المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : على الشرفة ( الظلم ظلمات) قصة قصيرة للأخ / علي الشيادي


عماني و افتخر
07/03/2006, 12:19 PM
إخوتي أحبتي

و هذه إطلالة أخرى على كتابات الأخ الفاضل / علي بن طالب بن زايد الشيادي

لكنها الآن قصة قصيرة و جميلة تحمل عنوان ( على الشرفه - الظلم ظلمات )
فإليكم القصة ....

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـ

بسم الله الرحمن الرحيم


على الشرفة

في ليلة قمراء مضيئة .. و على عتبات تلك الشرفة المرتفعة .. المطلة على الشاطئ الأزرق ، في أعلى بيته الضخم القديم .. جلس مع نفسه يسرد عليها القصص، و يستعيد الذكريات، و يسترسل معها في حديث صامت، و يسترجع صفحات ماضيه الغابر، و هو يرقب تشكيلة العقد اللؤلؤي السماوي، الذي كان البدر واسطته، و النجوم حلقته.
إذا بصوت ندي يحرك سكون الليل الهادئ، و يفسد صمت النجوم، و يقطع حبل الأفكار و شريط الذكريات، ليتتبع مصدر هذا الصوت الذي انبعث من دهليز بيته، فإذا هو بابنه الأصغر يحمل ابنته ذات الربيع الواحد، فيهرع إليه مهرولا، يلتقط النفس تلو الآخر: ماذا جرى يا بني ؟ هل من مكروه –لا قدر الله-؟ هل من...
فيرد الابن مقاطعا: على رسلك يا أبي، فإنك مرهق من عمل اليوم، فلا تجهد نفسك، و لتعتن بصحتك، فكل شيء على ما يرام.
- و لكن ما بال الطفلة تصرخ هكذا ؟*
- لا أدري يا أبي، هكذا هبّت من رقدتها الهانئة، فأفزعتنا معها كما أفزعتك، و لكن اهدأ يا أبي فكل شيء سيكون بخير، سآخذها إلى المشفى القريب.
و في تلك الأثناء، نظر الأب إلى أعلى مرة أخرى، فإذا بشهاب يهوي من السماء، و القمر في ليلة النصف من ذلك الشهر، فجرت دمعتين من عينيه على وجنتيه، فقال الابن: لا تبك يا أبت فالبنت بخير و الحمد لله.
و الطفلة يعلو صراخها ، و يزداد ضجيج صوتها الشجي ، الذي مزج بين هدوء الليل و صداح البلابل ، فيرد الأب بصوت حزين اختلط بالنشيج : لا يا بني ، و الله ما هذا الذي أبكاني .. بل ذلك الماضي الأسود.. الملطخ بتلك الدماء الزكية، من تلك الأرواح الطاهرة، هو ما أبكاني حقا، ذلك الماضي الذي علمني كيف أنزوي وحيدا على تلك الشرفة العالية.
و استرسل يروي لابنه مجريات أحد تلك الحوادث المأسوية المؤلمة، حين كان في رحلته التجارية المعتادة، على متن سفينته الشامخة، في ليلة كليلتنا هذه، و في عز منامه، إذا به يستيقظ على صرخة بريئة من طفلة يتيمة - توفيت أمها في قصره المنيع، حيث كانت تعمل خادمة له و لأبنائه و لأزواجه الثلاث، حين أرهقها العمل الشاق، فأصيبت بجلطة دماغية، و تصلب في الشرايين، و انقباض في عضلة القلب، مما أودى بحياتها هنالك – و قد خرج بها أبوها مع شقيقها - الذي يكبرها بعامين - في رحلتهم هذه ليكسب ما يقتات به و إياهما، و كانت هي في حينها لم تكمل الحولين بعد.
و لم ينتبه أب الطفلين إلا على نهرة و جلدة من خيزران صاحبنا هذا: أسكت ابنتك، فقد أفسدت عليّ نومي. فما تمالك ذلك المسكين أن رد مقاطعا بصوت متحشرج: و لكن يا عم...
لكنه لم يدعه ليكمل حديثه، حتى رفع عصاه عاليا، و هوى بها على ظهره، و هو يقول ( بصوت أوقظ كل من كان معه على ظهر تلك السفينة ) : اخرس ، و إلا رميت بها في عمق هذا البحر المظلم .
و لكن الطفلة المسكينة، تكالب عليها فزعها الذي صرخت به، و خوفها من وحشية هذا الجبار، فزاد صراخها، و علا أنينها، و زاد خوف أبيها من جور ظالم متغطرس عليه و عليها، و إذا به يجر أثواب كبريائه إليها، و يقف بحماقة عمياء، و يمسك بها من إحدى قدميها الصغيرتين، و أبوها يتوسله بألا يفعل ما أراد، و يقول: إني أترجاك أن ترحمها، إنها يتيمة.. إنها مسكينة، ليس لها ذنب. ثم أردف قائلا: ارمني بدلا منها، و دعها هي تعيش حياتها.
و لكن غطرسته قد صمت أذنيه، و غلفت قلبه المتحجر، و حالت دون ما قيل له، و أبت إلا أن يفعل ما هو أدهى و أمر... فقد ألقى بها بطول ذراعه بكل جبروت، و تلك الطفلة المسكينة تصرخ و تصرخ، و كأن لسان حالها يقول: الظلم ظلمات.. الظلم ظلمات..
و لم يملك أبوها المكلوم، إلا أن ضم أخيها إلى صدره، و أخذ في البكاء و العويل، و يدعو ربه: اللهم إني مغلوب فانتصر، اللهم خذه أخذ عزيز مقتدر، اللهم انتقم لي منه يا الله..و ما كان من ذلك الظالم إلا أن استل سكينه المسمومة، و طعنه بها في قلبه العاطر، ثم رمى به هو كذلك و هو يصارع كربات الموت، و الطاغية يقول ساخرا بكبريائه: اتبع ابنتك.. اتبع ابنتك.ثم ارتسمت ابتسامة وردية على محيا ذلك الفقير المسكين، و بقي ابنه يصرخ وحيدا بين يدي ظالم متغطرس، غير دار بما يدور حوله، إلى أن لحقه ما لحق أخته و أبيه فقضى ذلك الجبار على الأب و طفليه.
و كان لا يزال يسرد قصته على ولده، و طفلته تزداد ألما و صراخا، ثم سكت برهة، و هطلت عيناه سيلا من الدموع، هنالك رد الابن في شوق لمعرفة باقي الأحداث: و ماذا بعد يا أبي ؟*. و كان قد نكس رأسه و هو يتنشج و يبكي، ثم رفعه و قال: و ماذا بعد *؟؟. ما إن صرفت بصري عن جثة ذلك المظلوم و طفليه، إلا أفاجأ بصوت أشنع و أرعب، و دوي قوي جدا، فإن الله قريب، يجيب دعوة الداع إذا دعاه، و ليس بين دعوة المظلوم و بينه حجاب، لينتقم من الظلمة أمثالي، و ما هي إلا دعوة ذلك المسكين، الذي ظلمته مع زوجة و طفلين، فقد ارتطمت سفينتي بكتلة صخرية صماء كبيرة بالقرب من جزيرة في وسط البحر، و تحطم منها ما تحطم، و غرق فيها من غرق، و كانت بيدي شعلة أستضيء بها، فسقطت من يدي على سطح السفينة، فاحترق ما بقي منها.
قفزت بعدها من تلك السفينة، أو أقصد بقايا تلك السفينة المشئومة، لأفر بجلدي، و أنجو بحياتي، فأمسكت بقطعة خشبية من حطام سفينتي، إلى أن شاءت العناية الربانية أن يمر أحد الصيادون فينقذني و يأخذني و من نجا معي إلى بر الأمان.
و ذهبت السفينة، و ذهبت البضاعة، و ذهبت الكبرياء، و عدت إلى بيتي خاوي اليدين، بدعوة مظلوم مقتول، و من يومها و أنا أدفع ثمن ذلك الظلم و تلك الجبروت، و لم أفلح في شيء بعدها، فقد انتقم الله تعالى لذلك الرجل مني إذ فوض أمره إليه.
و قد احمر وجهه من الندم، و ابيضت عيناه من الدمع، ثم أخذ الطفلة من يد أبيها، و كانت أنفاسه تتسارع من كثرة البكاء، فقال لولده: دعني أنا آخذها إلى المستشفى، فلا زلت أدفع ثمن ظلمي للناس و كبريائي عليهم. و بعد حين خرج بها مسرعا، و ما إن و صل ردهة باب المستشفى إلا و قد هدأ صراخ البنت، و انطفأ بريق عينيها، و خفتت أنفاسها، و سقطت صريعة بين يديه، فشهق شهقة، سقط على إثرها مغشيا عليه، و تصلبت شرايينه فمات من ساعتها في مرضه ذلك، فيال بؤس النهاية.

تمت
علي بن طالب بن زايد الشيادي

ورود الشوق
07/03/2006, 12:34 PM
ينقل للسبلة الثقافية

عماني و افتخر
09/03/2006, 06:00 PM
ما شاء الله