمس. توقّف الحمار أمام منزل آل بيسكوتي لا يحرّك ساكناً. فقفز الرجلُ عن ظهره برشاقة عجيبة وطرقَ الباب. "هأنذا هنا مجدداً، قال في سرّه. تبدّدت خمس عشرة سنة للتوّ". هنيهاتٌ كأنّها الأبد انقضت من دون جواب. فهمّ لوتشيانو بطرقِ الباب مرّة ثانية غير أنّ الباب فُتِحَ على مهل. أطلّت من صَدعهِ امرأةٌ على مشارف الأربعين، ولبثت واقفة أمامه. بالمبذل. راحت تتفرّس في وجهه من دون أن تنبس بكلمة. ولا ارتسم على وجهها أيّ ردّ فعل. لا خشية ولا بهجة ولا مفاجأة. كانت تحدّق مباشرةً في عينيه كأنّها تستعدّ لما قد يطرأ على الأثر. ولبث لوتشيانو لا يحرّك ساكناً. بدا كمن ينتظر بادرةً من المرأة الماثلة أمامه، إيماءةً ما، أو عبوساً أو تقطيب حاجبين. كان ينتظر وقد تيبّس جسمُه. "إذا حاولت أن تغلق الباب، قال في سرّه، أو إذا بدرت منها أي محاولة للتراجعِ، فلسوف أقفز مقتحماً الباب وأغتصبها". كان يفترسها بنظراته متأهباً لأي بادرة قد تحطّم الصمت المخيّم عليهما. "ما زالت أجمل مما كنت أتوقّع. لن أموت اليوم عبثاً". كان يتخيّل جسدها تحت المبذل، فتزداد شهوته استعاراً. لَبِثت صامتة. مُفسِحةً الماضي بأن يطفو مجدداً على صفحة الذاكرة. لقد تعرّفت إلى الرجل الماثلِ أمامها. ووجوده هنا، على عتبة دارها، هو بمثابة لغز لم تحاول حتّى أن تفسّره. فقط استسلمت لرياح الماضي تعصف بها مجدّداً. لوتشيانو مسكالزوني. إنه هو حتماً. بعد خمس عشرة سنة. كانت ترمقه بنظرات خالية من أي حقدٍ أو حب. تحدّقُ كمن يحدّقُ في قَدَرِه. هي مُلْكٌ له. ولا سبيل للممانعة. هي مُلْكٌ له مِن زمان. ولأنه عاد بعد خمس عشرة سنة وطرقَ بابَها، فسوفَ تبذلُ له المُرامَ مهما كان مرامَه. ستقول بلى خُذ، هنا، على العتبة، كلّ ما تشاء.
لكي تحطّم حاجز الصمت والجمود الذي أحاط بهما، أرخت يدها عن مقبض الباب. وكانت تلك بادرة منها كافية لإيقاظ لوتشيانو من ذهوله. إذ بات يقرأ في قسمات وجهها أنها هنا، وأنها ليست خائفة، وأنّه سينال منها ما يشتهي. فدخل مُسرعاً كأنّه لا يريدُ أن يُخلّفَ أي عطرٍ في الهواء.
كان رجل يكسوه الغبار والقذارة يدخلُ بيت آل بيسكوتي في ساعةٍ تحلم فيها السحالي بأنها أسماك، ولا تملك فيها الأحجارُ من يواسي وحدتها.
دخل لوتشيانو بيت آل بيسكوتي. وسيدفع حياته ثمناً لفعلته. كان يعلم ذلك جيّداً. يعلم أنه عندما سيغادر هذا المنزل يكون الناس قد عادوا إلى الطرقات، والحياة استأنفت مجراها بِسُنَنِها وصراعاتها، وأنّه سيدفع الثمن. يعلم أنّه سيتعرّفون إليه. وأنهم سيقتلونه. فالعودة إلى هذا المكان، إلى هذه القرية، والدخول إلى هذا البيت، هما أشبه بملاقاة الموت. لقد سبق له أن فكّر في كلّ هذا. واختار أن يصل في مثل تلك الساعة من قيظ النهار حيث حتّى القطط تعمى من وهجِ الشمس، لأنه يعلم يقيناً أنه لن يبلغ الساحة لو كان الناس منتشرين في الطرقات. يعلم ذلك جيّداً ولم يُثنِه يقين الفاجعة عن مرامه. دخلَ البيت.
استغرقه اعتياد العتمة الغالبة في الأرجاء بعض الوقت. كانت توليه ظهرها. فتبعها سالكاً ممشى بدا أنه لن ينتهي. ثمّ بلغا حجرة ضيّقة. لا أثر لصوت من حولهما. وبدت له طراوة الجدران أشبه بلمسة منعشة. فاحتضنها عندئذٍ بين ذراعيه. فأقامت على صمتها. نزع عنها ملابسها. وعندما شاهدها عارية، على هذا النحو، أمامه، لم يستطع إلاّ أن يهمسَ قائلاً: "فيلومينا..." سرت رعدةٌ في جسمها. ولم يُعرها بالاً. كان في أوجِ شهوته. مُنصرفاً إلى فعلته التي طالما أقسم أنّه لفاعُلها ذات يوم. كان يحيا اللحظة التي طالما تخيّلها. خمس عشرة سنة وهو نزيل السجن لا يفكّر إلاّ في هذا. ولطالما اعتقد أنه حالما ينزع عن هذه المرأة ملابسها، سوف تستبدّ به نشوةٌ هي أحرّ من نشوة الأجساد. نشوة الثأر. غير أنه كان مخطئاً. فلم يكن ثَمَّ ثأرٌ. لم يكن سوى ثديين ثقيلين في راحةِ يديه. لم يكن سوى عطر امرأة يغمره من كلّ صوبٍ، مُسكِر ودافئ. كم اشتهى هذه اللحظة التي يغرقُ الآن في لجّتها، ويستسلمُ لخَدَرِها غافلاً عن العالم، غافلاً عن الشمس، وعن الثأر وعن نظرة القرية الحاقدة.
عندما ولجها فوق ملاءات السرير الكبير الباردة، أنّت كعذراء، باسمةً بذهولٍ ونشوة، مُستسْلِمةً من دون تمنّع.
***
لطالما اشتُهِرَ لوتشيانو مسكالزوني، كما يقولُ أهلُ الناحيةِ، تُفّاً، بأنّه "شقيّ". وكان يتعيّشُ بالنهبِ وسرقة المواشي وسلبِ المسافرين. وقد يكون أزهقَ أرواحاً بائسةً على دروبِ غارغانو، غير أنّ الأمرَ غير مؤكّد. رُويَت عنه أخبارٌ كثيرة لا سبيل للتحقّق من صحّتها. لكنّ المؤكّد هو أنّه انغمسَ في "حياة السوء"، وأنّ السلامةَ تقضي بالابتعادِ عن طريقه.
أوان مجده، أي لمّا بلغت به سيرة الخِسّة أوجها، كان يتردّد على مونتيبيتشيو. لم يكن من أهلِ القرية، لكنّه شُغِفَ بالمكان وراح يقضي فيه معظم أوقاته. وهناك التقى فيلومينا بيسكوتي. وغدت الفتاة التي تنتمي إلى أسرةٍ متواضعة، ولكن كريمة، أشبه بالهاجسِ لديه. كان يعلم حقّ العلم أنّ سُمعتَه تحول دون الأملِ، مجرّد الأمل، في أن يحظى بها، فإذا به يزداد اشتهاءً لها كما قد يشتهي أهل الخِسّة امرأة. أن يحظى بها ولو لليلة واحدة: كانت تلك الخاطرةُ تضفي البريقَ على نظراته في ضياء العَصريّات الحارة. غير أنّ القَدَر حالَ دون تمام رغبته الفجّة تلك. فذاتَ صباح عاديّ طوّقه خمسةٌ من رجال الشرطة في النُزل الذي كان يقيم فيه. واقتيد على الفور. ثمّ حكم عليه بالسجن لمدّة خمس عشرة سنة. ولم تلبث مونتيبيتشيو أن نسيته، سعيدةً لتخلّصها، أخيراً، من طينة الأوباش هذه التي تحاصرُ بنات الناحيةِ بنظراتها السقيمة.
وجد لوتشيانو مسكالزوني في فترة السجن متسعاً للتأمّل في مجرى حياته السابقة. لقد صرفها في أعمال لصوصيّة تافهة. والمحصّلة ؟ لا شيء. ما الذي خَبِره في حياته قد يكون له ذكرى في أيام سجنه؟ لا شيء. حياة بأكملها انقضت عَبَثاً ولأغراضٍ عابثة. لم يصبُ خلالها إلى شيء، ولم يؤلمه فوات شيء، لأنّه لم يسعَ يوماً وراء شيء. وتدريجاً، مع مرور الوقت، تراءى له، في صحراء الضجرِ التي صارَ إليها وجوده، أن اشتياقه لفيلومينا بيسكوتي هو الخلاصُ لما تبقّى. وعندما كانت تسري ببدنه رعشةٌ وهو يتبعها على طرقات القرية، كان يشعر بأنه يحيا حتّى الاختناق. وكان في ذلك العِوَضَ الذي يغني عمّا تبقّى. لذا، بلى، عاهد نفسَه أنّه، فور خروجه من السجن، سوف يسعى لإشباعِ رغبته العنيفة تلك، الرغبة الوحيدة التي لم يعرف يوماً سواها. ومهما كان الثمن. أن يحظى بفيلومينا بيسكوتي، وبعدها سيّان أن يموت. أمّا ما تبقّى، كلّ ما تبقّى، فلا يعنيه بشيء على الإطلاق
حقيقة ........... حياة.......... لذة الألم ......... اسئله
وجدت في موقع نوافذ نبذه عنها وفصلين منها :http://www.almustaqbal.com/nawafez.aspx?pageid=15384
استمتعوا كما فعلت.......
"شمس آل سكورتا" للوران غُوْدِه
أحجار القَدَر الساخنة
المستقبل - الاحد 30 كانون الثاني 2005 - العدد 1819 - - صفحة 15
ترجمة بسام حجار
كأنَّ الهاجِرةَ تَشُقُّ الأرض. لا نسمةَ تُرعِشُ أعطافَ الزيتون. كان كلّ شيء ساكناً. أريجُ التلال يفنى بَدَداً. والحَجرُ يئنّ لشدّة الحرّ. كان شهر آب يُرخي ثقلَه على جبالِ غارغانو1 بِصَلَفٍ سيّدٍ. إذ لا يخطر ببال أحد أنّ هذه البقاع عَرَفَت يوماً هطول المطَر. وأنّ ماءً سَقَت حقولاً ورَوَت، يوماً، أشجار الزيتون. لا يخطر ببال أحد أنّ حياةً، للحيوان أو النبات، قد وجدت ـ تحت تلك السماء اليابسة ـ ما يغذّيها. كانت الساعة الثانية بعد الظهر، وكانت الأرضُ عرضةً للاحتراق.
على دربٍ ترابي كان حمارٌ يسير الهوينى. يسلك كلَّ منعطفٍ راضخاً. لا شيءَ يستنفد عناده. لا الهواء الحارق الذي يتنشّقه. ولا الحصى المروّس الذي ينخر حوافره. كان يسير قُدُماً. وراكِبُهُ أشبه بِخَيالٍ منذورٍ لقَصاصٍ دهريّ. لا يحرّك الرجلُ ساكناً، كأنّه خُبِلَ من وطأة الحرّ، تاركاً لدابّته مهمّة أن تبلغ بهما، هما الاثنين، نهايةَ ذلك الدرب. على مهلٍ، متراً بعد متر، كان الحمار، بسعيه البطيء، يطوي المسافةَ كيلومتراتٍ إثر كيلومترات. فيما الخيّالُ يغمغمُ بكلماتٍ لا تلبث أن يبخّرها القيظ. "لن يُثنيني شيءٌ? للشمسِ أن تقتل سحالي التلال، لكنني سأصمد. لقد انتظرتُ طويلاً? للأرضِ أن تصدر فحيحاً ولشعري أن يشتعل، إنّي سائرٌ في طريقي حتّى النهاية".
هكذا انقضت الساعات وسطَ سعيرٍ يُبدّد الألوان. وأخيراً، غَبّ أحد المنعطفات، تراءى البحر في البعيد. "لقد بلغنا طَرفَ العالم، قال الرجل في سرّه. منذ خمسة عشر عاماً وأنا أحلم بهذه اللحظة".
كان البحرُ هناك. مثل بِركةٍ راكدة لا فائدةَ منها إلاّ لكي تعكِس وطأة الشمس. لم يخترق الدرب أي قرية، ولم يلتقِ درباً آخر، بل كان يتطاول قُدُماً عبر بقاع غير مأهولة. وبدا أن ظهور هذا البحر الراكدِ، المتوهّج حَرّاً، هو اليقين بأنّ الدرب لا يفضي إلى مكان. غير أنّ الحمار كان يتابع طريقَه. ولن يتوانى، لو أمره صاحبه بذلك، أن يُخوّض في المياهِ بخطوِه المتثاقلِ ذاته. كان الراكبُ لا يحرّك ساكناً. إذ ألمّ به دوارٌ خفيف. لعلّه أخطأ الطريق، فلا شيء يلوح، على مدّ البصر، إلاّ التلال والبحر وقد اختلطت تخومهما. "لقد سلكت الدربَ الخاطئ، قال في سرّه. فلو كنتُ على الدرب الصحيح للاحت لناظري القريةُ منذ بعض الوقت. اللّهمّ إلاّ إذا انكفأت مبتعدةً. بلى. لا بدّ أنها استشعرت قدومي إليها فانكفأت إلى عرض البحر لكي لا أبلغها. لو لزمَ الأمر سأخوّض في المياه لكنني لن أستسلم. إلى النهاية. إني أتقدّم، ساعياً وراء ثأري".
بلغ الحمارُ قمّةَ ما بدا أنه آخر هضبة في العالم. وعندئذٍ رأوا مونتيبوتشيو. فتبسّم الرجل. كانت القرية باديةً للعيان بأكملها. قرية بيضاء صغيرة، منازل متلاصقة فوقَ أنفِ الجبلِ المطلّ على السكون العميق للمياه. لا بدّ أن هذا الحضور الإنسيّ المفاجئ وسط القفر الشاسع، قد بدا مضحكاً بعض الشيء في نظرِ الحمار، غير أنّ الحمار لم يضحك، وتابع طريقَه.
عندما حاذى البيوت الأولى عند أطراف القرية، غمغم الرجل في سرّه قائلاً: "إذا صادفتُ أحداً منهم وحاول منعي من المرور، فسأسحقه بقبضتي". وراحَ يُراقب، بيقظةٍ، كلّ عطفةٍ وركن وناصية. وسرعان ما عاوده اطمئنانه. لقد أحسن اختيار الوقت. ففي ساعة مماثلة تكون القرية غارقةً في سباتِ الموت. الطرقات مقفرة. المصاريعُ مغلقة. وحتّى ****** متوارية. إنها ساعة القيلولة ولو زلزلت الأرض لما خرجَ أحدٌ من بيته. إذ لطالما تردّدت في القرية خرافةٌ مفادها أنّ في ساعة مماثلة، ذات يوم، اجتاز رجلٌ كان قد تأخّر قليلاً في حقلِه، الساحةَ في وسط القرية. وما كاد أن يصلَ إلى فيء المنازل حتّى ذهبت الشمسِ بعقله. كأنّ أشعّتها ألهبت دماغَه. وكان أهل مونتيبوتشيو يؤمنون جميعاً بصحّة هذه الحكاية. إذ رسخ في أذهانهم أن اجتياز الساحة، على الرغم من ضيقِ مساحتها، في مثلِ تلك الساعة، يعرّض المرء للموت المحتّم.
كان الحمار وراكبُه يصعدان على مهلٍ ما كان لا يزال يُعرف آنذاك، أي في عام 1875، بشارع "نووفا" ـ والذي سيغدو فيما بعد "باحة غاريبالدي". وكان واضحاً أنّ راكب الحمار يعلم جيّداً إلى أين وجهته. لم يلمحه أحدٌ. ولم يصادف في طريقه حتّى قطة هزيلة من تلك القطط التي تتكاثر عادةً بين أقذارِ المجاري. لم يسعَ إلى إيقافِ حماره في الظلّ أو إلى الجلوس على أحد المقاعِد. كان يتابع تقدّمه. وعنادُه يزداد عناداً.
"لم يتغيّر شيء ههنا، غمغم في سرّه قائلاً. الأزقّة القذرة نفسها. وواجهات البيوت المتسخة نفسها".
في تلك الأثناء بالذات لمحه الأب زامبانيلّي. كاهن مونتيبوتشيو، الذي يناديه الجميع دون جورجيو، كان قد نسي كتابَ الصلاةِ خاصّته في عند قطعة الأرض الصغيرة الملاصقة للكنيسة والتي جعل منها جنينةٍ يزرع فيها أنواع البقول المختلفة. كان عمل فيها لساعتين عند الصباح وخطر بباله أنّه لا بدّ أن يكون نسيَ الكتاب هناك، بقربِ تخشيبة الأدوات، على كرسيّ الخشب حيث وضعه. خرج كما يخرجُ المرء في عزّ العاصفة، منكمشاً على نفسِه، مُطرِقاً، مُطبقاً أجفانه، مُصمّماً على إنجاز ما خرج لإنجازه بأسرع الممكن لكي لا يُعرّض جمجمته للقيظ الذي يسبّب الجنون. وهناك لمح الحمار وراكبه سالكين شارع "نووفا". جمد دون جورجيو هنيهاتٍ في مكانه، وبحركة عفوية ارتسم بشارة الصليب. ثمّ عاد أدراجه للاحتماء من الشمسِ وراء باب كنيسته الخشبي الضخم. وما يثير الاستغراب حقاً ليس كونه لم يفكّر في قرع الجرس تحذيراً أو مناداة الوافد المجهول وسؤاله عمّن يكون وما الغرض من مجيئه ( فالمسافرون نادرون ودون جورجيو يعرف أهل القرية واحداً واحداً وبالاسم)، بل إنّه، فور عودته إلى صومعته، نسيَ الأمرَ تماماً. استلقى على فراشه وغرق في سبات عميق خالٍ من أحلام القيلولة الصيفية. لقد ارتسم بشارة الصليب قُبالة ذاك الخيّال كأنّما يودّ أن يبدّد رؤية. لم يتعرّف دون جورجيو على لوتشيانو مَسْكالزوني. وكيف له أن يتعرّف عليه؟ إذ لم يبقَ في هيئة الرجلِ شيءٌ مما كانَ عليه في السابق. كان على مشارفِ الأربعين غير أنّ وجنتيه كانتا ضامرتين كوجنتي رجلٍ عجوز.
طافَ لوتشيانو مَسْكالزوني عبرَ أزقّة القرية القديمة النائمة. "لقد استغرق الأمر بعض الوقت، ولكنني عدتُ. هأنذا. ما زلتم غافلين عن ذلك لأنكم نيام. أسير بمحاذاة بيوتكم. وأعبر تحت نوافذكم. وأنتم غافلون عمّا يجري. هأنذا، لقد جئتُ طَلَباً للسَداد". طافَ في الأرجاء حتّى توقّف حماره. فجأة. كأنّ الدابة العجوز لطالما أدركت أنّ ههنا بيت القصيد، وأنها ههنا بلغت خاتمةَ كفاحها ضدّ سعير الشمس. توقّف الحمار أمام منزل آل بيسكوتي لا يحرّك ساكناً. فقفز الرجلُ عن ظهره برشاقة عجيبة وطرقَ الباب. "هأنذا هنا مجدداً، قال في سرّه. تبدّدت خمس عشرة سنة للتوّ". هنيهاتٌ كأنّها الأبد انقضت من دون جواب. فهمّ لوتشيانو بطرقِ الباب مرّة ثانية غير أنّ الباب فُتِحَ على مهل. أطلّت من صَدعهِ امرأةٌ على مشارف الأربعين، ولبثت واقفة أمامه. بالمبذل. راحت تتفرّس في وجهه من دون أن تنبس بكلمة. ولا ارتسم على وجهها أيّ ردّ فعل. لا خشية ولا بهجة ولا مفاجأة. كانت تحدّق مباشرةً في عينيه كأنّها تستعدّ لما قد يطرأ على الأثر. ولبث لوتشيانو لا يحرّك ساكناً. بدا كمن ينتظر بادرةً من المرأة الماثلة أمامه، إيماءةً ما، أو عبوساً أو تقطيب حاجبين. كان ينتظر وقد تيبّس جسمُه. "إذا حاولت أن تغلق الباب، قال في سرّه، أو إذا بدرت منها أي محاولة للتراجعِ، فلسوف أقفز مقتحماً الباب وأغتصبها". كان يفترسها بنظراته متأهباً لأي بادرة قد تحطّم الصمت المخيّم عليهما. "ما زالت أجمل مما كنت أتوقّع. لن أموت اليوم عبثاً". كان يتخيّل جسدها تحت المبذل، فتزداد شهوته استعاراً. لَبِثت صامتة. مُفسِحةً الماضي بأن يطفو مجدداً على صفحة الذاكرة. لقد تعرّفت إلى الرجل الماثلِ أمامها. ووجوده هنا، على عتبة دارها، هو بمثابة لغز لم تحاول حتّى أن تفسّره. فقط استسلمت لرياح الماضي تعصف بها مجدّداً. لوتشيانو مسكالزوني. إنه هو حتماً. بعد خمس عشرة سنة. كانت ترمقه بنظرات خالية من أي حقدٍ أو حب. تحدّقُ كمن يحدّقُ في قَدَرِه. هي مُلْكٌ له. ولا سبيل للممانعة. هي مُلْكٌ له مِن زمان. ولأنه عاد بعد خمس عشرة سنة وطرقَ بابَها، فسوفَ تبذلُ له المُرامَ مهما كان مرامَه. ستقول بلى خُذ، هنا، على العتبة، كلّ ما تشاء.
لكي تحطّم حاجز الصمت والجمود الذي أحاط بهما، أرخت يدها عن مقبض الباب. وكانت تلك بادرة منها كافية لإيقاظ لوتشيانو من ذهوله. إذ بات يقرأ في قسمات وجهها أنها هنا، وأنها ليست خائفة، وأنّه سينال منها ما يشتهي. فدخل مُسرعاً كأنّه لا يريدُ أن يُخلّفَ أي عطرٍ في الهواء.
كان رجل يكسوه الغبار والقذارة يدخلُ بيت آل بيسكوتي في ساعةٍ تحلم فيها السحالي بأنها أسماك، ولا تملك فيها الأحجارُ من يواسي وحدتها.
دخل لوتشيانو بيت آل بيسكوتي. وسيدفع حياته ثمناً لفعلته. كان يعلم ذلك جيّداً. يعلم أنه عندما سيغادر هذا المنزل يكون الناس قد عادوا إلى الطرقات، والحياة استأنفت مجراها بِسُنَنِها وصراعاتها، وأنّه سيدفع الثمن. يعلم أنّه سيتعرّفون إليه. وأنهم سيقتلونه. فالعودة إلى هذا المكان، إلى هذه القرية، والدخول إلى هذا البيت، هما أشبه بملاقاة الموت. لقد سبق له أن فكّر في كلّ هذا. واختار أن يصل في مثل تلك الساعة من قيظ النهار حيث حتّى القطط تعمى من وهجِ الشمس، لأنه يعلم يقيناً أنه لن يبلغ الساحة لو كان الناس منتشرين في الطرقات. يعلم ذلك جيّداً ولم يُثنِه يقين الفاجعة عن مرامه. دخلَ البيت.
استغرقه اعتياد العتمة الغالبة في الأرجاء بعض الوقت. كانت توليه ظهرها. فتبعها سالكاً ممشى بدا أنه لن ينتهي. ثمّ بلغا حجرة ضيّقة. لا أثر لصوت من حولهما. وبدت له طراوة الجدران أشبه بلمسة منعشة. فاحتضنها عندئذٍ بين ذراعيه. فأقامت على صمتها. نزع عنها ملابسها. وعندما شاهدها عارية، على هذا النحو، أمامه، لم يستطع إلاّ أن يهمسَ قائلاً: "فيلومينا..." سرت رعدةٌ في جسمها. ولم يُعرها بالاً. كان في أوجِ شهوته. مُنصرفاً إلى فعلته التي طالما أقسم أنّه لفاعُلها ذات يوم. كان يحيا اللحظة التي طالما تخيّلها. خمس عشرة سنة وهو نزيل السجن لا يفكّر إلاّ في هذا. ولطالما اعتقد أنه حالما ينزع عن هذه المرأة ملابسها، سوف تستبدّ به نشوةٌ هي أحرّ من نشوة الأجساد. نشوة الثأر. غير أنه كان مخطئاً. فلم يكن ثَمَّ ثأرٌ. لم يكن سوى ثديين ثقيلين في راحةِ يديه. لم يكن سوى عطر امرأة يغمره من كلّ صوبٍ، مُسكِر ودافئ. كم اشتهى هذه اللحظة التي يغرقُ الآن في لجّتها، ويستسلمُ لخَدَرِها غافلاً عن العالم، غافلاً عن الشمس، وعن الثأر وعن نظرة القرية الحاقدة.
عندما ولجها فوق ملاءات السرير الكبير الباردة، أنّت كعذراء، باسمةً بذهولٍ ونشوة، مُستسْلِمةً من دون تمنّع.
***
لطالما اشتُهِرَ لوتشيانو مسكالزوني، كما يقولُ أهلُ الناحيةِ، تُفّاً، بأنّه "شقيّ". وكان يتعيّشُ بالنهبِ وسرقة المواشي وسلبِ المسافرين. وقد يكون أزهقَ أرواحاً بائسةً على دروبِ غارغانو، غير أنّ الأمرَ غير مؤكّد. رُويَت عنه أخبارٌ كثيرة لا سبيل للتحقّق من صحّتها. لكنّ المؤكّد هو أنّه انغمسَ في "حياة السوء"، وأنّ السلامةَ تقضي بالابتعادِ عن طريقه.
أوان مجده، أي لمّا بلغت به سيرة الخِسّة أوجها، كان يتردّد على مونتيبيتشيو. لم يكن من أهلِ القرية، لكنّه شُغِفَ بالمكان وراح يقضي فيه معظم أوقاته. وهناك التقى فيلومينا بيسكوتي. وغدت الفتاة التي تنتمي إلى أسرةٍ متواضعة، ولكن كريمة، أشبه بالهاجسِ لديه. كان يعلم حقّ العلم أنّ سُمعتَه تحول دون الأملِ، مجرّد الأمل، في أن يحظى بها، فإذا به يزداد اشتهاءً لها كما قد يشتهي أهل الخِسّة امرأة. أن يحظى بها ولو لليلة واحدة: كانت تلك الخاطرةُ تضفي البريقَ على نظراته في ضياء العَصريّات الحارة. غير أنّ القَدَر حالَ دون تمام رغبته الفجّة تلك. فذاتَ صباح عاديّ طوّقه خمسةٌ من رجال الشرطة في النُزل الذي كان يقيم فيه. واقتيد على الفور. ثمّ حكم عليه بالسجن لمدّة خمس عشرة سنة. ولم تلبث مونتيبيتشيو أن نسيته، سعيدةً لتخلّصها، أخيراً، من طينة الأوباش هذه التي تحاصرُ بنات الناحيةِ بنظراتها السقيمة.
وجد لوتشيانو مسكالزوني في فترة السجن متسعاً للتأمّل في مجرى حياته السابقة. لقد صرفها في أعمال لصوصيّة تافهة. والمحصّلة ؟ لا شيء. ما الذي خَبِره في حياته قد يكون له ذكرى في أيام سجنه؟ لا شيء. حياة بأكملها انقضت عَبَثاً ولأغراضٍ عابثة. لم يصبُ خلالها إلى شيء، ولم يؤلمه فوات شيء، لأنّه لم يسعَ يوماً وراء شيء. وتدريجاً، مع مرور الوقت، تراءى له، في صحراء الضجرِ التي صارَ إليها وجوده، أن اشتياقه لفيلومينا بيسكوتي هو الخلاصُ لما تبقّى. وعندما كانت تسري ببدنه رعشةٌ وهو يتبعها على طرقات القرية، كان يشعر بأنه يحيا حتّى الاختناق. وكان في ذلك العِوَضَ الذي يغني عمّا تبقّى. لذا، بلى، عاهد نفسَه أنّه، فور خروجه من السجن، سوف يسعى لإشباعِ رغبته العنيفة تلك، الرغبة الوحيدة التي لم يعرف يوماً سواها. ومهما كان الثمن. أن يحظى بفيلومينا بيسكوتي، وبعدها سيّان أن يموت. أمّا ما تبقّى، كلّ ما تبقّى، فلا يعنيه بشيء على الإطلاق