المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : من ماسينيسا إلى القذافي


Nader
08/03/2006, 12:53 AM
جنيف- 20 فبراير 2006 م

تحت العنوان أعلاه نشرت مجلة ديفا انترناشيونال Diva International )) مقالاً مطولاً للكاتبة والمؤرخة أوريل فانتيل تناولت فيه الإنجازات التي تحققت في ليبيا منذ قيام ثورة الفاتح العظيم عام 1969 م ، وقالت الكاتبة :-


انطباعات بعد العودة من سفر إلى ليبيا (*)

من ماسينيسا إلى القذافي:




التاريخ، كما كتبه رجالات من أمثال سيزر بونزانا ماركيز دو بيكاريا فقال عنه: "إنه بحر يعج بالأخطاء ترى فيه بعض الحقائق المجهولة المعالم تطفو هنا وهناك"، يدعونا لإعادة النظر باستمرار فيما نراه يقينا. ومن هذا المنطلق، فقد طلبت السيدة إيستيل غيتا من السيدة أوديل فاتيل-دو كْروازون الحديث عن التاريخ، وهي أستاذة التاريخ ودكتورة في الأدب والعلوم الإنسانية (باريس)، عند عودتها من سفرها إلى ليبيا.

طرابلس الغرب (المنطقة الغربية من ليبيا)، عاصمتها أويا (طرابلس) تزخر بآثار مذهلة خلفتها الحضارة الرومانية التي بدأت في زمن حرب قرطاج الثانية وبلغت أوجها تحت حكم الإمبراطور "الأفريقي" سبتيميوس سفيروس (211-193 بعد الميلاد)، وأصله من لبتيس مانيا. وقد كانت هذه المدينة الواقعة في سرت الصغرى ملجأً لأقلّيد المازيلي العظيم، ماسينيسا، ما بين 205 و203 (قبل الميلاد)، وذلك بعد فوز خصمه ماسايسول سيفاقس، الملك القوي الذي كان يحكم المغرب شرقا وثلثي الجزائر الحاليتين. وقد قام هذا الأخير بفرض سيطرته بضمّه منطقة سرت (قسنطينة). وقد مكّن لجوء ماسينيسا إلى ليبيا من ترسيخ تحالف الأقلّيد مع الرومان، عند نهاية حرب قرطاج الثانية، فحقق المازيلي بذلك ثأرا كاسحا سنة 203، فاستعاد سرت ودمّر المملكة الماسايسولية. ومن ثمّ أصبح ماسينيسا سيد سائر الأقاليم الممتدة من موريتانيا (المغرب) إلى المقاطعة البونيقية في قرطاج، وهي تمثل المنطقة الممتدة من الشرق الجزائري إلى الغرب التونسي.

وإذا كان للرومان، وبوجه خاص سبيون "الأفريقي"، دورا لا يستهان به في تحقيق هذا الثأر، فإن الفضل يعود بالدرجة الأولى إلى بطله الرئيسي ماسينيسا: لقد دخل سرت منتصرا في عام 203 واستعاد مقاليد الحكم الذي كانت تمارسه عائلته طيلة أربعة أجيال على الأقل. وفي عام 220 قبل الميلاد كان أبوه، غايا، قد استولى على هذا الإقليم الذي كان يسيطر عليه البونيقيّون وذلك قبل أن يتحالف مع قرطاج ضد سيفاقس في عام 213. وكان ماسينيسا في 212-206 قد حارب شخصيا إلى جانب القرطاجيّين ضد الرومان في أسبانيا. وفور عودته إلى أفريقيا نهائياً عام 206، لم يكف عن المطالبة بحقوقه في استرجاع السلطة التي كان يملكها والده، الذي توفي دون شك في ذلك العام، وقد ضاعف ماسينيسا مساعيه للنهوض بإقليم بربري أراده موحّدا ومستقلا. ومن ثمّ، تحالف في خريف 206 مع باغا، ملك المغاربة، وفي الفترة الممتدة من 200 إلى 193، شرع في عزو البلاد الماسايسولية بعد إقامة الدولة المازيلية ليكون صاحب الحل والعقد فأخضع الإقليم البربري لسيطرته المطلقة. ومن 174 إلى 150، شكلت المدن البونيقية (امبوريا) إلى جانب إقليم قرطاج آخر أقطاب طموحه لولا أن الرومان وضعوا حدا لأطماعه التوسّعية في عام 148 الذي شهد وفاة الأقلّيد وقد بلغ من العمر 90 عاماً!

وكان ماسينيسا حاكما فريدا من نوعه. كان ملتحيا وذا شعر وافر كما يظهر على القطع النقدية التي تحمل صورته. وكان شديد التحمل فظل يحارب ممتطيا جواده طوال النهار رغم بلوغه 85 عاما. وعُرف بشخصيته المليئة بالمفارقات، فكان يزاوج بين السلوك الأصيل لقائد القبائل وأبّهة ملوك الإغريق ويتكلّم اللغتين اللاتينية والإغريقية. ولم يكن المغرب على مقربة من تأسيس أمة حرّة وحضارة مستقلة إلا في ظل حكمه. فحسب المؤرخ تيتوس ليفوس كان ماسينيسا أيضاً يكره الفينيقيين والرومانيين على حد سواء وكان يتمنى أن تبقى "أفريقيا للأفريقيين". وأما المؤرخ سترابون فأكد بدوره أن ماسينيسا "جعل البربر يمارسون الزراعة ويعتنقون الحضارة". وأما الرومان فقالوا إنها حضارة "نوميدية". و"نوميدا" مصطلح لاتيني لا يوجد ضمن أسماء العَلم البربرية، ويمكن أن يدلّ على درجة التطور التي بلغتها الدولة التي أسسها ماسينيسا، وهو سعي ناجح توافقت فيه الحضارة البربرية والتقليد الممارس في الدولة القرطاجية. ويرجع الفضل الكبير لماسينيسا الذي استطاع إدماج شعب من البدو الرحّل في دولة عصرية بفضل الاستيطان. ومن الإنجازات الاستثنائية في أثناء فترة حكمه الإدارة والضرائب والدبلوماسية والتخطيط العمراني. وأما "الثورة السياسية" فتمثلت في فرض دولة نوميدية مستدامة ارتكزت على ميزانية موّلتها موارد منتظمة ودولة مدعَّمة بجهاز دبلوماسي وجيش وأسطول بحري دائميْن. وفيما يخص "الثورة الاقتصادية" فتجسدت في الاستعاضة عن نمط البداوة والرعي بالزراعة وكذلك بحماية المزارعين من هجمات البدو؛ وأخيرا "الثورة الثقافية" التي أدخلت الأحرف الفينيقية وشجّعت ظهور الكتابة "الليبية". وشكلت عبادة الأشخاص وحب الذات جزءا من النظام السياسي آنذاك، حتى إن ماسينيسا نسب لنفسه صفة الألوهية فاستحدث عبادة لسلالته الحاكمة اقتبسها من النموذج الإغريقي. وكان يطمع في توريث العرش لأولاده (فالتاريخ ينسب له 44 ولدا!): وهو أمر يتنافى والعرف الرحِمي الذكوري المعمول به عند المازيليّين. وبدأ الرومان الذين كانوا متخوّفين من قيام "إمبراطورية بربرية"، التخطيط لتمزيق وحدة هذه المملكة منذ عام 148 قبل الميلاد. فقد كان سيبيون إيميليان، ابن بولس إيميل، المنهزم في مدينة كان، الذي تبناه سيبيون الأفريقي، هو الذي قضى على نوميديا المازيليّين، حيث إنه استطاع أن يقسّم بين ثلاثة من أولاد الأقلّيد ماسينيسا السلطة العظيمة التي تركها أبوهم. لقد أصبحت نوميديا مقاطعة "تابعة" لسلطة روما أثناء حكم ميسيبسن (148-118)، وهو أحد أحفاد ماسينيسا. وكانت الحملات الحربية الفاشلة التي شنّها هذا الأخير وسعى من خلالها إلى فرض سلطة الدولة المازيلية الموحدة سبباً لنزاع مسدود ضد روما لم يحقق له ما كان يرمي إليه (112-105). وهذا ما جعل ستيفان غْسال يقول إن المنطقة المغاربية لم تشهد، بعد ماسينيسا، أقليدا آخراً تجسدت فيه تلك الصفات الاستثنائية التي ميزت هذا الأخير: "فمن بين الملوك الذين حكموا الإقليم البربري أمثال يوسف بن تاشفين المرابط، وعبد المؤمن الموحِّد، والشريف مولاي إسماعيل المغربي، كان أعظمهم على الإطلاق رغم الصفات المشتركة الكثيرة التي كانت تجمع بينهم... "(تاريخ شمال أفريقيا، باريس، 1913-1928).

ونرى شخصيا أنه يمكن إدراج معمر القذافي ضمن سلالة ماسينيسا ذلك الزعيم ورئيس الدولة الفذ، علما بأن الرأي العام قد لا يفهم ما أقوله لكونه لا يعرف الكثير عن ليبيا. فقد مكّنتنا زيارة قمت بها إلى ليبيا مؤخرا، بصفتي مرافقة لمنظمة جامعية معنية بالنهوض بعلم الآثار في بلدان بحر الأبيض المتوسط، من مشاهدة الجوانب الإيجابية لبرنامج "الجماهيرية" تحت حكم السيد القذافي والتي غالبا ما يجهلها الكثيرون.

فقد أسست دولة الجماهير الليبية (الجماهيرية) بعد "الثورة المخملية" التي انطلقت مسيرتها عام 1969، والتي قام من خلالها السيد القذافي، وهو أحد ضباط مجلس قيادة الثورة، بالإطاحة بنظام الملك إدريس
(1969-1951) دون إراقة للدماء.

السيد القذافي من مواليد 1942، من عائلة بدوية رحّالة في منطقة سرت التي أمضى فيها جزءا من دراسته الابتدائية والثانوية، فتبلورت طموحاته السياسية لبلاده متأثرا بالفكر الناصري. وبعبارة أخرى فقد تبنى نهج عدم الانحياز ونبذ الشيوعية والتزام النخوة الإسلامية (بعيدا عن التطرف الإسلامي)، فهي القيم الأولية التي اعتنقها الزعيم. وفي الفترة ما بين 1969 و1978 بدأ في تنفيذ مشروع سياسي أضفى عليه صبغة شخصية نأى من خلاله بشكل واضح عن النموذج البرلماني التقليدي وأطلق عليه اسم "الجماهيرية". وهذا البرنامج السياسي يشبه إلى حد ما، في كثير من جوانبه، ما أنجزه ماسينيسا. وقد عُرضت تفاصيل هذا البرنامج في كتاب صغير جاء في ثلاثة أجزاء بعنوان "الكتاب الأخضر" وحُرّر في الفترة ما بين 1969 إلى 1978. ومن ضمن أبرز الأهداف التي أكد عليها الزعيم وسُطّرت في هذا البرنامج النهوض بالبلدان العربية بغية تزويد الأمة العربية بإمكانات القضاء على الهيمنة الغربية باعتبار أن مسألة بعث وحدة العالم العربي لا تتجزأ من الإسلام.

وأما الجزئية الثانية لسياسة "الجماهيرية" فقامت على ذلك النداء المؤثر الذي رفع شعار مشروع الوحدة العربية بإشراك الجماهير الشعبية والذي أُعلن عنه في خطاب زوارة في 15 أبريل 1973. وبعد وحدة "الجمهورية العربية الموحدة " بين ليبيا ومصر وسوريا التي لم تعمّر إلا قليلا (1971-1973)، أُسّست الجمهورية العربية الإسلامية بين ليبيا وتونس عام 1974، ثم تلتها تجمعات مثل الوحدة السورية الليبية عام 1980، فالوحدة الليبية التشادية في 1981، وتبعتها معاهدات الصداقة والوئام التونسية الجزائرية والوحدة العربية الأفريقية مع المغرب في 1983. وعرفت مشاريع الوحدة الإقليمية هذه مصائر مختلفة، ولكنها دامت إلى زمن ليس ببعيد وتميزت بنفس الصبغة الطوعية: اتحاد المغرب العربي عام 1989، وميثاق الاندماج السوداني-الليبي عام 1990، وتجمع دول الساحل والصحراء الإحدى عشرة (كوميسا) عام 1998. وفي الأخير، أطلق منذ يوليو 2000 مشروع الوحدة الأفريقية الذي نادى به السيد القذافي، ويأتي ذلك ليذكرنا بطموحات ماسينيسا الذي كان يدافع عن "أفريقيا للأفارقة".

وأما الشق الثالث في سياسة الجماهيرية فيظل، بلا أدنى شك، النجاح الذي حققته في المجال الاقتصادي. وتبقى ليبيا، من بين الدول الأفريقية الصحراوية، الأكثر تقدّماً اقتصادياً بفضل الذهب الأسود (النفط) وسياسة المشاريع الكبرى (النهر الصناعي العظيم) إلى جانب زراعة الحبوب في الصحراء، وهي إنجازات شبيهة بتلك التي نتجت عن سياسة الاستيطان التي طبقها ماسينيسا. واعتمد كل من السيد القذافي والأقلّيد المازيلي (القرن الثالث قبل الميلاد) على أسطورة "البداوة" للمّ شمل دولتيهما وتقويتهما. وقد أعيد تأهيل النمط المعيشي القبلي الذي أصبح ذا طابع مؤسّسي بعد ثورة 1969. فمن المعلوم أنه بعد الحرب العالمية الثانية كان ربع الليبيين فقط يعيشون في الخيام (وفي 1965: واحد من عشرة)، ولكن الزعيم القذافي رفع من شأن هذا النمط القبلي للبدو وأعاد له الاعتبار (اتخذ من خيمة منصوبة في طرابلس إقامة له) فأشاد "بمحاسن القبيلة" في كتابه الأخضر (الصفحة 74) وعزّز التنمية الاقتصادية من خلال رأسمالية المحاباة. وساهمت أسطورة "البداوة"، بجانب مداخيل النفط، في "إقلاع" الاقتصاد الليبي منذ عام 1986 وأما الإنجازات التي حققتها ليبيا في مجالات مثل الاستيطان، وإعادة هيكلة التهيئة العمرانية، والإصلاح الزراعي في منطقة فزان، والمستوى المعيشي للمواطنين الليبيين الذي يفوق بعشر مرات المستوى المعيشي للجزائريين، وهي معطيات تضع ليبيا في خانة نادي الامتيازات الضيق لدول الخليج وهي أيضا شواهد على النجاح الذي حُقق للتوفيق بين الحياة البدوية الأصيلة واقتصاد السوق.

ليس من الضروري المبالغة في الربط بين الأهداف والسياسات التي رمى إليها كل من القذافي وماسينيسا، لأننا إذا فعلنا ذلك فإننا سنقع بشكل واضح في مغبة المغالطات التاريخية؛ ورغم ذلك فإن أوجه التشابه بين الشخصين في بعض النقاط تظل مثيرة جدا: الأصول العرقية للرَّجلين، اعتقادهما بأن "أفريقيا ملك للأفارقة"، إلى جانب إصرارهما المتمثل في لمّ شمل البربر في إطار دولة موحَّدة ذات طابع جهويّ. ويبدو أن العقبات التي واجهت رئيسي الدولتين في إنجاز مشروعيهما ارتبطت بالتضاريس التي تتميّز بها أقاليم شمال أفريقيا: وإذا كان يبدو للوهلة الأولى أن الاتجاه الذي تأخذه هذه التضاريس من الشرق إلى الغرب يعمل على تشجيع الاتصالات بين مختلف المناطق، فإن الإقليم البربري يبقى منطقة عبور بدون قطب موحِّد: المنطقة الغربية تنظر باتجاه المحيط الأطلسي والمنطقة الشرقية متّجهة شرق البحر الأبيض المتوسط، وأما المنطقة الخلفية للبلاد فهي مكونّة من هضاب عليا وسهوب معزولة. أما المنطقة الوحيدة التي ظلّت سهلة المنفذ فهي الشريط الساحلي. ولا ننسى المسافة التي تفصل بين طنجة وقرطاج والتي تبلغ ألفا وخمسمائة كيلومتر. وفي ظروف كهذه نتفهّم بشكل أفضل كيف أن حلما شرعيا لوحدة سياسية قوية للمّ شمل الإقليم البربري بقي، إلى حد ما، مشروعا طوبويا منذ القدم.

"القبيلة هي الأسرة بعد أن كبرت نتيجة التوالد..إذن القبيلة هي أسرة كبيرة . والأمة هي القبيلة بعد أن كبرت نتيجة التوالد .. إذن الأمة هي قبيلة كبيرة..."

"فوائد القبيلة : من حيث كون القبيلة أسرة كبيرة ، إذن هي توفر لأفرادها ما توفره الأسرة لأفرادها أيضاً من منافع مادية ومزايا اجتماعية . فالقبيلة هي أسرة من الدرجة الثانية... والقبيلة مظلة اجتماعية طبيعية للضمان الاجتماعي ، فهي توفر لأفرادها بحكم التقاليـد القبليـة الاجتماعيـة ديـة جماعية وغرامة جماعية وثأراً جماعياً ودفاعاً جماعياً ، أي حماية اجتماعية …" (السيد القذافي، الكتاب الأخضر)

أوديل فاتيل-دو كروازون

أستاذة التاريخ؛ حائزة دكتوراه في الآداب والعلوم الإنسانية؛ رئيسة "الجمعية الدولية من أوروبا وأوروبا"، في باريس. وهي أستاذة في مدرسة "أولم" العليا للمعلمين بباريس ..

ومن مؤلفاتها كتاب "السياسة الإغريقية" (1999) وكتاب "السياسة الرومانية" (2000) وكتاب "الأطلس الصغير للتاريخ الروماني القديم" (أعيد نشره عام 2000).

(*): مقال نشر في مجلة ديفا إنترناشنل العدد 23 - إصدار يناير/فبراير 2006.
مجلة ديفا إنترناشنل تصدر في جنيف ومقرها النادي السويسري للصحافة وتعنى بنشر أخبار هامة ومتنوعة عن منظومة الأمم المتحدة وتجري حوارات مع شخصيات مرموقة تعمل في المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية وتكتب عن شخصيات تاريخية كما تهتم بقضايا المرأة والسلام في العالم والمؤسسات الخيرية وكل ما يطرأ في المناسبات والمحافل الدولية.
صحري


منقول